 أقلام ثقافية

باب سويقة.. الفن والخبرة وذاكرة المكان

674 تصير شمة 1فسحة مع الفنان وخبير الآلات الموسيقية الأستاذ ماهر الشريف:

الأمكنة بعطورها النادرة وتواريخها حيث الذاكرة تنبش في خرائط المسرات ..و هل ثمة مسرات زمن العولمة حيث محو الأنماط والسير بالكائن الى رقم متروك والأمكنة المفعمة بالوجدان الى متحف مهجور..يحضرني هذا وأنا في قلب المدينة التونسية العتيقة وتحديدا بحي باب سويقة العتيق وفي غفلة من الضجيج والأفتعال والكذب والوهم أمنح النفس الأمارة بالجميل والمحبذ والمطمئن شيئا من غفوات الذاكرة الخصبة..الأزة والأنهج والحوانيت وما تراكم في الذاكرة من تواريخ وأحداث ووجدانيات حيث البهاء سيد المكان والزمان..من ذلك وأنا أهم بفتح الباب والولوج الى حيز آخر من ذاكرة باب سويقة..تذكرت القصيدة الرائعة (أبعاد) للشاعر العراقي الكبير سركون بولص ومنها بالخصوص :

 " العازف في ركنه

يعانق عوده بوداعة كأنه يصغي

إلى بطن حبلى بينما أصابعه تعذّب الأوتار..."

نعم حدث ذلك وأنا أجلس الى رجل ذاكرة وفنان وحكاء من طينة أخرى ...حدثني عن المكان..باب سويقة عن أحواله بن الأمس واليوم وبحسرة الفنان والحرفي والموجوع بالآه تزحف على الأحاسيس تكشف شيئا من شجن الذات..يحنو على آلاته التي يصنعها ويتعهدها يحاورها ويسمع أناتها العالية...هي موسيقى من نهوند وصبا..

كان يحدثني عن حي باب سويقة بأدق التفاصيل ومن عقود طويلة الى يومنا هذا عن الثراء الثقافي والديني والمعماري والتقاليد والأسواق واللباس وعادات الناس وغير ذلك كثير فكان بمثابة حارس ذاكرة وحكاء ماهر...كيف لا وهو السيد ماهر الشريف الذي جعل من محله لبيع وصنع وتعهد الآلات الموسيقية المكان الهادئ الشبيه ببيت الحكماء بمثابة بيت الذاكرة أيضا ...فنانون من المرق والمغرب ومن العالم وفدوا عليه كخبير آلات موسيقية ..صور وذكريات ولقاءات الود والفن والصداقة لنذكر الفنان العراقي نصير شمة والفنان التونسي لطفي بوشناق ...مثلا..

خفة أنامله وهو يعزف أويصون الآلات وكذلك وهو يحدثك بحرقة الانسان المحب لبلاده والمكتوي ببعض أحوالها في أيام الخواء الاعلامي والتفاهات المتلفزة والسقوط القيمي وانحسار الثقافي والحضاري في البرامج والمنوعات وسط هيجان للرداءة ومشتقاتها في الفنون والآداب...يا حسرة على روعة وجمال باب سويقة..قالها وفي القلب لوعة وآه..

الحانوت بمثابة التحفة الفنية ما ان تدخل وتجلس ينتابك شعور بأنك في عزلة عن العالم الخارج ويالها من عزلة رائقة فيها السفر مع الجميل والثري والمفيد والمطرب والأخاذ..فسحة مع الذكريات حيث الذاكرة رواية مفتوحة على المدهش ...

674 تصير شمة 2

باب سويقة المكان والمكانة كنا نتحدث وتذكرت كلام المسرحي الراحل المنصف السويسي ذات لقاء معه بدار الثقافة بباب سويقة بنادي الأدب والفنون الذي كنت أديره في تلك السنوات من تسعينات القرن الماضي "...انا أجل منطقة باب سويقة فهي معقل من معاقل النضال الوطني وقديما منذ العهد الاسباني كانت هذه الجهة من مدينة تونس خلاصة هذا الانتماء التونسي ففيها كل الشرائح والرؤي والقيم ومنها التواضع ونبذ الوصولية فزعماء تونس وغيرهم من رجالاتها ونخبها من هذه البيئة ومنهم والدي عزالدين السويسي، فهناك بطحاء العجائب وأدباء تونس مثل جماعة تحت السور والمقاهي الغنائية كما في "الكافي شانطة" ومن الأسماء نذكر كرباكة وخليفة الاسطمبولي والهادي الجويني وشافية رشدي ومنور صمادح والصادق ثريا وغيرهم من الادباء والشعراء، حيث أسس بيرم التونسي جريدة المسلة، كما شهدت هذه الجهة من تونس الفداوي وهو الحكّاء المتجول أو ما يعرف بالمسرح السردي وصندوق العجائب والكراكوز ومسرح الدمي... كانت هناك انماط واشكال من الفرجة وقد امتزج ذلك بالنضال وبالمدرسة العرفانية والكتاتيب وهو ما جعل الروح الوطنية تنطلق منذ الطفولة. والدي عزالدين السويسي كان ينتمي لأسرة المسرح والصحافة، حيث كان هناك تداخل مهم بين الفنون والاعلام والأدب والنضال وقد اسس صحيفة الاخبار وفيها مواقف لا تروق للاستعمار آنذاك واسس ايضا اول فرقة محترفة وهي الفرقة البلدية للتمثيل العربي وهي الان فرقة مدينة تونس حيث كانت كلمة العربي في التسمية في ابعادها المعادية للاستعمار وقد لعب الاسلام دورا حضاريا رائدا في بعث الروح النضالية ضد الاستعمار وهذا كله ساهم في نسج كياني آنذاك..." .

نعم ان علاقة الفنانين بالمدينة متينة باعتبارها حاضنة ثقافة وتاريخ وعادات وتقاليد ولعل ذلك يشير الى ضرورة المحافظة على المدينة ومعمارها حيث تشهد في محيطها القريب بالخصوص نوعا من التشويه والسلخ عبر الفضاءات الفوضوية وخصوصا مشاهد التهرئة والانحسار وخاصة أمام البضائع المختلفة والكاملوت على عبارة الكاتبة سلوى الراشدي التي نشرت منذ سنوات مجموعة قصصية بعنوان " باب الذاكرة " بسطت فيه ما يتهدد المدينة العتيقة من اهمال وضياع واندثار ثقافي من ذلك ما يرد في الصفحة 27 من هذه المجموعة "...قد تتعثّر أحيانا في بضاعة مصنوعة بتايوان أو باليابان أو إيطاليا فتحثّ الخطى كأنّما تنشد المدينة العتيقة التي لم نبلغها بعد... ".. هذه المجموعة التي نعني " باب الذاكرة " على غلافها لوحة للرسامة سهير الراشدي ابنة الكاتبة وقد نشرت في 136 صفحة وفي طياتها 13 قصة : اغتراب حكاية ووشم ومن ذاكرة النسيان وبائع الكعك وهل وصل الساعي ومن ذاكرة عجوز دينا معمر ودع الباب مفتوحا وهل نلتقي وانسلاخ وحديث الحجارة وباب الذاكرة ومحطات وفي بلاد فولتار...

في هذا المكان الواقع بباب سويقة يمضي الفنان والخبير ماهر الشريف في شؤونه وشجونه لا يلوي على غير القول بالقيمة والعلو بعيدا عن السقوط والتداعيات المريبة والمربكة التي نشهدها اليوم في الحياة اليومية

 

شمس الدين العوني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4543 المصادف: 2019-02-12 02:50:20