 أقلام ثقافية

توقيعات الغرباء

التوقيعات في التراث والتاريخ نوعان:

1- توقيعات الوزراء: وهي كلام يتسم بالإختصار والتركيز والبلاغة موجه من خليفة أو وزير أو سلطان الى من هو دونه يأمره أو ينهاه أو يوجهه الى ما يريده منه ويبتغيه ويكون غالبا في المسائل الديوانية الرسمية .

2- توقيعات الغرباء: وهي فن أدبي شعبي يتخذ له الآن مكانا وسطا بين الأدب والتراث فهو يمت لكل منهما بصلة ما. و يمتلأ الزمن المعلوم والمعروف بعد انتشار الكتابة على امتداده بالكثير الكثير من توقيعات الغرباء . فحيثما أدرنا وجوهنا رأيناها، في مكان مناسب أو غير مناسب . فقديما حيثما وقفت قافلة ما للاستراحة والطعام و إراحة الدواب وُجد من يعتزل الجميع - وقد هاج به الشوق - ليخطّ على صخرة ما - قد يكتب على الرمال أيضا وتلك لا نحظى بها أبدا لان الرمال تسفيها فلا أثر لها - ينقش اسم حبيبته أو بيت شعر فيه ذكرها. أو يشكو هموم سفره لله كتابة، أو يكتب هواجسه أو توقعاته أو أدعيته أو اسمه بعض الأحيان مع كلمة للذكرى الى غير ذلك مما تجود به قريحته . وكثيرا ما وجد مثل ذلك في استرحات الطرق أو في الخانات . ويُعد من قبيل توقيعات الغرباء كل ما كُتب على الأشجار أو الأحجار أو الجدران أو في سيارات النقل العام أو على مصاطب المتنزهات وعلى مناضد الدراسة وجدران المدارس من تعليقات وحتى على الأوراق النقدية الورقية سواء أكانت الكتابة كلمة واحدة أو سطور من النثر أو أبيات من الشعر سواء أكانت من قول كاتبها أو من الأقوال المعروفة المتداولة بين الناس .

ولا أجدُ في نفسي شططا كبيرا أذا أحصيت ضمن ذلك  قصائد شهيرة معروفة كتبها أو قالها الشعراء في غربتهم وألحقتها بتوقيعات الغرباء وان عُلم أصحابها وقائلوها ومع انها لا مختصرة ولا مركزة كما يفترض بتوقيعات الغرباء غير انها تتسم بصفتين تتشابه بها مع توقيعات الغرباء وهما كونها جميعا كتبت في الغربة وان موجة من الشعور العارم والحنين الى الأهل الوطن تلفّها وأخص بالذكر قصيدة (لا تعذليه) لابن زُريق البغدادي ومطلعها

لا تعذليه فان العذل يولعه  قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

وقصيدة مالك بن الريب (الا ليت شعري) ومطلعها

الا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بجنب الغضا ازجي القلاص النواجيا

كذلك قصيدة أحمد شوقي التي كتبها وهو منفي في الأندلس من قبل الانكليز يخاطب بها الحمام

يا نائح الطلح أشباه عوادينا           نشجى لواديك أم تأسى لوادينا

ماذا تقص علينا غير انّ يدا          قصت جناحك جالت في حواشينا

رمى بنا البين أيكا غير سامرنا    أخا الغريب وظلا غير نادينا

فان يكُ الجنس يا بن الطلح فرّقنا   ان المصائب يجمعن المصابينا

وكذلك قول الشاعرة في الطريق الى دمشق

أيقنت أن عبــــاءتي    رحلت وان الحين حيني

بين الملاذ ومنزلي    كبدي يُقطّـــر في يميني

بغداد فيـــك أحبتي    فارعي الورود وودعيني

وقصائد اخرى كثار كُتبت في المنافي أو في الطرق اليها . وان لم تُكتب على حجر ولا شجر .

وفي زمننــــا هذا حين كانت بغداد و غيرها من مدن العراق الحبيب مليئة بحافلات النقل العام (ذكرها الله بالخير) تجوب شوارعها وتوصل أبناءها من محلات أعمالهم ومن مدارسهم وكلياتهم ومن مصانعهم الى حيث ترقد بيوتهم بانتظار أن يدخلوها بسلام آمنين . كان بعض الركاب - وأخص منهم الشباب والمراهقين - يحرك يده بكتابة يظنّها جميلة أو طريفة على الجلد الذي يُغلّف كراسيها وعلى جوانب السيارة العامة وقد نجد من كتب بعض الشتائم والألفاظ النابية . وكلنا نستنكر منهم ذلك غير انه يُعد أيضا من توقيعات الغرباء .

ولطالما استلفتت نظري كتاباتهم فمنهم من يكتب آية من القرآن الكريم أو حديثا نبويا شريفا ومنهم من يكتب حكمة ما أو بيت شعر جميل أو مشهور ومنهم من يكتب اسم حبيبته أو أسماء أصدقائه أو يكتب اسمه مع أوصاف مثل البطل أو العبقري الى غير ذلك ، والأخيرة غالبا ما تعبر عن أُمنية مكنونة في صدور من كتبها. حتى الصبيان وهم يلعبون في أزقتهم أو الأزقة المجاورة لهم ترى بعضهم يتجه الى جدار ما ليخط عليه بقلم يحمله أو بأداة حادة - يبرزها من جيبه أو تقع في يده بالصدفة - ذكرى أو اسما أو عبارة يحبها أو مطلع أُغنية يحفظها أو اسم فريق رياضي يفضله أو ممثلة تعجبه الى غير ذلك، مسندا لمن يذكره ما يشاء من مثالب أو مناقب مما يختزنه العقل البشري في خزانته العجيبة .

ولو درسنا كتاباتهم وتمهلنا عند معانيها ومقاصدها لاستطعنا أن نتعرف على حالاتهم النفسية وعلى أحاسيسهم، ونتعرف على تأثير الغربة في نفوس المبتعدين عن أرضهم وديارهم اذ يتقبلها بعضهم ببساطة ورحابة صدر في حين أنها تؤثر سلبا على غيرهم حتى قد تصل بهم حد المرض أو الموت كآبة .

ومن كتابات الغرباء أيضا ما يكتبه على السيارات مساعدو السائقين أو من يعمل على سياراتهم من قبيل منظفي السيارات أو من يقومون بتصليح أعطالها أو بعض المستطرقين من قبيل (اغسلوني) أو من قبل السائقين أنفسهم من عبارات مثل (محبوبة سمراء) أو (الحسود لا يسود ) أو (يا ناظري صلي على النبي) الى غير ذلك من عبارات تشي بما في نفوس أصحابها وتعكس خوفهم من الأقدار والأعطال .

وقلما يكتب الغرباء توقيعاتهم وهم في حالة انتشاء وسرور .

فهي نوع من طاقة سلبية مكبوتة ومشاعر ملتهبة لا بد من تفريجها والتعبير عنها آنيا بطريقة من الطرق مألوفة كانت أو غير مألوفة سواء سمح المكان والزمان بمثل ذلك أو لم يسمح، انّها توقيعات الغرباء .

***

سمية العبيدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4710 المصادف: 2019-07-29 03:03:37