 أقلام ثقافية

الوجه الآخر

عزيز جاسمفتح كارسون تشالمرز نافذة داره المطلة على ساحة مدسن ورأى الكم الهائل من المشردين واقفين في طوابير بانتظار الدور من اجل مأكل ومأوى يقضون به يوماَ من ايامهم التي لا يعرفون الى متى ستستمر على هذا الحال. خطرت في بال تشالمرز فكرة اتاحت له فيما بعد فرصة لرفد رصيده في الحياة بالخبرة التي لا تعوض. قرر ان يلعب دور الكريم الذي يُطعم بلا مقابل حيث قّل مثل هذا النوع في بيئته إذ علمنا بذلك فيما بعد عن ضيفه الذي استضافه.

نفّذ فيليبس أمر سيده وجاء له بضيف بالضبط مثل ما يجلب المارد في مصباح علاء الدين لسيده. أحضر شخصاً مشرداَ يرتجف من شدة الخوف والبرد والجوع اذ طلب منه الحضور لينال شرف كرم الضيافة الذي سيمنحه السيد كارسون تشالمرز له وبلا مقابل.

نتعرف على الضيف بلومر بطل قصة أو هنري القصيرة "ليلة عربية في ساحة مدسن" الذي أبى أن يبدل مهنته التي لم تجلب له إلا العناء الذي اثقل كاهله واوصله في نهاية المطاف الى هذا الحد. بعد سلسلة من الاحداث المشوقة تصيبنا صدمة عند معرفة شخصية بلومر الذي كان رساماً قل نظيره وكانت شخصيته مرموقة وعلى مستوى عالِ من الشهرة. في الحقيقة ما جاء به الى ساحة مدسن ملتمساً وجبته من كريم هي مهنته في الرسم التي تكشف شخصية الزبون على حقيقتها دون علم بلومر ان ريشته تكشف الستار عما بداخل زبونه. أصبح بلومر في نهاية المطاف مشرداً يقطن ساحة مدسن يبحث فيها عمن يتصدق عليه بأحسان لقمة يسد بها رمقه ومسكن يتستر به. هذا ما وصل اليه بلومر الرسام المشهور الذي خرق الارض عرضاً وطولاً ببراعة فنه وجمالية لوحاته التي كانت تباع بألآف الدولارات.

أن ما يثير الانتباه هنا وما جلب سوء الحظ لبلومر انه كان يتعامل بحسن نية في رسمه ولكنه لا يعرف ان ريشته لها القدرة على مسح الغبار عن وجه زبونه وإظهار ملامحه الحقيقية في اللوحة. لكن المشكلة تنطلق من نقطة لا يمكن للفرد ان ينطقها عن نفسه حيث تكون تلك النقطة واضحة للعيان عند النظر الى لوحته التي يرسمها بلومر. ويبدأ هنا مفرق الطرق عند بلومر حيث انه تعامل مع اناس كانت تبدي للغير ما لا ينم عن حقيقتها إذ فيها يكمن الخطر الاعظم. فالذي يُظهر لك وجها لم يُلمّع بعد وقد غطاه بقناع الخير الذي يخفي كل عيوبه لا يمكن لك ان تتعامل معه بالطريقة التي تضمن لك استمرارا سليما في نيته اذا ما استطعت كشف ذلك عن طريق لوحة له. ستبقى تدور معه في عجلة يديرها هو بمقودها الذي يتحكم به بيده ويرمي بك بعيداً متى شاء. أما شهرة بلومر الحقيقية فكانت على يد أولئك الذين لم يخفوا شيء في داخلهم فكانت لوحاتهم تُظهر شخصياتهم السليمة والخير الذي ينبع منها. حيث كان يسترزق منها وتباع بأغلى الأثمان.

العملية واضحة جدا في رواية "أمير الذباب" للروائي وليام جولينغ الذي اشار الى ان الشر والخير في داخل كل انسان مهما كانت الظروف التي يعيشها في حياته. والمثال كان واضحا مع الاطفال عندما قذف بهم جولدينغ في روايته بعيداً عن سيطرة الكبار واسكنهم في غابة. أظهر كل منهم (أي الأطفال) مابداخله وتحولوا الى فريقين أحدهما يمسك بدفة الخير والآخر بدفة الشر ولولا قدوم الكبار لأنقاذهم لقطع بعضهم البعض. لكن وكما شاهدنا أن نسبة الخير والشر إختلفت بداخل كل طفل حيث انعكست من خلال تصرفه. لكن الامر مختلف مع بلومر حيث يضعه تحت عدسة رسمه ليبين ما اذا كان الخير فيه اكثر أم الشر. الأمر واضح جداً عندما نتقطع الماً ونحن نصغي الى بلومر عندما يقول: " لم يمض وقت طويل حتى أخرجوني من العمل. لا يرغب الأخرين في ظهور وجههم الآخر علانية في اللوحة. يتظاهرون بالأبتسامة ويمكنهم ان يغيروا وجوههم ويخدعونك، لكن لا يمكن لهم أن يخدعوا اللوحة."

ركلت الحياة بلومر ركلة أردته صريعاً يتضور جوعاً في ساحة مدسن لكنها أعطت درساً على يد ضحيتها لمن تسول له نفسه إظهار وجهاً آخر غير وجهه. لن يتخلَ بلومر عن ريشته وإن تخلت الايام عنه. واذا تجرأ المحتال يوما ان يُخفي ما لا يريد إظهاره، سيكون واضحاً في يوم ما على يد بلومر اذا مُنح فرصة اخرى وامسك بريشته التي ستبقى للتاريخ عنوان. وجه الكاتب الامريكي قصته باتجاه ساحة مدسن واضفى عليها نكهة عربية ليمرر رسالة مفادها ان الذي يخفي حقيقته لابد لها  يوما ان تنكشف!!

 

 د. عزيز جاسم محمد – كلية الزهراء للبنات

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

احسنت وبارك الله فيك دكتورنا العزيز عزبز جاسم

د.ابراهيم العليص
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور المثابر والاخ الغالي أبراهيم العليص المحترم
خالص تحياتي وتشكراتي القلبية لك دكتورنا العزيز...
أخوك عزيز جاسم

عزيز جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4987 المصادف: 2020-05-01 04:34:12