 أقلام ثقافية

الهند أرض المحبة والسلام

معراج احمد الندويسقطت من حديقة الشعر الهندي زهرة جميلة، إذ تؤفي اليوم الشاعر الأردي الشهير راحت إندوري وترك غيابه حزنا شديدا وفراغا كبيرا في الأوساط الأدبية والفكرية. رحم الله الشاعر الذي عاش في حب وطنه وتغنى به في شعره الخالد، رحم الله الشاعر الذي قال بما شاء قلبه وحبه لوطنه وأعرب اخلاصه ووفاه نحوه وتحدث عن عصره وعن مجتمعه وعن أمته، وقد فاضت في هذا الحديث قريحة الشاعر واتفجرت المعاني والحقائق التي كان الشاعر يغالبها ويمسك بزمامها، رحم الله الشاعر الذي قال إن أرض الهند هي أرض المحبة والسلام، الهند هي أرض الحب والغرام، فكان شعره في حب وطنه من أبلغ أشعاره وأقواها، وكان حشاشة نفسه، وعصارة عمله وتجاربه، وكان تصويرا لعصره وتعبيرا عن عواطفه.

هذا الشاعر الذي كان يتلطف في إثارة العواطف الخامدة والقرائح الجامدة، كان ينتقل الناس بشعره من عالم تسيطر عليه الآلام والهموم ومصائب الحياة وأعباءها كأنما يصعد إلى السماء تسيطر عليها العواطف والأشواق، وتهب فيها النفحات الوجدانية، فيشعرون بخفة الروح وسرور القلب ويدركون بلذة الحياة وخفتها، فيصبح ما كان جحيما نعيما، وما كان ثقيلا خفيفا.

إن طبيعة الهنود طبيعة الحب والغرام، وأن لغتهم لغة الغزل والهيام، لقد أظهر الشعراء الهنود بالشعر والتعبير فيه عن حبهم وأشواقهم، ولم يزل الشعر بريد القلب وأساس الحب والعاطفة. إن الحب يمثل موضوعا رئيسيا في شعر راحت إندروني كما يسود هذا الموضوع الشعر الإنساني منذ أقدم العصور.

إن راحت إندوري يمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الأدبي الأردي، ولقد احتل راحت إندوري مكانا فريدا في تاريخ الهند الحديث، عاش الشاعر كل حياته مؤمنا بالانسان والحب والجمال وكرس كل جهده ونشاطه الفكري لخير الانسان وانتج فكره النير كل القيم من أجل الإنسانية. وكان يؤمن بأن كلمة الله العليا ورسالته البشرية لن تدرك حق الإدراك إلا حين تسود الحرية وتتحقق العدالة الاجتماعية.

هذا الشاعر عندما كان يخاطب الناس بشعره فلا يتلفظ بكلمات، وإنما يقطف نجوم السماء ويطلقها عصافير ملونة ترفرف أجنحتها الجميلة في حديقة الشعر وتحلق في فضاء الإبداع الفسيح. هذا الشاعر عندما يخاطب الناس بشعره، فلا يتلو الشعر كالشعراء المطربين، وإنما يعلي من شأنه ويقدمه فاتحا ومغامرا ومناضلا في مجال الدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية.

مات هذا الشاعر اليوم قبل المغرب، غير أن شعره لا يموت أبدا وينير الطريق للأجيال القادمة. نحبه ونحب إبداعه ونرى في تجربته تميزا واختلافا، نجد في شعره الصدق والبساطة ونبهر على قدرته الفائقة على ملامسته الحقيقة وملامسة مشاعر الملتقين.

رأى الشاعر أن الأخوة والمحبة والسلام والمساواة التي تسمو الإنسان وترفعه إلى مستوى بناء حياة يسودها الحب والخير والعدل. تدعو الأخوة إلى الاجتماع على الحب ونسيان الفوارق العرقية والاجتماعية، ونبذ الحروب والصراعات والتطاحن والعيش في عالم يسوده الأمن والسلام. لذا يقول: نقول أعدائنا بأننا نحبكم من أعماق قلوبنا، ونحن الهنود، والهند أرض الحب والغرام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية،كولكاتا - الهند

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5090 المصادف: 2020-08-12 02:44:02