 أقلام ثقافية

الحنين إلى الوطن

بلغنا مئة من العمر وألفا من الوجع.. والملايين من الدموع.. بلغنا عمرا يبلغ من البحر منتهاه.. ومن السماء مطرا لا ينقطع ومن الريح عصفا لا يهدأ..

بلغنا من الحنين ما يملأ كل خلايا أجسادنا مشاعر لا تنطفئ، سيرثها أبناؤنا وأبناؤهم وسلالات لا تنتهي..

سنكتب تاريخا من الحزن الطويل، رحيلا لا ينتهي ووطنا يموت كل يوم بين أحضاننا..

نفينا قبل مولدنا وحين مولدنا وبعده.. حتى ظننا الشؤم فينا.. نفينا إلى حيث يرقد مارد من الأوطان التي رحلت ولم تعد.. ولا زالت الروح تشتاق لوطن يعود.. نفذت كل مناديل الوطن وأكفان الوطن.. تحول إلى عين لا تدمع ولا تسهر ولا تكلف نفسها عناء الاهتمام بنا.. مقيد ومسجون في زنزانة بين السماء والأرض.. مجتث اللسان يصرخ بلا صوت..

أغلقنا بعده كل أبوابنا وأطفأنا كل شموعنا، وصار عنواننا الموت أو الموت ولا ثالث لهما.. نموت قربا ونموت بعدا.. فنسافر حاملون حقائب للبكاء، للرثاء وللهراء..

تتصافح فيما بينها خيباتنا.. وتأخذ أحلامنا المنتحرة بالأحضان كل من خذلها.. وحين تتشح بالسواد أوطاننا.. وتهجر الطيور سواحلنا إلى غير رجعة.. ويتوانى الزاجل عن حمل رسائلنا.. سنصلي كل يوم لعلنا نفتح أعيننا من كابوس سيء جدا ليس إلا..

هكذا نحن نحتاج لأوطاننا ونشتاق إليها رغما عنا، مهما بلغ بنا من الغضب، ومهما أصابتنا من نكبات.. نبقى نشتاق أوطانا تحتضننا كأم لا تفرق بين أبنائها مهما بلغت فروقاتهم.. تعطي دون مقابل.. فكلنا حين تدق ساعة الشوق في صدورنا لا يسعنا إلا أن نبكي اشتياقا واستياء في آن واحد، أن نصلي وندعو الله أن يطفئ تلك اللوعة، فنحن لا نختار الوطن أو غيابه، ولا دخل لنا إلى أي أرض ننتمي، نحن فقط نصاب بداء لا دواء له يستقر في أعماقنا، وكلما ابتعدنا يزداد ألما وتقرحا، وكلما اقتربنا يزددنا وجعا وحسرة، نحن بكل اختصار مصابون بداء اسمه "الحنين إلى الوطن" !

 

د. فرح الخاصكي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4694 المصادف: 2019-07-13 03:32:48