 أقلام ثقافية

القصة وتأثيرها على نفوس الأطفال

معراج احمد الندوييميل الأطفال بفطرتهم إلى القصة، وهي من أشد ألوان الأدب تاثيرا على النفوس. خاصة الأطفال، لأنها تتضمن تلك المثيرات الباعثة على تشكيل سلوكهم وتكوين شخصيتهم. فالقصة أحد الأساليب الفعالة في التثقيف والتنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة. هذه المرحلة التكوينية المهمة من مراحل نمو الشخصية الإنسانية. وللقصة أثر بالغ في تنمية الجوانب النفسية عند الأطفال في هذه المرحلة لما فيها من الحوار والتأمل في النفس والقدوة الحسنة. تساهم القصة في ترقيق العواطف والوجدان وتنمية المشاعر والإحساس وتخفيف التوترات الانفعالية وتخليص النفس من الانفعالات الضارة وتكوين الميول والاتجاهات. تعتبر القصة بالنسبة للأطفال وسيلة تربوية وتعليمية ذات تأثير عظيم. ولقد استخدمت القصة في التربية على مر العصور الإنسانية، واستقر رأي رجال التربية وعلماء النفس على أن الأسلوب القصصي هو أفضل وسيلة نقدم عن طريقها ما نريد تقديمه للأطفال سواء كان قيمًا دينية أم أخلاقية أم توجيهات سلوكية أو اجتماعية. 

إن أهمية القصة ليست ثقافية فحسب بل تشتمل كل حياة الطفل بجميع جوانبها. تنبع أهمية القصة للطفل من أهداف القصة ومهمتها التربوية، وتعد قراءة القصة للطفل في سن مبكرة من العوامل المساعدة في النمو اللغوي للطفل وفي تكوين شخصيته والوصول بها إلى درجة من النمو والنضج، وتسمح للطفل أن يعيش حياته مستمتعاً بها ومتفاعلاً مع البيئة التي يعيش فيها بمدخلاتها المتعددة. فالقصة لها أهمية قصوى بالنسبة للأطفال، إذ إنها تغرس في نفوسهم القيم والمبادئ، وتنمي جوانب شخصيتهم الحسية والعقلية والروحية، فالطفل يعايش القصة ويتخيل نفسه بطلاً فيها خاصة إذا كانت أحداثها واقعية، فهي تحرره من واقعه وحدوده التي يعيش فيها إلى عالم واسع فسيح.

تتضمن القصة الكثير من الأمثلة والحكمة والمواعظ والعبر. لها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات والقصص الفكاهية خاصة بالأطفال. ومن أهمها كما تلي:

القصص الخيالية: إن العقل معالج فعال للقصص الحقيقية والخيالية.وتعتبر هذه القصص التي تشتمل على الصور أدوات تعليمية ممتازة. قصص تقوم على افتراض أبطال وشخصيات وأفعال خارقة للعادة لا وجود لها في الواقع، وقصص الخيال تعزز عند الأطفال المعرفة بالكون والكائنات الطبيعية كما تجعل الطفل أكثر  وعيا بالحقائق التي تحيط به. ومن الثابت أن قصص الخيال تنمي عند الأطفال المعرفة بالكون والكائنات الطبيعية ومفرداتها، ومن ثم يتحول الأطفال بالتدريج إلى الاقتراب من الحقيقة من خلال الانغماس بين صراع الخير والشر، كما أنها تجعل الأطفال أكثر وعياً بالعالم.

القصص التاريخية: هذه القصص ترتكز بالأساس على الأحداث التاريخية المتنوعة، وتجعل الطفل يعمل على ترقية شعوره بالإنتماء إلى الوطن و العروبـــة وتنمي فيه روح المسؤولية والبطولة والإقدام. تعتبر القصة التاريخية مهمة للطفل لأنها تعمل على تنمية الشعور بالانتماء والكرامة الوطنية وأيضاً تنمي روح البطولة والفخر عن طريق ما يقرؤونه من سير الأبطال العظام.

القصص الاجتماعية: تعد القصص الاجتماعية طريقة لتعليم المهارات الاجتماعية للأطفال المصابين بالتوحد وذوي الإعاقات ذات العلاقة بالتوحد. تهدف القصص الاجتماعية إبراز الموقف الاجتماعي من خلال قصة قصيرة مبسطة مكتوبة من منظور الطفل تقدم له معلومات معينة تفيده في حياته اليومية. وهي مهمة للأطفال حيث أنهم يعيشون في مجتمع ما ويتعاملون ويتفاعلون مع هذا المجتمع، ومن الضروري أن يتعرفوا على هذا المجتمع وخصائصه ومظاهر الحياة فيه وأنواع الحرف والمهن وعاداته وتقاليده، فهي تتناول الأسرة والروابط الأسرية، والمناسبات المختلفة ومظاهر الحياة في البيئات المختلفة.

القصص الواقعية:هذا النوع من القصص يناسب الأطفال في نهاية مرحلة الطفولة، لأن الأطفال يبدؤون في التحرر من خيالهم نتيجةً لزيادة وكثرة اتصالهم بالمجتمع، فيميلون إلى معرفة حقيقة الحياة المحيطة بهم والطبيعة والحيوانات والرحلات والعلوم المختلفة. ويجب أن تقدم هذه القصص بشيءٍ بسيطٍ من الخيال لتتناسب مع قدرتهم على التفكير والاستيعاب في هذه المرحلة العمرية. وفي نهاية مرحلة الطفولة تصبح هذه القصص الواقعية تناسب مستواهم الفكـــــري والعقلي ويبدأون في التحرر من الخيال نتيجة وعيهم واحتكاكهم بفئات المجتمــع، ويصبح التلميذ في هذه المرحلـة عن طريق القصة التمييز بين الحقيقـة والخيال.

القصص العلمية: هي القصص التي تدور أحداثها حول مواقف وأحداث علمية أو تتناول في محتوياتها ابتكارات واختراعات علمية وتكنولوجية، وهذه القصص تنمي خيال التلميذ وتوسع قدراتهم الفكرية والعقلية. ومن خلال القصص العلمية ،يستطيع الطفل أن يتعلم ما في الحياة من خير وشر وتمييز بين الصواب والخطأ، والقدرة على التفكير في اتخاذ القرار بما يساعد على تكوين شخصيته، وتوجيه سلوكه، وذلك عن طريق التحكم في نوع الخبرات المقدمة له بطريقة القصة.

القصص الفكاهية: القصص الفكاهية من الآداب الشيّقة والممتعة، فهي نزهة النفس وربيع القلب، ومرتع السمع ومجلب الراحة، ومعدن السرور، ولا يمكن أن نتصور العالم من دون فكاهة، أو نتصور الحياة عابسة مقضبة الجبين مقفهرة المظهر، إن الحياة بغير ضحك عبء ثقيل لا يحتمل. والفكاهة لا تهدف فقط إلى إضحاك المستمع بل إن لها في حالات كثيرة، رسالة نقدية إصلاحية، تصريحًا أو تلميحًا أو تربويا. وهي قصة تتركز حول موقف يبعث غلى الفكاهة وهي تعكس صورة للمجتمع عادات الناس. القصة الفكاهية من أحب وأمتع القصص إلى نفوس التلاميذ لما لها من مواقف بهلوانية وصور معبرة تدخل السرور والمرح في نفوس التلاميذ، وهذا النوع من القصص يشوق التلاميذ ويحببهم إليها.

القصص الدينية: القصة الدينية وهي القصة التي تهدف نحو هدف تربوي ينسجم مع غاية الإسلام الربانية في تحقيق العبودية لله، وتحقيق مهمة الخلافة في الأرض، ومصدرها القرآن الكريم أو السيرة النبوية أو سير الأنبياء والمرسلين أو حياة الصحابة والصالحين، وتاريخ الإسلام. هي أهم أنواع قصص الأطفال وأكثرها انتشارا وتأثيرا في وجدان الطفل وإذا أحسن كتابتها. فمن الممكن أن تساهم في التنشئة الدينيــــة للتلميذ وإكسابه المفاهيم الدينية الصحيحة والسليمة، وهي تتناول مواضيع دينيــة كالعبادات والعقائد وسير الأنبياء وقصص القرآن الكريــم. فهي تعطيهم المثل الأعلى والقيم الروحية والقدوة الصالحة التي يقتدون بها في حياتهم العامة. تحتل القصة الدينية في تربية الأطفال بحيث يتم انتقاءه قصصاً تربوياً إسلامياً يحقق أهداف التربية الإسلامية للطفل.

تساهم القصة في مساندة الطفل في التعلم وإكتساب القيم الاخلاقية. تحتل القصة مكانة متميزة عند الاطفال وتفوق أنواع الأدبية الأخرى بما تتمتلكه من قوة تاثير ومتعة لا يملكها غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى. تؤثر القصة تأثيرا بالغا وتساعد على توصيل الأفكار. تؤثر القصة نفوس الأطفال من كل ناحية من نواحي الحياة وتترك أثرا واضحا علىى الجانب العقلي القصة نوع من الأدب له جمال وقيمة ومتعة، يشغف به الصغار والكبار والجانب الاجتماعي والجانب النفسي:

1- الجانب العقلي: تعمل القصة على إكساب الطفل الكثير من المعلومات وتساعده في غرس القيم والمبادئ الخلقية السليمة التي تساهم في تربيته وتوجيهه لأن النمو العقلي يخضع لمظاهر تطور العمليات العقلية المختلفة التي تبدأ بالمستوى الحسي الحركي وتنتهي بالذكاء والانتباه والتخيل والتفكير. توسع القصة الخيال والتخيل وتخاطب العواطف والوجدان من خلال الصور الإبداعية الخلقية.

2- الجانب الاجتماعي: تحتوي القصة على اتجاهات اجتماعية، فهي تعمل على غرس القيم النبيلة عند الطفل وترسيخ القيم الفاضلة وحب الخير، فالقصة من خلال كلماتها ومضمونها تحتوي على أهداف اجتماعية تبرز للطفل القيم الحميدة وتشعره بالانتماء لمجتمعه، كما أنها تنمي العادات الإجتماعية السليمة من كرم وتعاون وحب وإيثار وتضحية وصدق ووفاء، وتكسبه مهارات التواصل مع الآخرين.

3- الجانب النفسي: للقصة دور فعال وإيجابي في النمو الانفعالي للطفل، فمن خلالها ينفس الطفل عن مشاعره المكبوتة وانفعالاته الضارة، ويخفف من حدة القلق والتوتر، وبها يدخل السرور والبهجة على نفسه ويتعلم المشاركة الوجدانية كما أنها تنمي مشاعر العطف والحنان عند الطفل من خلال التعاطف مع الضعفاء في أحداث القصة والإحساس بمعاناتهم. تساعد القصة في العلاج الطبي والنفسي للأطفال كما تستخدم الفصة كأداة مهمة في علاج الاكتئاب والاضطراب والمخاوف المرضية.

تؤثر القصة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في عقل الطفل ووجدانه. واذا كان أسلوب القصة له أثر كبير على طريقة تفكير عقل الطفل كان لازماً على المربين الاهتمام بهذا الجانب لا سيما أنه أول مدرسة يتعلم فيها الطفل. إن القصة وسيلة من الوسائل التربوية لإعداد النشئ، بل تعد من أقدم هذه الوسائل ولقد استخدمت القصة في التربية على مر العصور الإنسانية. تلعب القصة من بين فنون أدب الأطفال دوراً هاماً في حياتهم، إذ القصة هي الفن الذي يتفق وميولهم وهى الفن الذي يتصلون به منذ أن يتفتح على العالم إدراكهم، وهى الفن الذي يبنى خيالهم ويثبت مشاعر الخير والنبل في نفوسهم، ويربى قوة الخلق والإبداع عندهم، وهى تعد من اكثر صور الأدب شيوعاً في عصرنا، فضلاً عن أنها من أقدر فنون اللغة على خدمة مختلف أنشطتها في مرحلة رياض الأطفال.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

  جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4556 المصادف: 2019-02-25 13:10:20