 أقلام ثقافية

محاق بين أدبية الرواية.. علم الاجتماع وفهم المقروء

1313  ناجي ظاهراردت عندما كتبت روايتي" غرام- او نهاية فنان"، قبل حوالي السبعة أعوام، ان اطرح جانبا مقلقا من جوانب التحول الاجتماعي الحاصلة داخل مجتمعنا العربي في البلاد، هو جانب قطبي الوجود الإنساني- المرأة والرجل، وتوسلت بطرحي لهذه القضية التي باتت محورا ملتهبا في وجودنا، ويكاد يتحول الى حريق يلتهم اخضر عالمنا ويابسه، بقصة فنان اماته الواقع المر واعاده الفن الحلو الى الحياة، ليواجه واقعا حنظليا، تمثل في غربته بين اهله واحبائه، وأبناء بيته تحديدا، فزوجته ترى ان الفن لا يطعم خبزا في بلادنا وتطلب منه ان يبحث عن عمل اخر..، وهو من جانبه يرى ان الفن هو مبرر وجوده منذ جاء الى عالمنا حتى لحظته العصيبة الراهنة. هذا التناقض بين الرجل الفنان ويدعى نسيم البرقوقي وبين زوجته الرافضة المتمردة وتدعى وديعة الشبيك، يمر بأحداث مؤلمة قاسية، تتمثل في ان يهرب الفنان بفنه، وبمحاولته الدائبة لإنتاج لوحة حياته الخاصة به، وبملاحقة زوجته له، ومحاولتها قتله. لا أقول قتله، في نهاية الرواية. لقد اردت من كتابتي هذه الرواية ان اقرع ناقوس الخطر وان انبه الى مخاطر، مدعمة بالقوانين الرسمية، تتهدد مجتمعنا العربي في البلاد، وتنذر بخراب ات لا محالة. وقد فعلت هذا من منطلق تحمل المسؤولية والتنبيه لتبعات ما قد ينجر اليه مجتمعنا من مهاو. في ظل أجواء بات التفريق فيها بين الحرية والفوضى صعبا.. واتاح للكثير من النساء استعمال القانون للهجوم وليس للدفاع كما هو مفترض.

اثارت هذه الرواية منذ صدورها عام 2013، حتى فترتنا الراهنة العديد من ردود الفعل، وتحدث وكتب عنها اكثر من دارس وباحث، وبما انني مؤمن بتعدد القراءات للعمل الادبي الواحد، وارى فيه امرا طبيعيا ومحبذا، فقد رحبت بكل قراءة ورأيت فيها صدى لأهمية ما طرحته في روايتي هذه، غير ان ما حصل هو ان بعض القراءات جاءت بعيدة كلية عن الفهم الادبي لأدبية الرواية، وحاولت ان تجر القارئ، او المستمع اليها، الى مجالات أخرى مثل علم الاجتماع، في حين حاولت قراءات أخرى ان تتجاهل ما طرحته في روايتي، وان تنطلق من تصورات خاصة، تدل على انها تعاني من فقر في فهم المقروء، رغم اكاديميتها ومستواها الجامعي الرفيع.

فيما يتعلق بمحاولة جر الرواية إلى عالم آخر غير الادب، هالني ان محاضرة في علم الاجتماع كما فهمت منها، كانت سابقا مهتمة بالشأن الادبي، اعترضت على تسليطي الضوء في روايتي على امرأة يمكننا ان نقول انها اتصفت بالتوجه الشرير، هي بديعة الشبيك زوجة الفنان نسيم البرقوقي، متذرعة بان هناك العشرات والمئات من النسوة يُهن ويقتلن يوميا، فلماذا لا تتحدث عنهن؟ لقد كان من الطبيعي ان اجيب على تلك المحاضرة بقول واضح لا لبس فيه، انا اديب روائي يا سيدتي، ولست باحثا اجتماعيا حتى اتناول قضايا النساء كلها ومن جميع جوانبها في رواية واحدة. لقد اردت ان اسلط الضوء على بقعة معتمة في حياتنا تمثلت بامرأة فظة القلب قاسيته، وذلك ضمن رؤية نقدية، تريد الصلاح الاجتماعي والخير العميم لجميع الناس. واذكر مما رددت به على تلك الباحثة، ان الادب الروائي خاصة، يعتمد على الانتقائية فيما يثيره من قضايا، خلافا لعلم الاجتماع الذي يفترض ان يغطي دارسه ما يعالجه من قضايا من جوانبها المختلفة. اضيفي الى هذا سيدتي اننا عندما نتطرق الى نوع من النساء لا نتطرق اليهن مجتمعات، فهناك المرأة الخيرة وهناك المرأة الشريرة، وحديثنا عن احداهن لا يعني اننا نتحدث عنهن جميعا. اما بالنسبة لبطلة روايتنا بديعة الشبيك، فهي امرأة لا تختلف في شراستها وفظاظتها عن زوجات عرفهن التاريخ البشري ابتداء من زوجة سقراط،، مرورا بزوجة معروف الاسكافي في العمل الادبي العربي الخالد " الف ليلة وليلة"، انتهاء بنساء اخر زمن المنتشرات في شتى ربوع مجتمعنا في مقدمتهن بطلة روايتنا بديعة الشبيك. ان عدم تحدثنا عن هؤلاء النسوة لا يعني انهن غير موجودات.. فلا تضعي راسك في الرومال.. مجمل القول: هناك فرق كبير سيدتي بين تخصيص الادب وتعميم علم الاجتماع. ارجو الا يغيب هذا عنك خلال حديثك عن عمل ادبي روائي.

اما فيما يتعلق بتجاهل ما طرحته في روايتي، فيما يتعلق بالمرأة أيضا، فقد ورد في دراسة جادة، انصفت الرواية قليلا وظلمتها كثيرا، انصفتها عندما لمست ما حفلت به من أجواء حداثية، وظلمتها عندما رأت فيها، بحديثها عن امرأة اتصفت بالفظاظة، نوعا من الشيطنة(!!)، فهل حقا شيطنت روايتي المرأة بتقديمها لنموذج سيء من النساء؟.. الم تر يا صاحبي ما حفلت به هذه الرواية من نماذج نسوية إيجابية ومشرفة؟ الم تر المحبات الحنونات اللواتي ازعجهن موت فنانهن المبدع فتوافدن الى بيته باكيات نادبات؟ الم تر صديقة فناننا سلاف معمرجي عندما قدمت اليه عارضة عليه ان تكون اول انتحارية عربية في البلاد، وخلعت ثيابها ليرسمها عارية؟ الم تر ابنة فنانا سهر الليالي ورقتها في التعامل مع والدها الفنان المبدع؟ ثم الم تر والدة الزوجة بديعة الشبيك ذاتها وتوجهها الإيجابي تجاهه.. خلال حديثها الحنون المسؤول مع ابنتها؟ هل يمكننا يا اخي ان نرى في كل هؤلاء النسوة شيطنة من نوع ما؟ الا توافقني على انهن اشبه ما يكن بملائكة نزلت من سمائها لتنير حياة بطل روايتنا نسيم البرقوقي؟ ثم لماذا توقفت عند امرأة واحدة وتجاهلت غيرها من أولئك النسوة التي حفلت بهن روايتنا؟ هل قرات روايتنا جيدا؟ وهل ستعيد قراءتها؟ ارجو ان تفعل. ان الرواية الحقيقية هي عبارة عن عالم كامل متكامل زمانا ومكانا، في هذا العالم نلتقي بالعديد من النماذج البشرية، بالضبط كما يحدث في الحياة عندما نلتقي بنماذج مختلفة من الناس.. فهل يعتبر توقفنا عند نموذج سيء من النسوة شيطنة النساء كلهن؟ ارحمني يا اخي.. ارحم الفن الروائي الذي اكبر فيك الاهتمام به.. واعفني من قراءتك المتجنية المضللة هذه.

في المقابل لهذه القراءات فوجئت إيجابيا بقراءات منصفة ومتعمقة ولا تحتاج كثيرا لفهم المقروء.. منها قراءات رات في روايتي هذه، تصويرا لغربة الفنان في مجتمعه وبين اهله في بلادنا.. ومنها ما رات ان روايتي تحملت مسؤوليتها.. وقرعت ناقوس الخطر منبهة لمخاطر قادمة لا محالة.. ما لم نتصد لها وما لم نكون واعين لمستتبعاتها القاتلة.

 

بقلم: ناجي ظاهر

.....................

* صدرت هذه الرواية عام 2013 تحت عنوان" غرام- او نهاية فنان" عن مطبعة الوان، وصدرت بعدها بثلاث سنوات عن دار راية تحت عنوان" محاق".

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4893 المصادف: 2020-01-28 01:06:06