 أقلام ثقافية

نوروز، اكيتو: عيد الربيع العراقي!

سليم مطرفي 21 آذار من كل عام، اول أيام الربيع، ظل العراقيون القدماء يحتفلون في (سومر وآشور وبابل) بهذا العيد الذي قدسوه وجعلوه بداية السنة الجديدة. خلال ثلاثة آلاف عام وهم يحتفلون به، قبل ان يتبناه الايرانيون (الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م، دون ان يطلقوا عليه اي اسم. وان اقدم ذالاسم في اثناء حكم (الفرثيون) في القرن الاول الميلادي، استعلموا تسمية (نيروز ـ اليوم الجديد) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري (زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي (راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (سجلنا بعضا من المصادر الاجنبية التي تتفق على ذلك) (1)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم (الشمسي ـ القمري) يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لأختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل (برج تموز).

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد (تموز - اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض (رحم الام)، ليأتي ويخصب (عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. (2)

وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول (ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل (منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز).

ـ ان تبني الاخمينيون لهذا العيد النهريني المقدس، كان من بين تبني شبه الكامل للحضارة البابلية، بما فيها الكتابة المسمارية واللغة ألآرامية والفنون والبناء وطرق العيش.. الخ (3)

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد (الاحتلال الاخميني الفارسي)، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم (نوروز).

ـ انتشار المسيحية في العراق، ساهم في تناسي هذا العيد، لأن الكنيسة اعتبرته عيدا وثنيا. وقد حل محله (عيد الفصح: قيامة السيد المسيح) حيث الطبيعة " تفصح " وتتفتح في الربيع. وقد انتقلت الكلمة الى اللغات الاوربية: (PAQUE) و (Easter : عشتار)!؟ اما تسمية (عيد القيامة) أي (قيامة المسيح) بعد صلبه مثل قيامة (تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب.

ـ في اليهودية ايضا اسموه (عيد الفصح: بيسح)، حسب اسطورة خلاصهم من التيه في سيناء.

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية (الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي (نيروز) الذي كان متداولا في العراق تحت الحكم الساساني الفارسي. واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا. (4)

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر (عيد شم النسيم).

ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم (ينكي كون - اليوم الجديد). العلوية والبكتاشية التركية، يعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء (رض).

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار (كاوه الحداد) على الملك الطاغية (الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها (الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار (المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي). كذلك تركمان العراق يحتفلون به. (5)

ـ اليزيدية يحتفلون به باعتبارة يوم السنة الجديدة (سر صالي)، وهو في اول اربعاء من نيسان.

ـ المندائيون يحتفلون به باسم (عيد البنجة ـ برونايا) في شهر آذار .

ـ التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد ولكن جعله في اول نيسان.

احياء عيد الربيع العراقي

ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الجمهورية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا. (5)

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية (نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد.

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم (عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و (عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

كذلك هناك "يوم المحيا" أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا (يوم الكسلة) في البصرة، او (دورة السنة) او (عيد الدخول) و (يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة (من اسماء تموز!).

في أرياف الجنوب يقومون بشراء الخس والشموع على عدد أفراد الأسرة ثم يضعون الرز واللبن والسمسم والسكر والحناء في (صينية) كبيرة ويطلقون على هذه المواد (جوه السلة) وبعد فترة من الهدوء والصمت يبدأون بتناول ما في الصينية. وفي اليوم الثاني يخرجون للتنزه في البساتين عصرا ومعهم الأطعمة ثم يعودون بعد الاحتفال إلى بيوتهم.

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نوروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كـ (عيد كردي) خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم (اعياد الربيع).

في السنوات الاخيرة بدأت الكثير من الجمعيات المدنية والمؤسسات الاعلامية والابناء الشعب، بالاحتفال بهذا (عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق، والعمل على إحياء بعض الرموز العراقية (السومرية الاشورية البابلية) والدعوة بأن يكون عيدا للمحبة والوحدة والخضرة، ويوما للعناية بالبيئة والطبيعة وزرع الاشجار والنخيل.

 

سليم مطر ـ جنيف     

..............................

ملاحظة: لاسباب تقنية لم نضع الصور التوضيحية المهمة المتعلقة بهذا الموضوع. ومن يرغب مطالعة الموضوع مع الصور التوضيحية، فهو في موقعنا:

http://www.salim.mesopot.com/hide-syasa/23-2016-11-17-18-47-59.html

المصادر:

 (1)ـ عن اقتباس (نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا (Nowruz) وتذكر اول مرة استخدم الاسم.

وهذه ايضا بعض المصادر العالمية:

  - A History of Zoroastrianism: Under the Achaemenians By Mary Boyce, Frantz Grenet. Brill, 1982  

- Encyclopædia Iranica, "Festivals: Zoroastrian" Boyce, Mary

 

Lettres persanes/ موقع: رسائل فارسيةـ        

http://leslettrespersanes.fr/2019/03/20/nowruz-une-fete-millenaire-celebrant-l-arrivee-du-printemps

-The Origin, History & Symbolism of No Ruz (Nowruz)

http://www.payvand.com/news/12/mar/1176.html

ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.

2ـ معلومات عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:

- P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22

- J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

3ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:

مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج

https://urlz.fr/9b14

بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:

ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l'akitu).

4 ـ قال البحتري في وصف الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً    من الحُسن حتى كاد ان يتكلما

وقد نبَـه النوروز في غلس الدُجى    أوائل ورد كـُن بالأمس نوَما

5 ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة (26 مارس 2000) . وفيه يؤكد ان حكاية كاوة قد تبناها الاكراد في اواسط القرن العشرين: (وكان أهم ما حدث في القرن العشرين هو الربط بين نوروز وأسطورة خلق الأكراد المعروفة بقصة كاوا الحداد والملك ضحاك. لكن لو بحثنا عن هذين الاسمين في الأدب الكردي المدوّن والشفهي لفترة ما قبل القرن العشرين، لرجعنا بعد جهد جهيد خالي الوفاض. فمئات النصوص الكردية التي تتحدث عن الشخصيتين الأسطوريتين أو تتمحور حولهما كُتِبت من قبل كتاب وشعراء معاصرين. وأسطورة كاوا والضحاك ولدت من جديد في القرن العشرين تحت معان أخرى)

نص المقال في جريدة الحياة: 26 - 03 - 2000

https://www.sauress.com/alhayat/31038998

ـ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

ـ لمن يرغب بمعلومات عن هذا العيد، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل:

عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4945 المصادف: 2020-03-20 02:35:06