 أقلام ثقافية

الزواج..؟

محمد العباسيكثيرا ما تصورت أن تأتينا جارة أو قريبة لنا طلباً في أن نقبل بتزويج أبنتنا الوحيدة لابنهم.. وتأتي الأم في سرد مناقب الفارس المرتقب بقول صفات كالتالي: من المسجد للبيت.. ومن البيت للمسجد.. "ما عنده أصحاب.. لا يطلع ولا يسهر" .. كل يوم "يحّن" ويقوم من النوم "يوّن".. يبغي "مرة" .. يقول زوجوني.. وإحنا "عاد" ما "بنلقى" أحلى ولا أحسن من بنتكم المصون.. بنت الحسب والنسب.. إلخ "!!

يا أختاه.. جارتنا أو قريبتنا الكريمة.. ابنك الكريم ليس مستعدا لبناء حياة زوجية وتحمل المسئوليات والتبعات.. هو إنما بحاجة ماسة إلى أنثى (تلطيفاً للوصف)!  فهل من مقومات الزواج أن يكون الزوج بلا أصحاب؟  بلا علاقات اجتماعية؟  بلا خبرة في متطلبات الحياة؟  هل مؤهلات تبعات الزواج وإدارة الحياة الزوجية الصلاة فقط؟  وهل سنحكم على فتاة في عمر الزهور بقضاء حكم مؤبد مع "الأعمال الشاقة" دون وازع من ضمير مع رجل متعطش لإشباع نزعاته الجنسية المكبوتة؟!

قد تقبل فتاة ما بمثل هذه المواصفات كنوع من الجهاد في سبيل الله.. كفاح ترجو من وراءه كسب الآخرة.. ونبذ للحياة الدنيا.. مثلها مثل الفتيات والنساء اللاتي أغواهن "الدواعش" للانضمام إليهم تحت مسمى "جهاد النكاح"!  أو فتاة صغيرة لا حول لها ولا قوة يزوجها أهلها ضحية لكهل (بل ذئب بشري) كي ينفق ويغدق عليهم.. طبعا قد تختلف الآراء كل حسب معتقداته وتربيته.. لكن ليست هكذا هي التوقعات والأمنيات عند عامة الناس.. فللحياة الزوجية تبعات ومتطلبات وتكاليف ومسئوليات لها بداية وليس لها نهاية.. وللعيش سوياً وبناء عش الزوجية انعكاسات قد تكون بعضها حساسة وقد تؤدي إلى خلافات واختلافات في وجهات النظر وتتعارض فيها الآراء والمصالح والأذواق.. وبسببها قد تتفاقم بعض الأوضاع لتشمل كافة أفراد الأسرتين وتتعقد الأمور وتتداخل وتؤدي إلى ما لا يُحمد عقباها!!

بعض الزيجات في عصرنا هذا تقع ضحية للظروف المادية.. التي معها قد يضطر الزوج للدخول في معضلة الاقتراض من أجل توفير التكاليف.. مهر مبالغ فيه.. تأسيس عش الزوجية من سكن لائق وتأثيث مناسب ومصاريف حفلة الخطوبة و"العرس".. ربما أيضاً تكاليف باهظة لقضاء شهر العسل.. ومثل هذه الأعباء قد تترك ندبة غائرة على الحياة الزوجية لسنوات لاحقة.. ولمثل هذه الضغوط تبعات نفسية قد لا تندمل.. حتى بات البعض في اختياره لشريكة حياته يضع في حسبانه وظيفة الزوجة.. معاشها.. وهل تمتلك سيارتها الخاصة (حتى لا يضطر لشراء سيارة لها!!).. بل هنالك من يحسبها من كافة الجوانب "بالمسطرة والقلم والآلة الحاسبة".. مثلاً يضع في حساباته حتى الوضع المادي لأسرتها وعدد أخوتها (الذكور بالذات) ليرى كم ستكون نسبتها من "إرث" أبيها !!

بعض الزيجات تكون خاطئة منذ وهلتها الأولى.. بالذات تلك المبنية على أوهام الحب والغراميات بين أروقة المدرجات الجامعية وتلك الطرقات المعروفة في كل مدينة باسم "شارع الحب".. أو بعد ابتسامة عابرة في مجمع تجاري وتبادل لأرقام الهواتف.. وحوارات "ماراثونية" في عتمة الليل.. واتصالات بالصوت والصورة عبر تطبيقات الهواتف الذكية.. ومواضيع على شاكلة "إنتي أحلى وحدة آرقمها" وإن نجحت في صده وتمنعها عن الخروج معه يزداد لها شوقاً وهياماً.. فيتزوجها من أجل نيل مراده منها.. ولن يكف أبداً عن مغامراته الرعناء، ولن يمسح من هواتفه الأرقام الكثيرة التي لملمها يمنة ويسرة.. فيقعان كلاهما ضحايا لبعضهما البعض.. ويعودان من جديد مع كل مشكلة مهما كانت تافهة للبحث عن أمل زائف وقصة حب ملتهب كـما "قيس وليلى".. ولطالما قلت فيهما: لو أن "قيس" كان قد نال مراده من "ليلى" لما كتب فيها القصائد !!

لكن لنقل أننا من باب حسن النوايا نتزوج أملاً في بناء أسرة سعيدة.. غير أن البعض قد يقضي على أحلى فترات الزواج وهي فترة الخطوبة بقتلها في مهدها.. ويقضى على أجمل أيام الحياة الزوجية في السنة أو السنتين الأولى بحمل سريع لإرضاء الأهل من الطرفين.. لتنتهي الحالة الزوجية ويتحول الزوجين الجديدين إلى أبوين.. ومع أول طفل تتضاعف المتطلبات وتتكالب المسئوليات والضغوط.. ليتحملا معاً مسئولية نشأة إنسان جديد.. مولود مظلوم من لحظة ولوجه للدنيا.. ومعه تأتي كافة صنوف الالتزامات المادية والمعنوية من رعاية خاصة وحليب خاص وطعام خاص لا يباع إلا في الصيدليات بتكاليف باهظة.. و"حفاضات" ورضاعة.. وزيارات مكوكية مكلفة لعيادات الأطفال.. ومن ثم الحضانة فالروضة وصولاً إلى المراحل الدراسية.. ويكبر الطفل ومعه ينطلق وابل من المشكلات والمتطلبات من كل صوب وحدب.. وهكذا !!

فجأة.. "المعاش" لا يكاد يكفي.. الزوجة لم تعد بالفراش.. العواطف الجياشة تذبل والغراميات تضمحل.. فالرضيع (الضحية) يبكي طوال الليل لسبب مجهول.. وأخوه الأكبر بسنة أو سنتين قد (بلل) الفراش.. والأم (الشابة) يقظة بين هذا وذاك.. وورائها "دوام عمل" في الصباح حالها حال الزوج.. لكنها هي المُطالبة برعاية الأطفال والسهر على راحتهم على حساب راحتها هي، كعادة النساء عندنا.. الحياة الزوجية الهانئة تبخرت قبل أوانها..عواطفها قد تبعثرت بين حاجات الزوج والأطفال.. أصبحت مُتهمة بأنها لم تعد تبالي بالزوج.. فقط لأن الزوج والزوجة معاً لم يمعنا النظر في المستقبل القريب ولا البعيد.. لم يستمتعا بالحياة الزوجية الهادئة السعيدة في أحضان بعضهما البعض لأطول فترة ممكنة.. بل تعجلا.. واستعجلا.. ولم يتأملا !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4541 المصادف: 2019-02-10 01:36:19