 أقلام ثقافية

إن لم يكن الإنسان سنبلة

يوسف جزراويلأول مرّة أجدُ البشريّة بأكملها  متوحدة في حربٍ ضروس ضد الفايروس كورونا – الإرهابي (أبو كمامة الكوروني).

الكلُّ محتجزٌ في البيت، خوفٌ مبالغٌ فيه قد غزا العقول وأحتل القلوب، يؤرق حياتنا، وذلك لرغبتنا الجامحة في الحياة.

فهل سيغدو كورونا ذلك الفايروس الخفي الصامت إضطرابًا مزمنًا في عالمنا؟!

فواحدنا يخشى أن يلتفّتُ إلى الوراء ولا يجدُ الحياة التي عرفها مرّة أُخرى فيجهشُ بالبكاء، كرسامٍ بكى كثيرًا حين عجزت ريشتهُ عن رسمِ دمعة!

وكلُّنا يخافُ أنَّ تلكَ الأحلام التي اذخرناها ستمضى معنا إلى العالم الآخر.

إنتظارٌ وترقبٌ على نارٍ هادئةٍ والجميع يتسائل:

متى سنسقط يافطة ممنوع اللمس؟ ممنوع المصافحة وكلا للعناق...؟!!

لكن إنساننا منذ القدم لم يستلم للصعاب ولم يخر راكعًا أمام الأزمات، بل وقف ندًّا صلبًا بوجهها. ففي سعيه للخلود عرفناه أبدًا على شاكلة كلكامش راكبًا بحرًا تتلاطم فيه أقصى الأمواج وفارسَ غابةٍ تكثر  متاهاتُها كلّما أوغل فيها! وهذا هو سرّ الإنسان بل سرّ الحياة ولغز الوجود.

من المؤكد إنَّ لا قيمة للإنسانِ المنعزل - المنغلق، المتقوقع على ذاته والمتكوّر على نفسه، لأن الإنسان ومنذ البدء دُعي للحياة ليكون في شراكةٍ مع الآخرين وألفة معهم، والإنسان الأكمل هو اجتماعي، أمّا المنفرد المنعزل أشبهُ ما يكون بالمتوحش وتواصله البنّاء مع بني جنسه يتيح له أن يصير إنسانًا رغم إنَّ ليس جميع البشر إنسانيين!!

فدعوة الإنسان الحق تكمنُ في أن يظلَّ نافذة مفتوحة على العالم وليس في حجرٍ  بيتي وعزلٍ صحي، لأن المرء متى رغبَ في تحقيق إنسانيّته وتكامل وجوده وجب عليه ألّا يكون منعزلاً إنفراديًا، لأن الحياة فعل جماعي واجتماعي.

تفحصوا ملحمة كلكامش بنظرةٍ ثاقبةٍ تجدوا إمارات الفرح ونشوة الحياة تبقى ناقصة بدون الآخرين؛ فالمباهج الجماعيّة تعقب عودة البطلين (إنكيدو وكلكامش) من الانتصارات.

وتفحصوا الإنجيل المُقدّس تجدوا ولائم الفرح لا تتم بشكلٍ إنفرادي (عرس قانا الجليل، عودة الأبن الضال...) بل على نحوٍ جماعيّ.

فهل سيسمح لنا الفايروس كورونا في تخطّي عتبة ال( أنا) للقاء مع الآخر ال (أنتَ) لتعود ال (نحن) إلى مفاصل الحياة مُجددًا ليتجدد فنّ التواصل مع بعضنا البعض؟!

من المؤكد نعم والف نعم، ولكن متى؟ فالعلم عند الله وحده، فهو الذي يخرج من الشرِّ خيرًا!

منذ القدم إلى جائحة كورونا المُعاصرة والإنسان لا يُعنى بالموت، وإن شغله أمر الفايروس بهلعٍ كبير وأهتم كثيرًا بطرق الوقايّة منه، فهذا أن دلَّ على شيءٍ فيدلُّ على أنه معني بالحياة ومغرم بها خشيه أن تفلت من بين يديه.

كلمتي هذه هي دعوة لنبشّرَ بعضنا البعض بالرجاء، وننشر الفرح وروح الحياة، فأنا من المؤمنين بإنَّ بعد العسرِ يسر، وفي الحياةِ حياةٌ، ولا موت للحياة، بل هي وجودٌ دائم وخالد  لا سيّما للمثمرين.

والحال إن لم يكن الإنسان في الأزمات العصيبة نخلة لن يكون رُطبًا، وإن لم يكن سنبلة لن يكون خبزًا، وإن لم يكن شمعة لن يكون نورًا وعطاءً للآخرين؛ لذا أجدها فرصة مواتية في هذا الزمن العصيب التي تعيشه الإنسانيّة جمعاء لكي يغدو واحدنا لهَبَةَ نورٍ ونارٍ تضيء عتمة أخيه الإنسان مهما تنوع أصله وعرقه، جنسه ودينه، لأن الإنسان الحق في تكوينه هو إنفتاحٌ وعطاءٌ وليس تعصبًا وإنكماشًا.

هذه قراءةٌ مُتشحة بتأمّلات عميقة لمعت في الذات ثمّ أضاءَت في الفكرِ لتشكّل قناعات في صميم الوجدان ومبادئ في أعماق الروح، أسواقها لكَ عزيزي القارئ لتغدو حوارًا. والحوارُ الذي أصبو إليه ليس حوار الطرشان، أو حوار إثنين يصل بهم الحديث إلى حدِ التعارض والخلاف والمحاججة والصراخ، وربّما التقاطع والخصام، بل هو حوار التلاقي تَتلاقَى فيه الرؤى وتتزاوج فيه التطلعات، ليخلق بحبوحة أمل فيها ومضة نور لا تلبث تدلكَ على الطريق وتترك لكَ حريّة السير.

فلعلّي أطيق كلّ شيءٍ، عدا قتل الأمل وخنق الحياة في الآخرين، لذا لا تنصتوا إلى أبوام الشؤم غير الايجابيين، فواحدهم يشيع الإحباط ويبثُ إنطباعات سودايّة ومحاذير لا تُبشر بغدٍ جديد مشرق...فلو كان الجميع متفائلين لمَ أسودت الدنيا في عيون الكثيرين! ألستم معي بهذا التشخيص؟!

 

أخيرًا

إنَّ الرسالة التي أُريدها أن تصل للقارئ هي:

لا تفقد الأمل في جعل الغيوم التي تسبح فوقَ رأسك مطرًا يُبلل اليابس من حياتك، لذا ثقوا بالعنايّة الإلهيّة وصدَّروا الأفكار البيضاء لأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش.

فأنشروا الحياة لان يومًا سينام كلّ مِنّا قرير العين عند من لا تنام عينيه...

لندخل إذًا إلى معبد الأعماق ونرفع صلاةً برائحةِ البخور، لان الصلاة مفتاح الفرج وأفضل من أيّ عقارٍ أو دواء، بل هي طاقة إيجابيّة، تفتح في حجرة الروح نوافذ أمل.

وليتنا لا ننسى بعد الصّلبِ قيامة.

 

الأب يوسف جزراوي

هولندا/ خرونيكن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4964 المصادف: 2020-04-08 03:05:04