 أقلام ثقافية

محنة التأقلم

تارا ابراهيمبعد عودتهم من الغربة الى بلدهم بعد سنوات، اصبح هاجسهم بل وكابوسهم الوحيد هو التأقلم مع مجتمعهم من جديد على الرغم من انهم ليسوا بالغريبين عن مجتمعهم الام بل هم ولدوا وترعرعوا فيه الى ان أتى ذلك اليوم الذي تركوا فيه وطنهم لسبب او لاخر..الغريب انهم عندما يعودون يبدأون بالتذمر بحجة ان المجتمع تغير وانه لم يعد شيء كسابق عهده وان الناس تغيروا وليسوا هؤلاء الذي كان رسمهم في مخيلته قبل الرحيل.

يقال ان التأقلم مع مجتمع جديد هو صعب ولكن العودة والتأقلم مع المجتمع الام هوأصعب كون المغترب يعود متغيرا بل ومعتنقا  أفكارا  جديدة ونظام حياة جديد فلدى العودة تبدأ المحنة الحقيقية في التأقلم بكل جوانبه المادية والمعنوية، ويبات محتارا ما بين مبادئة القديمة والمبادئ الجديدة التي اعتنقها في الغربة، ويعيش في عالمين متوازيين مختلفين لايتداخلان. والمغترب هو انسان غريب على مجتمعه الام والمجتمع الذي تبناه، غريب على مجتمعه الام كونه تخلى عن كثيرمن الاخلاقيات والقيم التي تربى عليها، وفي الوقت نفسه في المجتمع الاخر هو إنسان لاينتمي اليه بل يحاول التاقلم فيه بتبني قيم جديدة وإلا عليه ان يعيش في قوقعة يحيط نفسه بها كي لا يتأثر بالمجتمع الجديد.

مؤخرا باتت وسائل الاعلام الفرنسية تسهب التكلم عن هؤلاء الذين يعودون الى فرنسا بعد سنوات من التغرب كي تواجههم مشكلات متعددة لدى الوصول الى الوطن الام الذي عادة يجب ان تحيطهم بحنانها وعطفها ولكن العكس ان هذا الوطن ذو احضان باردة غيرمرفق بابنائه المحتاجين اليه، فالفرنسي عندما يعود الى بلاده يجب اولا ان يبحث عن مكان للاقامة بها ان لم يكن له عائلة او اصدقاء، وغالبا ما ينتهي به الامر الى الاقامة في فندق أوما شابه، لتأتي بعد ذلك مرحلة البحث عن العمل، حيث لايستطيع ان يأجرشقة  ان لم يكن له عمل ليأمن دفع الايجار، كما يجب عليه ان يسجل الاطفال في المدارس وهي ايضا تعتمد على مكان سكن دائم وليس مؤقت، وهنا تبدا المحنة الثانية...وبما ان كل شيء في فرنسا منوط بحساب بنكي جاري، فاي شخص لايستطيع ان يفتح حسابا اذا لم يكن له محل اقامة دائمة وهنا تأتي محنة أخرى... وهذا ما يسميه الفرنسيون تأثيركرة الثلج المتدحرجة حيث يصبح حجمها كبيرا وبالتالي تكبر المشكلات وتدخل في دائرة متشابكة من الصعوبة بمكان حلها بسهولة...في بعض الاحيان يترك الفرنسيون البلد بعد مدة قصيرة من الوصول كونهم لايتحملون بيروقراطية الدوائر الرسمية من البنك والمدارس والتأمين الصحي..الخ والبعض الآخر يبقى صامدا كي يجتازالصعوبات وبالتالي يتاقلم شيئا فشيئا...

وفي الحقيقة عودة الـتأقلم من جديد هي صعبة ومسألة نفسية اكثر من ان تكون مادية، كون هذه العراقيل قد تكون مسبب الاحباط ولكنها ستزول مع الزمن..ولكن الجانب المعنوي من التأقلم هوالاصعب، لذا يحاول المغتربون البحث عن الاشياء الايجابية في المجتمع الفرنسي مثل الثقافة والفن التي تشتهر بهما والتمتع بالأكل وبفنه في بلد يتصدرالمرتبة الاولى في تنوع ورقي مأكولاته ولذتها، الخ من الامور التي تريح المغترب في بلده.. ويكتشف الفرنسي لدى عودته ان الفرنسيين اناس انطوائيون غيرمتفتحين للثقافات الاخرى.. ويبدأ بالبحث عن اشخاص مثله، اشخاص عادوا من الغربة ولايستطيعون التأقلم مع مجتمعهم ..فهناك الكثيرمن المواقع الاجتماعية التي خصصت للتعارف ما بين المغتربين في بلدهم..لانهن يعتقدون انهم يفهمون بعضهم البعض..وفي النهاية هؤلاء يعيشون في وطن داخل وطن، اي وطن خيالي او تجريدي يضم اشخاص مغتربين في بلدهم ..وبالتالي تنتهي الرحلة بالعزلة والعيش في نطاق صغيرمع بعض التفاعل مع المجتمع الام.

 

د. تارا إبراهيم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺟﺎدت ﺑﮫ ﯾﺮاﻋﻚ...
تحیاتي ،

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4600 المصادف: 2019-04-10 02:40:47