 أقلام ثقافية

النظارة السوداء

منى زيتونلا أعتبر نفسي قارئة روايات بالدرجة الأولى، لكن في المرحلة الجامعية قرأت بعض روايات كبار الأدباء المصريين. وكانت "النظارة السوداء" إحدى أعلى تلك الروايات التي قرأتها قيمة، ولا زلت أتفكر كلما تذكرتها وأتساءل: أي شيطان أوحى بها إلى إحسان؟! من أين أتته هذه الفكرة البسيطة وبكل هذا العمق؟!

تدور القصة حول فتاة لاهية، تتلف وقتها فيما لا يفيد، ويعرفها أصدقاؤها والمحيطون بها بنظارتها السوداء التي تداري بها عينيها عن الجميع، ولا تكاد تخلعها. هذه الفتاة تلتقي في حفل بمهندس شاب جاد، يبدو أنه حضر الحفل من باب المجاملة. هذا المهندس يتضح فيما بعد من حوادث القصة أنه معني بحقوق عمال المصنع الذي يعمل فيه، يتكلم بلسانهم ويطلبها لهم.

شغلت الفتاة الجميلة بال المهندس الشاب، وكانت النظارة السوداء في نظره قناعًا تتقنع به الفتاة لتخفي به حقيقة نفسها عن العالم. ولأن هذا المهندس ينظر إلى نفسه نظرة إيجابية يستمدها من نظرة الناس إليه، والفتاة على النقيض منه، فقد حاول أن يسحبها إلى عالمه. بدأ ذلك بعيادة بعض عمال المصنع المرضى وتعريفها بهم.

بدأت الفتاة تحب العالم الجديد الذي يجرّها إليه، وتشعر لأول مرة أن لها ولحياتها قيمة من خلال مساعدة الآخرين. وكان بدهيًا أن تعمقت صلتها بالمهندس الشاب في تلك الفترة قبل أن يحدث انقلاب الأدوار.

كانت لحظة التحول الكبرى في القصة عندما استطاع صاحب المصنع وابنته إغراء الشاب الجاد نصير الضعفاء السابق ولسان حالهم لينضم إلى طرف رأس المال ويناهض حقوق الضعفاء الذين طالما ناصرهم، ولم يجد العمال من يلجأون إليه ليكون صوتهم إلا تلك الفتاة، والتي وقفت تجأر مطالبة بحقوقهم بعد أن خلعت نظارتها السوداء!

ويتجلى عمق هذه القصة على بساطتها في رأيي في أمرين: الأول؛ أن اثنين من عالمين مختلفين ليس بين عالميهما رابط، تجاذبا والتقيا في المنتصف، ثم استطاع تحويلها إلى عالمه، لينقلب هو بعدها ليحيا في عالمها الأناني التافه، فافترقا بعد لقاء قصير، لأنها لم تعد معه من حيث أتت، بل اكتشفت أنها تنتمي إلى العالم الثاني الذي شدّها إليه، لا تريد أن تغادره. لم يكن الافتراق بأن اشتاقت إلى حياة اللهو والترف فتركته إليه وبقي هو في عالم المُثل، بل افترقا بأن عكس كل منهما وجهته وتحول إلى عالم الآخر.

كان هذا هو المعنى الذي وقف عنده إحسان، وهو معنى ظاهري رغم شدة جماله، وهناك في رأيي معنى أعمق منه يبدو في الرواية.

هذا المعنى الثاني والأهم، هو إلى أي حد قد لا يعرف الإنسان حقيقة نفسه! حتى تضعه الأقدار أمام موقف يمثل صدمة له يعيد من بعده استكشاف نفسه، وربما يكتشف أن حقيقته على العكس تمامًا مما يظن!

فالقضية الأساسية ليست ما يظنه الناس عنك، بل القضية الأساسية هي ما تظنه أنت عن نفسك، وكما قد ينخدع فيك الناس قد تنخدع أنت في نفسك ولا تعرف حقيقتها!

من الواضح أن الفتاة كانت تحتقر نفسها وتداريها عن الناس، بينما الشاب كان يحترم نفسه، إلى أن اكتشف كل منهما أنه يحمل نفسًا أخرى بين جنبيه غير التي كان يعرفها. ليست نفسًا غيّرها الموقف، بل نفسًا استكشفها ووجدها داخله.

لم يكن خلع الفتاة النظارة السوداء رمزًا فقط لخلع استهتارها وانخلاعها من عالمها التافه غير ذي القيمة، بل كان خلعًا لمعرفتها الزائفة بنفسها، خلعًا لنفسها القديمة التي اكتشفت لتوها أنها ليست هي!

لذا أرى التنبيه إلى أهمية الوعي بالذات أقوى ما في النظارة السوداء. وكم بيننا من لا يعي بذاته.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4708 المصادف: 2019-07-27 02:19:30