 أقلام ثقافية

البحث في جيوب الطبيعة عن جواب لسؤال ملح

مالكة عسال1- تقديم: هكذا شئت أن أعنون تقديمي لرواية (الجمجمة والزورق) للمبدع التونسي فوزي الديماسي ...

إنه فوزي الديماسي المشتعل بالإنسانية والحب، يركض في جيوب مرافق الطبيعة النقية، كما بعثها الله إلى الوجود بصفاء الأحجار الكريمة باحثا في مغاراتها بخيوله الجامحة، عن جواب مقنع لسؤال مؤرق، ظل ضوؤه الشارد يلكز وجدان مبدعنا، يستجدي قيمة الإنسانية، التي دهستها حوافر الأزمنة المظلمة.. فمبدعنا تسلح بثلاثة أشياء كعدة قائمة بذاتها :

1ــ الرقع الطبيعية التي اتخذها ميادين يركض فيها دون توقف،

2ــ لغته التي امتطى عرشها يراوغها ويبوح لها وبها،

3ــ أحباره يسيل دمعها ..

أشياء ثلاثة أسرجها وتسلق تلالها بحثا عن الفجر، عن أيامه المضيئة، عن حقوله المزروعة بالعشب الأخضر، عن ظل يحمي تحت أجنحته الفقراء من رعب الزمن الجاحف ..

حين انحدرت مع الشلال الروائي لرواية مبدعنا فوزي الديماسي (الجمجمة والزورق)، استوقفتني عدة أشياء، من بينها

ــ الغرابة في السرد،

ــ جعبة الذات المبدعة الممتلئة بالحزن والأمل معا،

ــ التنوع اللغوي الذي أضفى سحرا فنيا ملفتا..

الحزن والألم والغرابة في السرد

أمسكت بخيط السرد، تستفزني معانيه السلسة، منجذبة بحياكة اللغة، وفنية التراكيب، والحذلقة في تتابع الجمل والفقرات، إذا بي أهوي في قعر الغرابة، حيث شاء مبدعنا أن ينحرف عن السرد بلغة المباشرة، لينغمس في لغة خيالية ترفل في كيد الغرابة واللامعقول، مما يجعل القارئ في حيرة من أمره، متسائلا عما يريد السارد قوله من وراء هذه الحكاية، وماهو المعنى المطلوب الذي يهدف إليه..

(شدّني الخوف إلى جذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها، وانتشرت الجماجم، والعظام في الفضاء، تحلّق الموتى حولها، وراحوا جميعا يراقصون العويل، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر. انتشر)

وهذا الغلو في الخيال لم يأت من باب السماء، ولا هطل به غيث مباغت، وإنما من ذعر الذات المبدعة، وما تعيشه من تشرذم وتيه وذهول، من هول أزمة الأوضاع الإنسانية، وانتظاراتها المعلقة، وأحلامها المغتالة في مساحات قاحلة تعج بالوباء، وميادين متلبّسة بضباب عتيق، تتخللها جبال كرسم دمعة قديمة على وجنتي الوجود، تتابع اضطرابها في صمت؛ واقع ملتبس، طافح بالكبت والإحباط، يطفو بأشلاء القتلى، منهمر بالدمع ودماء ضحايا الحروب والقتل، لا يسمع فيه إلا النشيج، يمزّق صمت المكان، ويبعث في أرجاء السكون صدى بكاء، جعل الذات المبدعة تعيش أجواء عصيبة في مرامي متاهات لانهائية..، ودروب مقفلة تفضي إلى طريق مسدود ..

اللحظات المشرقة باعثة على الأمل

وأحيانا أخرى، حين تصادف الذات المبدعة، لحظة فرح، أو تعيش أجواء سارة، تتدفق بالآمال، وتتورد فيها الأحلام، ترسم واقعها المنشود كما تشتهيه، مزهرا بصهيل الفجر على حافة حلم يؤذن في الناس، (موجها بوصلته نحو واحات من بياض، تدفع الناس نحو فلك الحياة، وألسنتهم ترمّم بالذكر في بساتين النجوى طيورا ونخيلا وماء، وعلى جبين الأفق البعيد ترفرف الزغاريد).. هكذا المبدع يصارع الخبث ليحوله واحاتٍ من النخيل، وبساتينَ من رحيق السوسن، أوهام وأحلام وآمال تتدافع زمرة واحدة في ذاكرة الذات المبدعة، لتتحول بقدرة قادر إلى نور يضيء السراديب المعتمة، وما تلك إلا رغبة ملحة في نفسية الشاعر يريد تحقيقها، رغم العسر وغير الممكن؛ فيصوغ الأمل في قصيدة أو شذرة أو نص فني يثير شهية القراء ..

الكدح والتعب من أسرار البقاء

فالذات المبدعة تناجي حيرتها، منغمسة في ذهول الحياة الملتبسة، تحاول تحقيق طموحها في خلق أفق مشرق، ينهمر بتباشير الصباحات السعيدة، لكن القمم العاثرة تحـول دون تحقيق ذلك، وفعلا في غياب آليات التغيير، وفي ظل السياسات الفاشلة المسطرة، والخطط المحبطة، ليس بيد المبدع أية أداة لتحقيق ذلك، لكن إصراره الملح سيمكنه من ركوب صهوة التحدي، للكدح في مناكب الحياة وبعث الحياة في الموت، وإضرام النار في اللّيل البهيم، والحفر في صخب الصخر لبلوغ الزيت، (فما خاب من جعل السّعي دينه، وديدنه التّراب إقبالا ما بعده إدبار، فالصبح بين ظهر انينا قريب)..عناق الحياة بأمل كبير وابتسامة مطلقة، وركوب موجة التجاوز والتحدي، أي النضال في أوسع نطاقه ، والكد بأوفى أسلحته لتمزيق ليل القعود، وتكسير للعجز القيود، لأن تحقيق الأحلام لا ينال بالتمني، وإنما بمواصلة الكفاح، وشحذ السواعد، وبناء الأفكار، لهدم خيام الليل المطنبة، واستقبال خيوط الصّباح المشرقة ...

(ثمّ أخذنا بعد وقت من الانتظار رماده، وانطلقنا بعزم ننثر رماده على رؤوس الجبال، وعلى رؤوس القبور، كنّا منطلقين نحثّ في روحينا لغة التدفّق والحركة، نثرنا رماده في كلّ درب، وفي كلّ قفر، وعلى قمّة كلّ جبل، ثمّ توجّهنا بعد كدّ جنونيّ نحو البحر لنعلّم موجه فتنة الحياة وشوقها، مرحنا، كدحنا، سعينا، وكان الأمل في زرع آيات الفجر في الآفاق أقصى غايات عملنا)

رفيقة مبدعنا في حنايا الكون

لم تكن رفيقة مبدعنا إلا الذات الشاعرة، التي يقتفي أثرها، بين الصخور، والكتبان الرملية، والشواطئ، يتابع شطحاتها، ورقصاتها العفوية، بين مفازات الكون، بكهوفه ومغاراته، وشساعة صحاريه، وتلاطم أمواج بحره، وصخب لياليه، ووجع أزمنته، وسدوم ظلمته ، أشياء تعتمل بمطارقها في رأس المبدع، فساحَ في رحاب الكون يحاور ذاته المبدعة، وما سلاحه غير لغته، يشحذها في زواياه الفسيحة، لتجيبه عن أسئلته الملحة، هو ركض لانهائي بحثا عن الجمال لما هو ذميم، وعن فتق أسرار مبهمة، لفهمها، وعما يريح النفس من أثقال هذا الزمن الجاحف ..بل وقد تكون رفيقة مبدعنا تلك القصيدة الغائبة الحاضرة، ينتظرها تأتي مكتملة ممطرة بحلول، للشائك من هذا المعقد ..لعمري لهذا هو حال المبدع الصادق مع نفسه وإبداعه، ومع ما يعيشه من هموم إنسانية تنهش أحشاءه، وتدمي روحه، وتصيب مشاعره بعسر هضمي، فيلجأ إلى الإبداع عله يجد بلسمه الشافي ، هواجس متعاقبة، فبمجرد ما ينزل المبدع منجزه في مخطوط، حتى يركض مهرولا وراء حدوس مشرقة، يشحذ على شفرتها ذاكرته ولغته من جديد، ليأتي بالمكتمل ...

(سألت الأفق، وكذا الرّمل، وزبد البحر، سألت دمعتها، لا جواب يطفئ لهيب البحث في فؤادها، فتّشت بين الصخور، بين ثنايا الموج الهادر، في شعاب الملح، في حمرة الأفق المتثائب، في رحم الوجود)

الجانب الفني والتنوع اللغوي

لغة مبدعنا فوزي الديماسي تبدو سهلة المنال، لكنها تضرب السهل الممتنع بتنوعها الهائل، فهي تمتص من شهد القرآن الكريم بكل تجلياته، وترفل في لبوس شعري بامتياز، وهذا يبين بالكاد أنواع المشارب اللغوية التي نهل منها مبدعنا، ومدى تمكنه من الأدوات الفنية في الصياغة والتركيب....

بلاغة الأسلوب بالتناص مع القرآن الكريم

لقد اعتمد مبدعنا السيد فوزي الديماسي اللغة القرآنية، فتناول الصور والرموز من كتاب الله، بتوظيف المعاني القرآنية بنجاح، حيث لوحظ ذلك في أكثر من عبارة، (.. في صحف الأوّلين، وقليل من الآخرين)

هذه العبارة التي تتناص مع آيات من الذكر الحكيم، وبالضبط من سورة الواقعة، التي يقول فيها عز وجل (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين). (وفوق رؤوسهنّ سرب من الولدان يرتّلون) التي تناص فيها أديبنا مع الآية الكريمة (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) من نفس السورة.. (وفجأة زلزلت الأرض زلزالها) من سورة (الزلزلة)، ليس ضعفا من المبدع، ولا تعويضا لعبارة غائبة، وإنما إثراء لغوي، نتج عن تنوع مشارب القراءة والاطلاع، مما أحكم لغة مبدعنا فوزي الديماسي، وأثراها، وجعلها متنوعة ومتينة. واتخذ التناص كشكل من أشكال الإيجاز اللغوي بأسلوبه البليغ، الذي يعتمد التكثيف وفي ذات الوقت، يعبر عن معاني عميقة، أي طريقة تعبيرية بليغة تعكس الإيحاء بالمعنى، والعمل على تمكينه في نفس المتلقي، كضرب من الوصف تخيّره مبدعنا للإفصاح عن أملاءات غائرة في نفسه؛ وليس بمفرده من سار في هذا النهج، بل نجد ثلة من المبدعين، قد جنحوا إلى هذا اللون من التعبير اللغوي في تلابيب قرآنية، سواء في نثرهم أو أشعارهم، باعتبارها صيغا مبالغة، تضفي على اللغة متنا وفصاحة في التعبير بأسلوب بليغ ..

الشعر كلون ساحر ينمق الأسلوب بالجمال

فالرواية منذ بدايتها حتى النهاية، صيغت بأسلوب شعري بكل ما تعنيه الصور الشعرية من معنى، حيث تلبست اللغة بعدة لبوس مجازية وإيحائية، وترميزية، تختبر الجانب التخييلي الترميزي في القارئ، عنى ذلك الشاعر عن قصد أو بغيره ..

وأحيانا تتدفق القصائد بكل مقوماتها الشعرية التي تضرب مهجة الحداثة حد الشهيق، بأسراب صورها، وصياغات أسلوبها، وانتقاء ألفاظها وإيقاعها، الذي يخلق نوعا من الدهشة لدى القارئ .. ولم يكتف أديبنا بأسلوبه الشعري، بل أحيانا ينمق روايته بقصائد شعرية، زادت من توهجها، وإشراقتها، وهذا يبين مدى تكسير الحاجز الشاهق بين السرد الروائي والصياغة الشعرية، رغم خصوصيات كل من الجنسين...

على سبيل الختم

أديبنا فوزي الديماسي، قلم ذو نبوغ لغوي، سيال في العديد من الأجناس الأدبية، له حنكة ومراس في تناول المواضيع الاجتماعية، ودراية في الصياغات الأدبية الممتعة بمهارة، لي شرف متابعته عن قرب ..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/01/2019

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4729 المصادف: 2019-08-17 00:40:10