 أقلام ثقافية

الحب في زمن الكورونا (2)

جعفر المظفرأثناء زيارتي لبرلين الشرقية في بداية السبعينات حرصت أن أرى الجدار الذي يفصل ما بين شرق برلين عن غربها. الحجارة هي نفس الحجارة قد تبني بها بيتا لتجمع شمل عائلة أو تبني بها جدارا لفصل شعوب بأكملها عن بعضها البعض.

قصَّ علي مرافقي، طالب عراقي كان قد قضى أكثر من ربع قرن ولا يزال في السنة النهائية من كلية (المادري شنو). طلب منه أبوه أن يؤكد له تخرجه من الكلية التي أرسله للدراسة فيها صارفا عليه ثمن شقاء عمره فأرسل له قائمة المأكولات لأحد المطاعم وقد ترجمها بنفسه إلى العربية: مقابل شيش كباب كتب فيزياء ومقابل دجاج كتب كيمياء.

هواه أن يظل في ألمانيا إلى آخر العمر. . بار في إحدى الدرابين وليلة مع شقراء ألمانية لن تعوض عنها وظيفة مدير عام في إحدى الدوائر العراقية. بطبيعة الحال أنا أتحدث عن بداية عقد السبعينات من القرن الماضي حينما كان راتب المدير العام يتحدد وفق سلم الرواتب كباقي موظفي الدولة التي تعاقبهم بأشد العقوبات إذا إختلسوا فلسا واحدا.

حكى لي مرافقي عن المآسي التي تبعت بناء الجدار. إحداها كانت عن قصة الرجل الذي ذهبت زوجته لزيارة بيت إبنه وأحفادها في الشارع المقابل. حينما أفاقا في الصباح وجدا نفسيهما معزولين عن بعض، الزوج في الشرقية والزوجة في الغربية. ظلا بعدها عمرا يطلعان إلى سطحي البيتين المعزولين حتى يؤشرا لبعض بعد أن إتقنا لغة الخرسان.

بعد سنوات خرج الزوج إلى السطح كالعادة إلا أن زوجته لم تطل عليه. في صباح اليوم التالي أطل عليه إبنه بدلا من زوجته، وبحركة أو حركتين من يده فهم أنه كان عاد توا من المقبرة بعد أن إنتهى من دفن الأم.

على بعد عشرة دقائق في السيارة في فرجينيا الملاصقة لواشنطن العاصمة يعيش إبني مع زوجته وإبنتيه التوأم اللتين لم تتجاوزا الثلاثة سنوات، وعلى بعد ربع ساعة تعيش إبنتي الكبرى مع حفيد وحفيدة وعلى بعد نصف ساعة تعيش إبنتي الصغرى مع الحفيدة الخامسة وكنا تعودنا يوميا أو بين يوم وآخر أن نشبعهن إحتضانا إلى حد الإختناق.

منذ ثلاثة أسابيع أفقت ذات صباح لأرى جدارا عاليا سميكا يفصل ما بيني وبين أحفادي. هذا الجدار أنجزته حجارة من نوع خاص حمايةً من خطر "فايرس" أسموه "كورونا" .

أجبرتني التعليمات، لكوني (شايب) تعدى عمره الثلاثة أرباع قرن بسنتين أن ألزم داري وأن أحترم قانون التباعد الاجتماعي.

إبني أشفق علي قبل أسبوع حينما جاء بالتوأم، لكنه وتمشيا مع قانون التباعد الاجتماعي إشترط علَيَّ أن أراهما عن من خلف الباب الزجاجي، لأنه يعرفني جيدا، ما إن أراهما حتى تنتابني نوبة العناق التي لا تهدأ إلا بعد أشبعهما إحتضانا وتقبيلا ... وعض.

حينما أخذتهم السيارة بعيدا تذكرت تلك (الجدة) الألمانية التي لم تصعد إلى السطح لكي تلقي على زوجها تحية الوداع الأخير.

نحن جميعا مع حاجز كورونا سنظل نترقب طلعة "غورباتشوف" المنتظر الذي سيعلن علينا إكتشافه اللقاح الشافي الذي سيهدم جدار "كورونا"

وحتى ذلك الحين سأموت من رغبتي الجامحة : أن أحضن أحفادي، أن أشمهم وأقبلهم وأسمعهم وهم يتأتون الكلمات فأشاركهم التأتأة، حتى كأني صرت مثلهم طفلا في السابعة والسبعين.

 

د. جعفر المظفر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4976 المصادف: 2020-04-20 03:27:12