 أقلام ثقافية

الطفولة العربية والمستقبل

سارة طالب السهيلكل الامم والشعوب تزرع أولى أشجار نهضتها او قامة حضارتها المستقبلية انطلاقا من رعاية الطفل عقليا وفكريا وثقافيا، فطفل اليوم هو المستقبل.

ومن خلال انغماسي في شؤون الطفل سواء بالكتابه له او عنه وجدت ملاحظات كثيرة بإمكاننا إنجازها او تجنبها من خلال ما يصدر للطفل من وسائل ترفيه وتعليم عبر وسائل الاتصال، وليس فقط الاعلام المرئي والمسموع والمقروء.

ففي ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي واقتحامها عالم الطفولة اصبح هناك العديد من التحديات الجسيمة التي تواجه المتخصصين في عالم الطفولة والمهتمين بتنشئة الطفل بعقل وقلب سليم ونفسية صحية.

لو أردنا ذكر اهم الأشكال الفنية الموجهه للطفل وليس حصرا الرسوم المتحركة، الأغاني، قصص الاطفال التي تشمل قصص الحديثه او التاريخيه او التراثيه، وكذلك قصص الخيال العلمي، او التي تحتوي على حكم وأمثال شعبيه ونكت وافيهات؛ كلها تحتاج الى اعادة النظر بمحتواها ومدى تأثيرها سلبا وايجابا في تكوين شخصية الطفل.

كما تشكل افكار الطفل وثقافته معطيات كثيرة منها الألعاب الالكترونية، والبرامج مثل التوك شو، والبرامج التعليميه والتثقيفية مثل افتح يا سمسم او المناهل في السنوات الماضيه، والقنوات الفضائية المتخصصة التي تبث طوال اليوم برامج متنوعة للطفل، والمواقع الالكترونية الموجهه للطفل، مجلات الاطفال، كتب الكوميكس.

فهذه المعطيات على كثرة تنوعها وأسالبيها في جذب الطفل اليها تشكل خياله وفضائه ورؤيته للعالم سلبيا او ايجابيا، وان كانت المناهج التعليميه من اكثر الوسائل تأثيرا على الطفل باعتبارها الاوسع انتشارا وصولا للطفل عن طريق المؤسسه التعليميه التي من المفترض انها اجبارية وبالتالي تصل لكل بيت.

لا ننسى، في هذا السياق، الاطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وما يقدم لهم عبر هذه الوسائل ومناقشة الكم والكيف المطلوب للنهوض بحالته الصحية والنفسيه عن طريق ما بقدم له بمراعاة ظروفه وقدراته وتنميتها وتطويرها.

حشو وغياب الكيف

ومن خلال مراقبتي لكل ما سبق وجدت تأخرا ملحوظا بالنوع والكم المقدم للطفل العربي، مقارنة بدول العالم. فالمواد المقدمة للطفل العربي تعاني ترهلا وحشوا غير مبرر بما يقدم للكبار من انتاج فائض بما لا يجدي نفعا و بما يضرالذوق العام و يتسبب في تدني الاخلاقيات والسلوك والآداب العامة.

وذكري لما يقدم للكبار في موضوع عن الطفل ليس اعتباطا، بل لان هذه البرامج اقتحمت عالم الطفولة واصبح الطفل من أوائل المتابعين لها، وربما يعود السبب آلى ان الطفل لم يجد ما يجذبه وما يرضي فضوله وما يتناسب مع زمنه وتطوراته، فطفل اليوم اصبح مطلعا على كل شيء، و واعيا بكل ما يدور حوله فذهب الى ما يقدم للكبار وقفز عن الطفولة بشكل مخيف.

فمن الطبيعي ان يعيش الانسان مراحل عمره بترتيب يتناسب مع ما يمكن ان يحتمله الطفل من قدر العبء والمسؤولية التي تلقى عليه اذا اقتحم عالم ليس عالمه، و بالتالي إنقاذ الطفل من اقتحام عالم الكبار وإعادته للطفولة يجب ان تكون من أوائل الاهتمامات.

وقد يرتبط جنوح الطفال لعالم الكبار بقلة عدد الكتاب والمؤلفين المهتمين بعالم الطفولة في عالمنا العربي، كما ان الاهتمام بكتاب الطفل ضعيف على الصعيد المادي والمعنوي والانتاجي فبالتالي هجر الكتاب الابداع للاطفال وانطلقوا لعالم الكبار كي يستطيعوا تأمين حياتهم اليومية وتحقيق نجاحاتهم.

والشق الثاني المرتبط بعدد الكتاب هو عدد الانتاج وهو مرتبط بعدد الكتاب ومرتبط بشركات الانتاج التي لا تسخى ابدا لاعمال الاطفال. ومن هنا وجب تدخل الانتاج المدعوم حكوميا حتى و ان كان الانتاج موجها فلا ضرر ان كان التوجيه ثقافي واخلاقي وتربوي ووطني بعيدا عن السياسه الا فيما يخص التثقيف السياسي و ليس التوجيه.

كما يجب على المؤسسات الثقافيه المختصة ان تدعم الانتاج للطفل لسد النقص شركات الانتاج الفنية الخاصة والتي لاتهتم الا بتحقيق الارباح المادية فقط، وقد يغري نجاح تجارب الانتاج  الفنية الحكومية  الموجهه للطفل، شركات الانتاج الخاصة في تعديل موقفها  لتدخل معترك الانتاج الفني للاطفال.

العنف والجريمة

أي متابع للاعمال المقدمة للاطفال او التي يشاهدها الطفل في الاعمال المقدمة للكبار يجد واقعا مخيفا، قد تبدأ من سماع الأغاني الركيكة التي تستخف بعقلية الطفل واستخدام الألفاظ والعبارات التي لا ترتقي بالاخلاق والتحضر.

وعلى صعيد المشاهدة، فان المواد المعروضة على الطفل تحتوي  مشاهد وافكار تحض على العنف وتحفز علي الجريمة وارتكابها، ناهيك عن افكار شيطانية تعبر عن رفض الاخر وعدم قبوله.

ويلاحظ ايضا التناقض الكبير بين افكار رفض الاخر في هذه الاعمال الفنية وبين تكريس الانفتاح علي قيم اجتماعية لا تتناسب مع قيمنا الاخلاقيه التي تقرها كل الديانات الموجودة على ارض بلاد العرب بمقاييس وسطية.

وكذلك التركيز على التراث في بعض المواد الفنية تسبب في وجود فجوة بين الماضي والحاضر لدى الطفل العربي فجعله حائرا هل هو ابن الماضي و كيف يمكن له الاندماج مع الحضارة والتمدن الذي يعيش ألفيته الثالثة؟

فطفل اليوم يفتقد لقيم القدوة الصالحة، ولا يجد لها في لسان الحال واقعا في زمنه، وما يطرح من قيم القدوة الصالحة لا يراه الا في معطيات الماضي، ومن ثم فان مثل هذا الاعمال الفنيةالتي تقدم صورة المثال والقدوة الصالحة رغم أهميتها فانها تقدم رساله للطفل بأن يبقى في جلباب التاريخ ومن ثم فانه يفقد الأمل في المستقبل.

واذا ما عرجنا على البرامج الدينيه، فاننا نجد ان بعضها يحث على التعصب والعنف والتشدد، في الوقت الذي نحتاج فيه تماسك مجتمعي تجمعه الوطنيه والهوية والمواطنة بعيدا عن ثقافة الكره والعداء والتكفير، حتي نستطيع العيش في سلام ونحفظ حريات الاخرين.

فثقافة العنف التي يتعرض لها الطفل العربي تدخل في كل شيئ يعيشه اليوم بما فيها الألعاب الالكترونيه التي باتت أضرارها  تكشف رويدا رويدا بدءا من اهدارها للوقت مرورا بادمانها وتحريضها علي اكتساب العنف وممارسته وصولا للقتل.

وفي تقديري، فان الاعلام الذي يخاطب الطفل لابد وان يقوم برسالته كاملة في الارتقاء بالطفل، من حيث الخيال الجمال والابداع، وخلق روح المرح بداخله، وتنمية الفكر والمواهب، وتكريس قيم المواطنة والانتماء، والحث علي اكتساب المعرفة و التزود بالعلوم السلوك والآداب العامة. كما انه مطالب بغرس قيم الضمير لدي الناشئة لكي يفرقوا  بين الخير والشر، مع التوسع في البرامج التي تنمي القدرات العقلية وتنشط الذكاء والعقل الذكاء والذاكرة.

 

سارة السهيل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة، الأديبة المحترمة جدّاً سارة السّهيل،
بادئ ذي بدء، جزيل الشّكر لما تفضلتي بذكره من نقاط تربويّة تعليميّة و أخرى نقديّة حول طبيعة عالم الطّفل و التصرّف و السّلوك العملي مع هذا الكائن الإلهي الأجمل. فقبل الولوج، في الكتابة للطّفل و مجاراته؛ يجب إدراك عالمه و الوقوف به و هذا هو التّحدي الأكبر في كنف هذا الوادي اللّطيف.
لا شك أن الإعلام بات يلعب الدّور الأبرز و الحاسم في توجيه المجتمع بمختلف فئاته العمريّة، بالصّوت و الصّورة، لاسيّما الطّفل، إذ يدخل حيّز التأثير الشّامل و الأخّاذ به و بعالمه الصّغير (عبر العين و بالصّورة قبل الصّوت) حيث يجرّده من استقلاليّته النّشوءيّة الجميلة، ببرامجه التّوجيهيّة الدافعّة له و عالمه الطّفولي، نحو نموّه الخفي و لا يخلو هذا من إشكاليّة كما تفضلتي بشرحها و هذا الأمر يتفاقم -إن كنا مدركين بحساسيّة هذه المرحلة الطّفوليّة المتقدمة و المكونّة و الرّاسخة لشخصيّة الطّفل- بحيث تظلّ صارخةً في أذنه الذهنيّة مدى الحياة!
فما يحدث من إهمال على وجه العموم و إتلافٍ للطفولة على وجه الخصوص هو جريمة حقاً؛ تتعاون بإقترافها أياد عدّة أهمها سلطة الإعلام! و تلعب الميديا، الدّور الأساسيّ -للأسف- بعد مرحلة الأمومة(من حيث التدرّج) بعد المراحل المتقدمّة لنشوء الطّفل في البيت؛ الّذي يسميها المنظّر النّفسي الفرنسي (جاك لاكان) بصورة عامة بالتّحديق(The Gaze) -و يريد به النّظر مشحوناً بقصد-
في (مرحلة المرآة و تكوين الأنا عبر الآخر) و هي البنيّة الرئيسيّة و الأساسيّة لقيام المجتمع الإنساني الإجتماعي، إذ تبادل النّظرات ما بين الأم و الطّفل، تُعدّ أولى اللّبنات، لتطوير و تنميّة الشّخصيّة في هذه المرحلة التّفاعليّة المرآتيّة، ثم تأتي أبواق الإعلام و نعرات التّعليم لتصنع ما تصنع من أخطاء جسيمة و تقوم بأنا الطّفل المشوَّهة بتعاليمها النّاقصة، إن لم أقل الخاطئة و المشوِّهة تماماً، فتقتل الإبداع الفكري و الحسّ الخيالي الطّليق في جوهره الطّفولي و لا وعيّه الجمالي و بعد هذا يكون الطّفل غائي التّصرف ممسوخاً ضعيفاً مقتول الإبداع، بعدما كان حراً يتفلسف في أبسط الأمور، ثم يخاف بعدها بإظهار ما في باطنه خوفاً من المخالفات الجماعيّة و الخروج من المنظومة الإجتماعيّة المتمثلّة بقانون -السّائد المقبول- كيفيّة العمل الجماعي الصّحيح؛ (كيف تتصرّف و تعمل يا طفلنا العزيز!).

إبراهيم رحيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4565 المصادف: 2019-03-06 01:25:08