 أقلام ثقافية

الكتاب الالكترونيّ وسؤال القيم

محمد عرفات حجازيالكتاب اسمٌ لما كُتِب مجموعًا، ويعني ما كُتِب فيه، ويعني الصحيفة، كما يعني الفَرْضُ والحُكْمُ والقَدَرُ، والجمع كُتُب. والكتاب الالكترونيّ E-Boo  هو نشرٌ الكترونيّ يُنْتَج ويُنْشَر ويُقْرَأ على أجهزة الحاسوب أو أجهزة الكترونيّة أخرى، وقد يكون الكتاب الالكترونيّ مُقابلًا لكتاب ورقيّ مطبوع، وقد يكون قد أُلِّف بصورة الكترونية من البداية.

يتميّز الكتاب الالكترونيّ بسهولة النقل والتحميل والتخزين، كما يُوفّر إمكانية استخدام الأقلام والتعليق ووضع إشارات أثناء القراءة، كذلك يُمكن تغيير حجم الخط، والبحث عن كلمات، بالإضافة إلى سهولة الترجمة إلى عدّة لغات أخرى غير التي تمّ تأليفه بها، ناهيك عن إمكانية عرضه على الطلاب في قاعات الدراسة باستخدام وحدة عرض البيانات LC  أو جهاز العارض الجداري، والكتب الالكترونيّة أسهل وأسرع في النشر من الكتب المطبوعة.

ومن عيوبه: أنّ أنواع وصيغ الكتب الالكترونيّة مُستمرّة في التغيّر والتطوّر بمرور الوقت مع تطوّر التقنيات، كذلك ليست كلّ الكتب مُتاحة في صورة الكترونية.

والقيم جمع قيمة، وشيء ما ذي قيمة أي كونه مُفضّلًا عند الآخرين؛ وذلك لاعتبارات نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أخلاقية أو جمالية. وتختلف القيم عن الأخلاق في كون القيم تُعدّ بمثابة قواعد ومعايير، أما الأخلاق فتُطلق على الأفعال والسلوكيات، ما يعني أنّ القيم ميزانٌ للأخلاق.

إنّ محتوى الكتاب مرآة للاحتياجات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات، والتشابهات بين أشكالها عبر الثقافات والزمن تُظهر نزوع عقول البشر، في مراحل مُعيّنة من تحضّرها، إلى إنشاء مؤسّسات وأنماط اجتماعية وحضارات مُتشابهة.

وبالإضافة إلى ما تتّسم به الكُتب من حيوية لصيقة بجوهرها، فهي تنفُخ في المجتمعات الروح؛ فتساعد الأفراد والثقافات على تحديد وجهاتهم ومعرفة ذواتهم، ليتواصل بعضهم ببعض، وترتبط نفسٌ بنفس، وماضٍ بمستقبل، ومستقبل بماضٍ. وتقول المُؤرّخة بابرا تشومان في كلمتها أمام مكتبة الكونغرس عام 1980م أنّ: الكُتب حَمَلةُ الحضارة. من دون كُتُب يُصبح التاريخ معقود اللسان، والأدب أخرس، والعلم مُعوَّقًا، والفكر والتأمّل في ركود تام. من دون كتب، ما كان للحضارة أن تشهد تطوّرًا؛ فالكُتب مُحرّكات التغيير، ونوافذ مفتوحة على العالم. الكتاب مُعلّم وساحر ومصرفيٌّ عُهِد إليه بحفظ كنوز العقل.. الكُتب هي الإنسانية بحروف مطبوعة، وهذا التصوّر من قِبل تشومان يمكن اعتباره ركنًا أساسيًّا في النزعة الإنسيّة في القرن العشرين.

وتُتيح الكتب إمكانية الوصول الحُرّ إلى المعلومات، وهو مبدأ هام في المواطنة الديمقراطية المستنيرة. هذا، واكتسبت الكتب أهمية رمزية في أوساط الجماعات الدينية الرئيسية كلّها، ويُشار إليهم أحيانًا بعبارة "أهل الكتاب"، بل إنّ الأهمية الرمزية للكتاب شأنها عظيم في أوساط الخارجين عن تعاليم الدين.

وبغضّ النظر عن الأجندة التي يُروّج لها كلّ كتاب على حدة، فإنّ الكُتب في النهاية ـ بمحض وجودها في ذاتها وتعايشها مع مُجمل أدبيّات العالم المطبوعة أو الالكترونية ـ تدعم النزعة الفردية، والتعددية، والنزعة الإبداعية والعقلانية، وحرية انتقال المعلومات، والتفكير النقدي، والحرية الفكرية.

ومع انتشار الكتب الالكترونية بصورة مُكثّفة في السنوات الأخيرة، وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، ثارت ثائرة أصحاب دور النشر الورقي، وبعض الكُتّاب الذين ينشرون أعمالهم على نفقتهم الخاصة، إلى جانب بعض أعضاء مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، ويُجادل هؤلاء بأنّ عملية تصوير الكُتب الورقية ونشرها الكترونيًّا عملٌ غير أخلاقي، كونه اختراقًا لحقوق الملكيّة الفكرية، إلى جانب أنّه يضرُّ بمصالحهم وأرباحهم المادية.. في المُقابل، يُحاجج ملايين الأفراد بأنّ تلك العملية إنسانية بامتياز، وتهدف لنشر الفكر والثقافة، ومُساعدة ذوي الدخل المحدود لاستكمال حياتهم البحثية والعلمية في مُقابل جشع دور النشر.

إنّ دور النشر تُمارس هنا نوعًا من الإرهاب الفكري، ويحاولون مصّ دماء الفكر.. وما هذه إلا محاولة، من أعداء الإنسانية، لجعل إمكانية الوصول إلى رأس المال الفكري مُتعذّرة أو معدومة.. وهذا التوجّه تعبيرٌ عن نبذ عميق للإنسانية، يُسهّل انزلاق البشر إلى هاوية أخلاقية بعيدة الغور.

إنّ الكتاب الالكتروني يُثير قضايا الأمن الثقافي بالنسبة لمن لديهم وعي بالخطر الذي تُشكّله الأسلحة الحديثة.. هل يمكن النظر إلى الكتاب الالكتروني بوصفه ناجمًا عن ردود فعل لظروف اجتماعية هدامة، بما فيها الاعتناق الهستيري لأفكار تُغازل قيمًا محلية وتُزيّن وهم الخلاص لمُعتنقيها، وتُشكّل هذه الأفكار الأساس الذي تنهض عليه رؤى يوتوبية يمكن في سبيل تحقيقها تبرير أي أفعال؟

إنّ الذين يتمسّكون بتوجّهات مُرتبطة بالحداثة والنزعة الإنسيّة يرون أنّ الكتاب الالكترونيّ عملٌ خيّر، أما المتطرفين فيرون ذلك وسيلة أساسية وفعلًا تحريريًا وخلاصيًا من أجل البشرية.. إنّ عملية النشر الالكترونيّ تؤكّد بوضوح قوة القيم المشتركة لحقوق الإنسان أو الديمقراطية على سبيل المثال، وأثر نشر المعلومات وتقارب الأفكار في التقدّم الثقافي، كما يُتيح الاستغلال الفعال للكتب مُواءمة الذكاء الاجتماعي اللازم لمُواجهة مُشكلات عالمية.. وبالنسبة لأصحاب النزعة الإنسانية، فإنّ رفاهة الإنسان هي المقياس، فهم يُعزّزون قيمة الإنسان، ويُشجّعون تنمية الفرد لإيمانهم بأنّ التنمية الفكرية والروحية والأخلاقية لكلّ إنسان تُثري المجتمع، وبالجملة، هم فئة أبعد ما تكون عن أن تغفل القضايا المجتمعية.

وختامًا نقول: إذا كان الإرث الثقافي للمجتمع الدولي هو حصيلة الإرث الوطني لكلّ الأمم، وكانت الإنسانية هي الطرف ذا المصلحة ـ مُستقلّة عن التنظيمات الوطنية؛ إذن فالآثار الثقافية (الكتب) تنتمي، نظريًّا، لكافة البشر. ومن جهة أخرى، فإنّ تطابق هويّة الأجناس البشرية يُبطل التصنيفات القائمة على التقسيمات الجغرافية أو الدينية أو الاجتماعية، لذا، فالأشخاص الذين يُحاولون حجب ثقافة معينة إنما يُرهبون ـ إن لم يكن يُدمّرون الإرث الثقافي لجميع البشر.

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4727 المصادف: 2019-08-15 16:34:04