 أقلام ثقافية

وجعلناكم أكثر نفيرا

أراني كحادي العيس أحدو صورا تسكن خاطري، تميل بي وأميل بها، تهمّ بي وأهمّ بها أكثر، فأصير كراعٍ تسوقه الإبل وتغني له كي يتبعها فيطرب لصوتها غير آبه لما سيقوله عنه معشر الرعاة إن وجدوه على حالته هذه أو لما ستقوله الإبل التي تسوقه حيث تشاء. هل تتحدث الإبل مع بعضها؟ هل يتغامزون ويضحكون على بعضهم أو يذكرون حاديهم بما يكره أو بما يحب؟ هم " أمم أمثالكم " ولكنا لا نصدق هذا القول وننتظر عالما أشقرا كي يبرهن على صدق القول أو كذبه بتجربة يطيق فهمَها عقلُ المتكبر، فما لا يفهمه عقله لا وجود له.

الإبل أكثر حياءً من كثير من البشر

ذات ليلة في مدينة تنام مبكرا وبعد وجبة عشاء تناولها الرجل مع حبيبته وابنته وذاك الواسع العينين طويل الرموش الذي يكره من كل قلبه ضرورة أن تكون ساكنا لا متحركا في مطعم يتوسط مركز المدينة، تسلل الى سمعه نغم فطرب له فتبعه، في الطريق اليه قفزت أمامه صورة لوالديه ينظران اليه مبتسمَين، ورأى أخرى لفتاة تعشق ممارسة الرياضة وتستطيع أن تعطيك تقريرا مفصلا عن كل مطاعم بغداد، ثم اُخرى لصاحبة القطط ، الكل كانوا مبتسمين، حتى القطة العرجاء المؤدبة كانت مبتسمة، تظن صاحبة القطط أنّ هناك ما يربطها بالقطة العرجاء ولكن الرجل لا يرى رابطا الا الذي يسكن مخيلتها ولا وجود له على أرض الواقع. كان مصدرُ النغم عازفَ كيتار طلب الرجل منه أن يعيد عزف ما انتهى منه لتوه، ففعل مبتسما فاكرمه بمبلغ من المال لم يتعوده ذلك العازف فاجتهد كثيرا ليرضي الرجل وعائلته، لم يشأ ذلك المستمتع بصور خياله الممزوجة بليلته الجميلة أنْ يعرف اسما لتلك الموسيقى إذ تذكر أنّ لذة الفعل الأول لا تكرار لها، فقرر الاستمتاع بلحظته مع ضحكات أميرته الصغيرة ونظرات واسع العينين طويل الرموش.

الفاعل واحد والقابِل مختلف، والقابل هو مستقبِل الفعل. تسمع الكلامَ ويسمعه غيرك في الوقت نفسه، تذوب أنت ولسان حال غيرك " ماذا قال آنفا ".

أمِنْ تَذَكـرِ جـيــرانٍ بـذي سَــلَـمِ   مَـزَجْت دمعــاً جـرى من مُقـلةٍ بــدمِ

أمْ هـبّـت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ   وأومضَ البرقُ في الظلماء مِن إضَمِ

يقول سيث ستيفنز دايفدوتز مؤلف كتاب " الكل يكذب " الصادر بالإنكليزية بأن الكذب ظاهرة يومية بل أنّ الانسان يكذب حتى على نفسه  دون أنْ يشعر ولكنه يميل لقول الصدق لمحركات البحث  الموجودة على الانترنت مثل كوكل وياهو وغيرها، وبرهن على كلامه من خلال مراجعة مليارات من المعلومات المخزونة في محركات البحث تلك، تنبأ المؤلف بفوز دونالد ترامب بسباق الرئاسة الأمريكية قبل سنتين من انتخابه رئيسا، وتحدث عن تجارب مثيرة لا حصر لها عن طريق تحليل المعلومات التي يدخلها الناس في محركات البحث وربطها بإحصائيات عن أمور شتى فتوصل الى علاقة راسخة بينهما. قد لا يقول أحدهم ما يريد قوله في استطلاعات الرأي ولكنه يعترف بأعمق اسراره الى موقع كوكل مثلا. ويقول الكاتب أيضا بأنّ مواقع الكترونية كثيرة كالفيس بوك مثلا تجري علينا تجارب يومية دون أنْ نشعر قد يصل عددها الى الالف يوميا في حين أنّ التجارب التي تقوم بها شركات الادوية العالمية مجتمعة لا يتعدى عددها بضع مئات سنويا. انها مسألة وقت فقط لتستطيع المواقع الالكترونية معرفتنا ومن ثم التحكم بنا مستقبلا شئنا أم أبينا.

إنّ تطبيقات ومواقع الانترنت المجانية التي نستخدمها يوميا تعتبر مستخدميها سلعة وفئران تجارب وتحدث الكاتب عن بعض السيناريوهات السوداء إذا ما استخدمت تلك المعرفة استخداما سيئا.

قد يقول أحدهم، ما الفائدة من ذكر ذلك مثلا في بلد يصدر النفط والأموال والعقول ويستورد كل شيء حتى الخضراوات والفواكه ومنتجات الالبان والبقول؟ لا أدري.

مَنْ أراد أنْ تكونَ كلمتُه من رأسه فلتكنْ لقمتُه من فأسه، ونظام الدولة أفضل الفؤوس، فالفأس يبني ما تصدّع، ويحرث الأرض ويزرع، يخيف العدو ويردع، فإنْ تجرّأ فيده يقطع. هل رأيت محتلا يعطي فأسا؟ فيصير البلد بلا عصا لمن عصى، ويطفو على سطحه كلُّ عاصٍ لجرأته على الباطل كما الزيت يعلو الماء فيظن المرء أنّ الإناء كله زيت. وهنا أقول: أنّ مقارنة مجتمع بلا نظام بآخر بنظام متجذر فيه لعقود طويلة لا تصح أبدا، ومن غير المعقول أن تمدح مواطني دولة بنظام أصيل وتذم آخرين بلا نظام، فالنظام هو المحرك للمجتمعات، كافل لحرياتها وحام لحقوقها ومانع لكل ما يعيق حركتها، وبغيابه تتعود العين على الفوضى فتألفها فتصير عادة، ورغم ذلك كله ترى فئة في أرقى المجتمعات تستغل أدنى فرصة لتعلو فوق الماء كالزيت، فانقطاع الكهرباء في دولة متقدمة أو حصول أحداث شغب لسبب ما كفيل بإحداث الفوضى لوقت معين ريثما يستطيع نظام الدولة السيطرة عليها ليعيد المجتمع الى حركته الطبيعية. الأجدى أن نذم أنظمة لا يحلو لها الا زعزعة أنظمتنا كأنها تفطمنا كالوليد لنعيش بقية حياتنا في حالة من الفوضى الخلاقة.

بداية الكبر والحقد من الشهوة، ورسوخ الشهوة من العادة، ومن صار آكلا للطين فكل من يحول بينه وبين الطين يصير عدوا. قالها مولانا جلال الدين قبل قرون. 

لمّـا كان الله قد وهب لعصا العدل فمـاً لتأكل الحصى وحبال سحرة فرعون التي خُـيّـل للناس من سحرهم أنها تسعى، اعلمْ أنّ كلَّ من أراد كسر تلك العصا استحق الضرب بها.

" ما تلك بيمينك يا موسى " هل من المعقول أنْ تسأل أحدا يحمل عصا عن ماهية ما يحمله؟ هنا أراد الحق أنْ يؤنس عبده ويتودد له، كأحدنا - ولله المثل الأعلى - يسأل طفلا يحمل دمية عما بيده ليزيل ما علق بالطفل من خوف أو رهبة، ولو أجاب موسى قائلا عصا وسكت لكان ذلك من سوء الأدب في حضرة جلال الله، فأراد أن يستأنس بربه فاسترسل " هي عصاي" فلا داع للضمير هي ولا داع للياء بعد عصا، وزاد الكليم " أتوكأُ عليها وأهشّ بها على غنمي" ثم أنهى كلامه أدبا لكيلا يكون مكثرا " ولي فيها مآرب اُخرى "، ولكن موسى عندما أكثر الكلام مع العبد الصالح كان الجواب " هذا فراق بيني وبينك ".

وهنا أقول:

يا مَنْ تفتشُ في القرآن عن خطأٍ   إنّ المعانيَ قد ضاقت بها الكَـلِـمُ

لا أحد، حين يحكي، يحكي كل شيء.

كَـثُـرَ الكلام وقلّت الأفعال وكُسرت العصا ولا ظلّ للفأس يحمينا من صيف المحتل، وهذا عين مراد من خاف وعد الله في سورة الإسراء ولا احسب أنّ من ظل يردد حجج المحتل البالية الا مكشوف عورة لا يستطيع سترها.

عندما يُعتصر القلب ينزف، ونزيفه هذا يعتمد على ما تشبع به القلب أولا، يقول عاشق المعنى بعد أن صار قلبه مرآةً تعكس النور خمرا يشربه أهل الطريق المعبد بالألم الى أعتاب الجميل، أنّ المفتاح هو الإحسان. كيف؟ قالها المظلوم بسخرية لا تكاد تغطي على ملامح قلبه. فأجاب العاشق: الإحسان أن تحسن حركتك في الكون، فكل حركة أدت خيرا فهي عبادة، فالبناء عبادة والتعليم عبادة واحترام النظام عبادة، والضرب على يد الباغي عبادة، وحفظ هيبة الدولة عبادة، و بناء جيش عقيدته حب الوطن عبادة، والحرص على اقتصاد الدولة وحسن التخطيط لمستقبلها عبادة، محاربة الجشع والفساد عبادة، وأفضل العبادة عبادة القلب لا الجوارح، لذلك كان الإحسان شرطا للنصر، فعندما تبلغ القلوب الحناجر، وترى دينَ الله كلٌ به يتاجر، مِن افّـاقٍ وحاسدٍ وسارق وفاجر، فهذا من سوء حركتنا - عبادتنا - في الكون ، فزَهدَ الناس في دين الله فصارت شوكة الذين جعلهم الله " أكثر نفيرا"  قوية، أي أكثر عددا ومالا واعلى صوتا.

ثم زاد ذلك الثمل بالمعنى: نسارع لاستنكار قتل مصلين في مسجد سكن مشرق الشمس، ونشجب ونستنكر أفعال دولة سكنت مغربها على الدوام، نلوم الزمان والمكان والحال والأحوال والمبتدأ والخبر والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، نلوم من يقصفون عربا ويسبون عربا ويحتلون عربا، نلوم حتى دواب الأرض ولا نلوم تلك الأمارة بالسوء وهي تقتلنا قبل أعدائنا، ننام ورائحة الحرام من اجسادنا قد وصلت السماء السابعة ونستغرب أنّ دعاءنا لا يجاب. الله طيب لا يقبل الا طيبا وعبادتكم تفوح منها رائحة البصل.

وخالف النفسَ والشيطانَ واعصِهما   وإنْ هما مَـحّـصـاك النُّـصحَ فاتّـهـمِ

مـولاي صـلّ وسـلــّم دائـمـا أبــــدا   على حـبـيـبـكَ خيـرِ الخـلقِ كـلّـهــمِ

يـا رب صـلّ علـى مـحمـدٍ وعـلـى    ساداتــنــا آلــــه وصَحــبــه الكِــرَمِ

يقول ابن سينا: لما غلا ثمني، عَــدِمت المشتري.

لا يكتب الحُرّ الا انتصارا للجمال، كملك عرشه من حجر ما ضرته عروش من القشَ تخاف الماء والنار. متى خافت الصخرة أكوام القش؟

 

د. تميم امجد توفيق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4590 المصادف: 2019-03-31 07:41:33