 أقلام ثقافية

عالم الاحياء الفنلندي بيتر فورسكال ورحلته الاستكشافية الى اليمن

جمال الخرساناحدى اقدم التجارب الاستشراقية الفنلندية قام بها عالم الاحياء الفنلندي بيتر فورسكال "Peter Forsskål" الذي كان احد اعضاء بعثة استشراقية اسكندنافية الى الشرق الاوسط ضمّت نخبة من علماء منطقة البلطيق في تخصصات مختلفة. فورسكال الذي تعلم في المانيا العديد من اللغات المشرقية بينها العربية شد الرحال الى المنطقة العربية في كانون الأول عام 1761 برعاية من ملك الدنمارك فريدريك الخامس رفقة فريق متخصص بهدف الوقوف معرفة الكثير عن تلك المنطقة الغنية بالموروث الاثاري والديني.

بدأت فكرة الرحلة من مقترح تقدم به المستشرق الالماني يوهان دافيد ميخائيلس "Johann David Michaelis" الى وزير الخارجية الدنماركي جون هارتفيغ بيرنستورف "Johann Hartwig Ernst von Bernstorff" بان يذهب رجل واحد الى بلاد اليمن لأنها شبه معزولة ولا يتوقع ان تتغير كثيرا ما كانت عليه سابقا، فما كان من الوزير الا ان قدم المقترح توصية الى ملك الدنمارك الذي عرف عنه اهتمامه بالعلم والفن، الملفت ان موافقة الملك جاءت في مرسوم ملكي يحدد مهام البعثة التي تشكلت بعد المداولة من فريق عمل متكامل، الزم الملك المشاركين فيها بتوصيات صارمة تقضي بضرورة احترام العرب والثقافة العربية. اختير اعضاء البعثة الستة بعناية فائقة وهم: عالم الفيزياء والرياضيات والخرائطي الالماني كارستن نايبور، عالم الاحياء الفنلندي بيتر فورسكال، الطبيب الدنماركي كريستيان كارل كريمر، الرسام الالماني غيورغ فيلهلم بورينفانيد، عالم اللغة والمختص بمعرفة الكتابات القديمة الدنماركي كريستيان فون هافن. اضافة الى جندي مرافق للبعثة. انطلقت الرحلة بداية عبر السفينة الدنماركية الحربية "غرينلاند" اوصلتهم الى مدينة مارسيليا الفرنسية، ثم منها الى مصر عبر القسطنطينية "اسطنبول"، ومن مصر وصلوا الجزيرة العربية في سفينة تقل الحجاج عبر البحر الاحمر، ومن اعلى تلك السفينة رسم نايبور خريطة البحر الاحمر، ثم ذهبوا لليمن، العراق وايران وحتى الهند.

اعضاء البعثة استثمروا تلك الرحلة الطويلة لصالحهم ولم يتركوا شيئا الا واستوقفوه باختصاصاتهم المختلفة، لقد رسموا مئات الخرائط منها الخريطة الاولى لليمن، وجمعوا اعداد كبيرة من المخطوطات واسماء النباتات والحيوانات.

اعضاء البعثة ورغم صلابتهم امام قسوة المناخ، الظروف الصعبة وحتى مطاردات بعض السكان وقطاع الطرق فان اكثر ما جعلهم يدفعون الثمن غاليا هو مرض "الملاريا" الذي قضى عليهم واحدا تلو الاخر، توفوا جميعا ولم يعد منهم سوى نايبور حاملا ما وثّقه هو وما وثّقه زملاؤه المغامرون. لقد أصيب الرحالة بيتر فورسكال بمرض الملاريا وتوفي في اليمن بتاريخ 11 تموز 1763 أي بعد حوالي سنتين من بداية الرحلة. لقد منح القدر نايبور عمرا مديدا ليوثق لاحقا نتاجات تلك الرحلة في مختلف الاختصاصات لتكون سلة معرفية تعزز مجال الاستشراق في شمال القارة وتمنح الإنسانية تجربة معرفية هامة.

 

جمال الخرسان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4689 المصادف: 2019-07-08 13:31:32