 أقلام ثقافية

عدوان ماجد.. تجربة شعرية فريدة

ناجي ظاهرلاح الشاعر عدوان ماجد في سماء الشعر العربي الفلسطيني في الستينيات، مثل شهاب لامع، فنشر اشعاره الثرّة الغنية في مجلات وصحف كانت تصدر في تلك الفترة، وبادر لإصدار اكثر من مجلة او نشرة، بين هذه الفترة وتلك، وما لبث ان انصرف عن الادب والشعر، ليعمل في مجال كتابة اللافتات، وغيرها من الاعمال، حتى ايامه الاخيرة في الحياة، الا انه عاد الى كتابة الشعر على استحياء، ولم يكتب ما يمكن ان يذكر. تجربة عدوان ماجد مع الشعر والحياة تذكّر بتجربة الشاعر الفرنسي الريادي اثر رامبو الذي كتب الشعر في بداياته الحياتية الاولى، وانصرف عن الشعر الى العمل في التجارة حتى اخر ايامه. اصدر عدوان مجموعة شعرية واحدة فقط اطلق عليها عنوانا لافتا هو "ملحمة الخلق". في الاول من تشرين الاول عام 2018، رحل عدوان عن عالمنا، وفي هذه الايام يكون قد مضى على رحيله الصامت عامان كاملان.

ولد المرحوم عدوان ماجد في الناصرة عام النكبة 1948، وفي العام ذاته استشهد والده ماجد عنبتاوي اغا، في معركة الشجرة الشهير، جنبا الى جنب مع صديقه وبلدياته الشاعر عبد الرحيم محمود، الامر الذي اثر على الطفل الابن عدوان اصعب تأثير، وصعب عليه بالتالي الحياة اكثر فاكثر. طفولة عدوان كانت صعبة قاسية، ولم تكن تختلف عن حيوات الكثيرين من ابناء جيله كثيرا وان كانت فاقتها صعوبة وقسوة، لأسباب ليس هنا موقع ذكرها.

التقيت عدوان اول مرة في بفاعتي الاولى، فقد جمع بيننا حي واحد، هو الحي الشرقي من بلدتنا المشتركة الناصرة. كان عدوان طالبا في جامعة القدس، وصادف ان التقى ابان تلك الفترة قريبا له يعيش في الشتات العربي، في قبرص، وما ان عاد الى البلاد حتى القت السلطات الاسرائيلية القبض عليه بتهمة اللقاء مع عدو، وجاءت النتيجة المريعة، اودعت هذه السلطات عدوان سجنها، ليقضى هناك اشهرا قاربت السنة.

في هذه الفترة جرت مراسلات بيني وبينه. تحدثت فيها عن الناصرة بلدتنا الحبيبة المشتركة، وتحدث فيها بدوره عن السجن واجوائه، واذكر انه قرأ على اترابه السجناء احدى رسائلي اليه، فسألوه كما اخبرني في رسالة تالية، انه توجد لدى صديقك قدرة غير عادية على السرد.. لماذا لا يكتب القصص.. فاخبرهم ان صديقه. انا. كاتب قصص طالع في حينها. لقد الح عدوان علي لاصدار هذه الرسائل ضمن كتاب.. الا انني لم اوفق.. وقد افعل ذات يوم.

كان عدوان في تلك الفترة شعلة متقدة من الحماس الادبي، وقد اصدر عدة نشرات ادبية، توّجها بكتاب ضمنه مواد ادبية له ولأصدقائه من الكتاب والشعراء الجدد اطلق عليه اسم "مشاعل في طريق الادب"، ومما اتذكره من تلك الفترة، انه عمل مدة قصيرة مُصحّحًا في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية. بعدها تعرف الى الصديق المشترك له ولي الاديب المرحوم عرفان ابو حمد، ومما اتذكره ان علاقات طيبة ربطته بأدباء وشعراء تلك الفترة امثال نزيه خير ونواف عبد حسن، وكاتب هذه السطور، وطالما جلسنا في حديقة بيته في الحي الشرقي نتجاذب اطراف الحديث الادبي ونحن نشرب القهوة من صنع يدي والدته رحمهما الله. اعترف انني كنت في تلك الفترة مفتونا بالمقدرة الابداعية لدى عدوان، فقد كان مطّلعًا على الشعر العربي الحديث خاصة، وكان يكثر من ترداد العديد من اسماء شعراء تلك الفترة وما قبلها بقليل امثال بدر شاكر السياب. نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي.

في اواسط السبعينيات شهدت حياة عدوان صخبا غير مسبوق، فاضطر للإقامة في غرفة مستأجرة في خلفية بيت الصديق الراحل الشاعر ادمون شحادة طابت ذكراه، وقد اكتشف في هذه الفترة عالم الارمات فانكب يكتب الواحدة منها تلو الاخرى، ما وفّر له دخلًا مجزيًا، وقد اصدر في هذه الفترة مجموعته الشعرية اليتيمة تحت عنوان "ملحمة الخلق"، ولم يصدر بعدها اية مجموعة ذات شان، باستثناء مجموعة شعرية كتبها باللغة العبرية واصدرها له مؤخرا صديقنا المشترك الكاتب الشاعر حسين فاعور، ابن قرية الحسينية، ضمن منشوراته الادبية "الملّ".

اعود الى المسيرة اليومية لحياة عدوان، فاري انها شهدت في اوائل السبعينيات تحولا.. من كتابة الشعر الى كتابة الآرمات، وهنا تفرقت بنا السبل. هو ذهب الى عالم كتابة الآرمات وانا واصلت رحلتي مع الادب، وبقينا متباعدين كلٌ يعيش حياته المختلفة عن حياة صنوه، الى ان جمعنا عدد من المجالس بعد فراق، مثل مجلسي صحيفة "الاخبار" ومجلس "صالون نهى قعوار الادبي"، ورغم أن وضع عدوان المادي بعد كل تلك السنوات كان افضل من وضعي بما لا يقاس، فقد كان يمتدحني ويمتدح اصراري على المضي في طريق الادب الموحش.. مثله في هذا مثل طريق الحق.

في العقد الاخير ابتدأ المرض يهاجم عدوان بين الفينة والاخرى.. الى ان قضى عليه.. صبيحة اليوم الاول من كانون الاول عام 2018.

عدوان الشاعر

تعتبر المجموعة الشعرية اليتيمة "ملحمة الخلق"، لعدوان ماجد، مجموعة شعرية جيدة.. وجيدة جدا، وقد حفلت بنفس شعري مثير. ومما قاله عدوان من شعر اذكر عن ظهر قلب، مقاطع منها، ما زلت ارددها حتى اليوم. مثل:

عندما كان احبائي عرايا

كنت ثوبا مهملا فوق الطريق

او مثل:

انني خنت جميع الخائنين

فاذا ما مت يوما

فخذوا منهم بثأري..

وهناك مقطع شعري لعدوان يلخص معاناته التاريخية الانسانية الملحمية هو:

حبيبتي..

امضيت عمري والهروب هو الهروب

امضي فتخدعني الدروب

واتوه في برد غضوب..

يوم انصرف عدوان في فترة مبكرة من حياته، الى عالم الاعمال وبعده التدريس، تاركا الشعر وراءه ثوبا مهملا فوق الطريق، قلت ان الشعر خسر شاعرا مجيدا.. وها انا اليوم، بعد رحيل عدوان، اجدني اردد نفس القول، مضيفا اليه مطالبة بسيطة تحتمها اللحظة.. لحظة الفراق الاخير المر، مفادها سؤال بسيط هو: هل سيعيد ورثة عدوان طباعة مجموعته الشعرية ملحمة الخلق؟ اذا وجد هذا السؤال ردا طيبا.. اؤكد انني على استعداد لمراجعة هذه المجموعة. ومتابعة طباعتها، من البداية حتى النهاية.. فهذا ابسط ما يمكن ان اقدمه لصديق احزنني قليلا وافرحني كثيرا..

رحم الله عدوان.. فقد كان اشبه ما يكون بشهاب شعري محلّق.. الا انه ما لبث ان خبا بسرعة فائقة مخلفا وراءه ذكرياتٍ حافلةً بالشجن.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5154 المصادف: 2020-10-15 02:19:23