 أقلام ثقافية

مَنْبِج.. نشيج الزيزفون

علي الباشاحين خطوت لأخرج من غرفتي، كان الخوف مني على مسافة ذراع . كان وجودي بقربها خطيئة، وخطيئتي الكبرى أني فارقتها عند المساء. كان فراقاً مُراً علقماً كمن يجتث روح مظلوم في "الساحة العامة"[1] ويكبّر فوقه إني أرى يقيناً: أن أذبحك، لا بل أصلبك، لا بل أرجمك، كلمات نتنة تجترها أفواههم كخنازير تأكل قذارات من غير عناء.

بعدها تساوت الألوان، وليست كل الألوان، وظهرت الغابات على حقيقتها، والمساحات الوردية التي افترشت نفسها أمام ناظرينا ما هي إلا مستنقعات تصطاد أحلام الأزهار وتقتل العصافير في مهدها. لم تكن سوى غُولاً ذاك الذي خوفتنا منه العجائز على ضوء السراج، لا بل ذاك " الهرط" [2] الطويل حين يبتلعنا الخوف فنهرع لضم أمهاتنا وتمنعنا القوانين التي سنتها الحروب. تلك التي منعتني أن أقضي ليلة واحدة معك بجوار "مقبرة الشيخ عقيل" [3]، تلك التي لفّت حول عنقي ألف ليلة أخرى، تنقر فيها الطير رأسي ثم أهرب من طوفان النوحيات وأصلب نفسي على "دوّار الدلة"[4] كشاخصة في الطرقات . يرمقني أهلي من بعيد وهم ممنوعون من الاقتراب، وتقبلني النسوة المارات كالسيارات. يا لحظة تفوح منه رائحة المسك والعنبر! ثمَّ أشتري قلادة كُتب عليها الله أكبر، وأقف بين الشهداء في مقبرة "اعزاز"[5] أصلي صلاة الخائف على جسدي المسجى أمام ناظري، وأتدرّب على حرب المشاعر المقدسة وفي عنقي بيعة ورهان درع ليهودي.

حاصرتني الآلام حصار الأيام الثكلى التي تبكي على من فارقها، وتنوح كل يوم ولا تتعب: أنا أم الشهيد، أنا زوج الشهيد، أنا أخت الشهيد، أنا بنت الشهيد. تهيل عليه التراب وتنتظر يوم القيامة بفارغ الصبر لتأخذ حقها. تلبس عليه السواد وترفض كل اغراءات المصابيح . فأيّ هاجس أكبر من هاجس الروح بالفراق، وأيّ ورد يليق بالمقابر تلك التي نلقيها فوقها لتستبغ برطيبها ألم الفراق.

ذاك الألم الذي يأكل ذاكرة المغتربين كدودة دالية خضراء، يوقفهم عند الحدود ويدقّق أوراقهم : من أنتم ؟ لقد ضاعت السجلات. لكن وحدها البوابات تلك التي تتذكر الوجوه، وجوه المتصوفين الذين أتعبهم الانتظار على أبواب الأولياء، وناموا على مفارق الأحزان في خيم الذكريات.

كل يوم، يقف على باب ذاكرتي هاجس يدفعني بشدة لاحتضن "مئذنة الجامع الكبير" [6] وكلما اغفو يهزني الشوق فاستيقظ فزعاً .. إنهض، كيف ينام العشاق "وما أطال النوم عمرا"!  ثمَّ أقول، يا لخوف فؤادي من غدٍ تركض عقاربه مسرعة، تسبقه خطوات الموت، تأكل أعمار المتنزهين على شواطئ الحرية كل يوم، وتنتحر الأماني المزروعة بين " الألغام" [7] وتسقط سنابل الحنطة كشواهد قبور أسقطتها جحافل البربرية.

لا يمكنهم -مهما فعلوا- أن يهزموا الحب السرمدي الذي بيننا وشرانق من " التوت"[8] منه ابتنينا. ينتابني كلّما سمعت اسمك رهبة الخشوع وأنا واقف في " رسوم المستجاب"[9] استمده من حنين أبو فراس الحمداني " وجعلت منبج لي محلا"، ويلتصق ريح " الزيزفون"[10] في ذاكرتي اشتمه بعمقٍ كريح يوسف حين ربي لدعاء يعقوب استجاب.

أدفن أنّاتي في سواجيرك حلماً "غُزيلّياً"[11]، وأراقب من خلال نافذتي عصفوراً يبني عشه من جديد تحت كرمة العنب، واعتصر ألمي من زيتونك زيتاً يضيء طريق المعثرين بين أزقة الجنة الموحشة. وأبحث كل صباح فوق وسادتي عن فسيفساء دراويشك بين" فلافل الفيحاء وفول يشار ومشبّك جالو " [12]. وحينما أنهض من فراشي أتعثر بركام" مبنى البريد"، فأكسر قلمي الرصاص لأبريه من جديد.

العتبة المقدسة أمام باب منزلي تنتظر قدمي لتعرج معي، ومفاتيحي التي في جيبي تذكرني كل يوم أن أتحسسها. تلك الأحلام سقطت مني سهواً جميلاً حين خطوت حاملاً في جعبتي "نشيج الزيزفون"، ولا شيء يملؤ دفاتر مخيلتي سوى رشفة قهوة سديمية تحت أشجار اللوزية الخضراء عند "ضوء القمر" .

 

د. علي الباشا

كاتب سوري، مقيم في السويد

.......................

[1]  إشارة إلى الساحة العامة في منبج.

[2]  شخصية خرافية مخيفة.

[3]  مقبرة معروفة في منبج.

[4]  أحد الساحات " دوار في منبح" صلبت فيه داعش الشباب بعد قتلهم.

[5]  مدينة اعزاز شمال سورية، حيث تم دفن ابن أخي.

[6]   الجامع الكبير في منبج.

[7]   الألغام التي زرعتها داعش وحصدت الأرواح.

[8]  قول ابن الوردي عن منبج: منبج أهلها حكوا دود قز عندهم تجعل البيوت قبورا * رب نَعِّمْهم فقد ألفوا من شجر التوت جنة وحريرا

9  قول أبو فراس الحمداني: قِف في رُسومِ المُستَجاب وحَيِّ أَكنافَ المُصَلّى * فَالجَوسَقُ المَيمونِ فَالسُقيا بِها فَالنَهرُ أَعلى * تِلكَ المَنازِلُ وَالمَلاعِبُ لا أَراها اللَهُ مَحلا * أوطِنتُها زَمَنَ الصِبا وَجَعَلتُ مَنبِجَ لي مَحِلّا

[10]  شجرة الزيزفون، شجرة مالوفة في منبج.

[11]  قول محمد منلا غزيّل رحمه الله : وأطياف منبج عند المغيب وأحلام منبج بين الشجر.

[12]  محلات يعرفها أهل منبج.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4760 المصادف: 2019-09-17 01:54:34