 أقلام ثقافية

المخطوطات العربية في الاسكوريال

تعتبر مكتبة الأسكوريال مقصداً لكثير من الباحثين، لاحتوائها على ثروة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. وقد بلغت مخطوطاتها نحو عشر آلاف بلغات متعددة. منها حوالي ألفين باللغة العربية. وهو أكبر عدد تضمنته المكتبات في إسبانيا. وليس هذا كل ما تجمّع في أقبية الاسكوريال من المخطوطات العربية مؤخراً حتى اليوم، فبعد بناء الاسكوريال جمعت بعض المخطوطات من القواعد الأندلسية واستمر هذا الجمع حتى أضيفت إليه سنة 1612م ثلاثة آلاف مخطوطة، وبذلك بلغ عدد المخطوطات العربية وحدها في قصر الأسكوريال نحو عشرة آلاف مخطوطة، ولكن سنة 1671م شب حريق أكل أكثر هذه المخطوطات ولم يفلت منها غير ألفين هي المتبقية اليوم.

لقد كانت المخطوطات العربية التي احتوتها مكتبة الاوسكوريال هي صورة ناطقة عن عظمة الحضارة العربية في القرون الوسطى ودليل على دور العرب في الحضارة النسانية .

من هنا لابد من وقفة تامل في قصة المخطوط العربي في اسبانيا وضرورة العناية بالمخطوطات العربية في كل مكان لدراستها والاهتمام بها لما لها من اهمية في تاريخ التراث العربي وتوضيح ابعاد الحضارة العربية . وفي الاندلس ارتبط الكتاب العربي بوجود العرب والقائمين على الحضارة العربية هناك ولكنه لم يخرج بخروجهم وبقى رغم كل الظروف التي مرت .

حيث ان الوجود العربي في اسبانيا استمر لاكثر من ثمانية قرون فان سقوط غرناطة لم يكن نهاية الوجود البشري العربي ولا نهاية التاثير العلمي والثقافي والحضاري العربي في اسبانيا .

قد بدأت قصة المخطوط العربي في الاندلس منذ الفتح العربي مع نهاية القرن الاول الهجري واستقرت باستقرار العرب حتى غدت الاندلس مركزا جديدا من مراكز الفكر والحضارة في تلك الحقبة من الزمن واصبحت قرطبة وغرناطة وطليطلة في حركتها العلمية الثقافية ندا لبغداد ودمشق والفسطاط على ان التفاعل الحضاري والتبادل بينهما كان يسير بشكل منظم، فكانت الرحلات من الاندلس الى المشرق وبالعكس مستمرة، وكانت الصلات التجارية والثقافية متشابكة ومبيرة، ومن خلال هذه العلاقات ولثناء الرحلات انتقل الكتاب العربي وتقاربت المعارف، ومن يتطلع الى نمو الثقافة العربية في الاندلس وخلال فترة زمنية قصيرة يدرك سرعة انتقال الكتاب العربي والجهود الكبيرة التي بذلت في استنساخ المخطوطات التي ظهرت في المشرق العربي، بل ان جهود الامراء العرب في قرطبة كانت كبيرة باتجاه بناء صرح حضاري في الاندلس من خلال:-

اولا:- تشجيع حركة التاليف والترجمة والبحث.

ثانيا:- تشجيع العلماء في المشرق العربي للانتقال الى الاندلس ورعاية اهل العلم والفن للاسراع في هجرة العلماء والمبدعين اللى الاندلس.

ثالثا:- نقل الكتاب العربي واستنساخ المخطوطات العربية التي تصدر في المشرق العربي.

وقد ادى هذا كله الى نشاط ثقافي شامل، ساعد في شيوع الكتاب العربي وانتشاره في دور العلم و المساجد التي كانت جامعات حقيقية . وقد كان عصر الحكم المستنصر عصرا ذهبيا في الاندلس حيث انشئت دور خاصة للاستنساخ فقد جاء في كتاب " المعجب في تلخيص اخبار العرب " لعبد الواحد المراكشي نقلا من كتاب عن اخبار قرطبة (كان بالربض الشرقي من قرطبة) (أي الضاحية الشرقية  -  مئة وسبعون امرأة، كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي ...) هذا في ناحية من نواحي قرطبة فكيف بجميع اطراف الاندلس.

كما كان لحكم المستنصر 250- 266 هجري (961- 976 م) عمالا مكلفون باستنساخ الكتب القديمة ام الحديثة في كل من بغداد ودمشق والاسكندرية، ومن قصص اهتمامة بالكتب انه سمع بتاليف الصفهاني كتابه (الاغاني) فارسل اليه الف دينار من الذهب فبعث الاصفهاني بنسخة من كتابه قبل اخراجه الى العراق .

ان كتابات الباحثين والمستشرقين امثال الدوميلي وتوماس ارنولد وجاك ريسلر تؤكد ان الكتب والمخطوطات العربية في اسبانيا هي اساس بدء النهضة في اوربا كما انها النتاج الحضاري العربي الممتد من بغداد الى قرطبة .

واعتبر قصر الاوسكوريال من اعظم الصروح الملكية في اوربا في ذلك الوقت، فقد اهتم الملك فيليب الثاني شخصيا بببانئه عام 1557م وامر بتزويده بكل زخرفة متميزة ومواد البناء من رخام واحجار واخشاب واهتم بالمكتبة التي احتلت الجناح الايمن من القصر والتي اشتملت ليس فقط على الكتب والمخطوطات المهمه بل الرسوم والتحف النفيسة وكان الملك فليب قد اصدر امرا بايداع أي مخطوطة او كتاب يعثر عليه في جميع انحاء اسبانيا الى هذه المكتبة غير ان عدد الكتب والمخطوطات العربية خصوصا قد زادت بشكل مفاجئ حين استولت سفن الملك فيليب الثالث سنه 1612 م على المنطقة الساحلية من المغرب مابين اسفي واغادير حيث تم الاستيلاء على مكتبة مولاي زيدان سلطان المغرب والتي كانت تظم اكثر من ثلاثة الاف مجلد نفيس.

هذا وان الهجرة المعاكسة من الندلس الى بلاد المغرب العربي حيث حمل المهاجرون ماتيسر لهم من الكتب والمخطوطات تؤكد ان التراث الاندلسي قد تشتت بسبب تلك الهجرة وبسبب التعصب ومارافق مطاردة العرب من حملات احراق الكتب والمخطوطات العربية في ساحات المدن الكبرى كغرناطة وقرطبة واشبليا وطليطلة وغيرها .

وفي عام 1671 م حيث شب حريق هائل في قصر الاسكوريال التهم الكثير من الكتب ولم يبق من المخطوطات والمتب العربية الا ما يقدر بثلاثة  الاف كتاب ومخطوطة.

 

ا. م. هديل عادل كمال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4593 المصادف: 2019-04-03 01:14:52