 أقلام ثقافية

آخر ما قرأت: نقوش في الذاكرة

سوف عبيدالصديق الشاعر والأديب محمد الصغير عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاما فهو من الأعضاء القدامى في اتحاد الكتاب التونسيين وهو من الشعراء الذين يكتبون وينشرون بعيدا عن صخب الساحات وأضواء الإعلام وفي رصيده عديد المجموعات الشعرية منها خاصة

 ـ في طريق الورد ـ أمواج ـ للبحر أنغامه ـ من الأعماق ـ مرافئ لا تنام ـ مسار يتجدد

والسّمة الواضحة في قصائد محمد الصغير نلاحظ فيها بكل وضوح كثافة الوجدان المرهف فأغلب مواضيعه صادرة عن عواطف شفافة مفعمة بالتعبير عن الجمال في شتى مظاهره وصادرة عن حب الموطن في عديد مجالاته وبأسلوب ذي لغة عربية تنزع إلى الصفاء لكنها سلسة العبارة موحية الصورة ولا عجب في ذلك فالشاعر متخرج من التعليم الزيتوني الأصيل وقد زاول التدريس والتفقد على مدى سنوات طويلة فكل إناء بما فيه يرشح

ـ 2 ـ

ولأن الأدب لا يعترف بمقولة الأعمار وإنما لا تزيده السنوات إلا خبرة ودربة فقد أصدر الصديق محمد الصغير كتابا جديدا بعنوان - نقوش في الذاكرة - هو مجموعة نصوص يتحدث فيها عن مسيرته الشخصية والأدبية والتربوية فكأن تلك النصوص حلقات متصلة لفلم تاريخي يؤرخ حياة شاعر من خلال تصويره لبيئه الأولى في قرية من جزيرة قرقنة التونسية فيستحضر شخصيات أسرته التي كانت تصارع الطبيعة برا وبحرا لكسب قوتها بكد اليمين وبشرف مما جعله يواصل دراسته رغم عديد التحديات فيذكر باعتزاز معلّميه وشيوخه ولا ينسى أصدقاءه وزملاءه وهو من خلال استرجاعه لذكرياته ينقل لنا بعض المواقف الطريفة مثل انتقاله لأول مرة عبر البحر من مسقط رأسه جزيرة قرقنة إلى مدينة صفاقس وكيف هبت الريح مما جعل المركب الشراعي قاب قوسين أو أدنى من الغرق وقد امتلأ قدر الطعام بماء البحر فكان ذلك أخف الأضرار

ـ 3 ـ

وعندما انتقل الشاعر إلى تونس العاصمة واصل دراسته في جامع الزيتونة فذكر لنا الكثير من شيوخه بتقدير وثناء ومن المصادفة أنه عندما ذكرهم تذكرت أني تتلمذت إلى بعضهم سواء في المدرسة الصادقية أو في معهد ابن شرف مما أثار في نفسي شجون الحنين والعرفان لهم وقد توقف الشاعر في هذه المرحلة عند الخلاف السياسي الذي اندلع بين الطلبة الزيتونيين وشقهم إلى فئتين متصارعتين قبيل استقلال البلاد سنة  فكان من 1956 فكان من الأجدر حسب رأيه التوحد من أجل التحرر من الاستعمار ثم بناء الدولة الوطنية وإن مثل هذه الذكريات يمكن أن تكون مرجعا مهما عن  مرحلة تاريخية من تاريخ تونس الذي ساهم فيه رجال التربية ليس بنشر التعليم في جميع مناطق البلاد حتى النائية فيها وإنما كان لهم الفضل في بعث المشاريع الاجتماعية وغيرها فقد كان أولئك المعلمون الأفذاذ منارات تشيع المعرفة والوعي  والوطنية بروح البذل والعطاء فلصديقنا الشاعر  محمد الصغير أن يفخر بأنه أحدهم

- 4 -

الكتاب إذن وثيقة أدبية وتاريخية بما حواه من معلومات وصور لشخصيات ولمجلات وبطاقات وغيرها تعود لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى أواخر سنوات القرن العشرين وفصوله الممتعة  بسرد تفاصيل الوقائع هي اسحضار حميمي لفترات ومواقف من حياة الشاعر محمد الصغير المولود سنة 1931 فالكتاب يمثل شهادات مهمة عن مسيرة مثقف حاول أن يضيف وأن يكون عنصرا إيجابيا رغم التحديات فتحية شكر وتقدير على مواصلته الكتابة والنشر  ونحن على خطاه وعلى درب جيله سائرون

 

سوف عبيد

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

من الذاكرة إلى الذاكرة... الإبداع لا يرتبط بسنّ و التقدّم في العمر لا يعني الحرفية.. وكل بداية لها مرجعية ليست ولابد تعلمية بل يمكن ان ترتبط بأرضية...نفسية..اجتماعية...تربوية.. فكرية.. مرجعية ملتصقة بالذاكرة... كذلك ليس لكل بداية نهاية.. فكل نهاية هي بداية لعمل جديد... فالحياة تتواصل وتتجدد... هكذا هو الأدب.. متغير..متجدد.. متطور.. لا موسم له.. هو كدورة الحياة في الطبيعة... يموت ما يموت ويحيا ما يحيا ويكبر ما يكبر ويتغير ما يتغير.. الشاعر سوف عبيد من خلال هذا الكتاب الذي تلقاه هدية من الصديق محمد الصغير وان كان يكبره سنا.. فإنه بتناوله يلتقي معه في عدة نقاط.. عدة مواقف تذكره بأحداث وحقائق عاشها وعايشها عبر التاريخ... إذ تحمله أرنبة الذاكرة الى عطورات الزمان عبر التاريخ وتحمله شذى الذكريات الى عزيز الحكايات والتقاء الأرواح والجلوس معهم على مائدة المعرفة حيث كانت المعارف لا تباع ..بل كانت سنة وبمثابة الصدقة يتسابق فيها المثقفون من المشائخ والفقهاء والفلاسفة... إلى إبلاغ وتبليغ ما تعلموه من علوم الى الذين يسعون للعلم والمعرفة..فيشقون البحار ويتحملون السفر... هذا هو الشاعر محمد الصغير في عصره... يؤرخ ذكرياته من خلال سرده لبعض احداث عايشها. وهذا الاديب سوف عبيد لا يمر على ما قرأه مرور الكرام...انما تجيش به الأفكار وتعود به الذاكرة الى الوراء الى زمن الأنوار ليرى ما يرى وما كان بينهما مشتركا.. فالاثر الادبي شهادة لدراسة حركة الأدب في تونس في حقبات تاريخية معينة من خلال شهادات الأدباء...

سونيا عبد اللطيف
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية شكر أثيل إلى الشاعرة سونيا عبد اللطيف على ما تفضّلت به من كلمات تشجع على المزيد من العطاء جيلا بعد جيل على درب التواصل والإضافة

سوف عبيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4683 المصادف: 2019-07-02 04:11:50