 أقلام ثقافية

أنا ولغتي (2)

سعيد مقدمعندما كنا نسكن في الأهواز اخترت في الصف التاسع فرع التجربي ودخلت مدرسة تسمى شهداء. في السنة الثانية وتحديدا في عام 1988 تغير رأيي وعزمت أن أتابع دراستي في فرع الرياضيات، ولهذا انتقلت من مدرسة الشهداء إلى مدرسة أخرى تسمى مصطفى خميني.

كانت المدرسة تبعد عن بيتنا في الكواخة أكثر من ساعة مشيا، ولهذا كنت وزميلي سعيد العبادي نستقل الحافلة للوصول إليها.

وما أكثر ما أجبرنا أن نمشي تلك المسافة البعيدة ذهابا إلى المدرسة، أو رجوعا إلى البيت في حرارة الشمس التي تبلغ الخمسين.

ولم نستطع أن نستقل التاكسي لشحة ما في جيوبنا من نقود!

كنت في المدرسة الجديدة أنتظر مدرس اللغة العربية لأرى هل هو عربي أم لا؟ مدرسنا في السنة الماضية كان فارسيا لا يفقه من العربية شيئا؛ كان الطلاب يعرفون العربية أكثر منه.

والجدير بالذكر إن في مدارسنا وجود حصة العربية وعدم وجودها سواء، حيث لا يتعلم الطلاب من هذه الحصة الواحدة شيئا.

دخل مدرسنا وعرف نفسه:

عباس الطائي.

وبدأ بإنشاد الشعر بإحساس شاعري، وكتب الحِكم بخطه الجميل على السبورة وتكلم معنا بلغتنا.

أحببت حصة الأستاذ الطائي كثيرا، كنت في حصته أحضر معي كراستين، واحدة للدرس والثانية للأشعار والحكم التي ينشدها أو يكتبها.

أخبرته ذات يوم عن شغفي بقراءة الكتب العربية التي لم أحصل عليها سوى على كتاب واحد هو حياة أم كلثوم، والذي نقلته بيدي في دفتر وفي ليلة واحدة من كتاب أستعرته من أحد زملائي.

أخبرني الدكتور الطائي وقد حصل على الدكتوراه فيما بعد، وأغتنم الفرصة لأدعو له بطول العمر والعافية، وأعبر عن اشتياقي إليه؛ أخبرني أن هناك مكتبة صغيرة تبيع الكتب العربية؛ فكتب لي عنوانها.

ولا أتذكر الآن من العنوان إلا شارع كيان.

طلبت من أمي مبلغا من المال واستقرضت مبلغا آخر من أصدقائي، وتهيأت للذهاب إلى المكتبة.

كان شارع كيان يبعد عن الكواخة كثيرا كما وصفه لي أصدقائي، أي لا أستطيع أن أقصده مشيا، وإن ذهبت بسيارات الأجرة نقصت نقودي، والتي خصصتها لشراء الكتب.

إذن عليّ أن أذهب بدراجة أخي النارية.

كانت الحرب قد وضعت أوزارها للتو، وأخي محمد حضر للخدمة العسكرية الإجبارية بعد أن غاب عنها ثمان سنوات، أي فترة الحرب كلها.

والحقيقة إنه كان يتخبأ هنا وهناك، وكأنه مطلوب.

ذات مرة اعتقلوه عند الباب لحظة خروجه من البيت، وكادوا أن يرسلوه إلى الجبهة لولا جنسيتي المدنية.

خرج أبي رحمه الله بعد أن سمع إطلاق النار، وجد محمدا مكبلا في سيارتهم!

فقال لهم إنه صغير ولم يحن تجنيده بعد، واسمه سعيد وهذه جنسيته... ونجحت الفكرة.

كان أخي المسكين لا يذهب إلى السوق كثيرا خشية الاعتقال والتجنيد؛ وإن ذهب رافقته زوجته خوفا عليه.

وقد ازداد التوجس والحذر بعد أن اعتقلوا ابن خالتي وأرسلوه إلى الجبهة حيث قضى نحبه هناك.

وأرجع إلى شارع كيان والمكتبة، أخذت دراجة أخي محمد المجند قسرا ورافقني صديقي كريم الدلفي واتجهنا نحو العنوان في نفس اليوم.

استغرق المسير والبحث عن المكتبة أكثر من ساعتين حتى وجدناها، لكن الباب كان مغلقا! يا لسوء الحظ!

سألنا المحلات المجاورة فأخبرونا أن الرجل سافر إلى طهران وسيرجع غدا، فرجعنا خائبين حزينين.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الأستاذ سعيد مقدم أبوشروق
ودّاً ودّا

شكراً على هذه الذكريات الساخنة بحثاً عن اللغة العربية وكنوزها الدفينة
في الكتب والمجلات .
في الحقيقة من خلال البحث عن الكتب العربية في إيران يكتب سعيد مقدم
سرداً جميلاً ويؤرخ لمعاناة المثقف العربي خارج محيطه ولغته , ثم ان
هذا السرد الجميل يمكن وصفه بالسيرة الثقافية لكاتبها والجميل في هذه
السيرة أن كاتبها يسلّط الضوء على معاناة لا يعرفها الكاتب العربي في
محيطه العربي بل هي في حقيقتها نضال من أجل تعزيز الهوية وهكذا
هو حال المثقف العربي في إيران وفي تركيا وفي فلسطين المحتلة مع
بعض الإختلاف بين هذه الدول كأنظمة وسياسات .
لو كانت الأنظمة التي حكمت إيران والعراق أنظمةً عقلانية لهانت الأمور
ولكنَّ النزاع بين ايران والعراق حرمَ العرب في ايران من التواصل
الطبيعي مع البصرة والعراق عموماً ونحن في البصرة نرى العرب
في عموم الأهواز وغيره من المدن العربية التي جعلتها السياسة
كجزء من دولة ايران , نرى العرب هناك نصفنا الثاني فنحن ملتحمون
لهجةً وعشائر وتاريخاً وثقافة ً وفي كل شيء حتى عمّتنا النخلة هي عمّة
ذاك الصوب وعمّة هذا الصوب .
اللغة العربية تاجنا الذهبي الذي لن يصدأ أبداً .
دمت في صحة وإبداع أخي سعيد .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4407 المصادف: 2018-09-29 02:19:42