 أقلام ثقافية

الحرية في زمن كورونا

رشيدة الركيكنعشق الحياة ونجري حتى وراء سرابها، نكره الألم ونخاف أشباحه، نتحسس لحظات من الفرح ونهرول وراء ابتسامات وارتسامات خدّاعة . وطمعا في حب الناس قد نضحي تضحيات جسام من أجل استمالتهم والتمتع بنظرات صفاء تغمرنا لتستمر الحياة ويستمر معها حلاوة الوجود.

هي سعادة يسودها التقاسم وروح المشاركة مع الآخر، بين أحضان حياة اجتماعية تأخذ منا الكثير عن طواعية. قد نتكلم عن حرية مسلوبة داخل المجتمع كلما فرض علينا قوانينه وثقافته وعاداته، وقد نشتكي منه كلما أردنا الإحساس بتفردنا  وذواتنا.

ومع عشقنا للحياة كرهنا كل القيود داخلها التي قد تقهر إرادتنا، فتسجن الإنسان في الكثير من الحتميات وتحاصره داخلها مهدرة لكل قدراته.

كنا نتبجح بامتلاك والتمتع بالحرية كلما نظرنا إلى الطبيعة بعيدا عن القضبان، وغردنا مع العصافير خارج السرب أو حتى داخله، أحببنا الحياة كلما غررت بنا بنظرة خاطفة عن ألوانها المزركشة وتذوقنا متعة العيش.

ولأننا نعيش حياة اجتماعية امتثلنا لقيم المجتمع وحتميته، وخضعنا لواجباته إيمانا منا أن الحرية نسبية كلما عشنا حياة فيها من التشارك الجميل ما يعطي معنى للوجود.

قد نتكلم عن الحرية بشتى معانيها بما فيها حرية الزمان والمكان والهدف واستخدام الوسائل، حرية التفكير والتعبير وتحديد المصير لتتفرع عنها معان كثيرة تهنا فيها ردحا لا متناه من الزمن.

فعلا تهنا عبر التاريخ ونحن نكافح من أجل هذا المطلب الإنساني بامتياز، إلى أن اقتحم حياتنا البشرية فيروسا مجهريا أعاد بناء المفاهيم من جديد مثلما فرض ملامح حياة جديدة، طلبت منا الوقوف والتوقف في كوكبنا الأرض، والإنصات للأحداث بآليات جديدة للتفكير رافضة لكل منطق كلاسيكي متحجر ومتجاوزة له.

نحن في زمن حرية كوفيد 19، هي حرية داخل الأسوار والجدران. حرية فيها وحدة المصير الإنساني لكن بمنطق مكاني آخر جديد فرض إقفال الحدود الجغرافية للدول وللأسر بل وحتى الأفراد. أصبحنا نخاف حتى تبادل الهواء والأشياء وأي تشارك.

هو زمن وضع المفاهيم في سياقات أخرى جديدة ربما صححها من يدري، فقد علمنا أن الحرية إحساس  داخلي معاش نبحث عنه في عالنا الباطني وليست كما كنا نعتقد التحرر من القيود الخارجية التي تحول دون إخراج الطاقات الكامنة فيه، واتخاذ قراراته وتحفيز قدراته.

لقد فرض منع التجول المكاني الضيق في وقت أبحر الإنسان في العالم الافتراضي كفضاء جديد دون قيود جغرافية ولا حتى  زمنية  أو دينية، فاقتحم البلدان والثقافات والأحداث وحتى  جل حياتنا الشخصية.

فكلما ارتبط معنى الحرية بما هو أعم ضاق مفهومه وتقزم. كنا نتكلم عن حرية الشخص وقدرته على اتخاذ قراراته بالقبول أو الرفض للمواقف، إلا أننا اليوم نتكلم عن حرية إنسان تقبر ليفرض عليه العيش في اتجاه لا يراه إلا صاحبها، فلم تعد الحرية بذلك تتغذى على ضوء الشمس ونورها شامخة في اتجاه الأعلى مستمدة طاقتها ومغذية لجذورها من قدرة وإرادة وحماس في العطاء.

لقد أصبحت الحرية تعاش في الداخل ويرمم فيتامينها عظامنا ويحفظ طاقتنا ويزيدها توهجا. هي في زمن كورونا إحساس يبعث الحياة من الداخل ويجعلنا نعيشها بين جدران بيوت مقفلة، وتشعرنا بالحياة وإن بدت الحياة مظلمة فإن التحرر الحقيقي يأتي من الداخل بنظرة جميلة مشرقة لغد أفضل فيه لذة ومبهج بأفكار منيرة تحول كل محنة منحة. 

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4983 المصادف: 2020-04-27 03:51:03