 أقلام ثقافية

الرواية والتاريخ

إذا كانت الكتابة التاريخية نشاطا معرفيا أصيلا تَعَرَّفَهُ الإنسان ومارسه مع بداية اكتشافه الكتابة حيث حاول من خلاله تدوين الحياة البشرية، وما يحكمها من عوامل، في امتدادها الزمني على الأرض  وكانت الرواية جنسا تعبيريا تخييليا لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر ، فإنهما، وإن كانتا تختلفان من حيث البعد الأنطولوجي، تتعالقان وتتقاطعان في مستويات إبيستيمولوجية عدة: ويتحقق هذه التعالق ليس فقط في طبيعة أساس بناء خطابهما الماثل في سرد أحداث وقعت لذوات متحالفة أو متصارعة في الزمان والمكان، أو في كون موضوعهما المشترك – إذا استثنينا رواية الخيال العلمي- هو الماضي، بل في المتعاليات المتحكمة في إعطاء الشكل للأنواع الصغرى للكتابتين التاريخية والروائية. حيث تبدو البنيات الذهنية المتحكمة في إظهار سيروراتها هي نفسها تقريبا.ولا يبدو التميز إلا من خلال خصوصيات الخطاب، حيث يقبل الخطاب التاريخي الخضوع للتقييم الحقائقي بينما يقبل الخطاب الروائي التقييم الأيديولوجي، وذلك بسبب خضوع الأول لثنائية البث الحقائقي (الصدق والكذب) قياسا إلى ما يفترض أنه واقعي، وعدم خضوع الثاني لهذه الثنائية.

من أجل إظهار هذه التعالقات سنكتفي بوصف التشابهات القائمة بين أنواع الكتابة التاريخية التي حددها هيكل في كتابه"العقل في التاريخ"وبين أنواع الكتابة الروائية السائدة، على أن ننظر في أهم العلاقات الاختلافية عندما نتطرق للرواية التاريخية وعلاقتها بالتاريخ والواقع.

لقد مفصل هيكل التاريخ في كتابه المذكور  إلى ثلاثة أنواع كبرى، هي التاريخ الأصلي ويقصد به التاريخ الذي يكتبه المؤرخ وهو يعيش" أصل" الأحداث ومنبعها   ويماثل هذا النوع الرواية الواقعية والرواية الطبيعية اللتين تتسمان بمحاولة وصف الجدل المعتمل بين القوى الفاعلة داخل الواقع المدرك والتي تتصارع بهدف تغييره أو تثبيته. وإذا كان هيكل قد أشار إلى أن هؤلاء المؤرخين وهم يدونون ما حولهم، إنما ينقلون ما يتبدى لهم إلى عالم التمثل العقلي فإن الروائيين الواقعيين أيضا وهم يحاولون نقل الواقع إنما ينقلون المتبدى (أي الشكل الذي يستطيع المدرك إدراكه من الدليل الحاضر في الوعي، في حدود معرفته به وحدود وضوحه  في وعيه).

 ثم ثانيا التاريخ النظري، ويقصد به التاريخ الذي يكتبه مؤرخ، لا ينتمي إلى الحقبة المُؤَرَّخِ لها.حيث لا تكون المشاهدة أو الحضور آليتين لإدراك الموضوع التاريخي، بل تعوضهما الوثائق المختلفة والتي ليست دائما أمينة أو واقعية.وقد قسم هيكل هذا النوع إلى أربعة أنماط فرعية تحدد الهدف والخلفية.ومن الواضح أيضا أن ألتاريخ النظري يشاكل إلى أبعد الحدود الرواية التاريخية التي هي الأخرى عودة إلى التاريخ الأصلي وفق استراتيجية معينة.والخطابان معا يمارسان التمثل المضاعف للوقائع المختفية أصلا خلف اللغة.

أما النوع الثالث: التاريخ الفلسفي، الذي يعني بشكل أو بآخر دراسة التاريخ من خلال الفكر، فيماثل الروايات التي تحول الشخصية التاريخية أو الحدث التاريخي إلى مولد وحسب، لتشيد من عوالم معقولة تحاول رسم الجوهري والعميق الخاص بتلك الشخصية أو ذاك الحد.

 

م.م. ابتهاج عباس احمد.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4823 المصادف: 2019-11-19 00:58:54