 أقلام ثقافية

أدب "الطابو" وصراع "النخب" في الجزائر

علجية عيش(في رد الأديب الطاهر يحياوي على الروائي أمين الزاوي)

أثار انتباهي مقال كتبه الأديب الطاهر يحياوي عن "أدب الطابو" في تعقيبه على تصريحات الروائي أمين الزاوي حول "القارئ باللغة العربية يخوّف أكثـر من الشرطة والأئمة"، حيث اعتبرها الطاهر يحياوي إهانة للغة العربية، وكأن الإثنان في مدّ وجزر فكري، حيث وقف كل واحد منهما ندًّا للأخر، ونحن هنا نجد أنفسنا أمام قضية حساسة جدا وهي حرية الرأي والتعبير، وانتقاد الآخر بطريقة أو بأخرى، وهذه أمور تتعلق بأدب الكتابة قبل كل شيئ، فنحن لسنا ضد النقد البنّاء، أو نريد أن ننتقد كاتبا أو مفكرا أو روائيا من أجل الوقوف "ضد أو مع"، أو التقليل من قيمته، ويمكن القول أن الأمر لا يعدوا أن يكون سوى صراع النخب وكل واحد منهز يدافع عن وجهة نظره وإيديولوجيته، فالنقد الذي لا يأتي بأفكار، أو لا يقدم حلولا، لا فائدة منه، والأزمة هي أزمة مثقف وأزمة أفكار

والحقيقة أن الأديب الطاهر يحياوي لم يخرج عن الخطوط الحمراء وهو يعبر عن وجهة نظره كمثقف عروبي، يخاطب مثقفا متفرنسا، فقد وصف الروائي أمين الزاوي بالكاتب، الأديب، العصامي الحراكي، الذكي والمناور في نفس الوقت، يعرف كيف يحتل موقعه بين الأسماء العربية أولا وغيرها ثانيا كما جاء على لسانه هو، لدرجة أنه يراه اسما يشق الصخر ليرتفع في الفضاء العربي والدولي، إلا أنه لا يتفق معه في الكثير من القضايا، خاصة ما تعلق بقضية اللغة العربية التي هي لغة القرآن، وبلا شك لا يمكن الاثنان أن يلتقيان في نقطة واحدة، لاختلاف توجهاتهما الفكرية، وما نفهمه من المقال أن الأديب الطاهر يحياوي من الرافضين للكتابة عن أدب الطابو، ولا يحب الخوض في هذا النوع من الفنون الأدبية ، لست ادري، ربما هذا النوع من الكتابة هي دعوة إلى الإباحية والتحرر المطلق، وهي جوانب لا ترقى إلى مستوى الأديب أو الكاتب، خاصة إذا كان صاحب قضية، ولعل الأديب الطاهر يحياوي أراد القول أن أدب الطابو "عَوْرَةٌ" لا يمكن كشفها، وقد قرأنا عن شعراء الغزل وما جاءوا به في قصائدهم عن العشق والغرام، ويكيف أن نقف على كتاب طوق الحمامة لإبن حزم الأندلسي.

و يمكن القول أن المقال هو عبارة عن رسالة نصح للدكتور أمين الزاوي ، حتى لا يقع في هذا المطب وهو يحرك قلمه ويترفع حتى يرتفع به كما ارتفع به رصيده الأدبي والحراكي، كون الكاتب الكبيـر أفق عظيم فوق النظريات والتيارات الأدبية، بل إن رواد الكتابة الإبداعية العظيمة هم الذين يؤسسون للنقاد أدبا يستخرجون منه النظريات والتيارات الأدبية والمقولات والأسماء والمسميات والمصطلحات!، هكذا قال الأديب الطاهر يحياوي الذي تحول فجأة إلى ناقدٍ ، وهو يخاطبه قائلا: يسعد صباحك يا أمين الزاوي.. إن الكاتب العظيم أفق عظيم لا تسعه نظرية ولا تيار، كما هي رسالة عتاب بأن الكاتب الحركي عادة ما ينشد الحق والعدالة، يدافع عن الجمال والجلال والحق والعدالة وينصر الإنسان حيثما كان هذا الإنسان، فقلم المثقف سواء كان كاتبا ، أديبا ، مفكرا، ناقدا وجب أن يكون في خدمة المضطهدين والمعذبين والمظلومين في فلسطين ليحارب ظلم الصهيونيين واليهود، وما أحوج أوطان العروبة وهي تندك دارا فدارا لقلم المثقف وبالدرجة الأولى أمين الزاوي الذي تكن له النخبة في الجزائر كل الإحترام.

إن أدب الطابو من وجهة نظر الأديب الطاهر يحياوي يقوم على ثلاثية المقدس والسياسة والجنس، وهو حسبه تيار أكلته الأيام، يقول الطاهر يحياوي مخاطبا الزاوي: إن ما يحدث اليوم في أوطاننا تجاوز كل الحدود فلسنا في حاجة اليوم إلى طابو السياسة ودول العالم الثالث من حولنا وحكوماتها بدون جدران وأسقف فأي سر سياسي يحتويه العراء؟ وأي مقدس وأنت ترى ما يحدث للمقدسين من أنبياء وأطهار وصالحين وشرفاء؟!، أما الجنس فحدث ولا حرج فقد أصبح مثل الماء والهواء والغذاء؟!، ولا نريد أن نخوض في كنه هذا التيار ومصادره ونواياه وأهدافه وإني لا أنصب نفسي متهما أحدا أو مدافعا عن أحد غير، أنه إذا كان من رأيك أن تكتب ما تشاء فما عليك إلا أن تقبل بأن يكتب هؤلاء كما شاءوا وهذا منطق الموقف المطلق. ثم يضيف: وأنت يا دكتور ممن يقيمون للمصطلح اصطلاحه، وإلا فبأي حق أن تكتب في أدب الطابو كما يحلو لك وتجعل من نفسك ومن كتابتك (طابو) وترفض أن يكتب الناس عنك أو عن غيرك، ونفهم من رسالة الأديب الطاهر يحياوي أن الكتابة في أدب الطابو تخضع إلى شروط وقواعد يلتزم بها الكاتب، بحيث لا يمكنه الخروج عن المعقول والمنطق، لدرجة أنه يستوجب عليه أن يستشير الآخر في السماح له فيما يريد أن يكتب، وهذا يعتبر عند البعض تعدي على الحريات، أو تقييد الآخر في فكره وماذا يكتب؟.

يقول الأديب الطاهر يحياوي: إن قضية الكتابة ضد المقدس والكتابة دفاعا عن المقدس ليست قضية جديدة في الفكر وفي الثقافة وفي الإبداع وليست قضية مقتصرة على أمة من أمم العالم من أقصاه إلى أقصاه قديما وحديثا، وهذا هو الفكر وهذه هي جدلية العطاء والإبداع القائمة على الرأي والرأي الآخر وعلى الأخذ والعطاء، ولم يحدث في تاريخ الإنسانية أن طلع دكتور دكتاتور يقول للناس أنا أكتب كما أشاء وأنتم لن أسمح لكم بأن تكتبوا عني أو عن أدبي هذه هي الدكتاتورية الفكرية وهذا هو التخلف الخطيـر الذي نربأ بالدكتور المحتـرم أمين الزاوي الذي نريده كبيرا، لكن للأسف يريد لنفسه أن يكون صغيرا، الغريب ان الأديب الطاهر يحياوي قد تجرد هنا من ثوب الناقد، ولبس برنوس الصداقة، واستبدل القلم بحمامة السلام، عندما خاطبه خطاب الصديق لصديقه، حيث قال: "حتى أنت يا صديقي فعلتها وانضممت إلى المجهزين على العربية وهي قعيدة كسيحة، وطريدة جريحة"، وأضاف أن هذا التصريح يتضمن أن القارئ بالعربية إرهابي، وهذا ما يلتقي مع التهمة الفرنكفونية للغة العربية بأنها –بما معناه- لغة تنتج الإرهاب والإرهابيين.

و قد عرج الأديب الطاهر يحياوي إلى الجرائم التي ارتكبتها الدول المستعمرة للشعوب، وفي مقدمتها فرنسا وإسرائيل، وألمانيا النازية وثورة الشيوعيين الذين أرادوا أن يطبقوا الماركسية بالقوة، لكن ولا أحد ربط بين اللغة والجرائم التي وقعت، حيث اعتبر التطرف سلوك إنساني قديم لدى كل شعوب المعمورة، تغذيه أسباب سياسية اجتماعية وتربوية، ويأتي ردا لفعل، لقد كان الإرهاب (لازمة) في معادلة ترتيب العالم وهاهم أولئك يرتبون العالم في سوريا وفي العراق وفي اليمن وفي ليبيا وفي تونس وفي (الربيع العربي كله)،

بدليل أن اللغة العربية لم تكن لغة تنتج (الإرهاب) في زمن الزعيم الجزائري الخالد هواري بومدين، وفي العراق سيد العرب عندما كان على رأسه الشهيد العظيم صدام حسين، كما لم تكن لغة إرهاب في ليبيا وفي مصر .

 

قراءة وتعليق علجية عيش

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4368 المصادف: 2018-08-21 01:21:27