 أقلام ثقافية

التعايش السلمي

خلق الله سبحانه وتعالى الناس أجناسا وألونا وعقائد مختلفة فجعلهم شعوبا وقبائل لكي يتعارفوا قال سبحانه: (إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولقد جعل سبحانه وتعالى التقوى ميزانا للتكريم الإلهي، وأنها المقياس الأهم في تحقيق وحدة الغاية عند بني البشر على اختلافهم، كما انها من أسباب حسن المعيشة وازدهارها حين قال سبحانه: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء) .

إن التقوى من أهم الآليات التي تضمن سعادة الدارين، وتضمحل معها أسباب التمايز بمختلف أنواعه وأصنافه، غير أن مشيئة المولى سبحانه لم تقتض هداية الناس أجمعين قال جل شأنه: (فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) .

من هنا فقد أناط سبحانه  بالإنسان  مهمة اختيار الطريق المُنجّي من غيره، وأعطاه مساحة فكرية واسعة في ذلك، قال سبحانه: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا)، وقال جل وعلى: (وهديناه النجدين)، فكان من الطبيعي أن يختلف الناس مع أنهم خُلقوا أمة واحدة كما أكد ذلك سبحانه بقوله:

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، وهو ما يكشف عن حقيقة أن الناس وُلدوا متفقين على الفطرة، بالتالي فالإختلاف إنما هو من جهة الإنسان، وكانت مهمة الأنبياء هو قطع دابر الاختلاف، الذي نما شيئا فشيئا حتى أصبح جزءا من تكوينه بسبب خروجه عن هدي السماء ومخالفته الأنبياء.

بالتالي فالقرآن بصدد تقرير أن الإختلاف في واقعه إختلاف عقائدي، الأمر الذي ترتب عليه فيما بعد وبتدخل مباشر من الإنسان نفسه، نزاع على حساب الدين واللون والجنس والإنتماء، ولطالما كان من نتائجه الوخيمة تلك الصور القاتمة من القتل والتهجير والإلغاء والإقصاء التي مُنى منها الوجود البشري منذ أن وقعت أول جريمة اقترفها قابيل بحق أخيه هابيل، والى يومنا هذا.

وكيفما يكن الأمر فقد أصبح الإختلاف بين الناس  منذ القدم  سمة بارزة، وقلما تجد مجتمعا، يخلو منه ؛لذا فقد سعى الشرع الحنيف الى حفظ الجنس البشري من خلال خلق وتفعيل الآليات، التي تحقق التوازن الإنساني داخل المجتمع المسلم، وتحول دون تفاقم خطورة الإختلاف ووصوله الى حدود النزاع والإقتتال، عبْر تقريره لمبدأ التعايش السلمي  بين مختلف المكونات التي تدين بأديان وتوجهات عقائدية مختلفة  الذي يضمن أسباب التقارب، بل والتوادد والتحابب، كما يحفظ حقوق الجميع من غير غمْط أو تجاوز.

والواقع إن المجتمع الإسلامي  في تقدير الباحث  أحوج من غيره الى تطبيق مبدأ التعايش السلمي للأسباب الآتية:

أولا: أنه ضم في تركيبته الإجتماعية  منذ الأيام الأولى لوضع الأسس الأولى للدولة الإسلامية على يد النبي (صلى الله عليه وآله)  أبناء الأديان الأخرى من النصارى واليهود وغيرهم من الذين كانوا يقطنون البلاد الإسلامية قبل مجيء الإسلام.

ثانيا: نسْخ الإسلام لما سواه من الأديان، وتصريح الخطاب السماوي بأنه المُلزم بالإتباع دون غيره من الأديان السماوية الأخرى، حيث قال سبحانه: (إن الدين عند الله الإسلام)، وقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)  هذا في قبال آيات أخرى تؤكد على حرية اتخاذ الإنسان أي دين، كالآيات المتقدمة، وكقوله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، ومقتضى الجمع بين معاني تلك الآيات يفضي الى العمل بمبدأ التعايش السلمي، إذا كان الوسط الإسلامي يضم في كنفه غير المسلمين.

ثالثا: أن من أهم نتائج تفعيل مبدأ التعايش السلمي هو كف أذى غير المسلمين، وتجنب بعض دواعي عدم الإستقرار، المتمثلة بالمؤامرات التي يحوكها أعداء الإسلام، مستغلين الفجوة العقائدية بين المسلمين وغيرهم.

إن مبدأ التعايش يمثل نظرية اجتماعية تعكس الجانب الإنساني للخطاب الديني من جهة، وتكشف، عن البعد الأخلاقي للمنظور الإسلامي، الذي يبيّن عالمية الدين الإسلامي، وأنه شرْع ينفتح على جميع المكونات الإنسانية، بما هي إنسانية بغض النظر عن الإنتماء الديني أو الميل العقائدي من جهة أخرى.

ويمكن القول إن ديمومة الوجود الإنساني وقوامه في أمرين: هما الجانب الإقتصادي والجانب الإجتماعي.

أما الجانب الأول فقد تكلف الباري سبحانه بتغطيته، حين وزّع الثروات بأنواعها في باطن الأرض وظاهرها، وأعطى للإنسان الآليات العقلية والبدنية القادرة على استخدام تلكم الثروات، وتوظيفها والإستفادة منها.

أما بخصوص الجانب الثاني فإن المولى سبحانه أنزل الشرائع وبعث الأنبياء (عليهم السلام) لتنظيمه، ثم أنه دفع الإنسان وأهمه لتأسيس بعض النظم التي من شأنها حفظ النظام الإجتماعي، ويقع مبدأ التعايش السلمي على رأس لائحة النظم التي يُراد منها حفْظ النظام والنوع البشري من آفة النزاع، التي لا تقل خطرا عن آفة الفقر التي قد تدفع الإنسان ليقتل أخيه الإنسان من أجل الحصول على فرصة البقاء.

خلاصة القول إن مبدأ التعايش السلمي يمثّل إحدى الأدوات التي اعتمدها الدين الإسلامي ليس للتقارب مع الآخر فحسب، بل الى دعوته لاعتناق الشرع الحنيف، لما ينطوي عليه هذا المبدأ من نزعة إنسانية تستحق الإحترام والتبجيل.

 

م.م.  ابتهاج عباس احمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4822 المصادف: 2019-11-18 00:29:08