 أقلام ثقافية

أخر كلمات راهب الفكر إسماعيل المير سليمان

مصطفى غالب مهتديزرت قفص ألمه وفكره المقيد بالانكسارات والخيبات التي لاحقت أعماله فسرقها من تأمل خيرهم ..وأحبطه غدرهم ...رافقته منذ وعيت على دروب الطفولة والشقاوة ..

زرته.. وقبيل أن يتركنا أنا ووجعه وحيدين في مساحات من الذكريات ..

سألته: ألا تقول لي كلماتك الأخيرة ؟؟!!

أجابني: حلقي من ولادتي وحتى رحيلي يغصُّ بكلماتي الأولى ..فكيف بكلماتي الأخيرة ..كيف؟!!

قلت: قلها وامضِ إلى عالمٍ نتمناه أنا وأنت أن يكون أجمل من عالمنا وأنقى .. قلها يا أبتي وامضِ ..

قال: كلماتي الأخيرة هي سبع كلمات .. اثنتان من بكاء وحنين .. وخمس من فرح وحياة

قلت: لمن ستقولها يا أبتي؟؟!!

قال: لأحبائي ...

الأولى: ل.. (رابعة السلمونية).. التي عبرت ياسمينةً من بِشْر ٍ وطفولة

قلت له: قلها يا أبتي قلها !!

قال: يا قطعة من كبدي وألمي ..بكيتك ..منذ خلقك الوعد في خاطري ...نسمة من بوح العطر والانتظار.. إلى أن حملتك فراشات الروح إلى عالم الطفولة والوجع والنسيان ..بكيتك ...حتى الضحك ...أنت التي من كفيك خرجت الشمس كي تشرق كل صباح وتقعد أمامي قبل نهوضي من يقظتي ..و تقول: (أنت أبي ... وأنا الحلم الشارد من قطيع انتظارك إلى مراعي النجوم ..و سهول الفرح التي لم تعتدها عيناك ..أنت أبي .. أسألك عن أمي الصابرة التي طهرتني بدموعها وصلاتها وبكائها .. وبشفاعة ألمها ووجعها توجتني أميرة في الفردوس .. أمي هذه ما هي أخبارها يا أبي؟

. أنت أبي ..اشتقت إليك في عالم من نور الأشياء التي تحيط كليتي بكليتها ...اشتقت لحنانك الذي انتظرته كثيراً .. وقد آن يا أبي أن يضمنا معاً على حافة التراب والتجلي)

و الثانية:ل.. (مصطفى غالب) ...شقيق الروح المتصدعة على سلم الأمنيات

بكيتك ..منذ نقشنا أحلامنا على جلود الحقيقة ..و ذهبنا معاً صوب الألم والانكسارات والهجرة أنت لخارجك وأنا لداخلي ..غربة لا تعرف إلا عهرها القاسي لحدّ الذبح ...

بكيتك ..ثلاثة أجيال من ضياع ..و كلما أمسكت قلم الروح لأكتب ..تطفر ضحكتك الجادة ..كقبَّرة من عناقيد كروم بري الشرقي التي تصيدنا في براريها عصافير أحلامنا ..فلاحقتنا قبل أن نلاحقها ...لتركض أمام طفولتنا قبل أن تكبر في كأس نبيذ من العشق السرمدي للحقيقة واللعب والحلم ...

بكيتك .. وأنا نقيضك وتوأمك الذي لم تلده أمك التي أرضعتنا القوة والتضحية والشقاء المعرفي.... بكيتك وأنا شقيق روحك التي تجمهرت لتسمي الأشياء بأسمائها وذواتها ...

بكيتك .. وأنت ورقي وحبري وقلمي ..و حين تهاويتَ إلى سمائك ...أحرقتُ الورق ..و أرقت الحبر ..و كسرت القلم ..و لم أكتب سوى اسمك روحاً لي ..بكيتك ..و البكاء سفينة شوقي للرحيل إليك عبر مساحات شاسعة اغتربناها معاً ..و حنيني إليك واسع كسهول من ألم وبكاء

بكيتك ... وها أنت السبَّاق للتحدي تدعوني إلى وليمة الموت كي نكون معاً .. نرسم أحلام المعذبين ..و نقهر سياط الجهل بغربتنا ووحشتنا وحنيننا للارتقاء معا إلى جنة من صنع الإنسان نزورها بأجنحة الفكر والموت

الثالثة:ل.. (مريم) بقلم الشاعر: مهتدي مصطفى غالب

عجينة روحي التي أحرقتها بوجعي فتألقت زهرة خلود في حياتي

أنت رغيف الطهارة الذي يغسلني كل صباح ومساء من أخطائي وخطيئاتي ...

أنت يا من بكينا معا الراحلين من ضلوعنا نحو التراب والتألق .. وعزفنا معاً على أوتار السؤال وصراخنا المكتوم شوقاً لأريجهم .. أنت طحين أفكاري وماء روحي ..لولا صلاتك .. ما غسل الطهر أفكاري وعتقها بلهفتك ووجعك لأسميها تضحية

أقول لك وداعاً ..كي لا تتعفر أياديك بأشواك الألم أكثر، كي لا تتكسر دموعك على شبابيك الانتظار أكثر ..أقول لك وداعاً ...كي لا تتآكل روحك

هل أخطأتِ السهم إذ رميتِ حياتكِ فأصابني ؟؟

أقول لك وداعاً ..و اعذري ولادتي ...اعذري طفولتي ..اعذري مراهقاتي الأبدية ..اعذري ألمي وعذابي ووجعي ..و لا يشفع لدي عندك سوى إنني كل عمري وبعد عمري عشت أحبك ..وها أنا ذا أتركك وديعة بين يديك ...فهما سفينة من طهارة وصبر وحنان تأخذني من محيط آثامي إلى بر الأمان...فحافظي على الوديعة وعيشي عمرك من بعدي عمرين...

الرابعة: ل .. (المرأة) رمز القهر والجمال

تركت أشرعتي تتمزق وتحترق وهي تأخذ سفينتك إلى بحار من الرقي والحرية ..فاذكريني أيتها المرأة التي شكلت إنساني وأفكاري فكنت الأم والأخت والحبيبة والابنة والشهيدة والشجرة التي لا تهرم في صدري حتى بعد أن بدأت ديدان الأرض تلتهمه .. ستصرخ حبات التراب والحياة أنا سأقهر قهرك بالحرية ..حتى لو كانت حرية الموتى..أوصيك لا .. لا .. تستسلمي فأنت الحرية ..و حريتك حرية كل الكائنات

الخامسة: ل.. (سلمية) ..رصيف العمر  

هذا الرصيف الممتد من قرون وأمكنة وأزمان تتسكعه الحضارات ..تمشيه الحمائم كل َّصباح وكلَّ طيران .. كي تبكي هديلها المبحوح ، يفترشه الغبار في كلِّ الفصول كي ير حل من وحدته إلى وجوده ...

هذا الرصيف الذي تقيسه الخطوات الممتدة من تفتح الوعي عند الإنسان الأول ..إلى أن أحرقته المجازر والحروب .. ليتفكك حجراً حجراً .. وعلى كل حجر تاريخٌ من الضحك والانتماء والبكاء والجنون والشعر , وأسرابُ سنونوات من الوجع والطفولة تغطي سماء فصولك بالفرح المؤقت ، وعصافيرٌ من مراهقة ونساء..ينزلن إلى سهولك وهضابك وحواكيرك ..ليحملن بمناقيرهن ..(بقَّ ماء) تنتظره أرضك وسماؤك ..كل حنين وشتاء

سلمية .. رصيف من وجع المتنبي وعبقريته ، رصيف من مأساة ديك الجن وحرائق القرامطة وخيبتهم ، رصيف من بكائيات وغزليات ورثائيات أنور الجندي ، وبوهيمية سليمان عواد وتسكع إسماعيل عامود وغربة مصطفى غالب وأزاميل محمد الماغوط وقيثارة علي الجندي وشقاء ونكران فايز خضور وذئبية خضر عكاري..

سلمية شتلة من طفولة شقية ترنو إلى السماء قبل الشتاء وتبكي وحيدة لعبتها وقصيدتها وصوتها المكتوم وهو يغني الحرية...و الجدران المهدمة بين أبنائها..

السادسة: ل... (سوريا)... حبيبتي وصديقتي وعاشقتي وخائنتي لأنها تعشق إنسانها قبلي وبعدي ..منذ كان قصيدة تدرج على أرضها المغمسة بالدماء والشهداء والشرفاء...سوريتي أمي التي ماتت وهي تحكي حكاياها ..ذهبت هي وبقيت الحكايا كنزاً من دفاتر وأوراق وذاكرة البشرية ...و أنا وكل عشاقك من رحلوا قبلي ومعي وبعدي نتمنى كما تمنى الشاعر اليوناني الإسكندري ( كفافي) .. أن تبقي دولة قوية بأرضك وأبنائك الأحياء والموتى ..

سوريتي ...تألقي ..تألقي ..بالحبر والقلم ..و بتاريخ هزمت فيه كلَّ الغزاة الطغاة ولم تتهالكي فتألقي فأنت بين يدي الله زهرة من دماء وفكر وتراب ..سأفتقدك حتى وأنا أنام في حضن ترابك حبة حياة من غبارك  

السابعة:ل ...(الموت)..صديقي الذي لا أحبه ولا أكرهه

أيها الصديق ..أهلا بقدومك الذي انتظرته كي أُنهي ما تبقى من عشق لهذا الجسد المتهالك كجدار أثري ...

أيها الصديق ...أهلا بقدومك الممتع كقبلة مسروقة من شفة عاشقة ترتجف برداً وجنون

أهلاً بك كي يرتاح الشقاء والألم والأرصفة مني..أهلاً ..بك يا طريقي نحو العدم ..

أهلاً بك ... والوداع يا أحبتي ..أنا لم أمت ...بل رحتُ من غربة الوجع والشقاء ...إلى غربة الموت

***  

 

بقلم الشاعر: مهتدي مصطفى غالب

                  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4341 المصادف: 2018-07-25 12:50:30