 أقلام ثقافية

فلم الرسالة والتنقيب عن جذور الإرهاب

بكر السباتينتمتعت في اليوم الأول من العيد بمشاهدة الفلم العالمي "الرسالة" للمخرح السوري الشهيد مصطفى العقاد الذي صوّر لنا قصة الإسلام العظيم من ألفها إلى يائها، وبين لنا كيف نمت هذه البذرة في الصحراء القاحلة ليستظل العالم عبر العصور بظلها العميم، وقد تبدّى كل ذلك في تفاصيل الأحداث الملحمية التي أقيمت على قيم السماحة والعدالة، وتحرير العبيد من طغيان السادة، والقبيلة، والشهوات التي تداخلت فيها الحقوق والواجبات على حساب الغير وفق اعتبارات المكانة والقوة والجبروت، حيث تبرمجت عقول القادة الرواد على الإيجابية من خلال التعاون المجدي والحوار البناء والرحمة وتحدي الصعاب، ومواجهة الخطوب والتعامل مع الأعداء وفق عدة خيارات بعد الهجرة إلى المدينة التي اعتبرت لحظة الصفر في التاريخ الهجري، وكان قوامها: العقل السياسي، والتشريعي المواكب للمستجدات، والأمني والعسكري في مواجهة الخطوب دون حرف البوصلة وقد أخذت الأحداث المشاهدين دون كلل أو ملل باتجاه تحرير مكة من الطغيان واستعادتها دون إراقة دماء، حتى يتنفس الرواد الصعداء قبل حملهم لشعلة الإيمان عبر العالم. مع العلم أن الرسالة المحمدية السمحة كانت في بدايتها.

وفي أتون الأحداث المزدحمة في ملحمة قصة الإسلام التي اختزلها فلم الرسالة، نقبت باهتمام شديد وموضوعية عن جذور الحركات الإرهابية التي أساءت للدين الإسلامي السمح في الوقت الراهن مثل داعش التي تسببت بمقتل مخرج الفلم نفسه، العقاد، الذي أتحفنا أيضاً بفلم عمر المختار، في تفجيرات عمان الإرهابية عام ٢٠٠٥ فلم أجدها على الإطلاق، بل سادت القصة لغة الرحمة رغم ما أصاب المسلمين من اضطهاد مروراً بصلح الحديبية وانتشار الإسلام بين الناس بالحوار خلال فترة الهدنة التي انتهكتها قريش وصولاً إلى فتح مكة دون قتال .. فمن أين إذن خرجت علينا هذه التنظيمات الإرهابية المتعصبة التي شوهت دين التسامح والمحبة الحنيف ولوثت سمعة الإسلام في زمن الرياء والفتن الطائفية.. لا بل وحرفت بوصلة الجهاد عن فلسطين وتركت غزة ومقاومتها وحيدة تتحدى جيش الاحتلال الإسرائيلي وانشغلت في تخريب العالمين العربي والإسلامي وفق استراتيجية امريكية صهيونية مكشوفة تجلت بصفقة القرن .

وتذكرت في سياق متابعتي لأحداث الفلم الملحمية مقولة شهيرة للفيلسوف والمسرحي الإيرلندي الساخر برناندشو في كتابه "محمد" بعد الحرب العالمية الأولى حين قال::

"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ، وإن رجال الدين في القرون الوسطى ونتيجة للجهل أو التعصب، قد رسموا لدين محمد (ص) صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدواً للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدواً للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السعادة والسلام الذي يرنو إليه البشر). وقال برناردشو أيضاً: (لو كان محمد حياً لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجان قهوة"..

لقد استرد المسلمون مكة دون إراقة دماء في مشهد صوره العقاد باحتراف وجموع المسلمين يحررون بلد الرسول، فيدخلون عبر بواباتها الثلاث كالنهر الذي ينتظره اليباب ..

فهل يقتدي العرب اليوم بهم فيحررون فلسطين من الصهاينة منصهرين بالهدف على قاعدة الوحدة والتكاتف والجهاد الذي تبنته المقاومة الإسلامية بعيداً عن إثارة الفتن المذهبية! أم ينجح المشروع الداعشي الذي صنعته الصهيونية في حرف البوصلة نحو الانشغال بمقاتلة بعضنا البعض وسفك دماء الأبرياء!؟

 

بقلم بكر السباتين

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5016 المصادف: 2020-05-30 13:39:41