 أقلام ثقافية

ديكنسون والطبيعة

سبق ان قرأت كثيرا لايملي ديكنسون Emily Dickinson بعضها قصائد مترجمة اخرها كانت احتفاءً بشاعرة الطبيعة لمترجمين محترفين بمجلة افاق عربية، الشاعرة تغري بالقراءة وتغري بالمقارنة او ان جاز التعبير المقارنة النقدية، او ما يطلق علية اصطلاحا النقد المقارن في الادب والشعر ليس استثناءً،

تقول باحد قصائدها:

“اللحن في الشجرة”،

يقول المتشكك .

فاجيب:

“لا ياسيدي، انه بداخلك”

ترجمة : وليد خلوصي

واضح انها توعز الالحان الى حركة الشجرة وحفيف الاوراق وليس لما يسمى الايقاع الشعري او موسيقى الشعر، لتوحدها في الطبيعة التي تعتبرها سابقة لكل موسيقى ولحن وهكذا دأبها باغلب قصائدها المعروفة .

اتت من بعدها العديد من الاجيال وربما عاصرها بعضها تأثرا بشعرها وما زال الشعراء يستلهمون شعرها عن الطبيعة باشكال وطرق مبتكرة لم تستطع ان تصل الى عمق توحدها بالطبيعة .

توحدها العميق بالطبيعة قادها الى عزلة اختيارية بحيث لم تجد في الانسان سوى مصدر ازعاج يمكن التخلي عنه وعن عنجهيته الفارغة التي من الممكن ان تسقط باول اختبار .

نفسيا يوعز سبب عزلتهاالى ضعفها في مواجهة مصاعب وتعقيدات الحياة اليومية وتفاهاتها، التي تجد نفسها في غنى عنها من اجل الطبيعة او الشعر .

  وكمثال عن استلهام شعرها من قبل شعراء وشاعرات من مختلف اللغات بعض قصائد : "ليلى حتى الرمق الاخير" للشاعرة سوزان عون من لبنان . وعند المقارنة نجد ان بعض قصائد سوزان عون عبارة عن احتفاء استثنائي بالطبيعة مكلل بالتفاؤل اكثر منه شكوى او تذمر من الحياة مقارنة بالطبيعة بكل ما تعنيه الطبيعة للانسان .

مواسم الأرض نمَتْ من خطوط كفي

التي عجزتَ أن تقرأها

طالت جذور صوتي

سيصلك جرح أغانيه مع حلول الشتاء البعيد

سوزان عون

الارض هنا امتداد باتجاهين او طرفين الشاعرة والطبيعة او خطوط الكف والارض  .

وهكذا يمكن اجراء العديد من المقارنات رغم السنين التي تتجاوز اكثر من قرنين بين ايملي ديكنسون ومن جاء بعدها خلالها من الشاعرات والشعراء الذين اتخذوا من الطبيعة مراة عاكسة لدواخلهم الشعرية او ما يودون التعبير عنه شعرا بواسطة الطبيعة ورموزها سواء التقليدية او المبتكرة .

ان من يعرف شعر وقصائد ايملي ديكنسون ليست بالقراءة العابرة وانما بالتأمل برموزها وايحاءاتها لا يمكن ان يقرأ قصيدة عن الطبيعة بدون ان يتذكر ايملي دينيكسن او احدى قصائدها على الاقل عن الطبيعة .

او ماذا تعني للانسان ماضيا وحاضرا .

يندر ان نجد شاعرا لا يأتي او يذكر بقصائده او بعض قصائده الطبيعة بكل ما تحويه من عناصر مادية وروحية خفية مجسدة باشكال وصور مختلفة ومتعددة كاشجار او ورود او حقول او كائنات مائية او ارضية وما الى ذلك من عناصر حية وجامدة .

لتصل الشاعرة في النهاية الى انها جزء من هذه الطبيعة الغامضة بوعي وبامكانها التخلي عن بعض عناصرها الاساسية المزعجة والمقرفة او غير الاساسية بما فيها صنوها الانسان ليس تكبرا او ترفعا وانما تعبير عن توحدها بالطبيعة او الجوهر وليس بعناصره الظاهرة او المستهلكة القابلة للتغيير والاندماج .

اختارت عزلتها الطوعية بنفسها لتكون الطبيعة الاقرب الى نفسها لا تشغلها عنهااية مؤثرات خارجية مزعجة .

 عندما اقرأ قصيدة لشاعرة او شاعر معاصر تحيلني الى قصائد اميلي ديكنسون، لا اعرف هل الطبيعة وديكنسون واحد؟ او واحدٌ بين طرفين عاقل وغير عاقل او ما تمنته ان يحملها البحر بعيدا الى 

"جنة عدن" .

يمكننا كذلك تلمس مدى رقة الشاعرة من خلال قصائدها واشعارها وانغمارها بالطبعية من حولها لدرجة التوحد بها مع تشاؤم نستشفه من قصائدها بما ستؤول اليه مكوناتها وعناصرها وهو الوجه الاخر او احد اسباب عزلتها لانها ترى في الانسان مصدر الشرور والعدو الاول للطبيعة لغروره وجهله بعظمتها ونظامها.

 

قيس العذاري

1.8.2020

.....................

إميلي إليزابيث ديكنسون Emily Dickinson شاعرة امريكية "10 ديسمبر 1830 - 15 مايو 1886م"اعتزلت الحياة العامة في منتصف واواخر حياتها ولجأت الى الطبيعة للتعويض عن عزلتها الاختيارية عن الحياة والعلاقات الاجتماعية .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5083 المصادف: 2020-08-05 12:58:37