 أقلام ثقافية

الشّعر هذا الكائن الّذي لا يُعرّف

مادونا عسكرالشّعر شقاء الّذين أدركهم الجمال فأسرهم وأغدق عليهم بسرّه غير المدرك تماماً. وكأنّي بالشّعر كائن يصطفي رسله ويقودهم بحسب مشيئته إلى ما لا يمكن تعريفه أو وصفه أو تحديد ملامحه. وهو شقاء لأنّه يبتعد بقدر ما يقترب، ويملي بقدر ما ينقطع، ويُفرح بقدر ما يُحزن ويمنح بقدر ما يُحجم، ويحيي بقدر ما يميت. وهو شقاء؛ لأنّه إذا ما أوقد ناره في الأعماق لزم أن ترمي بنفسك فيها حتّى تحترق فتولد القصيدة. وإذا ما فاض بنوره وجب أن يسجد فكر قلبك ويعبّ تفاصيل الضّياء وتكتب ما يُملى عليك وإلّا تخلّى عنك. وقد تشعر بلسعات الموت إن لم تكتب.

الشّعر للشّعراء، فكما أنّه من العسير تعريف الشّعر، فمن العسير أيضاً تفصيل ماهيّة الكينونة الشّعريّة. والشّاعر لا يدرك أنّه شاعر ويمضي في صياغة ما يُملى عليه من الشّعر بمعزل عن وعيه وإرادته لحظة انبثاق الشّعر. لذلك عندما يعود لقراءة ما خطّه القلم يندهش ويتحيّر وقد يخاف. فكأنّ هذا الكائن، أي الشّعر، يخشى على الشّاعر من رهبة الجمال وقوّة حضوره فيسلبه وعيه حتّى لا تضطرب نفسه فيحجم عن الكتابة. وإن كان الفلاسفة أصدقاء الحكمة وأبناءها، فالشّعراء مشيّدو بناءها. تأوي إليهم حتّى لا تظلّ تائهة في هذا العالم. والمعنى في قول أحمد شوقي: "لا يزال الشعر عاطلاً حتّى تزيّنه الحكمة، ولا تزال الحكمة شاردة حتّى يؤويها بيت من الشّعر."؛ لذلك فالشّعر أبعد من موهبة يمتلكها الإنسان، وأعمق من بلاغة لغويّة وقدرة على مزج الكلمة بالجمال. إنّه مأوى الحكمة ولا شعر من دون حكمة يجسّدها الشّاعر شخصاً يحاكي من خلالها المتلقّي. وهو كنه الجمال، يصدم الأعماق الإنسانيّة بعنف لذيذ، ليكسّر نزعاته إلى القبح على صخرة البهاء. فتأتي ردّة الفعل صامتة، لأنّ القلب أحسّها فتشرّبها ليتلمّس العقل بعض المعاني. وكلّ شعر لا يُلاقى بالصّمت لا يعوّل عليه. وكلّ شعر لا يقتحم قلب القارئ فيحيي فيه طقوس الجمال لا يعوّل عليه. وكلّ شعر انتظر إعجاباً أو تعاطفاً أو مدحاً لا يعوّل عليه.  وكلّ شعر لم يدم لألف عام لن يلقى سبيلاً إلى الخلود.

الشّعر، هذا الكائن العجيب، الجميل، يسلب من الشّاعر كينونته الإنسانيّة ليبقي على الكينونة الشّاعريّة، وكأنّي به مسحه بزيت الشّعر إلى الأبد، وجعله بين منزلتين، منزلة العالم فيغترب ويتغرّب ومنزلة العلوّ البهيّ فيجاور العالم الإلهيّ. ولا يشقيه إلّا ليرفعه، ولا يسلبه الوعي إلّا ليزرع فيه الحكمة، ولا يوقد الأحلام إلّا لتتجلّى  الحقيقة فتصبح الرّؤية غير الرّؤية، ويمسي الفهم غير الفهم، والإنسان غير الإنسان.

ثمّة بون شاسع بين نصّ شعريّ و"الشّعر"، الأوّل عالم تحت السّماء، والثّاني سماء تجول في العالم، تمسح دمعة بؤسه وشقائه.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلّ شعر لا يُلاقى بالصّمت لا يعوّل عليه \ تحيّة للصديقة الجميلة مادونا.

شوقي مسلماني
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي وتقديري أ. شوقي مسلماني

مادونا عسكر/ لبنان
This comment was minimized by the moderator on the site

انطلاقا من فرضية العنوان ذاتها.. /الشعر هذا الكائن الذي لا يُعرَّف/.. كل تعبير نعتي جازم ورد ذكره في المقال عن الشعر إنما هو، في حقيقة الأمر، تعبير مناقض لهذه الفرضية ما لم يقترن بنقيضه اقترانا شعريا على أقل تخمين..
فمثلا.. التعبير النعتي الجازم.. /كلّ شعر لا يُلاقى بالصّمت لا يعوّل عليه/.. يناقض في حد ذاته الفرضية المعنية لأنه بالتأكيد يصحّ في المقابل أن يقال أيضا.. /كلّ شعر لا يُلاقى بالكلام لا يعوّل عليه/.. أو.. /كلّ شعر لا يُلاقى بالحراك لا يعوّل عليه/.. أو حتى.. /كلّ شعر لا يُلاقى بالضجيج لا يعوّل عليه/..ألخ آخره.. !!أ

آصال أبسال
This comment was minimized by the moderator on the site

أ. آصال أبسال
أشكر حضورك، محبتي واحترامي

مادونا عسكر/ لبنان
This comment was minimized by the moderator on the site

الشعر هو كل ما يجعلك وان تقرأ تشعر بحالة مغايرة ،لانه لغة أخرى ، فهو يبدأ كما يقول احدهم من حيث ينتهي الواقع .

د. ستار جبار العبادي
This comment was minimized by the moderator on the site

د. ستار جبار العبادي
محبتي وتقديري

مادونا عسكر/ لبنان
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4715 المصادف: 2019-08-03 02:18:47