 أقلام ثقافية

في الغِناء الصنعاني!

عبد الله الفيفيمن شِعرٍ منسوبٍ إلى (القاضي علي بن محمَّد العنسي)، غَنَّى كثيرون على لحنٍ من التراث الصنعاني:

وا مُـغَــرِّدْ بِــواديْ الــدُّرِّ مِـنْ فـــوق الاْغْــصـانْ

وا مُـهَـيِّــــجْ صَــــبابـاتي بـِــتَـرْجِـــيْـع الاْلْحــانْ

ما جَـــرَى لَـكْ تُــهَــيِّــجْ شَـــوق قلبي والاْشْجانْ

لا انـتَ عـاشِـقْ ولا مِــثلي مُـفـارِقْ للاْوْطــانْ

بُــلْــبُلَ الــواديَ الأَخْضَـرْ تَـعــالَ اْيْـــنَ دَمعـكْ؟

تـَــدَّعـــيْ لَــوْعَــةَ العــاشِـقْ ومـا العِــشْـق طَبعَكْ

فاســتَرِحْ واشـغــل الــبانَةْ بِخَــفْـــضَــكْ ورَفْـعَــكْ

واتْـــرُكِ الحُــبِّ لاْهْــلِ الحُــبِّ يا بُلْـــبُــلَ الـبـــانْ

حِـــبَّــــتي بَــعـْـدَكُــمْ واللــهْ جَـفــاني هُـــجــُــوْعـِـــي

وجَــــرَحْ مُــقْلَـــتِيْ يــا اْحْـــباب جـَــاري دُمـُـوْعِــــي

آهِ  وا حـــســـرتــي منكُــمْ  ألا  يــــا وُلُــــــوْعِـي

كُـــلِّ ذا مِنْ جَفــاكُمْ لَـــــــيْتْ يا لَـــيْتْ لا كـــــــانْ

يـــا أَحِــبَّةْ رُبـــَى صَــنــعــا سَقَـــى اللـهُ صَـــنـعـــا

حَـــيِّ ذاك الــــرُّبَـى لا زالَ لِــلْــــغِــــــيْـــدِ مَـــرْعَــــــى

لَــوْ يـَــقَعْ لِـيْ إليه اسْعَـى على الرَّاسْ لاْسْعَى

يا بــرُوْحِــي (نَجِيْ؟) رُوْحِـــي بَلابِـــلْ وأشجـــــانْ

لَيتَ شِعــــريْ متَى شَا اْلْــقِيْ عَصاةَ المُسافِــرْ

وايِّ حِيْنْ شَا يَطِــبْ ليْ عَيْش قدْ كان نـــافِــــرْ

وايِّ حِــيْنْ شَا تـخَــطَّـرْ بَـــــيْـنَ تــلكَ المَـنــاظِـــــــرْ

هُوْ قَريبْ ذا على اللـهْ إِنْ يَـقُـلْ لَـهْ يَكُـنْ كـانْ

غناه مغنُّون من اليَمَن وغير اليَمَن. وأجمل من غنَّاه مطرب اليَمَن الكبير (العبسي، أيُّوب طارش). وهو فنّان نادر، بفخامة صوته وعذوبته معًا، ومقدار الشجن والطرب فيه. فما وزن هذا النص؟ إنه من مجزوء البحر الخفيف، المخبون المقطوع العَروض والضَّرب، ويُسمَّى: (المكبول)، بحيث تصبح (مستفعلن): (متفعلْ= فعولن).  ويُسمِّي العَروضيُّون العِلَّة هاهنا (قَصْرًا)، لا (قَطْعًا)؛ لأنهم يفترضون أن التفعيلة في هذا البحر تتكوَّن مقاطعها هكذا: (مستفعِ لن). وهو افتراضٌ تحكُّمي لا يدعمه منطق، ويجعلنا أمام تفعيلةٍ وهميَّة مختلَقة، لا مبرِّر لها. بيد أن البيت من مجزوء الخفيف يصبح في نصّ العنسي شطرًا من بيت. جاعلًا توزيع القوافي على النمط الموشَّحي، أو الحُمَيْني. وقد قيل إن أوَّل من أضاف هذا الوزن الشاعر العباسي (أبو العتاهية)، وحين نُبِّه إليه وأنه قد خرج به عن مألوف العَروض، قال: "أنا أكبر من العَروض!"  وعليه أبياته: 

عُتْبُ، ما لِلخَيالِ ** خَـبِّريني ومـالِــي؟

على أن للغناء عبثه أحيانًا بعَروض الشِّعر. فتقطيع الأبيات هكذا: "وا مغردْ/ بواديْ الدْ/ دُرِّ من فو/ ق الاْغْصانْ": (فاعلاتن/ متفعلْ/ فاعلاتن/ متفعلْ (+نْ)). بزيادة حرف ساكن، وهذه الزيادة لا نذكر لها شاهدًا من الشِّعر الفصيح، حتى لدى أبي العتاهية. لكن المغنِّين يكسِّرون بعض الأبيات: فنسمع بعضهم، كالفنّان (علي الآنسي)، يقول: "تدَّعي لوعة العشَّاق وما العشق طبعكْ". وبعضهم يقول: "وا مهيّج صبابتي بترجيع الالحانْ". والبيت: "آهِ وا حسرتي منكمْ وآه يا ولوعي"، لا يستقيم وزنًا، ولا بُدَّ أنه، مثلًا: "آهِ وا حسرتي منكمْ ألا يا ولوعي". ولن تفهم ما يقوله المغنُّون في البيت الثامن، ولا حتى المنشدون! فالكلمة الثالثة من الشطر الثاني تسمعها تارة "نجح" وتارة "نقح"، وفي النهاية بلا معنى ظاهر! ويبدو أنهم لم يفهموه، فغنَّوه هكذا، وإنْ من غير معنى! ولعلَّه: "يا بروحي نَجِيْ روحي بلابل وأشجانْ". فالشاعر يفدي بروحه "نَجِيَّ" روحه، وإنْ كان نجيَّها بالبلابل وبالأشجان. وأمّا (محمَّد عبده)، فقد غنَّى الأبيات قديمًا غناءً جميلًا، صوتًا، عجيبًا، لحنًا ونصًّا، فضلًا عن تكسيره الوزن! (ولمن شاء العودة إلى موقع "اليوتيوب" لسماع المواد المشار إليها:  http://www.youtube.com/watch?v=PtJu4AmOyQw )

مهما يكن من أمر، فإن للغناء عالمه الموسيقي، وللشِّعر عالمه اللغوي الموسيقي. غير أن نماذج المقارنة بين الضربَين تشير إلى أن أُذن الشاعر أرهف حِسًّا غالبًا من أُذن الموسيقي، وأن "نوتة" الوزن العَروضي هي أدقّ وأكثر صرامةً في قوانينها من نظيرتها لدى المغنِّي أو الموسيقي.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عبد الله بن أحمد الفيفي المحترم

ودّاً ودّا

قرأت المقالة بإمعان واحببت أن أدلو بدلوي تعليقاً على هامش مقالتك .
اعتقد ولا أجزم ان الفرق بين الوزن الشعري والمقامات الموسيقية
هو الذي يمنح المغني سطوةً على الوزن الشعري وليس العكس وذلك
لأن الوزن الشعري لا يمكن تكراره بينما النغمة الموسيقية يمكن تكرارها
فأنت في الشعر لا تستطيع ان تقول فعو فعو فعو ولا بد ان تتقيد بوزن
البحر الشعري بينما يستطيع المغني ان يكرر : دو دو ري ري
ثم ان لكل نغمة تردداً يزيد أو ينقص عن أخواتها بينما الوزن الشعري
حركة وسكون متساويان ثم ان الوزن الشعري ترتيب للأصوات بشكل
افقي ليس إلاّ بينما النغمات الموسيقية ذوات طبقات صوتية ونغمات
المقام الموسيقي تأتي بثلاثة أشكال : نغمة كاملة ونصف نغمة والموسيقى
الشرقية تستخدم ربع التون وهذا كله يمنح الموسيقى ومقاماتها أبعاداً ومرونة
لا وجود لها في الوزن الشعري وبقي ان اشير الى ان المقام الموسيقي قادرٌ
على معالجة النثر غناءً و ترتيلا ً وقد غنت فيروز نثراً لجبران وأمامك قرّاء
القرآن كأن المقامات الموسيقية تعمل بإبداع أرحب حين تتعامل من النثر
مقارنةً بالشعر ثم ان النغمات الموسيقية متأصلة في الطبيعة وقد اكتشفها
الإنسان ولم يخترعها كالعروض التي جاءت من رحم العربية وأظن ان لها
جذوراً سومرية أو بابلية وجميع الشعوب تكتب شعرها نثراً أو نبراً وتغنيه.
فبينما يستطيع قارىء القرآن والملحن أيضاً ان يستعملا جميع المقامات
لأداء سورة بعينها أو قصيدة بذاتها فإن الشاعر لا يملك هذا الترف .
إذا خرج المغني عن الوزن الشعري وكسره فلا يعني فعله هذا انه أخلّ
بالمقام الموسيقي وهذا ما يجعل المغني غير شاعرٍ بنشاز ما ولو اقتضى
الخروج على الوزن خروجاً عن المقام ايضاً لشعر المغني بالنشاز وهنا أنا
أتحدث عن كبار المغنين وليس جمهرة المغنين فما أكبر جهلهم باللغة
العربية كقواعد فما بالك بالعروض .
دمت في صحة وإبداع يا ستاذ عبد الله .

جمال مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4470 المصادف: 2018-12-01 02:01:04