 أقلام ثقافية

تدريس العلوم باللغة القومية

ضياء نافعاطلعت يوم 21/11/2018 على مقالة مهمة – من وجهة نظري - كتبها الاستاذ توفيق السيف في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بعنوان – (تدريس العلوم بالعربية ..هل هذا واقعي؟)، وقد أثارت تلك المقالة أشجان وأشجان، وذكّرتني بما كنّا نحاول في السبعينات والثمانينات ببغداد ان نطرحه على الساحة العراقية من افكار واقتراحات حول ذلك، حيث تحدثت شخصيا عدة مرات في اجتماعات داخل أروقة  جامعة بغداد، عندما كنت مندوبا لكليّة اللغات، وحتى نشرت عدة مقالات قصيرة ومركّزة في الصحف العراقية آنذاك حول هذا الموضوع، وقد اصطدمت حينها ب (جدار!!) من الرفض الشديد، خصوصا من العاملين في الوسط الطبي والهندسي بالذات، وأذكر اني حاولت اعداد قائمة باسماء الدول، التي تقوم بتدريس العلوم كافة بلغاتها  القومية، بما فيها دول متقدمة مثل فرنسا والمانيا وروسيا  مثلا، كي أبيّن واثبت لهم، ان تدريس العلوم باللغة القومية في اي بلد لا يعني بتاتا انقطاع ثقافة ذلك البلد عن استيعاب تلك العلوم، الا انهم لم يرغبوا الاستماع الى تلك الاراء ابدا، وكانوا يرددون دائما، ان تدريس العلوم في العراق يجب ان يستمر باللغة الانكليزية فقط، لأن ذلك يعني متابعة حركة العلوم عالميا ونتائج البحث العلمي العالمي، دون النظرة المعمقة تجاه دور اللغة وفلسفتها في عملية الاستيعاب العلمي المتكامل لتلك العلوم، ودون ألاخذ بنظر الاعتبار ان تدريس العلوم باللغة الانكليزية في العراق يرتبط بتاريخ العراق الحديث ومسيرة الاحداث التاريخية فيه ليس الا.

لقد ابتدأ تدريس العلوم باللغة الانكليزية في العراق منذ بداية تأسيس الدولة العراقية في بداية عشرينيات القرن الماضي، لأن الجيش الانكليزي هو الذي احتل العراق بقيادة الجنرال مود، وليس نتيجة تخطيط الكوادر العلمية العراقية وارادتها وقرارها، ويجب الاقرار، ان هذه الخطوة (اي تدريس العلوم باللغة الانكليزية) كانت صحيحة في حينها (في العشرينات والثلاثينات)،ولكن العراق بدأ بالتوسع في الخمسينات والستينات، وبالاطلاع على مسيرة العلوم في بلدان اخرى متقدمة ايضا، مثل المانيا وفرنسا وروسيا ...الخ، وان ابناء العراق، الذين درسوا في تلك البلدان، قد عادوا الى بلدهم وأخذوا يساهمون في تطوير العلوم ايضا، مثل ابناء العراق الذين درسوا في البلدان الناطقة بالانكليزية، وان العراق اصبح مؤهّلا للانتقال التدريجي من بلد اللغة الاجنبية الواحدة الى بلد متعدد اللغات، وصفة البلد المتعدد اللغات الاجنبية أعلى من صفة   البلد الذي تسود فيه لغة أجنبية واحدة، وان العراق بعد اكثر من نصف قرن من الاحتلال الانكليزي هو غير العراق في العشرينات والثلاثينات، وانه آن الاوان ان نفهم هذه الحقيقة وان ننطلق منها لادارة التربية والتعليم في بلدنا لاحقا.   

لقد أشار الاستاذ توفيق السيف في مقالته التي ذكرناها في أعلاه الى جملة وقائع في غاية الاهمية في هذا المجال حول علاقة لغة الثقافة والعلم، مؤكدا، ان (لغة الثقافة ولغة العلم واحدة) و يجب ان تكون واحدة لأن (البيئة التي ينتشر فيها العلم بين عامة الناس، ولا يقتصر على النخبة ...) وهذا التوحد هو الذي يؤدي الى انسجام (العلم مع الثقافة العامة ..)، وقد استوقفتني في تلك المقالة تجربة  أحد الباحثين اللبنانيين، والتي أشارت الى ان ( الطالب اللبناني الذي يتقن الانكليزية يحتاج الى اربعة اضعاف المجهود اللغوي، الذي يبذله زميله الامريكي كي يستوعب المادة نفسها)، وتذكرت معاناة الطلبة العراقيين وكيف يجبروهم على دراسة العلوم بالانكليزية من قبل اساتذة يحتاج  قسم كبير منهم الى تعلمها هم قبل طلبتهم، وهذه المعاناة أعرفها نتيجة متابعتي الشخصية والذاتية اثناء مسيرة حياتي العلمية، والتي كانت مرتبطة باللغات الاجنبية وتدريسها في جامعة بغداد .

تحية للاستاذ توفيق السيف على مقالته العلمية الجريئة، وعلى تأكيده – في نفس الوقت - على أهمية اللغة الانكليزية في عالمنا المعاصر، وكم اتمنى ان يساهم التربويون العرب بهذه النقاشات العلمية المهمة للتطور اللاحق في عالمنا العربي . 

أود ان اختتم مقالتي هذه بالاشارة الى ان البلدان التي تقوم بتدريس العلوم بلغاتها القومية (وهي الاكثرية بين البلدان المتقدمة او المتوسطة التقدم) تتابع  - بدقة وحرص -  تطور العلوم باللغة الانكليزية  ومصادرها المختلفة، وتستخدم نتائج مسيرتها في مجال البحث العلمي أول بأول، اذ ان تدريس العلوم باللغات القومية لا يعني بتاتا الانفصال عن حركة البحث العلمي في العالم، وان تدريس العلوم باللغات القومية شئ، والانعزال عن العالم ومسيرته العلمية شئ آخر كليّا .

 

أ.د. ضياء نافع

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذا موضوع في غاية الأهمية. لا بدّ هنا من الإضاءة على نقطة جوهرية قلّما ينتبه إليها الباحثون. لغتنا القومية نحن العرب، قُرابة الأربعمائة مليون إنسان هي اللغة العربية المعيارية الحديثة المسماة في الغرب بـ MSA وهذه اللغة ليست لغة أمّ أي عربي بالمعنى المتعارف عليه بمصطلح لغة الأم، اللغة التي يكتسبها المولود منذ البداية في البيت وبخاصّة من والدته. لغة أم كل عربي هي لهجة معينة من الكم الهائل من اللهجات في الأقطار العربية وقد تختلف هذه اللهجة عن تلك لدرجة تعذر الفهم بين ناطقيها مثل اللهجة الفلسطينية واللهجة المغربية. ومن المعروف أن اللهجات العربية ليست أداة طيّعة وملائمة لتكون وسيلة العلم والمعرفة في عصرنا هذا. ومن جهة ثانية معرفة العربية المعيارية بشكل قريب من الاتقان غير متوفرة لدى الأغلبية الساحقة من العرب (نسبة الأميين بالمعنى العام ما زالت عالية وخصوصًا لدى النساء)، ومن يتقنها قلائل. أضف إلى ذلك افتقار العربية لمصطلحات علمية كثيرة جدا في شتّى ميادين العلم الحديثة في الطب والميكانيكا والتقنيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الإنسانية إلخ. على العرب أن يهتموا أكثر بلغتهم القومية، لغة التراث والحضارة والدين لتكون الأداة الأساسية للعلم والمعرفة في كلّ المجالات. هنالك مثلًا اللغة العبرية التي كانت مكتوبة فقط طَوال سبعة عشر قرنًا من الزمان تقريبًا وغدت محكية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهي لغة تدريس كل المواضيع من روضة الأطفال وحتى الجامعات. ونقطة أخرى هامّة وهي ضرورة إعلاء شأن العربية المكتوبة منذ الصغر، في الروضات حديثًا وسماعاً وتجربة الدكتور الدنّان قد تكون بداية جيّدة في هذا المضمار. الشعوب تتقدّم عادة إذا احترمت وعرفت لغتها القومية، وها هي سوريا تدرّس الطب بالعربية منذ سنوات كثيرة ومستواها جيّد.
ب. حسيب شحادة

Haseeb SHEHADEH
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4464 المصادف: 2018-11-25 01:43:18