 أقلام ثقافية

في معنى الأمومة وانكتابها

مصطفى غلمان1ـ ما أبلغ ما يدور في خلد أمي وهي ترتب أفكارها لانتقاد طريقة تجميعي لركام الكتب المشتتة على السرير وأرضية البيت، وفي درج مكتبتي .. وفوق شباك النافذة المطلة على صحن أسفل الدار.

كانت حفظها الله تمارس بعين حكمتها وقدرتها على قراءة طاقة طفل يافع لا تزال أبعاد حضوره الجاثم وانطلاقه الكثيف في زمنية مدفوعة بالشك الأيديولوجي والعراء السياسي، نقدا يشد عن المعنى المألوف، والتحوط الجافل، ويستثني صراعات المجتمع في ظل تهادر القيم وتغيرها.

ولم تخل نزعات أمي من بداوة عفوية ماتعة وفورة حذيرة تفردها يد حنون وقلب خافق مختلج، وعقيدة واسعة المسند والهوى.

ولكن سحرها الفاتن في مطمحي ورؤاي أن غمست فروقها الثاوية بين المبنى والنص، العقل الجامح المرتد، والروح الشاردة الثائرة.

لا إرادة دونها، ولا خطا رائما من غير عطف منها. فالساحة المفتوحة على الهوامل المسيبة المغدورة تعصب أعين الحق عن الحقيقة، وتلتع بنفير مستعجل في كل لحظة قائظة. وغالبا ما يسمع صدى البلاء وعجيج القهر وخفة يد المخزن، فنبرح الحيطان ونقرع كؤوس الشاي على مدفئة الهمس والإبطان.

وتؤول أمي إلى فراشي كل يوم لتمتح من ذوات الأشعار ونثرات الليل وفرائس السرد وهمومه. فأواري الأوراق المتحلقة بين أرجل المائدة الصغيرة وأركان بيتي الهلامي الآسر.

ويستعطرني الوجه الصبوح كل لحظة وحين، فرحا يشحذ عرائسه ويغريني بالتوقد والاعتداد ..

كنت أباهي بانتشاء سامق فرادة أمي في القبض على الهارب، وصراعها المستمر في التخلص من بقايا ذكريات وحصائد آلام ونفخ زند.

وها هي الآن كأي امرأة تستل طروسها لكتابة آثار تليدة من جوامع الكلم ونفائس الخطوط والولدان. تطرز سروج الوقت على موسيقى الاستعارات الجديدة.

نصف قرن من الأمومة وعهود غنيمة من التضحيات الجسام، وأوصال معرقة من الرزايا والختور، واستصبار منيع لم تقصمه يد الدهر ولا اشتدت حموضته إلى المرارة، كانت فيه الوالدة أعزها الله قدوة وملاذا وحوضا ورحمة ودعما ونصيرا ..

فسبحان من خلق وأخلق وارتضى وأرضى. وسبحانك أمي أبدعت وأمتعت وصار لك ما الله ناظره.

2 ـ  لو أن لي سراديب من جوف وخوف لما أسررت بشيء، ولأقمت الحجة على نفسي حتى تشبع من الإسرار ، فإن التخبير عين التقصير، وإن مطاوعة الأنا على الكلام مذلة وغفل صريح.

إن العظماء يخرجون من البدايات والتوسط إلى الاقتدار والتجرد، ويعلمون ان النطق الدال على المعنى حتما ينبئ عن الغاية. قال ابن الجنيد رحمه الله (...وذلك ذكره للجسم، والجناح، والهواء، والميدان).

وكان رحمه الله ينشد :

سأكتمُ من عِلمي به ما يصونه

وأبذلُ منه ما أَرى الحقَّ يُبـــــــــذَل

وأُعطي عبادَ اللهِ منه حُقوقَهـم

وأمنعُ منه ما أرى المنـعَ أفضــــــل

أَلاَ إنَّ للرحمـن سـرّاً يســــــره

إلى أهله في السرِّ والسترُ أجمـل

3 ـ لا يعدم المشتري من كان ثمنه أرذل وأحط. ومن لم يكن له نواة وهوادة تدحرج بين ميؤوس ومتروك. فلا تعجل من تحويل زمنك إلى ما دونه، ولا تقل إن لي حياة بمثل ما للآخرين. فقد تعيش على الحر والبرد والصحو؛ فلا تدرك غير ما تسد به عين الحقيقة.

وقد يسعف الحظ مخبولا فيخص بالنصيب دون شقاء.

وقد قال الشاعر يوما:

اذا شئت حاز الحظ دونك واهن

ونازعك الأقسام عبد مجدع

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4563 المصادف: 2019-03-04 04:34:54