 أقلام ثقافية

أدب السجون العالمي بدأ من ( تحت أعواد المشنقة ) ليوليوس فوتشيك

لا تثبت التسمية لمصطلحٍ ما الّا بعد أن تنضب التجربة العميقة له ثم تظهر تداعياتها الأثرة وتأخذ رواجاً واسعاً، وهذا ما حصل مع مصطلح أدب السجون إذ أنه ظاهرة قديمة لكن أخذ صداه وقعا عالمياً بعد أن وقع أصحاب الكتابات الأدبية في قضبان السجون ومنها بدأت تنطلق تلك الكتابات مطالبة بالحرية، والتمسك بالوطن والقضية الإنسانية ولا سيما أن كان المسجون بتهمة سياسية  أديب، أو صحفي.

وهذا الكتاب يعدّ من أكثر الكتب التي سلطت الضوء على قضية شغلت كثيرا من المثقفين ومازالت إلى يومنا هذا محوراً هاماً لمؤتمرات ومنظمات عالمية وهي (الإنسانية والحرية)، التي غيبتها الحكومات ذات سلطة الحزب الواحد بقيت الى حاضرنا تعاني من هشاشة متشظية وغير مستقرة ولا سيما في المجتمعات العربية . ففي تقديم هذا الكتاب يذكر لنا الاستاذ فخري كريم أن صدوره وترجمته كانت " كمبادرة لموجهة عسف نظام صدام البعثي وتصفياته الجسدية التي طالت المئات من الشيوعين تحت التعذيب وبالإعدامات). وبعد سقوط حكومة البعث أرى أن إعادة صدوره وطبعه مرة اخرى يعدّ وثيقة تاريخية هامة ؛ لتؤكد على القضية التي أُعدم بسببها الكثير من الشيوعين الاحرار وإننا جيل متمم لتلك الرسالة مواصلة السعي وراء الحرية والظفر بجميع حقوق المواطنة، وعلى الرغم من اختلاف التجارب والزمان والمكان لصدور اليوميات في اوربا حينها، ومن ثم العراق لكنّ هناك رابطاً مشتركة بينهم هو إقصاء الكلمة الحرة وتكميم الأفوه للديمقراطين الشيوعين، فنظام البعث لا يختلف عن الفاشية، وفوتشيك يظهر لنا بطلاً  صنعه التاريخ النضالي، فحين أُتيحت له فرصة الكتابة، كتب تلك اليوميات لتكون مصدراً لمن بعده لمواصلة النضال والقضاء على الدكتاتوريات التي فقدت إنسانيتها وبدأت تقضي على كلِّ من يخالفها الرأي . وهناك مشاهد كثيرة سردها الكاتب  دخلت في عمق التاريخ وتحولت الى ما هو عالمي، فقصر بيتشيك كان أخر محطة يقيم المعتقل فيها ثم ينتقل الى موته المنتظر لكنّ يوليوس واجه شيئاً اصعب من الاعدام " لم تكن الأيام الأولى في قصر بيتشيك سهلة تماماً غير أن هذه الضربة أعنف ضربة تلقيتها هناك . لقد انتظرتُ الموت لا الخيانة " . وهذا النص يؤول بصورتين: الأولى خيانة أصحابه الذين اعترفوا وباعوا القضية، والثانية بشاعة التعذيب التي ارغمتهم على الاعتراف . لكنّ الأمل ينبض متدفقاً بلا توقف عند يوليوس " كلنا نعيش هذه الحالة . اليوم قبل شهر قبل عام نستدير الى الغد وحده دوماً الذي يوجد فيه الأمل . أن مصيرك قد تقرر وبعد غدٍ سترمى آه ولكن من يدري ماذا يمكن أن يقع غداً، فغداً يتغير كل شيء " . النص يوضح حالة التشبث بالحياة من قبل يوليوس وهذه دعوة لمن بعده المصرّين على الأمل . ويمكننا أن نعدّ هذه اليوميات الأدبية صرحاً مزخرفاً تنطلق منه أهمية أدب السجون، ويوليوس اسطورة مازالت تتناقل عبر الاجيال وتحمل قضيها الإنسانية والغرض من الكتابة لا يتمثل في بيان المرء أنه على حق او مصيب، بل محاولة لتحريك المشاعر الساكنة ويكفي لنا أن نرى العدوان عدواناً وهذا ما فعله فوتشيك .

 

موج يوسف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4749 المصادف: 2019-09-06 04:39:21