 أقلام ثقافية

كاد الحب أن يكون سفيرا

معراج احمد الندويالحب والسلام والتسامح هي ألفاظ جميلة تأنس بها الأذان ونستعملها يوميا في حياتنا وننصح غيرنا بالالتزام بها. فالواقع الذي نعيشه حاليا لا يمت بأي صلة لهذه المبادئ والقيم السامية، ولكن مع الرغم هذا، لا يمكن لنا أن نغمض أبصارنا عن الدور الذي يحتله كل من الحب والسلام في حياتنا اليوميّة.

وفي الزمن الذي تبلدت فيه الأحاسيس وتخشبت فيه المشاعر وتوحش فيه الإنسان، وجفت ينابيع المودّة والحب وتقطعت فيه سبل التراحم والتآخي بين الناس. وفي العصر الحاضر، قد تكون بحاجة ماسة إلى حديث الروح والأخلاق وحديث العقل والحكمة وحديث العاطفة الصادقة واللمسة النبيلة.

إن عاطفة الحبّ التي أودعها الله فينا هي من أجمل العواطف الإنسانية وأنبلها وأعمقها أثراً، فهي منطلق كل خير، وهي بكل تجلّياتها وامتداداتها الطاقة المُلهمة للإنسان والمُحرّكة له، ولا نبالغ في القول إنّ عاطفة الحبّ هي التي تعطي الإنسان معنى إنسانيّته، لأن الإنسان من دون حب هو صخرة صمّاء، ولا يمكن أن نرى في هذه العاطفة من حيث المبدأ شيئاً سلبياً.

يساعد الحب الإنسان في اكتشاف ذاته من خلال التفكير في شخصيته وما يحب وما يكره كما يُساعد على تنمية الذات ورسم أبعادٍ أولية للمستقبل. يلعب الحب دورا بارزا في زيادة التماسك والترابط في المجتمعات المختلفة من خلال دفع البشر للتعامل مع بعضهم البعض بمودة ورحمة وتعاطف وبذلك ينتشر السلام والخير فيها.

الحب هو شعور باطني بأن يوجد سلام داخلي. وهذا الحب هو الذي يشعر الإنسان بأنه قادر على أن يقدم لآخرين مشاعر الحب لأن الحب لا يمكن أن يكوم من طرف واحد، وإنما يجب أن يكون من الطرفين الحب المتبادل. الحب يتغير نظرة الإنسان في كل شيء من الحياة  والإنسان والمجتمع والكون. وهذا هو الحب الذي يجعل الإنسان أن يشعر كأن الحياة أصبحت مزهرة بالألوان، فالإنسان  يبحث عن الحب طوال حياته منذ الطفولة إلى الشيخوخة حتى وإن لم يظهر هذه المشاعر النبيلة أمام الآخرين.

الحب هو الذي يجعلنا أن نشعر بالسلام الداخلي الذي لا يمكن لأي شخص على وجه الأرض أن يبث فينا هذا الإحساس العميق لأن الحب مشاعر ربانية يدخلنا المحبة والسلام للآخرين. فالسلام هو تتدرج في حياة الإنسان كأنه يصعد لمجموعة من الأدوار العاالية والتي يجب بها ذروتها، ويصل إلى أعلى درجته حتى يأمل بأن يعيش حية مريحة وهادية في أمن وسلام.

يستطيع الحب من قدرته الهائلة أن يتغير سلوك الإنسان الذي كان يتبع طوال حياته، يؤمن الحب بأن الإنسان خير بطبعه، طيب بفطرته,لكن الحياة الاجتماعية هي التي تفسده،  فالإنسان قد يولد في بيئة تجعله قاسيا ولكن بداخله هو يكون لين مرينا. ولقد مكرت عليه سنوات عديدة ولا يقدر على التغيير وإتباع سلوك جيد، ولكن الحب هو الشيئ الوحيد الذي سيجعله أن يقاوم هذه البئية ويتحول سلوكه تجاه الحياة والكائنات والمجتمع.

الحب هو المشاعر الوحيدة القادرة على تحول الإنسان من داخله إلى شخص كان يبحثه عنه لسنوات طويلة. والحب يعطيه قلبا جديدا ينبض بالسلام والأمن تجاه الإنسان والمجتمع. الحب يجعل الإنسان أن يشعر بأن هناك طمانية في قلبه،و يوجد فيه سلام داخلي يعمه مشاعر الحب والإخاء للآخرين لأن الحب والسلام هما مكملان لبعضها البعض، فلا يمكن أن يوجد مشاعر الحب بداخل شخص ولا يوجد بداخه سلام تجاه الآخرين.

الحب ليس مرتبطاً بالإنسان فقط، بل يمكن أن تشعر به باقي الكائنات الحية الموجودة في الكرة الأرضية، وهو شعور قوي جداً وغريب ويصعب وصفه بالكلمات، وهو فطرة من الله سبحانه وتعالى منحنا إياها لإصلاح الأرض. إن الإنسانية والتسامح مفاهيم واسعة تحمل في طياتها الكثير من معاني الحب والاحترام المتبادل وسعة الصدر والعفو والصبر وغيرها من المعاني الراقية التي يجب أن تسود بين الناس جميعاً بغض النظرعن خلفياتهم الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية والعرقية.

يلعب الحب في الإبداع الإنساني والمعرفة كوجه من وجوه فطرة الإنسان، إذ أن الحب جزء محرّك للفعل والحيوية، فلا يعقل أن تنظَّم العلاقات الإنسانية والاجتماعية من دون الحب. الحب هو رحلة الإنسان والحياة، باعتباره الكائن الأقرب إلى مشاعر الأفراد ومطالبهم وآمالهم، والمجسد لأحلام الشعوب، وهو الذي يمد الشعوب بالشجاعة من أجل تغيير العالم والمناداة بالمساواة بين الجنسين واحترام الهويات الثقافية والعرقية. هذا هو الحب الذي ينقل الإنسان إلى عوالم السحر والجمال والسلام الداخلي.

الحب يخلق فكرة السلام ونشر الأمن في ضمير الفرد ثم إلي محيط الأسرة ثم الجماعة وأخيرًا في الميدان الدولي للشعوب والأمم. فالحب هو سفير في عملية السلام وتشجيع المواطنة ونشر ثقافة العدل والتسامح بين كافة شعوب العالم وتوفير الاستقرار والأمن وتعزيز كل قيم المساواة وجهود السلام المبذولة في العالم. 

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4621 المصادف: 2019-05-01 01:28:54