 أقلام ثقافية

مثقفو العرب في العصر الجاهلي.. عروة ابن الورد نموذجاً

وعد عباسبصرف النظر عن الغموض الذي يحيط بمصطلح "المثقف"، والاختلاف الدائر بشأن مفهومه، فإنه مصطلح حديثٌ نسبياً، لا يعود تاريخ استعماله إلى أزيد من قرنين على الأكثر، ويعني باختصار هو من وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف، أو فلسفة، أو رأي، أو تجسيد أي من هذا وتبيانها بألفاظ واضحة لجمهور ما ونيابة عنه، ويضع "أنطون تشيخوف" عدة صفات للمثقف يتصدرها "احترام الآخرين" ثم "الصدق والتواضع والكرامة وعدم التذلل لأي شخص والحس الجمالي والتعاطف مع كل المخلوقات" .

قد لا تظهرُ إلا القليلُ جداً من الاعتراضات إذا ما ألصقنا صفة المثقف بالدكتور علي الوردي مثلا أو علي شريعتي، أو جان جاك روسو أو غيرهم من الذين عاشوا في العصور التي عُرِفَ بها هذا المصطلح أو قبل استعماله بفترات قصيرة، لكن الاعتراضات بالتأكيد ستظهر إذا ما أطلقنا اللقب أو المصطلح نفسه على شخص عاشَ ومات قبل أكثر من 1400 سنة في فترة لم يعرف العربُ فيها أيَّ شيء غير الاقتتالات القبلية .

لكنَّ ذلك بالنسبة لعددٍ من الباحثين يعد أمراً طبيعياً، فالعربُ القُدامى مثلاً كانوا يتحدثون اللغة العربية بحركاتها الإعرابية والصرفية الصحيحة، ويكتبون من الشعر أبلغه، دون أن تكون هناك أي قواعد نحوية أو صرفية، أو حتى عَروضية وبلاغية، ثم ظهرت علوم اللغة فيما بعد من أجل الحفاظ عليها، وهذا ينطبق على مصطلح "المثقف" أيضاً، فإن عدم وجوده في ذلك الزمن لا يعني بالضرورة انعدام وجود أناس ينطبق عليهم هذا المصطلح المتأخر الشهرة والاستعمال.

ولعل الشاعر "عروة ابن الورد العبسي" المتوفى سنة 607م / 15ق.هـ، أحد أبرز المثقفين العرب أيام الجاهلية، ويمكن التثبت من ذلك إذا ما اطلعنا على سيرة حياته، واستخرجنا منها سمات شخصيته، إذ أنها – شخصيته – اتصفت بما يتصف به الأشخاص الذين يطلق عليه اليوم لقب "مثقفون":

- تمرده عن الأعراف والتقاليد وسلطة القبيلة:

عروة ليس كغيره من الصعاليك الذين اختاروا حياة الصعلكة فقط هرباً من الفقر والجوع، وسخطاً على الظلم الاجتماعي الذي لحق بهم، لأن ما يمتلكه عروة من شاعرية وفروسية كانتا ستوصلانه إلى مقام رفيع في قبيلته بل وبقية القبائل، ويكفي أن هاتين الصفتين قد حولتا "عنترة عبد شداد" إلى "عنترة ابن شداد"، لكنه رجلٌ عابَ على نفسه العيش في ظل سلطة القبيلة، وأعرافها البدوية البالية، واختار أن يعيش صعلوكاً مشرداً حراً، على أن يعيش عالي المقام في قبيلة يشوب نظامها الاجتماعي الكثير من الظلم والأخطاء .

إن خروج "عروة" عن قبيلته، وتمرده على النظام الاجتماعي السائد في بلاد العرب، يعد إنجازاً عظيماً لا يُقدمُ عليه إلا مثقف، لأن التنويم الاجتماعي وخاصة في البيئة العربية المحيطة بـ "عروة" كان قوياً جدا ولا يمكن لأي شخص الخلاص منه، وإذا أردنا التثبت من ثقافة "عروة" فيمكننا التوسل بما قاله الدكتور علي الوردي رحمه الله

" التنويم الاجتماعي له أثر بالغ في شل التفكير. فالذي يقع تحت وطأته لا يستطيع ان يفكر الا في حدود ما يملي عليه الايحاء التنويمي العام. وأنت لا تستطيع أن تجادله أو تباحثه مهما يكن دليلك إليه صارخا. ان إطاره العقلي مغلق بشكل لا ينفذ إليه اي برهان مهما كان. يصح القول ان التنويم الاجتماعي موجود أينما وجد الانسان. ولا بد لكل انسان ان يقع تحت وطأته قليلا او كثيرا. وكلما ازدادت ثقافة الناس وتفتحت عقولهم ضعف فيهم اثر التنويم وقلت مخاطره  .

- التعاطف مع الآخرين:

عُرِفَ عن "عروة" حبه للناس، ودعوته إلى تحررهم، حتى أنه كان يجمع الصعاليك ويحرص على مساعدتهم واعالتهم واغاثتهم من الظمأ والسغب، وكان تواقاً الى عالم إنساني جميل تحكمه قسمة الحق ويتمتع فيه كل الناس بالعدل الاجتماعي والحياة الانسانية الكريمة الخالية من القهر والاستعباد، والتمييز بين البشر وفقاً للنسب، ولون البشرة، والوضع الاقتصادي .

وكان إذا أصاب الناس شدة، تركوا المريض أو الكهل المسن أو الواهن العاجز، قام على الفور بجمه هؤلاء واشباههم من دون أهلهم، فأسكنهم في خيمة يسقيهم ويطعمهم ويكسوهم، ويرعاهم كل الرعاية، حتى إذا تعافوا أخذهم معه إلى الغزو، وقسَّمَ المغانم بينهم بالعدل، وأبقى منها للمرضى .

والجميل في عروة أنه لم يكن يغزو الأغنياء الأسخياء الذين يساعدون الناس، ويبذلون أموالهم في سبيل إغاثة هذه الشريحة، وإنما يُغيرُ على أموال أولئك الذين يحتقرون الفقراء، ولا يبدون أي مساعدة لهم، كما أنه كان ذا حس ٍ إنساني وفني رفيع، ويبدو ذلك جلياً في شعره، فضلا عن كونه دائم الشرح والتوضيح والدعوة لرسالته الإنسانية في الحياة، ورؤيته لها .

لقد اجتمعت الصفات التي وضعها الروسي "تشيخوف" للمثقف في شخصية عروة ابن الورد، فهو الصادق والمتواضع والمحب للآخرين، المتعاطف معهم، ومالك الحس الجمالي والعاطفي الرفيعين، ويعد بحق أحد أبرز المثقفين في تاريخ العرب .

 

وعد عباس

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4906 المصادف: 2020-02-10 04:21:34