 أقلام ثقافية

ثلاث في ثلاث

جلسة سمر مسائية ضمت ثلاث صديقات مزمنات من خريجات الجامعات وكلهن موظفات في مؤسسات الدولة ودوائرها الرسمية بعد انفراج للأزمة الكبرى (الحصار الظالم لشعبنا الأبي) ومع (أكواب الشاي والمعجنات) كان بينهن حديث لا نستطيع أن نسميه طيباً قط، لكن هذا الحديث جرى وأصبح ممكناً بفضل الانفراج الاقتصادي الجزئي، أما قبله فقد كانت النفوس قد ابتدعت لها أقفاصاً خاصة من الخجل لا واهية ولا شفافة تحول دون أن تتسرب أسرارها الى خارج صدورها . فللخجل أيضا قوته الخاصة اذ يعتصم المرء بأستاره ويتشبث بها فلا يفضح ما هو فيه حتى - لأقرب أقربائه وأعزّ خلانه - الا ربما بعد أن ينحسر مَدّه وتزول ظلاله فيصبح قصصاً تروى .

وفي معرض حديث وذكر للبيض وتقلب أسعاره قالت صغراهن: كانت ابنتي قد فارقت الرضاعة منذ وقت قصير فهي في عمر بدأت فيه تتناول بعض الطعام من أنصاف السوائل، ومن حسن الحظ كانت لدينا دجاجة تبيض وضعناها في قفص صغير خلف المنزل اذ لولا وجودها ما استطعت أن أكفل لابنتي ما تحتاجه من البيض . غير أن الدجاجة مثلنا لم تكن تحظى من الطعام قط بما يكفيها، ذلك إن الاسرة كانت تلتهم كل ما يوضع أمامها غير اني كنت اسرب للدجاجة كل ما يسقط إجباراً من نفايات الخضر عند تصنيعها وطبخها . لكن الدجاجة بدأت تفضل أن تضيف الى طعامها بيضها لتشبع نفسها بنفسها . لذا اتخذتُ لنفسي مرصداً من شباك غرفة يطل على خلف المنزل فكنت أقضي وقتي في مرصدي كيما اسابق الدجاجة فما ان تبدأ بالنقنقة الخاصة بوضع البيض حتى أسرع بالخروج اليها فما تكاد تضع البيضة الا وجدت يدي تسرع بأخذها منها قبل أن تنقرها .

فأردفت الثانية : وعلى ذكر البيض أيضا فقد حدث معي مثل ذلك  حيث اني ورثت عن امي فيما ورثت بضع دجاجات وضعتها كما كانت سائبة في فسحة كبيرة خلف المنزل . ماتت أغلب دجاجات امي غير اثنتين كانتا تتناوبان التبييض فتسدان حاجتي من البيض إذ لم يكن مرتبي يسمح لي بذلك . وكذلك لم تكن فضلات طعامي تكفيهما فأخذتا تأكلان بيضهما، وذات يوم بلغت بي عصبيتي لما تفعلانه من أكل البيض شأواً بعيداً حتى اني أخذت اراقبهما بالإصغاء، وفيما أنا اراقب إحداهما في انتظار بيضتى.. أسرعت فما وصلت اليها الا وقد كسرتها بمنقارها وبدأت تأكلها فما وجدت نفسي الا وأنا امسك الدجاجة بكلتي يدي وأهزها مؤدبة إيّاها كي لا تفعل ذلك مرة اخرى ويظهر اني نسيت في غمرة غضبي أنها مخلوق رقيق وحين انحسر غضبي كانت الدجاجة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة فأسرعت بها الى الجيران كي تُذبح لتخليصها من عذابها أولا وكيما تكون طعاماً لهم ثانياً ففعلوا شاكرين الله لأنهم حظوا بالدجاجة  المشاكسة .

وانبرت كبراهن تقول: لم يكن عندي دجاج وكان راتبي كله يكفي فقط لشراء طبقة واحدة من البيض شهريا لي ولاسرة من خمسة أفواه ومع إن لنا جميعاً رواتب فنحن موظفون من خريجي الجامعة غير إن رواتبنا كلها كانت تكفي فقط للمواصلات. الا إننا جميعاً كنا نقوم بأعمال إضافية منزلية للنساء وخارجية للذكور كيما نستطيع أن نأكل لنعيش بانتظار الفرج. وكان ضمن أعمالي الإضافية (المحاضرات) في المدرسة التي أعمل فيها . كنت فرحة بها، غير إن أقصى غاية ما كنت أتمناه أن يكون أجر محاضرة واحدة يكفي لشراء بيضة واحدة اسلك بها حَنجرتي ولم يحصل ذلك أبداً إذ تصاعد سعر البيضة الواحدة الى مائتين وخمسين ديناراً أما أقصى ما تصاعد اليه سعر المحاضرة الواحدة فهو الى ثمانين دينار كركرت صغرى الصديقات قائلة : انظرن معي (ثلاث في ثلاث) (ثلاث نساء في ثلاث بيضات) تلك أيام لا أعادها الله علينا وعلى بلدنا ذي الخير الوفير والناس الطيبين ولا بارك الله في حرب ولا مخمصة .

***

سمية العبيدي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

اسعد الله اوقاتكم بكل خير الاستاذة القاصة سمية العبيدي...خالص احترامي وتقديري
قصة من تمام الواقع وفترات الحرمان والتقشف الغاشم الذي اكل الخير ال لامرئي كله بلا حسبان حتى عانت العوائل بدخل متوسط ومحدود بامر المعاناة فما فيمة بيضة يتذوقها كائن حي تعز عليه وهو يستجديها بعدة طرق وينافسه الدجاج ذلك الحيوان الذي يعيش على بقايا الطعام حتى هذا الحيوان عمه التقشف ..
قصص لا يمكن نسيانها ليس بسبب الاكل ولا الشعور بالفقر وإنما البلد الغني والذي يطفو على كنوز من الذهب الأسود تستهلكه المصالح للدول الكبرى فلا قيمة للإنسان العراقي وليسوقوا خيره علنا و حتى بعد مماته لتزيد ثروته الضائعة في جيوب الأجنبي وهو ينصهر ليكون بئر نفط ...
برؤياي المتواضعة ثلاث قصص في قصة واحدة بايحاء مقصود ومعبر عن وجع شعب وما يزال يهذي من وتيرة ضربات متعددة وصراعات لا تغنيه عن أزمات ضياع ...
سلم اختزال الفكرة برؤى القاصة وما تعني بمعناها البعيد كامرأة عاشت الحدث بقسوته وبتماسه باحساس انساني عن قرب او هزيع كثب عن معظم العوائل كربات أسر ، فلا خيال بلا واقع ..لذا ابدعت بكل بساطة رائقة بتصوير الفكرة باختزال القصد ببعد ثلاثي متعدد...
ويستمر المبكي المضحك في تناقل القصص فمتى تصبح دخان ذكرى ونتنفس الصعداء...
تحياتي عزيزتي وبورك حبر التأمل بدلات شتى ..
ربي يشفي الوطن من انفاس سارقة حتى العمر
إنعام كمونة.

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيوتي انعام عساك بخير
لا زلنا نخاف الانزلاق الى هذه الهاوية من جديد
جنبنا الله واياكم وكل الشعب وكل حي على هذه الارض .
ومتعنا جميعا بالعافية وهدوء البال .
دمت وشكرا لك.

سمية العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 01:09:13