 أقلام ثقافية

صفحة مطوية ننشرها بعد لأي

نور الدين صمودوقعت بيدي صِدفة ـ مسودّة قصيدة أوراقي المتراكمة التي لها علاقة بالأدب والأدباء والحياة الثقافية مشرقا ومغربا وشرقا وغربا وإفرنجا وعُرْبًا ـ وهي عبارة عن قصيدةٍ شبه فكاهية كتبتها في القرن الماضي فرأيت من واجبي أن أضيفها إلى (ديوان التهاته) الذي جمعت فيه أشعاري الفكاهية التي كتبتها في بعض المناسبات بمفردي وكتبت البعض منها بالاشتراك مع بعض الشعراء الأصدقاء، قد وقعت كتبتها في القيروان بتاريخ 17/3/1979.وقد ذكرني مكانُ وتاريخُ كتابتها المثبتُ في أعلاها بأيام ثقافية لا تنسَى.

 ولنعد إلى البداية فقد ذهبت إلى مطار تونس قرطاج قبيل ذلك اليوم مع مجموعة من أسرة الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين لاستقبال وفـْدٍ ثقافي من اتحاد الكتاب السوريين بمناسبة انعقاد إحدى دورات مهرجان ابن رشيق الثقافي الذي كنا نقيمه في القيروان كل سنة، وكنا ندعو إليه الشعراء والدارسين من المشرق والمغرب العربيين للمشاركة فيه، وكان الوفد السوري، وضمنه سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وغيره من الوفود الشقيقة التي جاءت بهذه المناسبة.

وقبل أن أقدم القصيدة الفكاهية الساخرة التي ذكرتني مسودتها بموضوع هذه المقالة، أشير إلى أن المستقبلين من الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين ـ على ما أتذكر ـ هم : محمد العروسي المطوي ـ نائب رئيس الاتحاد محمد مزالي، ومصطفى الفارسي، ود: عمر بن سالم وكاتب هذه السطور، وكنا جميعا خلف السياج لا يفصل المستقبَلين والمستقبـِلين ، غير بضعة أمتار، وكنا نعتقد أنهم سيجتازون ذلك الحاجز في بضع ثوان، ولكن الانتظار من الطرفين طال واستطال، رغم أنه موجود بين المستقبـِلين نائبُ اتحاد الكتاب الذي كان في ذلك الوقت عضوا في (مجلس النواب) وأن رئيسه في الاتحاد وزير من وزراء الدولة التونسية، وأن بقية المستقبلين أدباء معروفون في تونس وغيرها في العالمين: العربي والغربي، فشعرنا جميعا بالحرج الشديد إزاء هذا الموقف الذي بلغنا عنه في ما بعد، أن شرطة الحدود ما زالت في اتصال مع وزارة الداخلية للتـّثبت في انتماءات أعضاء ذلك الوفد الثقافي الذي لا يعرف أحد من المشرفين على الحدود قيمة جد أحد الضيوف القادمين من دولة عربية شقيقة بدعوة ممن يمثلون الأدباء التونسيين الذين انتخبوهم في مؤتمرهم المشهود، كما لا يعرف واحد منهم أن جد ذلك الأمير قاوم الاستعمار الفرنسي عند احتلاله للقطر الجزائري الشقيق، وأشهد أني شاهدتُ مجموعة من (السياح) الألمان يجتازون ذلك السياج دون أن يقدموا لشرطة القمارق (جوازات سفرها) وكان في مقدمتهم (دليل سياحي تونسي) يكلمهم بالألمانية ويوجههم نحو الحافلة التي ستقلهم إلى النزل الذي سيقيمون فيه، فقلت لزميلي في الهيئة المديرة لاتحادنا: (لا شك أن بين هؤلاء الألمان يهودا ولعل منهم بعض القادمين من إسرائيل عبر ألمانيا، فكيف يسمح لهؤلاء بالدخول ويمنع الأدباء السوريون ومن بينهم حفيد الأمير عبد القادر الجزائري؟) فتبسم ضاحكا من قولي، وبعد أكثر من ساعة سمح لهم بعبور ذلك السياج ليذهبوا معنا في اليوم الوالي إلى القيروان للمشاركة في مهرجان ابن رشيق القيرواني.

انعقد ذلك المهرجان في ظروف طيبة وقـُدمت فيه أبحاث كثيرة لا يسمح المجال بذكرها هنا، وأعود إلى القصيدة الفكاهية التي عثرت على مسودتها والتي أغراني محتواها  بنشرها والتعليق عليها لشدة صلتها بتلك المناسبة، وأشير أولا إلى أنها مصدَّرة بهذه الكلمة:

(أضاع الأمير سعيد الجزائري معطفه وأضعت صوتي بـِبُحَّةٍ قوية) وذلك لشدة البرد في ذلك الوقت ولفرط وقوفنا في انتظار السماح للوفد السوري بالدخول إلى أرض تونس قبل أن يولد أكثر (شباب الدواعش) بحوالي  ثلث قرن فقلتُ مشيرا بصورة ساخرة إلى ضياع معطف حفيد الأمير عبد القادر وضياع صوتي:

قد أضاع "الأمير" في القيروان  ** معطفا لـيس مثـله في الزمـان ِ

فاشتكى قائلا: (أضعتُ صوابي **  سوف يَـغــزو الشتاء كلَّ كياني

   دثـِّروني وزملوني وهاتوا        ** (بـِشوفاج ِ)ٍ يَعـــجُّ بالنــيرانِ

  قد أضعت الصوابَ مذ ضاع مني **مِعطفٌ قد صَحِبْتـُه من زمان ِ

  عن جدودي ورِثـْته، وهْو ذخرٌ    **فابحثوا عنه عبْر كل مكان ِ)

 

 

ثم وقع ما يسميه البلاغيون بحسن التخلص في الانتقال إلى ما وقع للوفد السوري في المطار من طول مِطال (شرطة الحدود) في دخول ذلك الوفد إلى تونس، لشدة احتياطهم وتوقـّيهم، فدلوا بذلك على قدرتهم على البحث عن معطف الأمير وذلك بأسلوب ساخر ويظهر هذا على ما وضعته على لسان الأمير في هذه الأبيات:

(كلفوا الشرطة الأولى عطلونا**في المطار المحروس في كل آن ِ

كلـِّفوهم بالبحث ِ عنه، فـــإنا**قد رأينا منهم عيونا روان ِ..

في المطار العتيد إذ أوقفـــونا**وعلـيــنا من كلهم عــيــنان ِ

كل عين كمجهر ٍ ذي بــريــقٍ**أو شكتْ أن ترى الذي في جَناني

سألوني: مَن أنت؟ قلت بفـخــر ٍ:**في عروقي يَسري دم الشجعان ِ     

إنّ جدي قد قاد حربا ضروسا** ضد أهل الفساد والطغيان ِ

فهْو في الحرب قائدٌ لا يُجارَى**يُرهبُ الخصمَ في مجال الطعان ِ

     عربي أنا فهل ذاك ذنــبــي؟**نحن في الضاد والهوى صِنوان ِ

فلـْتقولوا لهؤلاء: ابحثــوا عــنْ**معطفي، إن فقـْده قد شجاني).

فأجــبــت (الجزائريّ سعيدا):**ما تراني أقول في ما اعتراني؟

فأنا قد أضعت صوتي، وصوتي**كان أحلى من نعمة الكروان ِ

فــتــراني، إذا أردت كـــلاما،**ساكبا ما أقول في الآذان ِ

فيعــيــد الصديق ما قــد وعـــاه**مثل بوق لم يشتغل من زمان ِ

صِرْتُ مثل الوزير إنْ جاء وفدٌ**أجنبي، يلوذ بالترجمان ِ

وتـــراه مشـــوِّهًــا كلمـاتي**وتراني كالأبكم الحيران ِ

إن وجدتم ما فد ضاع سعيدٌ**فابحثوا في جيوبه عن لساني

وكلامي قـد صـار هـمسًا كأني،**في  كلامي المبحوحِ، كالبغبغان ِ

وكما ترى فقد خطر لي، من باب السخرية، أن أستغلَّ ضياع معطف سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري في ذلك البرد واعتبرت أن صوتي أو لساني قد ضاع مثل ضياع معطفه فإذا وجدَ (شرطةُ ُ الحدود) المعطفَ فليبحثوا في جيوبه عن صوتي أو لساني الذي أتكلم به، وأذكر أن كل من استمع إلى تلك القصيدة الفكاهية الساخرة في (كواليس) المهرجان ضحك لها ملء شدقيه إزاء الروح المرحة التي يتمتع بها الأمير سعيد حفيد الأمير الأمير عبد القادر ومن كان معه في ذلك الوفد والوفود الأخرى خاصة من القطر الجزائري الذي نبع منه سعيد وجده الفارس الشاعر الأمير الذي قارع الاستعمار الفرنسي بالسيف والقلم، وقدم شعبُ بلاده مليون شهيد في سبيل إجلاء مستعمريه بل مغتصبيه الذين تبلغ مساحة ُ أرضهم خُمُسَ مساحةِ أرض الجزائر الكبيرة لكنّ العبرُة ليست بالكم بل بالكيف، فهل من سبيل يجعل الجرائرَ [خـَمْسَ فرنسات] (إن صح هذا التعبير) بسكون ميم العدد خَمْْسة وليس بضم خائها وميمها (خـُمُس) ولن يكون ذلك إلا بالنفوس الكريمة التي ترفع الرؤوس العظيمة، وأن يَعُمَّ هذا الأمل المنشود جميع الناطقين بالضاد، وأن لا يكون همُّ ذوي الشأن م00ن الخليج إلى المحيط، السعي الحثيث للفوز بالضأْد الخبيث، وأن يَسْعَوْا لكسب الرهان في كل ميدان، بداية من إحياء ترسانات الدفاع عن حياض الوطن والتفوق والابتكار وأن نعمل جاهدين إلى إحياء مهرجان أبي النقد في شمال إفريقيا وكامل بلاد العرب ابن رشيق المنسوب إلى القيروان، والقادم إليها من قرية جزائرية وهو في السابعة عشرة من عمره ليستقر في  القيروان مبتدئًا حياته فيها بصناعة الذهب، ومن باب ما يُسمّى بغلبة الصنعة سمى أحد كـُتُبه (قـُراضة الذهب  في نقد أشعار العرب) فقد هجر صناعة الذهب النــُّظار و تفرغ للأدب يكتبه شعرا ونثرا وينقده ويضبط قواعده التي أسسها واستخلصها من الشعر العربي الخليل  بن أحمد الفراهيدي الأسْدي (100- 178)هـ  ولله ما كان أصحّ علمَ مَن نقدمــا.

 

أ.د:  نورالدين صمود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4618 المصادف: 2019-04-28 01:55:03