 أقلام ثقافية

حال الترجمة في العراق.. جهد ضائع ومقومات مفقودة

عمار كاظم محمدتلعب الترجمة في حياة الشعوب والحضارات دورا محوريا ومهما جدا في احداث التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية في المجتمعات التي تطمح نحو التطور والرقي، ذلك ان الترجمة هي دائما جسر التواصل والتلاقح الحضاري بين الشعوب والامم وهي الدافع والمحرك الرئيسي للتطور، فكلما ازدادت حركة الترجمة وما ينتج في ميدانها المعرفي، كلما زادت الافكار والتطلعات والسعي نحو التغيير بما تنتجه من افكار جديدة ومعارف تزيد افق المجتمعات وتزودها بالحلول لما يعترض سبيلها من مشاكل.

لقد سمي عصر المأمون بعصر الترجمة او العصر الذهبي للترجمة لما مثله هذا النشاط من فعالية مهمة كانت السبب لحركة الفكر العربي النشطة فيما بعد، لكننا وازاء هذا الواقع المزري والمهزوم فكريا وثقافيا مع تزايد سيطرة الفكر الدوغمائي والقبول الخانع اضحت حالة الترجمة كحال الواقع الثقافي الذي نعيشه حيث تطرد العملة السيئة دائما العملة الجيدة من السوق كما يقال .

ربما ترتبط حالة الترجمة بحال القراءة في العراق وفي العالم العربي عموما وليس ما اتحدث عنه الان هو مجرد انشاء او من فضول الكلام فبحسب احصائيات اطلعت عليها على موقع منظمة اليونسكو فقد بلغ عدد الكتب المترجمة إلى العربية في ثلاثة عقود من عام 1970 إلى عام 2000  ما يعادل 6881 كتابا وهذا ما يعادل ما نقل إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها أربعة ملايين شخص فقط،  وكان تقرير الأمم المتحدة قد كشف عن وضع مزر بهذا الخصوص إذ أن العرب لا يترجمون إلا خمس ما يترجمه اليونانيون في الوقت الحاضر، اما في احصائيات عام 2005 على صعيد الترجمة فنصيب كل مليون مواطن عربي من الكتب المترجمة يساوي 4.4 كتاب، بينما يبلغ نصيب كل مليون إسرائيلي 380 كتابا، وكل مليون مجري 500 كتاب، وكل مليون اسباني ما يقارب 950 كتابا، أما عن سوق الكتب، فتبلغ في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حوالي 30 مليار دولار، ونحو 10 مليار دولار في اليابان، وتسع مليارات دولار في بريطانيا، وتبلغ مبيعات الكتب اجمالاً في كل انحاء العالم 88 مليار دولار، نصيب العالم العربي واحد المائة فقط.

ونعود مرة اخرى الى الترجمة واهميتها وصعوبتها في ذات الوقت فان من المفارقات العجيبة أن أكبر رب عمل للمترجمين العرب في البلاد العربية هو القواعد العسكرية الأجنبية في الخليج، ذلك أن الالية التي تعرقل حركة حركة الترجمة في العالم العربي هي عدم جود سوق عربية للمترجم العربي ماعدا سوق العقود والوثائق الشخصية التي تبقى سوقا صغيرة قياسا بعدد المترجمين الذين يمارسون ترجمة العقود والوثائق الشخصية، اما العلوم التي تدرس في الجامعات العراقية عموما فهي تدرس باللغة الانكليزية وهذه خسارة كبيرة للمترجم والطالب واللغة العربية والثقافة العربية، فلا سياسة رسمية للترجمة العلمية والأدبية، ولا سوق للترجمة التجارية والوظيفية، ولا بنك معلومات للمترجمين وللأعمال المترجمة، ولا دور نشر تهتم كثيرا بنشر ما يترجم .. ولا شركات توزيع للكتب يوثق بكلامها ..، ولا تكوين يواكب السوق الدولية ويرقى إلى مستوى التحديات التي يواجهها المترجم، ولا مصادر عربية كثيرة يطمأن إليها في دراسات الترجمة والبحث فيها.

امام مشاكل كبيرة كهذي بالاضافة الى تردي واقع التعليم الاساسي يتخرج سنويا الالاف من طلاب اللغات والتربية والاداب واغلبهم الا ما ندر وهم غير متمكنين في الاساس من اللغة التي تعلموها والتي سينسوها بعد سنوات من البطالة والعمل في حقول أخرى بعيدة كل البعد عن اختصاصهم ودراستهم ناهيك عن الكسل العقلي الناتج عن عدم المطالعة والقراءة والاحتكاك بمن يتكلمون تلك اللغة.

المترجم في عالمنا العربي دائما موضع للشك والريبة واتذكر في سنوات العراق المظلمة منذ عام 2005 الى 2008 كيف كانت كلمة مترجم كافية وحدها لارسالك الى الجحيم بدون مقدمات وكيف تعرض الكثير من الاساتذه الى التهديد والاغتيال لمجرد انهم يعرفون لغة اخرى او على ضوء اعتبارات طائفية او سياسية دون التفكير في ان رحيلهم او اختفائهم هو خسارة للبلاد وللتعليم المتردي من الاساس في تلك الفترة .

على ضوء ذلك كيف يمكن أن نقيم حال الترجمة في العراق وماهي المعايير التي يمكن بها معرفة قيمة الترجمة في اي كتاب يصدر دون وجود مؤسسة تعنى بتقييم جودة الترجمة واجازتها باعتبارها صالحة للنشر من عدمها خصوصا في عراق ما بعد عام 2003 والفوضى التي نعيش فيها من تداخل التخصصات وغياب المؤسسة الرسمية عن اداء دورها وامتلائها بالفساد والبطالة المقنعة وعدم وجود منهج واضح لاتجاه الترجمة وما يراد منها في هذه المرحلة؟.

ان غياب كل تلك المقومات في وقتنا الحالي جعلت من حقل الترجمة لا يمثل سوى جهد فردي يقع عبئه على عاتق المترجمين وحدهم في الاختيار والعمل وتطوير الذات اما ما يتعلق بترجمة الكتاب فهي خاضعة لمتطلبات العمل التجاري والرواج في السوق وما ترغب به دور النشر دون ان يكافأ الجهد المبذول بالترجمة ما يستحقه فعلا من كد وتفكير وبحث ومعاناة.

 

ان مهمة المترجم في الوقت الحالي مهمة مضاعفة الصعوبة فهو من ناحية بحاجة الى تطوير نفسه وثقافته في اللغة التي يترجم عنها وفي ذات الوقت ابقاء جسر التواصل مع الثقافات الاخرى صالحا على الرغم من العقبات ونقلها الى المجتمع الذي يعيش فيه علها تحدث فرقا في المفاهيم وتنعكس على الواقع باتجاه تحسينة نحو الافضل وهي مهمة ليست بالسهلة لكن المخلصين الحقيقيين يقومون بها على الرغم من كل شيء او كما يقول سكوت فيتزجرالد " عصفور حي خير من نسر محنط".

يقول عالم اللغات الاسباني خوليو كاساريس " تعتبر الترجمة دائرة للكمارك تمر من خلالها سلع مهربة من المصطلحات الاجنبية اكثر مما تمر من اية حدود لغوية اخرى ان لم يكن موظفو الكمارك يقظين"  وهو يقودنا للتساؤل هل الترجمة علم ام فن ؟  والجواب أن الترجمة في التخصص علم وفي الادب فن، اي بمعنى أنه وفيما يتعلق بالكتب العلمية فان على المترجم ان يكون مدركا للمفاهيم والاصطلاحات في التخصص بينما حين يتعلق الامر بالكتب ذات الطابع الادبي والفني ان يكون المترجم على معرفة واطلاع على التعابير والتراكيب اللغوية وما يوازيها في حقل اللغة المنقول اليها لاضفاء الطابع الفني على العمل بشكله الابداعي.

ان هذا بالتأكيد يعني ان على المترجم ان يكون واسع الاطلاع ويقرأ في كل الحقول وفي كل ما يقع تحت يده في مختلف التخصصات ويضيف يوميا الى قاموسه اللغوي والمعرفي ما يعينه على اداء وظيفته في الترجمة في مختلف الحقول مما يعني وعلى حد قول احد استاذة الترجمة إن " المترجم مثقف رغم انفه " ذلك أن كل معلومة وكل مصطلح وكل قراءة جديدة هي بالتأكيد اضافة وتوسيع في افق المعرفة لدى المترجم وتمكين له من الخوض في غمار الترجمة بادوات متجددة .

في النهاية فانني اعتبر ان الترجمة تجربة لا تقل في عملها وجهدها عن تجربة مؤلف الكتاب، فالمترجم في رأيي يعيد ابداع العمل في لغة اخرى ليوصل لنا التجربة بكل ما تنطوي عليه قدر جهده وقدر ما تسمح به اللغة المنقول اليها العمل رغم انها تتفاوت بالتأكيد من مترجم الى آخر طبقا لمهارته وقدرته وثقافته وموهبته في الصياغة، تبقى الاعمال العظيمة المنقولة الينا في لغتنا هي نتاج لجهد الترجمة ويبقى المترجم دائما الجندي المجهول في هذه العملية ولولاه لما عرفنا الكثير مما يبدع في عالمنا ولظلت الثقافة العربية محصورة في افق ضيق لا يتجاوز مدياتها وبيئتها المحلية .

 

عمار كاظم محـمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4730 المصادف: 2019-08-18 15:39:04