 أقلام ثقافية

الذكورية في المجتمع الجزائري وحق المواطنة

لأوّل مرة أشعر أنني وفي قلب شوارع مدينة معسكر، وكأنّني في فضاء نخبوي أقل ما يقال عنه أنه فضاء ثقافي. داخل حديقة تحيط بك نباتات بزينة منتقاة وطاولات فارغة تنتظر جليسها، كراسيها تشعر وكأنها تنتحب. وحدي كنت مع ذلك النسر الذي كان يتصّدر وسط الحديقة في قفصه الواسع ـ لم يكن يحرك ساكناـ لقد كان وحيدا أيضا. لكن وحدته كانت من نوع آخر، كنت أنا مزهوّة بوحدتي بينما هو كان ينتفي في وحدته، شتان بين شساعة قفصه ورحابة السماء، بين انعزال جبري يحوّل القصر قبرا، وبين عزلة تستمع فيها إلى صوت عقلك المرهق فتكون أكثر وجودا مما كنت عليه من قبل.

حقا لقد اشفقت عليه وتعاطفت معه رغم أنه لم يهتم لوجودي ولا لأصوات فوضى الشوارع، لقد كان متماهي مع العدم والعبث. لقد أشفقت عليه أكثر من ذي قبل، هو لا يشعر حتى بذاته فكيف أطالبه بأن يشعر بي، بل هو لم يمتلك حتى الحق الطبيعي بأن يمارس ما وجد عليه وما وجد لأجله.

كان يرافقني كتاب مصطفى صادق الرافعي" السحاب الأحمر" كنت أقرؤه وإذا بي وبإلهام من جمالية المكان، استشعرت الحاجة للكتابة، كان وجودي هناك في الحديقة وجلوسي إلى جانب محتوياتها أمرا ملهما، استسمحت الرافعي وضعت كتابه جانبا وهممت استمع لصوت وجداني. كذلك كان يقول الرافعي:"ليكن غرضك من القراءة اكتساب قريحة مستقلة، وفكر واسع، وملكة تقوى على الابتكار، فكل كتاب يرمي إلى إحدى هذه الثلاث، اقرأه" وكذلك أخذت أفعل..

ما شجعني لدخول الحديقة، تلك الخزانة التي وضعت في إحدى زاواياها، إنها مكتبة صغيرة تأخذ منها كتابا وتترك آخر، جميلة هذه الحركة الثقاقيةـ وكم هو جميل هذا الشعورـ

للوهلة الأولى عندما تنظر لتلك المكتبة منتصبة وحيدة وشامخة، هناك تقول في نفسك هذا المجتمع لا يقرأ ولن يحترم هذه المكتبة، سيحطمها ويفسد كتبها، لكن لا ..يحتاج الإنسان لأن تثق فيه وتحترمه وتحسن الظنّ به وسيكون كذلك.. ليس لتلك الخزانة المكتبية مفتاحا ولا شخصا يراقب قاصديهاـ كم هو جميل هذا الشعورـ إنها الحضارة تستيقظ فينا بإيعاز بسيط، بسيط جدا، لسنا مجرد كائنات عضوية تسعى لتلبية حاجات البطن واللذّة فقط، ليس صحيحا.. ليس الخبز هو كل همّنا.

أعطني احترامك وراقبني سأكون أنا كما تريدني أنت حتى ولو لم أكنه. إن أردتّني قوّة عمياء أنا راض سأفتعلها، وإن أردتّني قوة فاعلة فأنا راض سأكونها، أما إن أردتّني قوة عاقلة فأنا راضٍ راضٍ..

لست أنا إلا كما تراني أنت وتريدني أن أكون ..فرجاءً اسمحوا لنا أن نكون كائنات معرفية، لأن كائنات المعرفة هي بالدرجة الأولى كائنات التعارف، وهذه الأخيرة ستسمح بالتعايش بين الصوّر المختلفة قبل المؤتلفة.

حارس الحديقة ينظر إليّ بنظرات متعجبة.. ! لم يسبق له ـ ولا لي ـ أن يرى داخل هذا العالم المادي روحا تبحث عن سكينة العقل وسط تلك الفوضى. تلك الفوضى التي أصبحت فجأة خلاقة. وجّه إلي الحديث قائلا: مرحبا بك، عفوا لا يجلس هنا إلا الرجال..استغربت الأمر في البادئ، أي تناقض هذا وقع فيه هذا الرجل يقول مرحبا وفي الآن ذاته يستسمحني بتوضيح.. لا مكان هنا للنساء..

أعرف ذلك يا سيدي إنه مجتمع ذكوري ولكنني موجودة وهذا الفضاء العمومي من حقوقي، قلت ذلك في نفسي، ثم أجبته حسنا ولم أتحرّك من مكاني، بل استمريت أتحسّس الحديقة بنظري وكأنني لم أُنبّه أبدا.. عفوا سيدي أنا لا أفرّط في حقوقي، أخرجت كتابي من محفظتي مع وريقات وقلم.

المسكين زادت غرابته لكنه توجّه إلى كرسيه وجلس، لقد أدرك أنه أمام روح غير مؤذية متعطشة لمثل هذه الجلسة المفتوحة والمغلقة في نفس الوقت. ذهب لحال سبيله وتركني لحال حالتي المتوهّجة. لقد كانت أفكاري تتراقص وتتنافس أيها يخرج أولا من وجودها الذهني إلى وجودها العيني، وأيّها يتحرّر من عُقال العقل المغترب عن فضاءه.

لقد وجدت موطني يا سيدي وأنا مواطنة صالحة أقوم بواجبي أولا ثم أطالب بحقي، لن تستطيع تحريكي من ها هنا، لم ينّص الدستور على حق الذكور الجلوس في الحدائق دون الإناث، لقد نشرت جذوري في تربة خصبة وستراها تتفتح زهرا في آنات كثيرة..

هنا يوجد كل شيء أريده، الغياب وسط الحضور، الهدوء في صخب الأصوات المتعالية في الشوارع..أصوات السيارات والأشخاص، والوحدة والانعزال داخل تلك الكثرة، ما أجمل المتناقضات عندما تتراقص بخطوات منسجمة على أنغام الطبيعة الأم، كلنا أبناء الطبيعة فلما لا نتآلف؟.

لم أكن أتخيل يوما أنني سأختبر هذا الشعور الجميل في مدينة معسكر، مدينتي.. معسكري، لطالما كانت أحلامنا تستوطن داخل المدن الأوروبية التي يجد فيها المبدع ملاذه ورجاؤه. كل شيء موجود هنا فقط علينا مساعدته على الظهور.

لم أكن أهتم إن عرفني أحد أو تعجّب لأمري آخر، عادة كنت أقول ليتني أكون في مكان ما وحيدة لا يتعرّف عليّ شخص ولا يُقلق راحتي وعزلتي أحد حتى أكون أكثر حرية عن ذي قبل. أما الآن فالأمر مختلف تماما، أنا مع الجميع ووحدي، تحيط بي الأصوات لكنني مطمئنة في سكينة الروح. فرح ما يخالجني ويرضيني.

أنا هنا أكتب هذه الأسطر وسط الشارع وأريد أن يراني الجميع لعلهم يصابون بعدواي ويتخذون تقليدا جديدا لأسلوب حياتهم. حقا دخلت فتاتين تبدوان طالبتين جلستا تتسامران لم تأخذا أي كتاب، بل تشاركتا بينهما هاتفا نقالا وأخذتا تمعنان النظر إليه. لا بأس المهم لقد دخلتا. يبدو أن وجودي شجعهما وإن ما فتأتا أن خرجتا.

حارس الحديقة لم يقل شيئا هذه المرة، إنه اكتساح أنثوي لعالمه الذكوري، الصمت علامة الرضا أحيانا، أو علامة الانهزام والاستسلام أحيان أخرى، لكن ليست تلك دلالته دائما يا سيدي قد يكون للصمت صوت صارخ، كصمت ذلك النسر، آه عليه..ماذا لو أنه نطق.. !، ما كان له أن يقول؟ بل لو فتح له باب القفص ما كان ليفعل..؟ طبعا سيهرب عاليا حيث السماء وحيث الحرية، أم تراه سيخالف يقيننا هذا ويبقى مكانه، ربما قد انتزعت منه روح الوجود ولم يعبأ بالعودة إلى طبيعته، أم تراه نسيّها وألِف اللاوجود الذي استغرق فيه حتى التّماهي؟، أم تراه نسي كيف الطيور تطير..؟

آسفة أيها النسر لا يمكنني اختبار ما يمكن أن تفعل ليس بيدي التدخل لا في قانون الطبيعة ولا في قانون الإنسان، حتى يسمح لي بالبقاء هنا لابد لي من احترام نواميس المكان..

كتبت هذه الأسطر ونظرت لساعة يدي كانت تشير للثانية عشر، وقت الغذاء، لم أشعر بمرور الوقت ولا تحسّست الحاجة للغذاء، كنت مشبعة حتى التخمة في ظل ذلك الفرح بذلك المكان، كم هو جميل ذلك الشعور.

لقد أصبح لدينا في مدينة معسكر فضاء للوجود داخل رتابة الوجود ذاته، فضاء للقراءة خارج أسوار الإسمنت حيث تستنشق الحياة بكل تلوّناتها. فأهلا بي دائما هنا أصبح هذا مكاني، وهذه طاولتي، وهذا كرسيِّي، ليس تملّكا ولكن مضايفة.

ذلك الزمن الوجودي المنبسط جعلني أختزل الدقائق في ثواني، أخذت أستجمع أغراضي وألملم أشلائي المتراقصة في ثنايا الحديقة، ونظرت حولي نظرة وداع فإذا بالحارس يراقبني، منذ أول رؤية لي لوجهه لم ألتفت إليه كنت مستغرقة في الكتابة، كانت الأفكار والكلمات تتسابق، خشيت لو أني رفعت رأسي غادرتني تلك الحالة، حقا لقد كنت وحدي ومبتهجة بوحدتي.

عدّلت الكرسي الذي جلست عليه وهممت بالخروج، فإذا بالحارس يستوقفني قائلا: شكرا لكِ، " الله يسهل" فرددت عليه ممتنة، بل شكرا لك أنت سيدي لقد غظظتُ الطرف عما قلتَه لي، ونفس الشيء فعلت أنت، غظظت الطرف عما فعلتُه أنا متجاهلة تنبيهك.

وخرجت من الحديقة وكأنني غنمت غنائم معركة مصيرية، فرضت وجودي وجسّدت فكري واكتسبت احترام ذلك الشخص لقد كان يراقبني ويعايِّنني، وسمح لي بالبقاء بسكوته وتجاهله. لم أكن أعلم سابقا أن التجاهل نوع من الاهتمام والاحترام، ستسكت صامتا كثيرا يا سيدي لأنني سأعود وسترحب بي وبكل روح لطيفة تهب نسائمها في سماء الحديقة..ففي أمان الله أستودعك..

 

د. بن عودة أمينة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5042 المصادف: 2020-06-25 03:51:35