 أقلام ثقافية

ما وراء الشعر (٢)

احمد الكنانيمما طاله النقد في أسطورة الأدب الرفيع للوردي المديح من الشعر والتفاخر بالقبيلة والأنساب؛ ذلك لان هذا النوع من الشعر فيه ما فيه من شحذ الهمم والتذكير بالأمجاد وبالتالي الدعوة للتناحر والاقتتال وهو عكس المرجو من الشعر من الدعوة للسلام والوئام .

 ويتعدى ذلك هذا اللون من الشعر الى مديح الشعب هذه الأيام والتمجيد بالأوطان فهو تفاخر ودعوة للتناحر أيضا...

الوردي ينظر الى الشعر كقطعة فنية وظاهرة اجتماعية، وله الحق في ان يدلو بدلوه وينتقد ما شاء له من النقد للشعر كظواهر اجتماعية اتسمت بها البيئة الشعرية العربية وأدت الى كوارث بشرية من صراعات وحروب نتيجة لذلك ..

الشعراء مجموعة من الشحاذين المنافقين بنظر الوردي .

 وبناءً عليه فالشعر فتنة عرقية وعصبية بغيضة ودعوة للاقتتال . .

وللإنصاف ان شعراء المديح بل حتى الشعر المغنى الممنتج من مطربي المديح هذه الأيام حولوا الشعر الى بضاعة مسجاة تباع وتشترى من دون الالتفات الى شخص الممدوح بعدل او ظلم هو كالزبون يدفع إزاء بضاعة ولا ينظر الى شخص الزبون بل الى أمواله

الشعراء الكبار يترفعون عن الخوض في المديح والهجاء لانها وضاعة لا تناسب الافذاذ .

هذا اللون من الشعر هو احد فنون الشعر وله مبدعيه ونجومه الامعة التي أغنت الشعر وجعلته اكثر ثراءاً و من الناحية الفنية طَرَزَ الأدب العربي بأروع ما يكون من لآلئ البيان وأصفى من رحيق شقائق النعمان، خصوصا في فترته الأموية، وصراع الهجاء الذي وصل الى أوج عظمته على يد جرير والفرزدق ..

نقرأ ونستمتع بالصور البلاغية النادرة من شعر جرير وهو يهجو بني نمير، سحر من الشعر لاحق هذه القبيلة كاللعنة الدائمة:

أَتَلتَمِسُ السِبابَ بَنو نُمَيرٍ 

         فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِباب

أَنا البازي المُدِلُّ عَلى نُمَير

    أُتِحتُ مِنَ السَماءِ لَها اِنصِبابا

إِذا عَلِقَت مَخالِبُهُ بِقَرنٍ    

    أَصابَ القَلبَ أَو هَتَكَ الحِجابا

تَرى الطَيرَ العِتاقَ تَظَلُّ مِنهُ  

       جَوانِحَ لِلكَلاكِلِ أَن تُصابا

فَلا صَلّى الإِلَهُ عَلى نُمَيرٍ        

      وَلا سُقِيَت قُبورُهُمُ السَحابا

ونقرأ التفاخر بأعلى صوره هي هذا البيت:

إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً

             دعائــــــــمهُ أعزُ وأطولُ

الالتفات الى الوجوه البلاغية الساحرة في هذا البيت من الايماء الى وجه بناء الخبر، والتعريض لتعظيم الشأن، وما الى ذلك من الوجوه، تعني الكثير لرواد الأدب والبلاغة، وهذا هو مبتغاهم من دون النظر الى سوءات هذا النمط من الشعر من النواحي الأخرى غير البلاغية .

الوجوه البلاغية في هذا البيت تحاكي في بيانها وفصاحتها الآية القرآنية: "ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" كما أشار اليه السعد التفتازاني، بل أسهب في توضيحه في شرح المطول .

وأريد هنا ان اكمل ماتوصل اليه الوردي في بيان شعر المديح لكن بنسخته الفارسية، وهي لا تقل خطورة عن اختها العربية ...

وبالالتفات الى الشعر الفارسي وهم ابطال الميدان في التفاخر بعرقهم وبطوالاتهم مثلهم مثل الاخوة الأعداء من الأدباء العرب... يظهر في المقدمة الفردوسي والشاهنامة التي كتبها او في الأصح أكملها نزولاً عند رغبة الشاه الساماني، وهي ملحمة تفاخر بالعرق الفارسي وأفضليته على بقية الاجناس والأعراق حيث أرخ فيها الفردوسي الرموز الفارسية وأشاد ببطولاتهم بطريقة أسطورية في الفترة الساسانية الى فترة السقوط المدوّي لإمبراطوريتم العتيدة على يد العرب المسلمين

 نظم الفردوسي الشاهنامة بما يقرب الستين الف بيت من الشعر تفوح من بين جنبي بعض تلك الابيات رائحة نتنه تزكم النفوس

اسمع لهذه الابيات:

عرب ﺭﺍ ﺑﻪ ﺟﺎﯾﯽ ﺭﺳﯿﺪﻩ ﺍﺳﺖ ﮐﺎر

ﮐﻪ ﺗﺎﺝ ﮐﯿﺎﻧﯽ ﮐﻨﺪ ﺁﺭﺯﻭ

ﺗﻔﻮ ﺑﺮﺗﻮ ﺍﯼ ﭼﺮﺥ ﮔﺮﺩﻭﻥ ﺗﻔﻮ

ﺩﺭﯾﻎ ﺍﺳﺖ ﺍﯾﺮﺍﻥ ﮐﻪ ﻭﯾﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

ﮐﻨﺎﻡ ﭘﻠﻨﮕﺎﻥ ﻭ ﺷﯿﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

فهو يبصق على الزمن الذي ساد فيه العرب على الفرس " تفو برتو چرخ گردون تفو "

تلك القصيدة تبتدء بسموم عنصرية عرقية مقيته من شاعر يتوسط تمثاله طهران، ويعتبر محلاً للفخر والاعتزار من قبل دعاة القومية الفارسية وغيرهم ممن يتستر وراء قوميته بلباس ديني مذهبي:

ﻋﺮﺏ ﻫﺮ ﭼﻪ ﺑﺎﺷﺪ ﻣﺮﺍ ﺩﺷﻤﻦ ﺍﺳﺖ

ﮐﺞ ﺍﻧﺪﯾﺶ ﻭ ﺑﺪ ﺧﻮﯼ ﻭ ﺍﻫﺮﯾﻤﻦ ﺍﺳﺖ

ﭼﻮ ﺑﺨﺖ ﻋﺮﺏ ﺑﺮ ﻋﺠﻢ ﭼﯿﺮﻩ ﮔﺸﺖ

هو يعتبر العرب أعداء أينما حلّوا واينما ذهبوا، أعداء في كل الأحوال " عرب دشمن است "

في الضفة الآخرى نجد ذوي الهمم العالية من الشعراء تختلف نظرتهم الى شعر المديح والتفاخر

جلال الدين الرومي يفرق بين مديح السلاطين الجبابره الاشقياء والعدول المتقين منهم:

مي بلرزد عرش أز مدح شقي

بدگمان گردد ز مدحت متقي

اذن عرش الرحمان يهتز اذا مدحت شقيأ

وعكسه مدح المتقي

ناصر خسرو له رأي آخر في المديح هو الأشد وطأة وأعظم قيلا:

من آنم که در پای خوکان نریزم

مر این گوهری دُرّ لفظ دری را

هو يصور شعر المديح بنثر الجواهر تحت اقدام الخنازير فيترفّع عن ممارسة هذا اللون من الشعر، فيقول:

أنا لا انثر الجواهر و الدرر تحت ارجل الخنازير

وبالفعل لم يعرف عن هذا الشاعر الكبير قولا مادحا لمن يعتبرهم خنازير بعيدين عن الطهر والفضيلة وهو وجه الشبه بينهم وبينه.

 

احمد الكناني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4723 المصادف: 2019-08-11 04:41:39