يسري عبد الغنيالمعنى الأول للأصالة هو الصدق ويقال على وثيقة أو عمل صادر حقا عن صاحبه، ويقابله المنحول.

1 - تقول النسخة الأصلية أو الأصيلة وهي النسخة التي كتبها المؤلف بيده، إلا أن كون الخبر آتيا من مصدره الأول لا يدل على صدقه دائما.

2 -وتطلق الأصالة أيضا على صدق الوثيقة التي كتبها قاض أو كاتب بالعدل، أو موظف رسمي مختص، أو تطلق على صدق مضمون الوثيقة، ومطابقته للواقع.

3 - والأصالة في علم ما بعد الطبيعة هي المطابقة التامة بين ظاهر الوجود وحقيقته، وفي علم الأخلاق هي الصدق والإخلاص.

4 - ويطلق اصطلاح نقد الأصالة في علم التاريخ على نظر المؤرخ في الوثائق والروايات هل هي صحيحة أو مدسوسة أو مزورة.

5 - والأصالة عند (هيدجر) هي الأفكار والعواطف الصادرة حقا عن صاحبها فكل من كان تفكيره صدى للبيئة، أو للرأي العام، وكلامه غير صادر عن ذاته، وغير متصل بالواقع، لم يكن إنسانا أصيلا.

6 ـ ومن معاني الأصالة الجدة أو الابتداع وهو امتياز الشيء أو الشخص على غيره بصفات جديدة صادرة عنه، فالأصالة في الإنسان إبداعه، وفي الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته.

7 - والأصالة بهذا المعنى ضد السخف، والإسفاف، والابتذال، وهي أن يأتي المرء بشيء جديد مبتكر لم يسبقه إليه غيره، فإذا قلد غيره أو أتى بشيء مبتذل، أو سخيف، لم يكن أصيلا.

8 - قال بسكال: (كلما كان الإنسان أدق تفكيرا كان الأصلاء في نظره أكثر عددا))

9 - وليس من الأصالة في شيء أن يكون الرجل غريب الأطوار، كثير التمدح بمخالفة قواعد السلوك المألوفة، فإن الخروج عن النظام والاعتدال أقرب إلى الحمق وذهاب العقل منه إلى الفطانة وذكاء القلب.

10 - قال في المعجم الوسيط : الأصالة في الرأي جودته وفي الأسلوب ابتكاره وفي النسب عراقته.

11 ـ يقصد بالأصالة التجديد أو الإنفراد بالأفكار، كأن يأتي المتعلم بأفكار جديدة متجددة بالنسبة لأفكار زملائه. وعليه تشير الأصالة إلى قدرة المتعلم على إنتاج أفكار أصيلة، أي قليلة التكرار بالمفهوم الإحصائي داخل المجموعة التي ينتمي إليها المتعلم، أي كلما قلت درجة شيوع الفكرة زادت درجة أصالتها. ولذلك يوصف المتعلم المبدع بأنه الذي يستطيع أن يبتعد عن المألوف أو الشائع من الأفكار.

12 ـ قالوا :لولا الأصالة لما كان ثمة حداثة، ولولا الحداثة لفقدت الأصالة معناها. فالأصالة بلا حداثة عُقم وجمود وموت والحداثة بلا أصالة ضياع وتفسخ وانحلال. رابطة أصيلة بين الأصالة والحداثة يمكن تلخيصها في مقولة: (-(لا حداثة بلا أصالة، ولا أصالة بلا حداثة).

 

بقلم/ د.يسري عبد الغني

 

حوا بطواش* قراءة في رواية «ذات الشعر الأحمر»، أورهان باموق، 2016.

هل الأب هو الأب البيولوجي الذي يختاره لنا القدر، أم هو الأب الذي نختاره نحن؟

في «ذات الشعر الأحمر» يبحث جيم عن بديل للأب الذي اختفى من حياته بعد اعتقاله سياسيا، فتفكّكت العائلة. وكبر جيم وحيدًا في مواجهة الحياة ومجبرًا على العمل عند حفّار آبار، حاول أن يختبر معه مشاعر الأبوة («أنا من عثر على مزايا الأبوة فيه. أما هو فلا هو أبي ولا هو صديقي.») وأن يملأ حاجته لوجود أب في حياته. («هنا لا أحد يستطيع الاستمرار في العيش بلا أب».)

يعود أورهان باموق في هذه الرواية إلى فترة الثمانينيات من القرن الماضي، حيث الانقلابات والصراعات الأيديولوجية على الحكم، ويبدأ بسرد بعض التفاصيل عن طفولة جيم، عن أبيه الذي كان يملك صيدلية صغيرة وكان أصدقاؤه (أصدقاء السياسة) يزورونه لكي يتناقشوا فيما بينهم، واعتاد جيم في البيت ألا يذكر لأمّه أي شيء عن هذه الزيارات لأنه يعرف أنها ستغضب وتقلق على أبيه مخافة أن يقع في متاعب بسببهم، وتخشى أن تتكرّر غياباته أو يضطر لتركهم فترة من الزمن.

لكن السياسة وحدها لم تكن سببا رئيسيا للشجار والزعل الصامت بين والديه. كانا متخاصمين لفترة طويلة لا يكلّمان بعضهما البعض. ربما كان الحب قد انطفأ بينهما أو أن لأبيه علاقة أخرى أو علاقات مع نساء أخريات يبادلهن الحب. وكان هو يلمّح أن أمه تغيّرت كثيرا عما كانت عليه من قبل. أصبحت مختلفة تماما. وهذا ما يدفع جيم إلى الحزن، حتى حرّم على نفسه التفكير أو الحديث عن ذلك.

وذات يوم، يختفي والده حين يعود إلى البيت فيظن جيم أنه اعتقل من قبل الشعبة السياسية كما حصل قبلها بثماني سنوات بنفس الطريقة. لكن هذه المرة تعاملت أمه مع الحدث بشكل مختلف. كانت غاضبة عليه.

وباتت أمه تحرص على الحضور إلى الصيدلية لتكون عونا رغم أنها لم تفعل ذلك من قبل حتى حين غاب أبوه في آخر مرة. وهذا ما دفع جيم للتفكير بوجود أسباب أخرى تكمن وراء اختفاء الأب.

قضى أبوه مدة طويلة في غيابه. لم يتّصل بهم حتى نسي جيم شكله ولم يعُد يستطيع استعادة ملامح وجهه.

بعد ذلك، تنتقل أحداث الرواية إلى بلدة أونجوران قرب إسطنبول، حيث يذهب جيم ليعمل مع الأسطى محمود في حفر الآبار، عندما كان في السابعة عشرة من العمر، فيرى جيم فيه صورة الأب الذي يأمر وينهى. إنه كان وسيما مثل أبيه، طويل القامة ولكنه لم يكن هادئا وبشوشا مثله. هو معلّمه وله سلطة عليه. وكان يعلّمه أسرار المهنة. كان يهدف إلى تعليمه ونقل خبرته إليه.

ما أحببته في هذه الرواية هي تلك الأفكار والأسئلة الاستكشافية حول مفهوم الأبوة التي تتجسّد في علاقة جيم بمعلّمه الأسطى محمود، فهو يقارن بين أبيه وبين الأسطى محمود قائلا: «لم يكن أبي يستشيرني في أي أمر قط، ولا يشركني في المسائل الكبيرة ذات الأهمية. تماشيا مع عادة الكتمان والحفاظ على السرية التي اكتسبها من جراء العمل في السياسة. بينما قام الأسطى محمود يطرح أفكاره عليّ قبل أن يتّخذ قراره.»

كان الأسطى محمود يناديه بالسيد الصغير، وهذا كان يغمره بالسعادة ويعتبره دليلا على تقبله إياه لكونه فتى طريّ العود وتأكّد أن معلمه سيشمله برعاية أبوية ويفي بوعده، إذ قطع على نفسه عهدا ألا يسمح له بالنزول إلى البئر وألا يحمله أكثر من طاقته. ولأنه شعر بأنه يشفق عليه ويوليه أقصى اهتمامه كان الأسطى محمود يغضب إذا تأخر في العمل.

كان يشتاق لرؤية أبيه الذي لم يصرخ في وجهه ولم يؤنّبه يوما، لكنه كان غاضبا عليه لأن الحالة التي يعيش فيها كانت بسببه ولهذا يجد نفسه يعمل هناك. بينما الأسطى محمود يهتمّ به ويقصّ عليه القصص قاصدا فيها إعطاءه بعض العِبر وهذا ما لم يكن أبوه يفعله.

وكان الأسطى محمود لا يبخل عليه بالاستفسار عن صحته ويسأله بين الحين والآخر إن كان متعبا أو جائعا.

عندما كان أبوه يؤنبه على تصرف ما، كان يجده محقا، فيشعر بالخجل وينسى الموضوع. أما تأنيب الأسطى محمود فكان يترك في نفسه أثرا بالغا. كان يطيع أوامره، يمتثل لإرادته ويكفّ عما يقوم به، وفي الوقت نفسه كان يغضب عليه.

وتنتهي هذه المرحلة من حياة جيم بحادث يغيّر حياته تماما، يبقى يلاحقه سنوات طويلة ويأبى أن يتركه.

ما يميّز هذه الرواية هو توظيف الأسطورتين اليونانية والفارسية في إظهار العلاقة الصراعية بين الآباء والأبناء:

1- أسطورة أوديب اليونانية التي تجسّد فكرة تمرّد الابن على الأب، حيث يُقتل الأب على يد الابن، كما تجسّد فكرة القدر الذي لا فكاك منه. أوديب الذي بطل أنقذ مدينته من وحش مرعب، تختاره النبوءة الأسطورة لحمله على ارتكاب آثام عظيمة فيقتل أباه ويتزوج أمه. ويتجلّى هذا الصراع في العلاقة الإشكالية في علاقة جيم مع أبيه، حيث تنقطع العلاقة بعد دخول الأب في السجن حتى يلتقيا مجدّدا مصادفة وقد كبر في السن وبدأ حياة جديدة.

2- أسطورة رستم وسهراب الفارسية التي تجسّد فكرة استبداد الأب، حيث يُقتل الابن على يد الأب، وهي وردت في الشهنامة للفردوسي، الملحمة الفارسية التي تعتبر أعظم أثر أدبي فارسي في جميع العصور. رستم هو بطل فارسي ذو قيمة كبرى في تاريخ الدولة السامانية، خرج للصيد وأضاع فرسه وظل يتعقّب أثره إلى أن صار في إمارة تركية على حدود توران. فنزل ضيفا على ملكها وتزوّج خفية من ابنته ثم عاد إلى بلده بعد أن عثر على فرسه، وولد سهراب ثمرة لقائهما.

وكانت توران معادية لبلاد فارس، وعندما كبر سهراب وسأل عن هوية أبيه عرف أنه بطل شجاع من فارس فتحرك نحوها بحثا عنه واعتقد الفرس أنه عدو قادم من توران لمحاربتهم، فحصلت مواجهة بين رستم وسهراب دون أن يعرف أحدهما هوية الآخر، فقُتل سهراب على يد رستم وعرف لحظة احتضاره أنه قتل ابنه بعد فوات الأوان. وأصبحت الأسطورة رمزًا لصراع الآباء مع الأبناء في الثقافة الفارسية.

يقول سهراب إن ذلك كان سخرية القدر التي جاء به إلى فارس للبحث عن أبيه كي يُقتل دون أن يجده.

وتتجسّد هذه الأسطورة في صراع جيم الأب وابنه أنور من ذات الشعر الأحمر التي التقاها مرة واحدة قبل الحادث الذي غيّر مجرى حياته، هربه واختفائه من حياتها.

ويقول جيم عن أنور حين كشف له أنه ابنه: «كان يستفحل في داخلي شيئا فشيئا شعورٌ بخيبة أمل. وقد فهمتُ أنني لن أقوم باحتضانه ولن أهتف: ولدي!»

تبيّن الرواية اختلافا كبيرا في طريقة تفكير الأب جيم وابنه أنور في الآراء والتوجّهات الفكرية، فقد كان الابن أنور متشدّدا ومتصلّبا ولا يسامح جيم على أخطائه.

ويقول جيم عن ذلك: «في داخلي كان ثمة حب على وشك الاخضرار في أي لحظة. لكنني أُصبتُ بخيبة أمل. نعم. ربما كانت تقاسيم وجه الفتى تشبهني. قامته مثل قامتي. ولربما كان يشبهني تماما. لكنني لم أحب شخصيته. من المستحيل أن يكون هذا الفتى ابني. لم تعُد تروق لي صحبته.»

يعتبر أنور أباه جيم ليس مؤمنا وأن ضميره ميّت، رغم أن جيم كان يفكّر كثيرا بأخطائه طوال حياته ويعذّبه ضميره، لكنه لا يقول الكثير لأنور دفاعا عن نفسه، بل يقول: «أنت محق» وينسحب من المكان ومن المناقشة.

أنور لا يعتبر جيم أبا له ولا يملك أي مشاعر تجاهه، فكلامه كلّه يدلّ على غضبه وحقده وسخطه ورغبته في الازعاج والانتقام ويستخدم كل الصفاقة التي يتّصف بها والسذاجة التي عنده بعدائية واضحة وقد تسبّب ذلك في كسر قلب جيم وحتى خوفه منه.

الرواية فيها استكشاف للأفكار حول الآباء والأبناء: الاستبداد والفردية، الدولة والحرية («لا أحد يمكنه العيش من دون أب. فالأب يمتلك السلطة والأبناء يريدون التخلّص منه، فلماذا نشعر بحاجة إليه في الوقت نفسه؟»، «نحن نشعر بحاجة إلى الأب وكذلك نتمرّد عليه، نرغب في قتله، وبعد قتله ندرك الجريمة الكبرى.»)

نحن نهتمّ بالأب لأن هناك حاجة إلى الأب في المجتمعات التقليدية التي تشعر بحاجة إلى الاستبداد ولا تتمتّع بحرّيات كثيرة وتُنفّذ فيها الأعمال بالخضوع والانحناء. فالحاجة إلى الاستبداد وفوضى اليأس تنبع من الخوف من الفوضى. نحن نتمنى أن نؤمن بمنقذ، فنحن نخشى الفوضى وننتخب الأب حتى لو كان سيّئا.

 

حوا بطواش

 

 

شاكر فريد حسنالدكتور سامي الكيلاني المولود في بلدة يعبد العام 1952 والمقيم فيها، هو شاعر وكاتب ومناضل فلسطيني من قيادات العمل الوطني وأدباء الحرية في المناطق المحتلة، ومن الأسماء الأدبية في ميادين الشعر والقصة، التي ظهرت في السبعينيات والثمانينيات على صفحات المجلات والصحف الفلسطينية التي كانت تصدر في تلك الفترة كالفجر والشعب والبيادر والفجر الأدبي، بالإضافة إلى أدبيات الحزب الشيوعي الاتحاد والجديد والغد. وكنت قبل سنوات كتبت مقالًا عن تجربة سامي الكيلاني القصصية نشر في حينه في صحيفة " الاتحاد " الحيفاوية العريقة.

وسامي الكيلاني عانى من المضايقات والملاحقات الاحتلالية نتيجة نشاطه السياسي والنضالي، ومواقفه الوطنية، وغمد في غياهب السجون والزنازين أكثر من مرة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، ولكن ذلك زاده اصرارًا على التمسك بقضية شعبه الوطنية وبالقيم التي يؤمن بها وينافح عنها. وشكل المعتقل بالنسبة له ذخيرة للتعليم والقراءة والكتابة والتزود بالثقافة والمعرفة. 

وأشغل سامي الكيلاني مناصب أكاديمية وادارية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس سنوات طويلة.

 صدر له عدة أعمال في الشعر والقصة القصيرة، وهي :" أخضر يا زعتر، الفارعة والبحر والشمس، ثلاث ناقص واحد، وعد جديد لعز الدين القسام، وقبّل الأرض واستراح، بطاقة إلى ليلى، البنت التوتية، مبكر يا ابني، على سجادة من غيم "وغيرها.

وفي كتاباته الشعرية والقصصية يتناول سامي الكيلاني الهم والوجع والجرح الفلسطيني، ويصور الواقع ومعاناة شعبه في ظل الاحتلال، فيكتب عن الأرض والوطن الجريح والمخيم والحرية والشهداء وانتفاضة الحجر وتجربة السجن والاعتقال والحلم الفلسطيني المنشود وغير ذلك من الموتيفات والعناوين والموضوعات الوطنية والاجتماعية.

وفي قصصه يحاول سامي الكيلاني رسم طريق الخلاص من بيت العنكبوت الذي وقعنا فيه، خاصة شعبنا الفلسطيني تحت حراب الاحتلال، من خلال تجاوز الواقع برمته مسترشدًا بالرؤية الواقعية الثورية، وهذا الخلاص يحاول البحث عنه من خلال الواقع المر المليء بالعبث والقهر والعتمة، ويحاول من خلال سرده اخراج الإنسان الفلسطيني إلى أعلى حتى يسمو فوق الجراح، والانطلاق بوعي ثوري نوعي مقاوم، يبث الرفض والمقاومة في وجدان الإنسان الفلسطيني.

وتغلب الواقعية على كتاباته الابداعية في الشعر والسرد، المعبرة عن عالمه النفسي والإنساني وروحه الفلسطينية، والمستمدة من الحياة العامة اليومية، ويطغى على أسلوبه القوة ومتانة السبك ووحدة النسج، أما معانيه فمتسمة بالصدق وحرارة التجربة. فيما تتصف لغته الشعرية بالدلالة والايحاء والألفة والشدة في مواضعهما من الوضوح والغموض، الاتباع والابتداع، والبلاغة والفصاحة.

وفي قصيدة له بعنوان " قمر يسقط مرسومًا "، يصف سامي  الكيلاني اطلالة القمر من خلال قضبان السجن فيملأه إحساسًا بالحياة ويعتصر من أعماقه لحظات عشق للزمن الآتي .. والفرح الذي سيهزم العيد، فلنسمعه يقول: 

قمر الليل يُطل مؤطر 

تلف القضبان الحبل على عنق صباه

وانا ينقصني قمر من عينيك يضيء

بالزمن الطفلي المعصور 

ينز ربيعًا، شمسًا، غيمات، أقمار 

والحاضر إذ يغفو قسرًا تحت العيد

والآتي -لا بد سيأتي- ينبوعًا من خبز 

عطر، خمر، ورد، زعتر.

 وفي كتابه " مبكر هذا يا فتى " الصادر عن دار الفاروق بنابلس العام 2004، يؤرخ سامي لمجريات الانتفاضة وما يقوم به الاحتلال من ممارسات قمعية، ويتحدث عن أحداث قاسية وموجعة عاشها أبناء شعبه الفلسطيني خلال انتفاضته الثانية، ويقدم كل ذلك بطريقة تصويرية وتعبيرية سلسة وبلغة أدبية رشيقة جذابة مميزة وممتعة. وجاءت نصوص الكتاب بأشكال فنية مختلفة، فهي ليست بالخاطرة ولا القصة القصيرة ولا الومضة ولا المقالة الأدبية، ونستشف فيها نفحات شعرية عذبة.

ويمكن القول أن سامي الكيلاني شاعر وقاص ملتزم مسكون بالوطن ومهموم بقضاياه الوطنية والطبقية، قدم لنا لوحات قصصية وشعرية إنسانية رائعة بلغة جميلة وصور جديدة  أجمل، بأسلوب شائق بعيد عن السرد الممل.

فتحية خالصة للصديق وزميل القلم العريق د. سامي الكيلاني متمنيًا له الصحة ومديد العمر والمزيد من العطاء والإبداع الخصب المنوع، وله الحياة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن 

 

لؤي خزعل جبرعِندما تكون مع أساتذتك في مجلَّة حقيقيَّة

د. لؤي خزعل جبر1

أنا أكتُب وأنشُر مُنذُ أكثَر مِن (15) سنة، وقد نشرت عشرات الأبحاث والمقالات في عشرات المجلَّات الأكاديميَّة والثقافيَّة، العراقيَّة والعربيَّة، وعلى الرغم من اعتزازي البالِغ بكل تلك المجلَّات، إلا أنني لم أبتهِج وأشعر بشعور غريب من الاعتزاز كما حصلَ الآن عند نشرِ دراسةٍ لي في "مجلَّة قضايا إسلاميَّة مُعاصِرَة". وذلك لسببين شخصيين ومعرفيين في الوقت ذاته.

أساتذتي

1802 محمد مجتهد شبستريمنذُ ما يزيد على العقدين وأنا شغوفٌ بالفكر الإسلامي، بكل مجالاتِهِ وتنوعاتِهِ، مُحِبٌ لمفكريهِ بكل اتجاهاتِهِم، التقليديَّة والتحديثيَّة، ومِن أولئِك المفكرين الذين تشرَّفت بالتلمذةِ على كتاباتِهِم: "مصطفى ملكيان" و"محمد مُجتهِد شبستري" و"عبد الجبار الرِفاعي"، وكانَت لهم بصماتٍ عميقة في تكويني المعرفي، وكما هو مع جميع المفكرين، يبقون – مهما اختلفت أو اتفقت مع بعض أفكارِهم – أساتذتي، وأبقى تلميذهم مهما بلغت، وأُجلُّهم بشكلٍ يفوق الوصف، لاسيما مع منجزاتهم الفكريَّة الغنيَّة، التي حرَّكَت السكون المُهيمِن على واقعنا الثقافي، كما يرتبطون في ذاكرتي بسنواتٍ طويلة من الرفقة المعرفيَّة، حيث الكُتب الممنوعَة، والنُسخ المُصوَّرَة، التي كُنا ننتظرها بشوق، ونتداولها خفيَة، ونقرأها بشغف، والتي فتحَت لنا آفاقاً في الوعي جديدة وجريئة. فأن يوضع إسمي إلى جانب هؤلاء فهذا – بالنسبة لي – تكريمٌ ما بعدَهُ تكريم.

المجلَّة الحقيقيَّة

1803  مصطفى ملكيانكثيرة هي المجلات، في العراق والعالَم العربي، بين مجلات ثقافية عامة لمؤسسات غير رسميَّة، ومجلات أكاديميَّة جامعيَّة، إلا إنَّ الأغلَب – ولا أقول الكُل – بلا قيمة معرفيَّة حقيقيَّة، فالمجلات الأكاديميَّة – مثلاً – في الجامعات العراقية ما هي إلا مجلات وظيفية إدارية، تنشر فيها البحوث لأغراضٍ إداريَّة، كالتقييمات السنوية والترقيات العلمية، وغائِبَة بالكامِل عن التداول العلمي، فضلاً عن الثقافي، فضلاً عن المجتمعي، بل هي أكداس في رفوف منسيَّة، ولا أريد التحدُّث عن المضمون لأن ذلك يشيب له الرضيع.

1792 قضايا اسلامية معاصرة 1 أما الثقافيَّة العامة فهي – في الغالب – بروتوكوليَّة، مفتوحَة لمن هبَّ ودبَّ، بلا رسالَة واضحة، ولا مشروع محدد، ولا تواصل. في هذا السياق تبرز مجلَّة متخصصة بالفكر الإسلامي الحديث، بطباعة بسيطة، وبجهودِ رجلٍ واحِد (الدكتور عبد الجبار الرفاعي)، تتواصَل – بانتظام – على مدى (23) سنة إلى الآن، وتكون بذات المستوى الرصين على امتداد كل ذلك الزمن، وتستكتِب أعاظِم المتخصصين، وتفتح أخطر الملفَّات الساخِنَة، وتُساهِم في تشكيلِ وعي فئة من جيلٍ بأكمَلِهِ، على امتداد البلدان الإسلاميَّة، ولا تتنازَل عن مبدئيتها و"صرامتها" المعرفيَّة، ولا تُسِف، بل تُصر على العُمق والجِدَّة والجديَّة، ولا تنزَلِق – في سياق الواقع الذي يموج بالاضطرابات والتفاهات – إلى "التسطيح" أو "التجهيل"، بل تتحوَّل إلى "مراجِع"، ولا تنهزِم أمام الضغوط التنظيمية والاقتصاديَّة، بل تستمر برساليَّة إيثاريَّة مُخلِصَةٍ واستثنائيَّة، فهذهِ المجلَّة علامَةٌ فارِقَة بلا شك. وأنا نشأتُ على هذهِ المجلَّة، التي انطلقت وعُمري (17) سنة، وكُنتُ قد ولجتُ آنذاك عالَم الفكر، فتلقفتها مُنذُ عددها الأوَّل (الذي صدر في 1997)، وشكَّلَت رافِداً من روافِد معرفتي بالفكر الإسلامي وإشكاليَّاتِهِ ومباحثه. فأن أكون أحد كُتاب هذهِ المجلَّة – وأنا تلميذها – فذلك موضع اعتزاز كبير.

1803  الرفاعي حج 2004م

أستاذي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ولا أقول أستاذي تأدُّباً، بل فِعلاً وبكل ما للكلمة من معنى، بورِكَت جهودُك الفريدَة، فأنتَ – بمؤلفاتِكَ وترجماتِكَ ومجلَّتُكَ العتيدَة – أسهَمتَ مُساهَمةً حقيقيَّة في بناءِ سياقات فكريَّة تنويريَّة، ستؤتي ثمارها – حتماً – في صناعَةِ إنسانٍ أفضَل، وعالَمٍ أفضَل. شكراً لأنَّك أتحتَ لي أن أُساهِم – ولو بدرجة بسيطة قد لا تكادُ تذكر – في هذا الفضاء الحقيقي والنقي.

 1792 قضايا اسلامية معاصرة 3

  د. لؤي خزعل جبر

 أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة المثنى في العراق.

 

يسري عبد الغني"حبي لك ينفذ إلى كل جسدي، كما يذوب الملح في الماء، كما يمتزج الماء بالنبيذ"، كلمات تنقل أصداء قلب عاشق من مصر القديمة يجيش بعاطفة للحبيب يفصلنا عنه أكثر من ثلاثة آلاف عام، مستعينا بأعذب ما جادت به لغة عصره لحضارة كانت ثمرة اختمار تجارب إنسانية تأسست على الحب.

ظل الحب عند المصريين القدماء محفزا لابتكار أساطير عديدة وأشعار وأدبيات بلورت صورة أقرب لمشاعر المصري القديم بمختلف المفردات والصور البلاغية، مجسدا لها بكل ما ملكه من إمكانات مادية.

وأسهمت مكانة المرأة المصرية قديما في تهيئة مناخ أدبي واجتماعي أثرى حضارة لم تفرق بين رجل وإمرأة، بل تأسست على روح التعاون بينهما تتضح من مطالعة النقوش والنصوص الأدبية وصور وتماثيل للمرأة في مختلف أدوارها، ربّة أو ملكة أو واحدة من عامة الشعب.

قال المصريون قديما عن الحب إنه "هبة السماء تسكبه الطبيعة في كأس الحياة لتلطف مذاقها المرير"، فكانوا أول من تفاخر بعاطفة الحب وخلدوها في عالم الأحياء على جدران معابدهم وأحجارهم، وفي "قصور الأبدية" مقابرهم ليحيا الجميع بالحب في العالم الآخر.

"غرام الملوك"

تبارى ملوك الفراعنة في تخليد قصص حبهم مستعينين بناصية الفن والعمارة، فكتبوا الخلود لملكاتهم بعمائر كُرست لهن، ونقوش لا حصر لها أبرزت تألقهن في شتى أرجاء مصر.

ملكت شغاف قلبي، من أجلك سأفعل كل ما تريده عندما أكون على صدرك. رغبتي فيك كُحل عيني ، وعيناي تلمعان لأني أنظر إليك وألمس حبك، أيها الرجل يا من ملكت قلبي، يالها من لحظة هنية، عساها تدوم إلى الأبد    ...نص فرعوني

وحفظ الأدب المصري القديم عددا من الألقاب التي أطلقها المصريون على المرأة، ملكة أو محبوبة أو زوجة، تؤكد مكانتها في القلوب من بينها "جميلة الوجه"، "عظيمة المحبة"، "المشرقة كالشمس"، منعشة القلوب"، "سيدة البهجة"، "سيدة النسيم"، "سيدة جميع السيدات"، جميلة الجميلات"، "سيدة الأرضين"، وغيرها من الألقاب الواردة في الكثير من نصوص الأدب المصري القديم بحسب السياق والمناسبة.

ويزخر تاريخ مصر القديم بقصص الحب والبطولات النسائية عبر عصوره، برزت أعظمها في عصر ملوك الأسرتين 18 و 19، وهي فترة حكم تميزت بتأسيس الإمبراطورية المصرية وازدهار الفنون والعمارة والثراء الأدبي، مثل قصة حب الملك "أحمس الأول" وزوجته "أحمس-نفرتاري"، والملك "أمنحوتب الثالث" و زوجته "تيي"، والملك "أمنحوتب الرابع أخناتون"، وزوجته "نفرتيتي"، وكانت قمة قصص الحب بالطبع ما جمع بين الملك "رعمسيس الثاني" وزوجته الجميلة "نفرتاري".

تزوج الملك أحمس الأول، الذي يعني اسمه القمر ولده، زوجته أحمس-نفرتاري، وحظيت بشأن عظيم بفضل حب زوجها وملكها الذي شاركته حكم البلاد قرابة 22 عاما، كما تركت أثرا كبيرا في نفوس الشعب فقدسوها بعد وفاتها كربّة عظيمة، فجلست مع ثالوث طيبة المقدس الآلهة آمون وموت وخونسو

أقام لها زوجها معبدا في طيبة، وصُورت على جدران الكثير من مقابر نبلاء الدولة، لاسيما مقابر منطقة "دير المدينة"، التي تمدنا بالكثير من اللوحات الجنائزية ممثلة علو شأنها، كما خُصص لها مجموعة من الكهنة لعبادتها.

استمرت عبادة هذه الملكة المحبوبة نحو 600 عام، منذ وفاتها وحتى الأسرة 21، ويُظهر نقش في معبد الكرنك الملك "حريحور"، أول ملوك الأسرة 21، متعبدا للأرباب آمون وموت وخونسو وأحمس-نفرتاري.

كما شهدت الأسرة ال18 قصة حب الملك أمنحوتب الثالث، الذي يعني اسمه (آمون يرضى)، والملكة "تيي"، المحبوبة والمفضلة له، وحفظت تماثيلها بصورة جليلة القدر، وحرص الملك على الإنعام بأعلى المراتب حبا فيها.

استهل الملك من أجلها عُرفا لم يكن متبعا قبله، وهو اقتران ألقابه الملكية الخاصة، في النصوص الرسمية والنقوش، باسم الملكة محبوبته جنبا إلى جنب.

وتشير عالمة الآثار الفرنسية كلير لالويت، أستاذة دراسات تاريخ مصر القديم بجامعة باريس-سوربون، في كتابها بعنوان "طيبة أو نشأة إمبراطورية" إلى أن الملك أمنحوتب الثالث والملكة تيي "وجهان لكيانين إلهيين يضمنان وحدة العالم وتماسكه فيهما، ولم يحدث على الإطلاق أن توحد زوجان ملكيان على هذا النحو في النظام الكوني والإلهي".

أمر أمنحوتب الثالث بإنشاء بحيرة شاسعة لمحبوبته العظيمة ترويحا عن نفسها، كما يتضح من نص ترجمته لالويت إلى الفرنسية عن النص المصري القديم:

"اليوم الأول، من الشهر الثالث، من فصل الفيضان، من العام 11 من عهد صاحب الجلالة...(قائمة بألقاب الملك) والزوجة العظيمة تيي، أمر صاحب الجلالة بإنشاء بحيرة للزوجة الملكية العظيمة بمدينتها جعروخا".

ومن أجلها أيضا أمر بإقامة معبد كرسه لعبادتها في منطقة صادنقا، على بعد 210 كيلومترا جنوبي وادي حلفا، كما يشهد بهو المتحف المصري في القاهرة على وجود تمثال عملاق للملك جالسة إلى جواره محبوبته تيي بنفس الحجم، في دلالة فنية على علو الشأن وعظيم الحب.

وسجل تاريخ مصر القديم قصة حب ملكية من نوع آخر، فريدة في تفاصيلها الأدبية والفنية، جمعت الزوجين الحبيبين أمنحوتب الرابع "أخناتون"، الذي يعني اسمه (روح آتون الحية)، والملكة نفرتيتي، التي يعني اسمها (الجميلة تتهادى)، والتي وقفت إلى جانبه في أزمة تغيير الديانة الرسمية من عبادة آمون إلى عبادة آتون، بل رافقته إلى عاصمته الجديد "أخيتاتون (أفق آتون)"، جنوبي محافظة المنيا، متحدية معارضة كهنة آمون.

خلّد أخناتون حبيبة قلبه باستخدام أساليب فنية جديدة لم يألفها الفن المصري قبلها، جنح فيها الفنان بأمر الملك إلى تصوير الزوجين في العديد من جلسات الحب الأسرية محاطين بثمرة حبها، الأميرات الست "مريت آتون (محبوبة آتون)"، و "ميكت آتون (المحمية من آتون)"، و "عنخ إس إن با آتون (إنها تحيا من أجل آتون)"، و"نفر نفرو آتون (جميل هو كمال آتون)"، و"نفر نفرو رع (جميل هو كمال رع)"، و"ستب إن رع (اختيار رع".

كما يشهد تمثالها الفريد، الذي يحتفظ به متحف برلين، على مكانتها الخاصة في قلب زوجها مستعينا بأفضل نحاتي عصره، ومازالت تجذب ملامح نفرتيتي المعبرة العديد من الناس من كل حدب وصوب.

وحفظت أرض مصر أعظم قصص الحب الملكية، على الصعيدين المادي والعاطفي، وهي قصة غرام الملك رعمسيس الثاني، الذي يعني اسمه (رع الذي أنجبه)، وحبيبته وزوجته نفرتاري، التي يعنى اسمها (جميلة الجميلات)، والتي ظل يكن لها عظيم الحب والمودة بلا منازع لها حتى وفاتهما.

تقول لالويت في كتابها "إمبراطورية الرعامسة"، إن نفرتاري لم تكن من أصول ملكية، بل كانت نبيلة النسب، تعود أصولها على الأرجح إلى طيبة، وأطلق عليها لقب "محبوبة (الإله) موت".

رافقت نفرتاري زوجها منذ العام الأول من حكمه، وتصورها نقوش معبد الأقصر ممشوقة القوام بجوار العاهل الملكي، وتظل بجواره في التماثيل الجماعية المنحوتة في حجر الغرانيت والقائمة في الفناء الأول من المعبد.

كما جهّز رعمسيس الثاني من أجلها في وادي الملكات أجمل مقابر الموقع، غنية بالرسوم والألوان الزاهية، تصور الملكة المحبوبة مرتدية ثياب الكتان الناعم، وتزدان بالحلي الملكية النفيسة، تصاحبها الآلهة وهي تؤدي شعائر تجعلها خالدة خلودا أبديا.

بل يزداد حب الملك ليكرّس معبدا خاصا لها وللإلهة حتحور، ذلك المعبد المنحوت في صخر جبل أبو سمبل، بجوار معبده الكبير الذي كرّسه لشخصه وللإله "آمون رع"، مهديا عمله لحبيبته في عبارة تأسيس خلدها الزمن، تشهد على حب من نوع خاص ترجمتها لالويت إلى الفرنسية عن النص المصري القديم تقول :

"صُنع هذا المعبد المحفور في الجبل، عمل يدوم إلى الأبد، من أجل الزوجة العظيمة نفرتاري محبوبة (الإله) موت للزمن الأبدي واللانهائي، من أجل نفرتاري، التي تتألق الشمس حبا فيها".

توافرت لملوك مصر القديمة إمكانات مادية أسهمت في تخليد قصص حبهم، فماذا عن الشعب البسيط الذي لا يملك سوى الحب يقدمه للحبيب؟

كانت قصائد الشعر الأسلوب المحبب لأفراد الشعب بغية التعبير عن العواطف، وكان الحب بالنسبة لهم أشبه بـ "مخلوق إلهي كالكون نفسه"، لذا لم يفرق الأدب المصري القديم بين عاشق وعاشقة، بل أعطى لكل منهما مساحة رحبة للتعبير عن الحب بحرية غير مقيدة.

وتشهد قصائد كاملة على فرح لقاء المحبوبين ببعضهما، إذ يرى العاشق حبيبته كأنها الطبيعة وملذاتها الطيبة، توقع في شركها، مثل صائدة الطيور، كل من يستسلم لها، كهذا المقتطف لنص ترجمته لالويت إلى الفرنسية في كتابها "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية":

"ثغر حبيبتي برعم زهرة لوتس، نهدها ثمرة طماطم، جبينها حلقة من خشب السنط، وأنا أوزة برية، أتطلع بنظراتي إلى شعرها المسترسل، كأني طُعم في شرك وقعت فيه".

وتغنى المصري القديم شاعرا بعاطفة جياشة لحبيبته، متغزلا في تفاصيلها الفريدة كما ورد في مقتطف لنص أوردته لالويت في كتابها "الأدب المصري القديم":

"إنها الحبيبة المثلى، ليس كمثلها أحد، إنها أجمل النساء، أنظر! إنها كالنجم المشرق في مطلع سنة سعيدة، إنها متألقة وكاملة، بشرتها نضرة، نظرات عينيها فاتنة، تسحر بكلمات شفتيها، عنقها طويل، ونهدها متفجر، وشعرها من اللازورد الأصلي، ساعدها أروع من الذهب، أناملها أزهار لوتس، لها ساقان هما الأجمل بين كل ما هو جميل فيها، نبيلة المظهر عندما تمشي على الأرض".

وتسجل قصائد أخرى فرحة المرأة بلقاء حبيبها ولحظات الاستمتاع معه بجمال الحدائق كهذا المقتطف:

"أنا صديقتك الأولى، أنظر! أنا كالبستان الذي زرعته زهورا، بكل أنواع العشب العطر الرقيق. جميل هو المكان الذي أتنزه فيه عندما تكون يدك في يدي، جسدي في غاية الراحة، وقلبي مبتهج لأننا نمشي معا. أنا أحيا بسماع صوتك، وإذا نظرت إليك، فكل نظرة بالنسبة لي أطيب من المأكل والمشرب".

وتحررت المرأة أكثر عند الحديث عن حبها، مستخدمة شتى الصور البلاغية والاستعارية في قصائد شعرية جاءت أكثر حرارة ورغبة:

"هل سترحل لأنك تريد أن تأكل؟ هل أنت ممن لا هم لهم سوى ملء البطن؟ هل سترحل من أجل الحصول على غطاء؟ لدي غطاء فوق سريري. هل سترحل لأنك ظمآن؟ هذا ثديي، كل ما يفيض من أجلك أنت. حبي لك ينفذ إلى كل جسدي، كما يذوب الملح في الماء، كما يمتزج الماء بالنبيذ".

كما يصف نص آخر قلب عاشقة لحبيب تراه كونا متألقا في بهائه:

"ملكت شغاف قلبي، من أجلك سأفعل كل ما تريده عندما أكون على صدرك. رغبتي فيك كُحل عيني ، وعيناي تلمعان لأني أنظر إليك وألمس حبك، أيها الرجل يا من ملكت قلبي، يالها من لحظة هنية، عساها تدوم إلى الأبد".

هكذا سجل التاريخ المصري القديم وآدابه على امتداد ثلاثة آلاف عام من عمره، مشاعر المصريين القدماء بمختلف طبقاتهم، وردت إلينا بفضل دراسات عميقة لعلماء دراسة تاريخ مصر القديم، ويقول عالم الآثار الفرنسي بيير غريمال :"إن هذا التاريخ (المصري) المديد الذي ننهمك في دراسته، بكل ما أوتينا من ولع وشغف، لن يصل أبدا إلى نهايته، يجمع يوما بعد يوم عناصر جديدة تنبثق دون توقف من وسط الرمال".

 

  بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ثامر الحاج امينعن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك "كريم عباس حسن" روايته البكر (مصير بلقيس) التي تصنف ضمن الأعمال الأدبية التي تدعو الى نبذ العنف في حل المشاكل الاجتماعية لما يخلفه من تداعيات على الأمن والبناء المجتمعيين ، حيث تناولت الرواية ظاهرة العنف الأسري ضد المرأة والطفل بوصفها انتهاكا للحقوق والحريات والتي تفشت في المجتمعات خصوصا الشرقية منها ، فـ " بلقيس " الشخصية الرئيسية في الرواية شابة عراقية تعيش حياة زوجية تعيسة بسبب غيرة الزوج " صادق " من طموحها المشروع في الحصول على شهادة راقية والوقوف بوجه رغبتها في اكمال تعليمها الجامعي الذي تنازلت عنه مؤقتا من أجل الاقتران بحبيبها الذي لم يكن وفيا لهذا الايثارولم يكن بارا بوعده الذي قطعه على نفسه بالوقوف الى جانب حبيبته وزوجته بعد ذلك ، اذ سرعان ما تنكر لتضحيتها وراح يعاملها بقسوة وعنف يصل حد الضرب المبرح ، وبعدما يطفح الكيل تحاول الانتحارلأكثر من مرة نتيجة الشعوربالفشل في هذا الارتباط الذي كان ثمرة علاقة حب متبادل وتنتهى حياتها بحادث حريق غامض يثير الكثيرمن الشكوك وتحوم حوله الشبهات .

في فصول البحث عن اسباب موت " بلقيس " اذا ما كان حادث الحريق مدبرا ام قضاء وقدر فان الكاتب يجنح الى اسلوب الرواية البوليسية حيث يقوم بتوزيع الشبهات على الشخصيات القريبة والمحيطة بالضحية ويمهد لشكوك القاريء فيها ، كما ويثير الشك في تحركات وسلوك القائمين على التحقيق بالحادث ولكنه في الأخير يترك لحصافة القاريء تقدير ذلك بعدما يضع امامه كل الجزئيات المتعلقة بحياة الضحية وظروف معيشتها ،

اللافت في الرواية ان حرية المرأة ماتزال تحظى باهتمام الرأي العام النخبة من أدباء وفنانين ومفكرين ومثقفين فهذه الرواية جاءت لتؤكد هذا الاهتمام الذي يمثل موقفا انسانيا وحضاريا من قضية المرأة التي تصارع المجتمع الذكوري في مشوار بحثها عن هويتها المسلوبة ، فـ " بلقيس " في هذه الرواية ليست امرأة عراقية فحسب انما هي الرمز لكل النساء التي تعاني الظلم والتهميش والتبعية حيث جعل الكاتب من مأساتها بمثابة صرخة بوجه المجتمع الذي يمارس هذا القبح مع أجمل مخلوقات الكون .

"مصير بلقيس" تمثل اضافة طيبة لسجل الاعمال الأدبية التي تناصرالمرأة في كفاحها من أجل حريتها ، والكاتب " كريم عباس حسن " بالرغم من انه للمرة الأولى يخوض تجربة الكتابة الا انه استطاع ان يمسك بخيوط اللعبة السردية وان يجعل القاريء مشدودا للوصول الى اسباب نهاية " بلقيس " المأساوية  اضافة الى الحس الانساني الرفيع الذي تمتع به الكاتب والذي جسدته لغته البعيدة عن التكلف والتعقيد .

 

ثامر الحاج امين

 

صادق السامرائيالبوحية: من البوح أي إظهار أو كشف ما في الشخص من مشاعر وأحاسيس، فهل يعني ذلك الإظهار شعرا؟

ربما يُعرَّف الشعر بأنه  "كلام موزون ومرتّب ومقفى" (عيار الشعر)، أو أنه "الكلام المولود من مخيلة الشاعر، ويؤثر في مخيلة المتلقي" كما يرى إبن رشد.

وهو "الكلام الخالد" كما يصفه العقاد.

قد نتفق أو لا نتفق مع ما ورد من تعريفات للشعر، لكن أي موجود مهما كان نوعه يجب أن يستوفي شروط وعناصر وخصال ما يميزه عن غيره، لكي يفوز بتسميته.

فمملكة الحيوان فيها أنواع من المخلوقات وكل منها يتصف بما يشير إليه، فالقطة ليست كالكلب، وفي كل منهما أنواع متباينة بصفة ما.

وفي عالم الإبداع، هناك القصة والرواية والمقالة والشعر وغيرها الكثير من الأشكال، التي تدل على نفسها وتتمسك بإسمها، لتوفر الشروط الكفيلة بالحفاظ على الجنس الإبداعي.

وعندما نأتي للشعر، فأن المقاييس تكاد تغيب أو تتصف بالتشويش والهلامية، ويُحسب كل ما هو مكتوب بمداد المشاعر والوجدان والعواطف شعرا أيا كان شكله، وفي هذا تمييع لمعنى الشعر وإفراغ لطاقاته المؤثرة في المتلقين.

فالشعر بحاجة لذائقة شعرية، وليس لكتابات بوحية تأتي كيفما شاءت، حتى لتتعجب هل أنها شعر أم نثر، ولا يمكنك أن تُقر بغير ما يريد لها كاتبها أن تكون رغما عن أنف الشعر.

إذا وصلنا إلى مرحلة تسمية الكتابات الوجدانية المنثورة المشحونة بالمشاعر والأحاسيس شعرا، فلنقرأ السلام على الشعر!!

أو لنضع له تعريفا آخر إن إستطعنا إلى ذلك سبيلا!!

فما هو الشعر؟!!

قد يبدو السؤال ساذجا، لكنه أصيل ويستوجب رؤية إبداعية ذات قيمة حضارية، وإلا فأننا بتوهمنا الشعر سنقتل الشعر!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

قاسم محمد الساعديما السر الذي يخفيه الحنين تحت جنحه في هذا الاغنية وألزعِلَ شاهدا"على تقلبات طّقْسُ الحب

 فلا حقول فِرْدَوْسيّة، مادامت الأيام تشبهُ غيبوبة وميتة سريريا"

ولا أحد سوى العشاق من يرون ِالجزء المخفي من السماِء، حتى وأن أغلق باب القلبِ بقسوةِ حبيب

 فمن يغفر ... وكل مرة يبدو الزعل ٍإيذانا "بالرحيلِ النهائي .. 

(مـره و مـره

ومره طبعك صاير صاير ومره

مره ومره قلبك حاير مره ومره

تزعل مره وترضى مره

وكم مره تبعد وغفرلك

متكلي اليغفر كم مره كم مره

طبعك صاير مره ومره)

2-

الورد المعترش على الشباك يتمايل مع صوته ويمد ذراعيه على اتساع ضوء القمر كأنهما جناحان يريدان الطيران به

وظنا "ان الزعل يركب دراجته الهوائية بانتظارِ تبديل اضويه المرور، وعندما هتفت بضعة نوارس صار صوتك مطرا" يسقط على غابة ِالروح لغاية الفجر ....

وبنبرة اعْتِذار من بصريِ ليس على ما يرام، يحمل ُملامح قَمَرا"

 خجولا" تحجبه غيوما" عابسات !

 (من تزعل توحشني الدنيا واتصور غيرت اضنونك

من ترضى يظل شوق البي يذوبني بنظرات اعيونك)

3-

ايها الجنوبي مثل كل الجنوبيون الذين تاهوا في أَزِقَّة المدن تبدو عديم الحيلة ومكتوف الأيدي وايقنت ان الحياة في المدينة عديمة اللون ولا وجه ثابت لها حتى في المرآةِ

(حبيتك حبيتك وانه أدري دربي ويه أدروبك ما يتلاكه

حبيتك وانه أدري بكلبي مايكدر يكتم أشواكه)

4-

كل هذا الزعل المتكرر وتغفر !!

 وبحرك مقفر من السفن، تركض وقلقك غير قادر على ترويضه ؟

مَا الْعَمَلُ

 و الْحُبِّ قدر مَكْتُوبٌ ... منذُ الأَزَلُ

 (بس حبك قدري المكتوب تدري شكد حملني ذنوب

كم مره تبعد واغفرلك متكلي اليغفر كم مره كم مره

طبعك صاير صاير مره ومره

5-

بعد رحيلك يا رياض أحتل البلاد المغول يعاونهم لصوص و سفلة وقطاع طرق ورجال عصابات و بغايا، قالوا انهم حاملين اوامر الكهنوت على الرماح

و بمراسيم جديدة البسوا الوقت عباءة سوداء وقالوا أن الغِناء من اعمالِ السحرة والشياطين .

ايها الوطن لماذا (طبعك صاير صاير مره ومره)

 

قاسم محمد مجيد

................................

* الاغنية مره ومره كلمات طاهر سلمان و من تلحين الفنان الكبير جعفر الخفاف

         

اختلف المفكرون حول بداية استخدام هذا المصطلح والاختلاف جاء من معنى الاستشراق، فلربما الكل على صواب حول بدايات استخدام الاستشراق وفق تعريفهم له، ومن هذا المصطلح ظهرت لنا ايديولجيا ابطالها شرقيون يدرسون المستشرقين كيف قراوا الشرق ولعل الدكتور ادوارد سعيد ابدع في هذه الدراسة لسعة اطلاعه بل انه يستشهد بافكار العشرات من المستشرقين والتي تدل دلالة واضحة على كثرة اطلاعه وقراءته لمؤلفات هؤلاء المستشرقين .

هنالك غايات من اجلها يقتحم الغربي الشرقي وهذه الغايات يمكن تمثيلها بالحسنة والسيئة وحب الاطلاع، فالحسنة وهي التي تستحق عن يسمى صاحبها بالمستشرق هو من يقرا ويدرس ثقافة الشرق بكل علومها وتاريخها ومن ثم ليعتنقها اي يعتمدها في حياته دينيا ومجتمعيا، واما السيئة فهم الذين يقتحمون علوم الشرق او يتلصصون على علوم الشرق بمختلف المسميات لاجل غايتين ليس اكثر الاولى تدنيس وتحريف تراث الاسلام من خلال الاستحواذ على علوم الشرق بالمخطوطات الاصلية والقيام بتحريفها ومن ثم عرضها من خلال مكتبات الغرب للشرق فينخدع الشرقيون في دراستها ويصبحون اداة لنشر تحريف الغرب كما حرفوا مقدمة ابن خلدون بتغيير كلمة (الاعراب) بكلمة (العربي)، والغاية الاخرى هو الاستفادة من علوم الشرق دينية وغير دينية ومنعها عن اصحابها الشرقيين ليصبح لهم الكعب المعلى في قيادة العالم، واما حب الاطلاع فهذا ديدن المثقفين الذين يرغبون بالاطلاع على ثقافات العالم ومنها الشرقية لمعرفتها وتقييمها وفق رؤيتهم بعيدا عن النزعات النفسية اتجاه الاسلام .

المعيار الاخر الذي يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار ماهو المجال الذي يقتحمه الغربي حتى يقال عنه مستشرق؟ فهل يقتحم المجالات التي ينفرد بها الشرق مثلا الديانة والعادات والتقاليد ام انه ياخذ علوم جابر ابن حيان والرازي وابن الهيثم وابن سينا والرماحي وغيرهم؟، وهذا المجال اخذ هويته حسب ما يصدر عن المستشرق من اراء بخصوص دراسته الشرقية .

معيار اخر اخذ تاثيره على تحوير الافكار تحت مصطلح التنوير، وهذا التحوير عن طريق اسلوبين بالاغلب الاعم الاول هو الترجمة، فالترجمة تؤثر بشكل قوى على العقول التي تقراها والمترجم له الدور القوي في ترسيخ مفاهيم معينة وفق نزعات شخصية او تنظيمية مدروسة وموجهة للغرب يساعدهم على ذلك ان القارئ العربي لا يتتحقق مما يقولون ويكتبون بل انه ينبهر بها، وكتاب الاستشراق للدكتور ادوارد سعيد ترجم مرتين، المترجم الثاني اصاب في تبريره للترجمة حيث قال ان اسلوب طرح الافكار تختلف من جيل الى جيل فعملية الترجمة هي نقل اصل الفكرة دون تحريف وفق اسلوب يستسيغه القارئ اليوم . وكثيرا من الكتب التي ظهر تحريفها مع تعدد ترجمتها ومنها كتاب ادوارد سعيد كما ذكر المترجم د محمد عناني .

وقد ابدع الدكتور سعيد في قراءة عقول المستشرقين وكيفية ترسيخ مفاهيمهم في عقول القراء فقد ابدع المستشرقون وبكل تقنية عالية في استخدام الرواية هذا الفن الادبي الذي اخذ مجاله في حيز القراءة والتاثير .

من خلال قراءة ادوارد سعيد في كتابه الاستشراق وضمن فصل عنوانه حدود اعادوا رسمها وقضايا اعادوا تعريفها ودين جعلوه علمانيا ص198 وقد استشهد بالمفكر الروائي جوستاف فلوبير ( ت 1889) وبطلي روايته بوفار وبيكوشيه، فيقول عنه سعيد استخدم اسلوب الفكاهة والسخرية في حواراتهما لينقل عقل القارئ مما هو فيه من افكار او فراغ فكري الى ما يريد ان يحمل من فكر، فكان يريد نقل ثقافة اسيا (الهند) الى فرنسا 

وهنا لابد لي من الاشارة الى اسلوب الرواية فانها تعتمد على دراسة طبيعة المجتمع النفسية ومعرفة غرائز المجتمع وباي شيء تتاثر فيستخدمها الراوي مهما كانت حتى ولو ضد افكاره يستخدمها كوسيلة للعبور من خلالها الى ما يريد اولا ولتشويهها ثانيا، والاشارة الاخرى دائما الافكار السلبية فيها بعض الفقرات ايجابية او حسنة اي لا توجد ايديولوجيات 100% سلبية والا رفضت ولكن المحطات الايجابية هي لتغطي على سلبية الافكار فيجعل ابطال الرواية يتحاورون بالافكار الايجابية للفكر الاخر التي تتفق وطبيعة نفس المجتمع فيتعاطف القارئ مع ابطال الرواية بحيث انه لا يشعر وبشكل تلقائي يبرر جرائم ابطال الرواية ويتقمص افكارهم في حياته، هذا الاسلوب تستخدمه افلام هوليوود الاكشنية في تعبئة عقول الشرقيين بما يريدون فالبطل الذي يقتل المجرم يغتصب ويسرق فيتعاطف معه المشاهد لان صورة البطل في ذهنهم انه ضد المجرم فتبقى هذه الصورة لتبرر كل الادوار الدنيئة التي يقوم بها فيكون الاجرام عمل طبيعي في تفكير الشرقي وهذا ما ادى الى تمزيق جزء كبير من نسيج الافكار الاخلاقية التي رسخها الاسلام في المجتمع الاسلامي .

 

سامي جواد كاظم

 

علي سيف الرعينيلن يقف المستقبل الى جانب شخص اوشعب ان لم ينصرف لنمائه وارتقائه، ويستنفذمن الزمن جميع استطالاته

الم يقل العرب قديما ..

الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك

.. الا يشير ذلك بمباشرة فاضحة الى زمنناالمسوربالمعدات الزمنية..

فالساعة في مقبضك وفي مكتبك وغرفة نومك في جهازالكمبيوتر

والتلفزيون والرسيفروالسيارة ..الساعة في كل مكان

في ابعد الزوايا عن التخيل ..انه عصرالزمن بمانتج عنه من لهاث ..اللهاث ذاته جزء من ايقاع الزمن اترانا في بلدي الطيب اهله نواكب  ايقاع الزمن . .وان كنان  نو للمستقبل بشغف كبير

 

علي سيف الرعيني

 

نايف عبوشومتطلبات التفاعل البناء مع المجتمع

لاشك أن الثقافة العامة، والارتقاء بالوعي الإنساني إلى آفاق رحبة، مهمة نبيلة، لها مردوداتها الإيجابية، في مغادرة حالة الجهل، والتخلف، والانطلاق نحو فضاءات العلم، باعتباره مصدراً للأشعاع والتنوير، حيث العلم نور والجهل ظلام، كما يقال.

ولعل من الجدير بالذكر، الإشارة إلى أن المعرفة والثقافة العربية، كانت في الصفحات المشرقة من ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، افقية الفضاء، ومتغلغلة في أوساط الجمهور، بكل شرائحهم الاجتماعية، فكانت ثقافة موسوعية النزعة، ومفتوحة الآفاق ، وعمومية الانتشار . ولذلك كان الاتجاه الجمعي العام للجمهور علمي التوجه، وموسوعي الفهم،وجماعي الثقافة، وتنويري المقصد.

ولأن البيئة المعرفية والثقافية العربية كانت افقية الاتجاهات، وموسوعية النزعة، فقد طفح عطاؤها بالإشعاع والتنوير خارج ساحة ابداعها، إلى الآخر، فكانت مصدرا للمعرفة، ومرجعا للتعلم والعلم، عندما انتقلت الى البيئة الأوربية، عبر مراكز وحلقات انتاجها فى الأندلس يوم ذاك.

ومع التراجع الذي حل بالحال العربي المسلم، في ظروف الانحطاط اللاحقة، وغياب معايير النهوض والتطلع، وغياب الأمة ونخبها عن ساحة العطاء والتأثير، سادت روح الانكفاء، وانكمشت روح البحث والتتثقيف، وجفت منابع المعرفة، وساد الجهل والتخلف، والإحباط في أوساط الأجيال التالية،ليصبح سمة غالبة لوصف الحال المعرفي المنهك .

ولا ريب أن الحال ازداد سوءا، بعد أن أصبح العالم الصناعي الغربي الراهن، هو مركز الإبداع العلمي والتقني والمعرفي، وظل عالمنا العربي الإسلامي منكفئا على ذاته، متلقيا للعلوم والتكنولوجيا والمعرفة من مصدرها الغربي، ومستهلكا لها وحسب، في ظل هيمنة علمية واقتصادية صارمة، تعرقل اي ملامح مرتقب للنهوض العلمي والمعرفي، في عالمنا العربي والإسلامي، وعموم البلدان النامية.

والملاحظ في ضوء تلك التداعيات السلبية للعصرنة الصاخبة، بوسائلها المفتوحة في كلِّ الاتجاهات، وبلا قيود، أن المثقف العربي اليوم غارق في الانكفاء على الذات، ومنغمس في ثقافة عمودية متمركزة، محدودة التداول في إطار النخبة فقط ، وفي أضيق الحدود ، مما يجعل عملية التثقيف الجمعي محدودة الأفق، وضعيفة التأثير في الوسط الاجتماعي، في الوقت الذي ينبغي أن يكون التكوين الثقافي تبيسطيا، ومنفتحا على جمهور المتلقين، بشكل متوازي مع انتاج ثقافة الاختصاص الأكاديمي الصرف.

ولذلك فإن الأمر يتطلب، أن يكون المثقف العربي أيا كان نمط ثقافته، منفتحا، ومتفاعلا في تحصيل مدخلات ثقافته، وكذلك في وسائل تواصله مع جمهور المتلقين، بحيث يكون التأثير جمعيا، وإيجابيا، باتجاه النهوض بالثقافة العامة، ورفع مستوى التنوير في المجتمع، وبالشكل الذي يرسخ ظاهرة الموسوعية الثقافية الاجتماعية، في بيئتنا الناهضة مجددا، ويغادر حالة النكوص والإنكفاء، ويحفز نوازع النهوض العلمي والحضاري، من خلال تفجير الطاقات الكامنة، والواعدة، بين الجمهور، مبدعين، ومتلقين، في آن واحد.

 

نايف عبوش

 

ناجي ظاهريعالج الكاتب الروائي الانجليزي سمرست موم. في روايته الخطيئة السابعة. موضوعا خطيرا هو الخيانة الزوجية. اما وصفه لها بالخطيئة السابعة، فان هذا يعود الى انها الوصية السابعة بين الوصايا العشر في الكتاب المقدس. وهي: لا تزن.

يفتتح موم روايته هذه بحوارية بين امرأة وعشيقها. بعد ان شعر الاثنان باكرة الباب وهي تتحرك واعتقدت المرأة ان من حركها هو زوجها. نفهم من هذه الحوارية كل ما يريد الكاتب ايصاله الينا. وينتهي هذا الموقف وكأنما شيئا لم يحدث الا ان ما يحدث في الواقع عكس ذلك. الزوج وهو طبيب في مهنته. يكتشف خيانة زوجته ويخبرها انه يمتلك كل الادلة على خيانتها له. ويخيرها بين امرين كلاهما مرّ. اما ان ترافقه الى بلدة منكوبة بالكوليرا. واما ان يفضحها ويفضح عشيقها. وبين هذين التخييرين يتوصل معها الى خيار ثالث هو ان تطلب من عشيقها. المتزوج اصلا. ان يرتبط بها. الزوجة تتوجه الى عشيقها. لتكتشف ان كل ما كان يقوله لها عشيقها ما هو الا كلام في كلام. ولتجده يشجعها على مرافقة زوجها الطبيب الى مدينة الكوليرا. مدينة الموت. في هذه الاثناء نعرف عبر عودة الى الماضي ان هذه الزوجة وافقت على ارتباطها بزوجها الطبيب لسبب ابعد ما يكون عن الحب، وانها انما ارادت ان تتزوج منه لان اختها ستتزوج قريبا.

بعد ان تكتشف الزوجة عبث حبيبها المعبود. توافق على مرافقة زوجها الى مدينة الموت. وهناك تكتشف انسانية زوجها، عبر تقدير الجميع له ولعطائه للأهالي المنكوبين، بل انها تكتشف انسانيتها خلال تطوعها لمساعدة الاخوات الراهبات في مواجهة وباء الكوليرا القاتل.

ما ان تستقر امور هذه الزوجة حتى تجد نفسها وقد فقدت زوجها.. بعد ان توفي بعدوى. سرعان ما يوحى اليها انه قد يكون جرّب مصلًا جديدا للكوليرا على نفسه. هذه المرأة تعود الى هونج كونج. لتعرض عليها زوجة عشيقها المغفلة ان تقيم معها ومع زوجها في شقتهما. بعد تردد توافق الزوجة. لتكتشف مدى نذالة عشيقها وخداعه لها اكثر فاكثر. تقرر هذه المرأة الزوجة العودة الى مسقط راسها. وهناك تقرر مرافقة والدها المحامي الى الجزائر. لكن هذه المرة بعد ان تكون قد تعلّمت الدرس تماما. وثابت إلى رُشدها.

كما في رواياته السابقة. منها ليلة غرام. يبرع موم في تقديم الحبكة القصصية. كما يبرع في تقديم الشخصيات. حد انك تكاد تلمسها بيدك. وتشعر انك تعرفها. هذه الرواية اشبه ما تكون بفيلم سينمائي. يصوّر حياةً كاملةً. لها بدايةٌ وسطٌ ونهاية. رواية ممتعة. مشوّقة وجديرة بالقراءة.

 

ناجي ظاهر

......................

* صدرت عام 1985 ضمن روايات الهلال القاهرية. وهذه هي قراءتي الثانية لها.

 

صادق السامرائيكنتُ أتجوَّل في جامعة كيوتو اليابانية، أبحث عن أفكارٍ علوية، أسأل عن عقلٍ بأروقة الذات العربية، بإحدى قاعاتها، قالوا كنتَ تنادي: "أنتَ أنتَ، أنا أنا، وأنا أعيش كما أعتقد"!!

أطلقتَ الأفكار من معاقلها، أطعمت الناس خلاصتها، أعلنت ميلاد الإبداع والإقتدار، في بلاد الشمس الأزلية، أمعنتَ كثيرا في تحرير الإنسان، من أسر الضلال وقيود العبودية!!

نيشيدا

أبحثُ عنكَ في شوارع كيوتو، أسألُ الأغصان وأزهار الأنوار الإنسانية، ومضيتُ أسير في "طريق الفلاسفة"، أتصيَّدُ أفكارا توقظنا من نوم الأبدية، عربٌ نحن، وكم بَرعنا بذبح الأفكار، وإجترار الأشياء المنسية!!

مَنْ نحن؟

في زمن الإنجازات الديمقراطية، أخوة أعداء، إستبداد، طوائف ومذاهب، وحروب تدميرية

أتساءل، وخطواتي تدوس آثار خطواتك اليابانية، وعيوني تطوف فضاء خيالٍ، تطارد أفكاراً

كنتَ تجنيها، وتقرؤها بعيونك الإمعانية، أما نحن، فنقرأ أوهاما، ونترنمُ بالأحلام المأساوية

، ونهرول وراء الأجداث، ونستكين لطعنات الماضي، ونأبى أن نخرج من بئر الآهات الأزلية!!

نيشيدا

أمضي مستفهما في دروب الأفكار، أراقبُ السواقيَ وأتأملُ الأشجارَ، لماذا تقطفُ منها ما لا أقطفُ، ولماذا تعطي خطواتُكَ، ما لا تعطي خطوات العربي، التائه في سوالف الأزمان.

أسأل ذاتي، أحرقها، أتهاوى في ماء البهتان؟!!

 نيشيدا

غابَ الدينُ، وابتعدَ الفرقانُ، والمراؤن أعزة الأوطان، والجمع "يعرف من الإسلام إسمه

ومن القرآن رسمه"، ويقول أعرف، وأدري، وإياكَ أن تدري غير ما أدري!!

نيشيدا

أنتَ أنتَ، وأنا لا أنا، فأنا أعيش كما تعتقد الأحجار، لا عقل، لا أنوار، لا أفكار!!

نيشيدا

اليابانُ هي اليابان، والعربُ أنكروا العقلَ وخربوا الإنسان، فلماذا أمشي في "طريق الفلاسفة"، وأجهد العقل بالتفكير والتساؤل والإمكان؟

لا لن نكون، ما دامت السلطة للأوثان، لا لن نكون، ما دامت القشور لبا وحقائقا، واللب في طي الإهمال والنسيان، فالأمة جثة في مشرحة الخسران!!

 فهل ستلدُ جيلا يرفع رايات "أكون" ويؤمن بالإنسان؟!!

 

د. صادق السامرائي

9\6\2009

..................

* نيشيدا كيترو فيلسوف ياباني أسهم في بناء حضارة اليابان المعاصرة.

 

 

قاسم المحبشينسيت تقليم الاظافر وغسل الهدوم ونشرها

تنهض من سريرك كيفما أتفق  وتحمد الله وتشكره الذي أحيان بعد أن أماتك ثم تفرك عيونك وتنظر إلى الساعة وتتعوذ من الشيطان وتذهب الحمام وتتوضى وتقيم الصلاة وتصلي. ثم تعود إلى الحمام وتفرش الأسنان وتستحم بالصابون والشامبو وتحلق دقنك لو كانت خشنا أما النواعم فلهن شؤون في الحمام لا يعلمها إلا علام الغيوب! ثم تضع الماء بالكوز على النار وتفتح جوالك wi-fi أو البيانات الخلوية وتنظر إلى صفحتك وواتسابك والماسنجر وتويتر لترى الرسائل والأخبار والتعليقات والاعجابات وتحايا الصباح واشياء أخر. ثم تتذكر الماء المغلي وتذهب مسرعا لتضع فيه الشاي والسكر أو البن والزنجبيل إذا وجدته لم يتبخر. أما إذا تبخير الماء فعليك إعادة العملية من جديد، تشرب القهوة أو الشاي وأنت تفكر فيما سوف تكتبه في صفحتك بالفيسبوك. تكتب ما تيسر ثم تفكر بالأفطار ماذا سوف يكون؟ إذ يكون عليك أن تلبس هدومك الخارجية والذهاب إلى المخبر لجلب العيش الساخن وفي الاثناء تشتري بيض وجبن بلدي وخضار وبعض الحاجات الملحة. تعود وتخلع الهدوم وتفتح الموبايل ثم تذهب المطبخ لإعداد الأفطار. بعدها عليك بغسل المواعين وشرب ما كتب لك الطبيب من أدوية تقوى المناعة ثم تقيس الضغط وأنت ممدد على سريرك بعدها عليك الرد على الرسائل والتسجيلات الصوتية والمكالمات العائلية ثم الرد على تحيايا اصدقاء وصديقات العالم الأفتراضي. وبعدها عليك الرد على التعليقات والاطلاع على منشورات اصدقاءك وصديقاتك وابدا الأعجاب بها أو التعليق عليها. الوقت يمر بدون أن تدرك وفجاءة تسمع آذن الظهر وأنت ما زالت منهمكا في عالم الفضاء. تفزع وتتعوذ من الشيطان وتذهب الحمام وتتوضى وتصلي الظهر وتلبس هدومك وتسرح شعرك وتتعطر على عجل وتغلق نوافذ شقتك ومفاتيح الكهرباء الغاز وتأخذ الزبالة بيدك وتذهب لدوامك وتلبس الكمامة. تركب العربية في أوج الزحمة وتصل بعد فوات الدوم ثم تعود من حيث أتيت. تعود منهك القوى وعليك التفكير بوجبة الغداء وغسل الهدوم. تغسلها وتنشرها وتنام وحينما تصحى يكون بياع السكر قد وصل فتفتح الثلاجة وتأكل أي شيء قابل للأكل فيها. تحس بالشبع وتفكر بالشاي وهلمجراء. هذا في النهار فقط

أما في الليل فحدث ولا حرج!

 

أ. د. قاسم المحبشي

 

علي سيف الرعينيما يثير كوامن المشتغل بالفعل الثقافي  ايا كان هو مدى اتساع المشهد الثقافي لاي بقعة تحتويه . ثم يتسلسل فضوله متسائلا عن مديات تنوعها وحراكها ومخرجات الفعل الثقافي سواء كانت منشورة عبر منافذ النشرالمتعددة صحف مجلات كتب مواقع النت عبر مواقع التواصل الاجتماعي او كانت مسموعة مرئية عبر الاذاعة والتلفزيون مرورا بالمنتديات الثقافية العامة اوالمتخصصة ..

وكلما تعددت هذه المفردات . .ازدادت ديناميكية المثقف المبدع في المكان الذي يحل فيه فالمكان لاينفصل عن سمته الثقافية

واذا كان هنا لابد من اشارة فاننا نشيرالى ا لجهودالذاتية لبعض المنتديات مساهمة في  رفد المشهد الثقافي با سهامات تعد متواضعة

مع ما تقتضية حتمية مواكبة قافلة الثقافة العالمية التي تحث خطاها نحو خطاب. ثقافي طاغ تلونه طروحات   المسارعة بالكثيرمن محاولات الغاءوطمس الثقافات المتباطئة .....

 

علي سيف الرعيني

شاكر فريد حسنلقد تأخر ظهور القصة في السودان، بيد أن هذا التأخير لم يمنع الكتاب والأدباء السودانيين من اللحاق بركب الاخرين من الكتاب العرب، فشحذوا هممهم وراحوا يقرؤون ويكتبون ويبدعون رغم تعثر البدايات والبواكير عند البعض.

وحملت القصة السودانية الطابع الرومانسي والمضمون العاطفي الوجداني، الذي طغى على كتابات الأدباء الشباب، وذلك نابع من تأثرهم بالتجارب القصصية الرومانسية العربية والعالمية المترجمة في تلك الفترة. ثم ظهرت القصة الواقعية التي استمدت موضوعاتها ومحاورها من الواقع السوداني المعيش، وطرحت القضايا والمشاكل الاجتماعية والعادات التقليدية البالية السائدة في المجتمع السوداني.

ولم تأخذ القصة دورها الطليعي والريادي الفاعل في المشهد الثقافي السوداني سوى في أواخر الخمسينات والستينات وما بعد ذلك، حيث برزت القصة المرتبطة بقضايا الناس وهمومهم، والملتصقة بالواقع السوداني، التي تصور وتعبر عن أوجاع وهموم الشعب وأحلامه وطموحاته المستقبلية.

وبرز عدد من كتاب القصة والرواية، الذين اشتهرت أعمالهم الأدبية القصصية، وفي طليعتهم ومقدمتهم الكاتب الروائي الراحل الطيب صالح، الذي حقق حضورًا واسعًا، وترجمت أعماله الإبداعية إلى أكثر من لغة. وقد صدر له مجموعة من الأعمال القصصية والروائية، منها : " عرس الزين، ضو البيت، دومة ود حامد، حفنة تمر،و مريود "، بالإضافة إلى روايته " موسم الهجرة إلى الشمال "، وهي من أشهر وأجمل رواياته، وحققت انتشارًا واسعًا واهتمامًا نقديًا كبيرًا.

وتختلف هذه الرواية عن الروايات التي اعتاد القارئ العربي أن يقرأها، فهي مغرقة في التعقيد والغموض والتجريب، ولا تسير وفق الزمن والذوق العادي، ويختلط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل، ويمتزج الواقع بالحلم والأسطورة، ولذلك من الصعب على القارئ العادي أن يستوعب ويفهم أبعادها من القراءة الأولى، إذ لا بد له أن يعيد قراءتها أكثر من مرة بتعمق واهتمام. فهي رواية محيرة، مكتنزة، متلاحمة، مشوقة وداكنة في آن.

ويلجأ الطيب صالح إلى استخدام عدة أساليب لعرض أحداث روايته، حيث يستخدم أسلوب السرد التقليدي، والترجمة الذاتية لأبطال القصة، مما يساعده على تصوير ورسم شخصياته بصدق وعفوية. فضلًا عن استخدام الحوار/ المونولوج الداخلي، ما يتيح لشخصياته فرصة التعبير عن هواجسها وأفكارها وعواطفها وانفعالاتها. وكذلك يستخدم أسلوب المذكرات والرسائل والوثائق التي توضح أبعاد هذه الشخصيات.

وقد نجح في ترسيم صور شخوصه الروائية، ولم يجعلهم يتحدثون فوق مستوى وعيهم وادراكهم، وإنما التحدث والاعتراف والبوح عن مكنونات عوالمهم الداخلية.

المشكلة الأساسية التي يطرحها الطيب صالح في روايته هي المشكلة ذاتها التي عالجها من قبله عدد من الروائيين والقصاصين العرب، وعبّر عنها توفيق الحكيم في روايته " عصفور من الشرق "، وعبّر عتها يحيى حقي في روايته " قنديل أم هاشم "، وعبّر عنها الكاتب اللبناني سهيل ادريس في روايته " الحي اللاتيني "، وهي مشكلة الصراع بين الشرق والغرب، وكيف تواجه شعوبنا هذه المشكلة، وكيف تعالجها وتتصرف تجاهها، وهل تتخلى هذه الشعوب عن ماضيها وتكون أسيرة الحضارة الغربية وتذوب فيها وتقلدها تقليدًا تامًا، أم تعود هذه الشعوب لماضيها، فترفض الحضارة الغربية وتدير لها ظهرها وتنكرها إنكارًا لا رجعة فيه، أم تتخذ موقفًا آخر يختلف عن الموقفين السابقين، وما هو هذا الموقف الجديد؟؟!. هذا هو الموضوع ولب المشكلة الرئيسية التي تعالجها رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال ".

فالطيب صالح يصور هذه المشكلة ويعبّر عنها من خلال إنسان افريقي ذي بشرة سوداء، يسافر إلى لندن وهناك يصطدم بالحضارة الغربية اصطدامًا عنيفًا مدويًا من نوع غريب. وعنصر اللون هنا له اهميته الكبيرة، فالبشرة السوداء أكثر من غيرها، التي انصب عليها غضب الغربيين وحقدهم المرير، وهي التي تفنن الغرب في تجريحها انسانيًا قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا.

فالإنسان الأسود عاش قرونًا من التعذيب والإهانة النفسية على أيدي الغرب، وهذه الإهانات تركت في النفوس الأفريقية جروحًا لا تندمل بسهولة. وهنا تكمن حدة المأساة والمعاناة ومرارتها كما يصورها ويرسمها الطيب في هذه الرواية العظيمة، فقد صور أقدار متضادة إلى اقصى حدود التضاد.

فمصطفى سعيد بطل الرواية لا ينتقل من السيدة زينب إلى لندن، أو من السيدة إلى باريس، أو من بيروت إلى باريس، كما نجد في الروايات العربية التي تناولت هذه المسألة، فالبطل الروائي الجديد ينتقل من قلب أفريقيا السوداء إلى لندن. والأحداث الرئيسية في الرواية تجري في أوائل القرن العشرين حيث كانت أفريقيا تغوص في وحل الظلم والظلام لا حدود لهما. ولكن هذا لا يعني أن الرواية ركزت تركيزًا حادًا على هذا الجانب من مشكلة اللون، وإنما العكس تمامًا. فالطيب صالح يمس هذه المشكلة ويطرحها بكل رقة وخفة ورشاقة، ومن بعيد جدًا، حتى أننا لا نكاد نلتقي بها إلا بين السطور.

ويمكننا القول أن الجرح الإنساني هو الذي ينزف داخل هذه الرواية الفذة، أكثر عمقًا من أي جرح آخر، وهو جرح الإنسان الأفريقي الأسود.

والحل الذي يطرحه ويراه الطيب صالح أمام بطل روايته القلق المضطرب المعذب، هو العودة إلى أصوله ومنابعه وجذوره ليبدأ من جديد هناك. فهذا هو الحل الصحيح والسليم. فلن يجد نفسه في لندن مهما أخذ من علمها وثقافتها، ومهما طاردته نساؤها وتعلقن به جسديًا شهوانيًا عنيفًا. ولن يشعر بالطمأنينة والراحة إلا إذا عاد إلى النبع وألقى ظهره لقشور الثقافة الغربية، وأبقى على جوهر هذه الثقافة ثم مزج هذا الجوهر بواقع بلاده ومجتمعه. فيهما فقط يصبح إنسانًا منتجًا فاعلًا وله دور حقيقي في الحياة والمجتمع.

وكل شيء في هذه الرواية له معناه وأبعاده، الحب والجنس والجريمة. وهي تعد من أنضج النماذج الروائية العربية في معالجتها لموضوع الجنس، إنها تواجه هذا الموضوع بجرأة فنية بدائية، لكنها شديدة الصدق والأصالة، ورغم جرأتها فهي لا تستسلم لموضوع الجنس، الذي يشكل عنصرًا مهمًا بين عناصرها، يخدم العمل الروائي الفني، وتظهر المواقف الجنسية طبيعية في موضعها ومكانها من الرواية وفي تعبيراتها عن ضرورات فنية موضوعية، وهذه المواقف يجب أن تقابل بجرأة وشجاعة، ولا يجوز أبدًا أن نخفي رؤوسنا في الرمال.

وعلى صعيد اللغة والنواحي الفنية في الرواية فقد تبدت مقدرة الطيب صالح اللغوية، وتمكنه من لغته الجمالية، وامتلاكه لزمامها. فتعابيره سليمة تعتمد على لغة رشيقة في غاية الصفاء والأناقة والشاعرية، لغة ناصعة مليئة بالشحنات العاطفية، وغنية بالأضواء والظلال، بعيدًا عن الثرثرة الفارغة والحشو الكلامي.

وهو يستخدم اللهجة العامية ويحافظ على الصياغات اللفظية الفصيحة ويضمن روايته أمثالًا شعبية وأغانٍ سودانية، ويشعر القارئ من خلالها بالروح الشعبية الأصيلة باستعماله اللهجة السودانية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

القاريء الكاتب3.2

يتمسك بعض المؤلفين بمفاهيم قديمة لاتلائم تطورات عصرنا ، فقد اصبح القاريء هو الكاتب والعكس صحيح . وفرت مواقع التواصل الاجتماعي فرصا نادرة للقراء بالاشتراك بالكتابة او التعليق على المقالات والمنشورات والمؤلفات وازيلت الكثير من الحواجز بين القاريء والمؤلف بدون وسيط ، واصبحت العلاقة تفاعلية مباشرة ادت الى تطورات باتجاهات مختلفة ومتناقضة احيانا .

وتغير تبعا لذلك مفهوم المتلقي من دوره كمتلق بين طرفي العملية الاعلامية لان طرفها الاول المؤلف او الكاتب تغير الى دور تفاعلي او مباشر يساهم في صياغة او اعادة صياغة بعض الافكار واقتراحات التجديد واداء فعل الكتابة على قدم المساواة مع الكتاب والمؤلفين .

طرفا العملية الاعلامية : المرسل "الكاتب او المؤلف او كاتب الرسالة" والثاني المتلقي "القاريء" ، سمي اعلاميا المتلقي لانه يقرأ ما انجزه غيره من الكتاب والمؤلفين ، ولكن العملية تغيرت واصبح فاعلا ومشاركا حقيقيا للكاتب والمؤلف من خلال قنوات التواصل والمرسلات الفورية ومناقشة الرأي حول ما قرأه وكتابة ما يوازيه دحضا او تأييدا لمحتويات الكتب والمؤلفات اي مشارك حقيقي وفاعل مع المرسل او المؤلف ، اشبه بعملية : "ديمقرطة التأليف" لذا ليس المؤلف الطرف او الفاعل الوحيد في العملية الاعلامية .

واسقطت التغيرات التي احدثتها التقنيات الجديدة الكثير من الحصون والابراج العالية التي كان يتحصن بها المؤلفون واصبحوا اكثر عرضة للمشاركة والانتقاد من مستويات ثقافية متعددة للقراء وازيلت المسافة الفاصلة بين المؤلفين والقراء لتغير دورهم من متلقين الى فاعلين ومنتقدين وموجهين ومشاركين لمحتوى المؤلفات .

ورغم هذة التغيرات في المفاهيم الاعلامية تبقى بصمة المؤلف التي تميزه عن غيره من الكتاب والمؤلفين محافظة على استمراريتها وقد تساعد بشكل او اخر على تجذير تميز الكتاب والمرلفين عن بعضهم لانها في النتيجة تساهم الى حد ما في تطوير مراحل التأليف اوالكتابة بما فيها الكتابة الابداعية .

وتصل بها الى درجة عالية في سلم التطور الذي احدثه العالم الرقمي في الحياة والسلوك وطرق ووسائل العمل .

ونما يزيد حضور القاريء ليس كمتلق صامت كما كان يحدث في الماضي او قبل ثورة المعلومات او عصر الملوماتية ان وسائل النشر متاحة له على قدم المساواة مع الكتاب والمولفين بدون تمييز مما يعزز حضوره وتغيره من متلق صامت الى مشارك بطرح افكاره ورؤيته الخاصة به مع توفر فرص نشر واسعة لديه لايصالها الى جمهوره او الجمهور .

اثبت بعض القراء بشكل عملي من فئة من ليس لديهم خبرة واسعة بالكتابة اوالتأليف وفقا لاحصائيات السوشيال ميديا ان اعداد جمهورهم يفوق اضعاف المرات جمهور وقراء الكثير من الكتاب والمؤلفين اذ استثنينا النخبة المثقفة من القراء .

ان اهم ما احدثه عصر المعلوماتية ان لا اعزالية او ابراج عالية للكتاب والمؤلفين فقد الغيت من قبل عصر التقنيات الجديدة اما من تبقى متحصنا بتلك الابراج فقد وسفقد ما تبقى له من جمهور في المستقبل اشبه بعملية انحسار جمهور القراء عن شراء الجرائد والصحف الورقية وقراءتها على الانترنيت او قراءة الاخبار على مواقع وكالات الانباء مباشرة ساعة بساعة وقد تشثمل هذه التطورات العديد من الوسائل الاعلامية التقليدية "الكلاسيكية" كالمجلات الاسبوعية والشهرية والفصلية والكتب الورقية فاضافة الى سهولة الوصول الى هذه المطبوهات على الانترنيت فانها عايرة للحدود وبالامكان قراءتها من اي بلد كان ، مما يضفي قتامة واضحة على مستقبل عمليات النشر الورقية مستقبلا ومدى الجدوى منها .

وهذه الاستنتاجات ليست تنبؤات او استنتاجات شخصية لان الاخصائيات تشير الى تضاعف اعداد مرتادي الانتريت من مختلف مستويات القراءوان وسائل الاعلام الكلاسيكية "التقليدية" بحاجة الى التكيف مع التغيرات الجديد ، ولم يعد في عصرنا ما عرف سابقا بالمتلقي او المتلقي الصامت او من يتجشم عناء شراء الجرائد والمجلات من المكتبات لان الانترنيت والموبايل "ايفون" اصبحا الخيار الاسرع والامثل للاجيال الجديدة في البحث عن الكتب والمصادر والمؤلفات والمعلومات والاخبار من الاجيال القديمة .

كما ينسحب ذلك ايضا على مشاهدة القنوات التلفزيزنية ومن اي بلد تبث لحضورها على الانترنيت على مدار اليوم ولميزاتها الفريدة وتحكم المشاهد في الوقت الذي يود مشاهدة هذه النشرة الاخبارية او ذلك المسلسل او الفليم او ما شاء من البرامج الرياصية او الثقافية ومعارض الفنون التشكيلية والنحتية او الندوات الثقافية والفنية .

وهذ الخدمات وهي غير مجانية تتيح كذلك مشاركة المشاهد بطرق تفاعلية او مباشرة مع ما يبث من برامج واخبار وندوات .

ورغم هذه التطورات التقنية العملية التي اوجدها عصر المعلوماتية هناك من يدعو الى التريث ، اما لماذا التريت؟

الجواب :

لاننا لحد الان لا نعرف اتجاهات وتطورات عصرنا!

بينما عمليا نقضي معظم اوقات فراغنا على الانترنيت والعالم الرقمي او "الافتراضي" .

 

قيس العذاري

 

 

 

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب 

ذات ايلول، كنت أضيق ذرعا بوجع صامت تعودت أن ابقيه متواريا، بعيدا عن التلصص . فقد علمني جبروت الحياة وتعنت أوجاعها، ان كل الطرق الى رحاب الفرح ضيقة، وأن امضي مبتسما بخطو لا ضجيج لانينه . كنت اعايش غربة هلامية ، كثيرة التفلت لا تنام، دندناتها تقاسيم داخلية حزينة . بحثت مطولا في غيبوبتها الرجراجة عن حجامة لمشاعري، بعيدا عن عاشقات المظاهر وثرثرات الأنا .

على ضفاف السياسة المحلية التقيتها . في إحدى المحاججات، اطلت    على سجيتها، محاطة بابتسامة مهذبة، تفوح فرحا يغنيك عن التأويل والتوجس . إعتقدت للوهلة الاولى، انها مزاجية تترفع بالصمت، وتعاتب بكل لغاته . ولكن سرعان ما بددت ذاك الانطباع، وأن الصمت الأبكم ليس من طباعها، ولا اعتزال الكلام الموزون .

في أول لقاء، ارتطمت اصطفافاتنا باحترام كيس . مع كل طريق اخذني اليها، كانت نضارة تفكيرها تقلم ذاك الارتطام، حتى تماهت آفاق اهدافنا . قادتني دعابات روحها اللماحة لخلخلة الكثير من توجعاتي التي لا يليق بها، وبما يغشاها تلميحا أوتصريحا من عطر .

عصر الاول من ايلول مضى قبل سنين وايام، صحوت من قيلولة متأخرة على صوتها يسأل :ماذا لو كنا نحتسي قهوتي معا هناك هذه الليلة ؟ مَسحت بقايا النعاس المتبقي في عيني، فتحتهما على اتساعهما، ثم أغمضتهما مستكينا وكأني أسلم الروح . أبحرت في الخيال بلهفة، وأنا أقول مستجيبا، أي دعوة خرافية هذه .

مع اول ليل ازدحم بعتمة مكتظة بالنجوم، وصلنا تباعا الى مغاريب عمان، انتبذنا مكانا مطلا على فلسطين . اشعلت شموعا احضرتها معي . ناولتني قهوة احضرتها معها . ما أن اعتدلت على كرسيها قبالتي، بادرتها وانا اتامل عينيها بالقول : مثلك أنا أؤمن بان الارواح في الليل لا تنام، بل تتلاقى اكثر . ومثلك احب متعة احصاء النجوم بعيدا عن اضواء المدينة  .

ابتسمنا ونحن ننصت لصرصار الليل البري، خلته يترنم معي سنة حلوة يا جميل . ناولتني فنجالها لتشعل سيجارتها . وقالت بعد ان نفثت دخانها باتجاهي، واستعادت قهوتها من يدي، صحيح أنك جئت مختلفا عن كل من جاء ومن يزال، ولكنك مثير في المضامين . حدثني عنك بما ييسر ابحاري فيك  ؟!

كمن كان ينتظر هذه المكاشفة، قلت مقدما اوراق اعتمادي : انجبتني نجما قدماه على الارض، كي لا أشبه احدا . اوصتني أن أكون سيد نفسي وظرفي وأنا انحاز للحياة . وكي لا انتظر على شطآنها، اوصتني بالسباحة المتقنة باتجاه حلمي، وأرضعتني تنويعات هائلة من الثقة والكبرياء، لاواجه مفردات التحدي على حواف الحياة ولججها . 

وفي المضمون، ثمرة لرضا أب ودعوة أم، إعتادت أن تكرم ولدها البكر، بدعاء استطال حتى لامس أسماع رب كل الناس . سألته ان يسعد ولدها برزق طيب، يتكئ على صحة في الجسد، ومعرفة في العقل، وسلامة في القلب، وصفاء فكر، وسكينة روح، ونفسا مطمئنة محبة للناس وسعة في حب الناس له . وقبل رحيلها سألته ان يتم نعمته عليه، بحب اجمل خلقه . من تلك اللحظة لم يعد ينافسها أحد بدعاء مثل هذا. ابواب السماء كانت مشرعة آنذاك .

في اوقات هاربة من التأريخ، كبرت وصرت أنا . وبقي وعيي في متناول هذا الدعاء . في ظلاله، تحركت بي رغبة الاستكشاف. حرصت على أن أبحث عن فرحي، بالحد من رغباتي، لا بمحاولة إشباعها . فتعلمت أن الموسيقى بلا شريك ضجيج، وأن الرقص بدونه عبء جنون . صبرت مطولا على وقت مضى خاليا منها .

كنت مؤمنا ولا زلت، أن امتلاك المرأة لتضاريس ملكةَ جمالِ ليس ضروريا، ولا حاجة لأن تمتلك حكمة زنوبيا، ولا ذكاء مريم العذراء عليها السلام أو خديجة رضي الله عنها، لتقوى على الحياة، وتتعرف على عتبات القلوب، وتتقن فنون الشراكة . يكفي ان تمتلء جنباتها بظلال وارفة والفة طازجة، لتعبر بسلام  شراكة دافئة، وأن تبحر بنجاح متجدد، في كل مفاصل الشراكة ومطباتها.

العمر جميل ولكني لم اذق اغلبه، ولم اتكسر عبر معارجه، وان تشوهت كثرة من احلامي، تشظى بعضها وضمرت اخرى، ومبكرا وصل بعضها الى نهايته . كنت لا استطيع رد الاذى الا بأنين لا يسمعه الا الله، ومن تمنت علي ان لا أخذلها . لأستحق القوامة على وصيتها، ضمدت بعضي ورممت بعضا، وحرصت على ان لا يسقط شيئا من أحلامها . فامي فيما تمنت تتكئ على الكثير مما نقشته في روحي .

وهي تجدد لي قهوتي قالت : في ما سمعت منك، كثير من الرسائل المغلقة، تشي كلها بانك قد ولدت وفي فمك ملعقة من تعب . وصمتت لتنفث دخان سيجارتها في الهواء المتجه الى رئتي .

وشفتاي تداعب حواف الفنجال الساخن الذي احتضه كعاشق بين راحتي، قلت : لست متعبا مما يحدث حولي يا سيدتي، بقدر ما انا متعب مما يحدث داخلي . شعور مؤلم ان ياتيك ما كنت تتمناه، وقد تاخر الوقت، وتغيرت انت، وتغيرت الامنيات .

قالت تسعفني : نعم فالصمت الاجباري عدو وإن كان لينا، فهو قاضم للروح، ببطء يفقدها شهيتها للحياة، رغم ما يحيط بشباكها من سمك.

رفعت شفتي عن حواف الفنجال، وقلت وانا ابحر في عينيها : لاني ملاح، لا احب العيش بلا قلق . أتمنى ان تعاد لي طفولتي، لاستمتع برفقتها واعايش شغبها من جديد .

انتصبت باسقة كالسنديانة التي كنا نجلس تحتها وقالت فرحة : رضيت بك وطنا وفرحا، اترضى بي طفلتك المشاغبة  ؟

بت أعرف معنى أن تكون أخت شعيب هي اخت هارون بالذات . فمع منتصف كل ايلول، سنة حلوة جديدة، تتمطى على وجهي فرحة كقطة شيرازية، تأبى أن تشيخ، وبلا كلل تتزنر ببسمة تخضعها لصد ما قد يطفو من حزن لا يقال، وتتسع  لألف تأويل وتأويل . 

 

 الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 15/9/2020

 

 

حاتم جعفريكفي أنه شاعر حقيقي، لذا لا مناص من أن نضفي على سيرته شيء من الخيال، وكان اﻵتي:

 ما بين باب المراد وباب الدروازة وأبوابها اﻷخريات، سنوات من العشق وضروب من اللوعة واﻷسى وبينهما أيام وليال لا تخلو من المسرة وإن على خجل. فَلَكَمْ جالها صاحب السيرة في صباه جيئة وذهابا، وَكمْ تخبَّرَ درابينها وناسها، وَكمْ من مرة دخل المقام الذي تحتضنه مدينته الكاظمية وطاف حضرتيها بجلال وخشوع، حتى أختزِنَتْ في ذاكرته لتمسي رصيدا ثمينا،سيهتدي اليه كلما داعبه الهوى وهام في رجعه، واﻷهم أن يكون شفيعه في قادم اﻷيام.

توقف هنا حيث محل بيع الزهور، إستنشق شيء  من عطرها فهالته ألوانها ومظهر بائعها الخمسيني الشديد اﻷناقة، حيث إتخذ من الرصيف الملاصق لمحله متاهة للتأمل والراحة، قاطعا بدراية منه أو دونها طريق السابلة، محاولا بعد يأسٍ وتردد وحياء إستعادة ما فاته من عذب الكلام وأرقَّهُ، يوم كان يغازل هذه ويداعب تلك أو يرمي قبلة حتى وإن ضلَّت طريقها. متطلعا بالمقبلة وأكثر منها بالمدبرة: آه كم هو مغرٍ شكل العباءة حين تنتصف غرة النسوة والصبايا.

ذهب بك العمر يا فلان، قالها بحسرة في سرِّه، ساحبا نفسا عميقا من سيكارته التي كادت أن تحرق سبابة يساره والوسطى، ليدخل محله مسرعا بعد أن باغته أحدهم، طالبا منه باقة ورد، زاهية بألوان الطيف، تفوح منها رائحة المسك. أرادها أيضا وهذا اﻷهم أن تليق بمن ستكون قرينة قلبه في غضون شهر من اﻵن، بعد أن حسم أمره، تاركا ورائه إرثا وهمّاً ثقيلين، عدا عن سنوات من الجري والصبر والإنتظار .....حتى حانت الساعة أو قيامها وليستقرَّ القمر أخيرا بين يديه.

لولا إنشغال صاحب محل الزهور بزبون آخر، لكان عاشقنا الولهان قد شكا وكشفَ له سرّه وما لاقاه وما كابده. فَمثلا أمر الإنزواء والتفرد بمعشوقته كان يُعَدَّ ضربا من  الخيال والوهم والمستحيل، حتى أوشكا هو وحبيبته على أثرها الفراق سبيلا، غير أنَّ ضربات قلبيهما التي ما إنفكت توجعهما كل يوم بل كل ساعة، هي التي حالت بينهما وبين إتخاذ القرار المرّ. عمّا أحدثك يا صاحب الزهور، عن رهط  من اﻷبناء واﻷقرباء وهم يحيطون بنا أينما إخترنا خلوة للتناغم والكلام الحلو ! أم عن لوعة غياب لسبع ليالٍ ونهارات مثلها! أم عن سفر بعيد، باغت حبيبتي مرة وباغتني مرتين.

تأمل طويلا باقة الورد التي باتت بين يديه: أنها حقا تليق بمعشوقتي دون غيرها. قالها بزهو وبصوت مسموع حتى لفت إنتباه بعض المارة. وقال أيضا: لا زال في الوقت متسع، فالساعة اﻵن لم تبلغ بعد الخامسة عصرا ولا بأس من إستراحة قصيرة حتى مجيءصديقي الذي سيرافقني وجهتي. لذا ولتزجية الوقت الفائض قرر حامل الورد التوجه صوب باب القبلة حيث مقهى محمد علي الكاظمي. وفي الطريق الى هناك لاح له من بعيد روادها وكان بها من الكثرة ما ضاقت بهم أرائكها، ولاح له أيضا علي الوردي بحضوره البهي ومسبحته وسدارته الفيصيلية ونظارته الطبية التي زادته مهابة ووقارا.

آه أي مصادفة جميلة هذه وكم تمنيتها، فها هو( الوردي) بجسده الطاهر يمشي تبخترا، لعله يتأمل ما يدور من حوله، أو ربما تجده منهمكا وعلى عادته في وجوه المارة وأزيائهم، ذاهبا الى قراءتها بتأنً وروية رغم شدة الزحام. فهذا مثلا وعلى رأيه قادما على أكثر تقدير وأرجحه من البادية الغربية، فلفحة الشمس بادية على وجهه. وذاك الذي يعتمر عقال سميكا، تبدو عليه ملامح ريف العمارة وطيبة أهلها. أمّا تلك المرأة اﻷربعينية العمر، بطولها اﻷهيف ونحافة خصرها وزيّها المديني، فهي  تعود بأصلها إن لم أكن مخطئا الى أرض نينوى، أو ربما تكون من بلاد الشام وقد جاءت لزيارة مَنْ على صلة بها، أو لحضور حفلة عرس ﻷحد اقاربها.

 قال حامل الورد محدثاً نفسه: انها فرصة نادرة. ماذا لو أرجأتَ زيارة أهل حبيبتي وأجَّلتَ مرادي بعض الوقت، وأذهب لتحية (الوردي ) وأقاسمه بعض الهموم! لِمَ لا وهو المعروف عنه ببساطته وبشاشته وطيب سريرته، وهذا ما فعلت. فبعد التحية والسلام والتفاعل السريع بينهما راح (الوردي) يشكو بُعد المسافة بين منطقة سكناه في أعظمية أبو حنيفة النعمان، وبين مقهى الكاظمي الذي إعتاد إرتياده عصر كل يوم. وبين أخذ ورد وإذا بالحديث يجرنا بعيدا حتى إستغرق منا وقتا طويلا. وﻷن في كلامه ما يؤنس الجلسة ويمتّعها، فرحتُ هاديا إياه باقة الورد، ناسياً أو متناسياً الإثنين معا،صاحبي الذي كنت أنتظره، وحبيبتي التي تنتظرني.

 على أرضية من هذا الإرث والبيئة اﻵنفة وما تخللها من أسباب وظروف جاذبة وحاضنة للجمال والموهبة، تشكلت ذائقته الشعرية. انه سيف الدين ولائي، الكاظمي الولادة، العراقي الهوى، البغدادي اﻷصيل. وعنه نقول: هو سيد اﻷغنية البغدادية أو العراقية إن شئتم يوم زهوها وتألقها، وربما تربَّع على عرشها دون أن ينازعه في ذلك أحد. قد يلومني أو لا يروق للبعض قول كهذا، لكن ما حيلتي فلكل أمرئ مما إجتهد نصيب ونصيبي في رأي هذا لا أظنه عاثرا أو مبالغا فيه.

إذن قدرة ولائي على كتابة الشعر الغنائي وبهذا الزخم والقوة، لم تأتِ بعفو خاطر أو محض صدفة، بل هي حصيلة عوامل عديدة، تظافرت في ما بينها لتنتج لنا هذه الموهبة الكبيرة وهذه القامة. ودون أدنى شك كان قد أصغى وبإمعان لسيرة اﻷغنية العراقية ومنذ بدايات القرن الماضي، بالغا أ`على درجات التفاعل معها في فترة الخمسينات واﻷكثر منها في الستينات حيث تساميها. ومذ تلك الفترة بدأ بالتوقف طويلا عند أشهر قيان بغداد ومطربيها وعلى رأسهم قراء المقام العراقي كمحمد القبانجي وحسن خيوكة، وأصغى كذلك لمنيرة الهوزوز وصديقة الملاية وغيرهم.

لم يكتفِ سيف بما لديه، ولابد والحال كذلك من تدعيم وتطوير ما بين يديه من موهبة وصولا لتحقيق حلمه وغايته. فراح مركزا على قراءة الشعر والقريب منه الى قلبه حصرا، مبتدءاً بديوان الحاج زاير بلهجته العامية الجنوبية المحببة، مارا بالعديد من أطوارها، كالحسجة والزهيري واﻷبوذية. وقرأ أيضا من شعر البادية وما حمله من قيم وأعراف ومبادئ سامية. واﻷهم من ذلك قرأ وبإمعان لملا عبود الكرخي ومنه إستمد وعلى ما أزعم ذلك الكمّ الكبير من المفردات واﻷجواء التي يمكن وضعها في خانة اللهجة الوسطى، والتي تُُعدٌ قاسما مشتركا لكل لهجات أهل العراق.

 وبذاك الخزين وذاك الثراء، دخل معترك كتابة اﻷغنية، على الرغم من وجود كتاب كبار في هذا المجال كخزعل مهدي وجبوري النجار. وما إن تجاوز العتبة اﻷولى في مسيرته، حتى تفتحت أمام سيف الدين كل اﻷبواب، وكانت بحق واسعة، رحبة. ولتتراقص من بعدها بين يديه أعذب الكلمات وأكثرها شيوعا وتقبلا وألفة. انه وبإختصار شديد، قد شرب بل قُلْ إحتسى عصارة خزين شعري هائل، بعاميته وفصحاه، بعد أن سقاها بكؤوس من أثير وتأمل.

إذن يمكن القول بأنه إخترق اﻷغنية البغدادية وبكلمات سيطرب لها المتلقي وبصرف النظر عن طبقته وفئته الإجتماعية. فسيف في كتابته وإنتقاء مفرداته كان كما الموحد والجامع بين مختلف اللهجات. وتأكيدا على هذا الرأي ستجد أغانيه حاضرة في كل مناسبة سعيدة ومحفل، فما من عرس عراقي الاّ وتكون أغنية سمر سمر حاضرة، بل هي خير ما يُفتتح به المقام حتى تحولت الى أيقونة خالدة، حُفِرَتْ  في ذاكرة العراقيين.

وإذا أردنا أن نحصي عدد اﻷغاني التي كتبها سيف الدين ولائي فهي كثيرة بل كثيرة جدا وربما بلغت اﻷلف. ومن بين تلك اﻷغاني على سبيل المثال والتي لاقت رواجا ملفتاً، أغنية هذا الحلو كاتلني يا عمة وأغنية  خالة شكو والله الله من عيونك والردته سويته وادلل عليَّ ادلل وجيرانكم يا أهل الدنيا وغيرها. وإذا نظرنا بعين فاحصة فسنجد كلمات هذه اﻷغاني تدور بجلها حول العائلة والبيت والحنين والعشق وكذلك ألم الفراق.

واللافت للنظر أيضا أن معظم الملحنين المعروفين آنذاك وممن كانت لهم بصمة واضحة في الغناء العراقي واﻷغنية البغدادية على وجه الخصوص، قد تعاملوا وتفاعلوا مع الشاعر سيف الدين ولائي ومنذ بدايات رحلته في هذا الفن وبحماس شديد، لتجد أشعاره وقد طافت سماء بلاده ودخلت أغلب البيوت العراقية، لتغنّى على نغمات من مقام الصبا والحجاز والسيكاه وغيرها. ومن أبرز هؤلاء الملحنين كبيرهم أحمد الخليل وكذلك ناظم نعيم ومحمد نوشي وخزعل مهدي. أما عن أبرز اﻷصوات النسائية التي غنت من كلمات الشاعر طيب الذكر، فستحضر هنا مجموعة ليست بالقليلة من اﻷصوات، وفي مقدمتهم الفنانة مائدة نزهت، كذلك لميعة توفيق وزهور حسين وأحلام وهبي وصبيحة ابراهيم وسليمة مراد. ومن اﻷصوات الرجالية التي تعامل معها شاعرنا، فاضل عواد وفاضل رشيد وياس خضر وعباس البصري والقائمة تطول.

وإذا كان لنا من حديث عن التلحين وأكثر من تعامل معهم شاعرنا ورافق رحلته الفنية، فسيحضر هنا أسم الملحن الكبير الراحل رضا علي. وأكاد اجزم بأن العدد اﻷكبر من أغاني شاعرنا طيب الذكر والمناسبة، كان قد لحنها هذا الفنان، ومن بينها تلك التي لا زالت تتردد على ألسنة العراقيين.

وما دمنا نتحدث عن اﻷغنية وشاعرها، فإنَّ أركانها  لا تكتمل الاّ بظلعها الثالث، وأي ظلع هذا إن لم تكن صاحبته فاتنة بغداد عفيفة إسكندر، وليس من فاتنة سواها، إذ كان لها النصيب اﻷكبر والقدح المعلى من أشعار سيف الدين ولائي، ومن ألحان رضا علي.

وﻷن أشعاره تحمل من الرقة والعذوبة ما تفوق الخيال وتطرب لها النفوس وتطيب، فقد عَبَرت أغانيه حدود بلاده لتصل دول المشرق العربي، ولتنافس كبار الكتاب العرب في هذا المجال. وإذا كان لنا من أن نستذكر بعض اﻷسماء من المطربين والمطربات من الذين غنّوا من كلمات شاعرنا، فستكون السيدة نرجس شوقي في مقدمتهم وكذلك الفنانة الكبيرة فائزة أحمد ورائعتها خي لا تسد الباب خي بوجه اﻷحباب واغنية ما يكفي دمع العين يا بويه. وأيضا لا ننسى المطربة راويه ونهاوند وأغنيتها يبا يابا اشلون عيون عندك يابه. من جديد نقول: إنّا نتحدث عن الشاعر الكبير سيف الدين ولائي.

......................

في إحدى سنوات القحط وإندلاع الحرب التي أكلت وحرقت ولمّا تشبع. في سنة 1980، سيجد سيف الدين ولائي نفسه حائراً بين التيه والدهشة، فالمكان ليس مكانه واﻷهل ليسوا بأهله، ومقهى محمد علي الكاظمي بات بعيدا، بعيدا جداَ. في جوٍّ كهذا، راح شاعرنا يتلفت في كل الإتجاهات عمَّن يدله على (شريعة النواب) وعن البلاّمة ومساءات دجلة الخير، وعن سوق حماده ورفيق مسيرته رضا علي. وعمَّن يدله على إحدى بوابات مدينته التي تركها هناك كي يستجير بها، وعن جهة القلب، عن بغداده، ولكن دون جدوى.

وما أن مشى سيف الدين ولائي بضع خطوات حتى وصل مسامعه ومن إحدى مقاهي السيدة زينب، واحدة من أجمل أغانيه وبصوت راويه: أدير العين ما عندي حبايب.... غريبه الدار بس وين الكَرايب. لم يطل به اﻷمر كثيرا، فقد أعلِنَ عن وفاته بتأريخ  25-11-1984وليُدفن هناك في مقبرة الغرباء، ليكتب على قبره: مات شاعرنا كمدا على وطنه. هل سنجد في بلاده التي تغرَّب منها أو غُرِّبَ، شارعا أو زقاقا أو حديقة ورد تحمل إسمه؟ تضم من الزهور أجملها وأعبقها عطرا، كتلك التي أهداها الى علي الوردي يوم التقاه قبل بضعة عقود.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

 

 

 

حميد بن خيبشهي ثورة اتصال يعيشها العالم، وتتراجع فيها قسوة الجغرافيا أمام التحام غير مسبوق بين أبناء آدم في شتى ربوع الأرض، حيث يفتح المرء حسابه على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي ليجد أمامه فرصة ذهبية لتشكيل قائمة تضم مئات، وربما آلاف الأصدقاء، ويؤسس لتعارف كوني لا تؤثر فيه المسافات.

بالمقابل تتزايد الشكاوى من هشاشة العلاقات الإنسانية، ومن روابط الصداقة التي تنحل في ظرف وجيز، وربما لأتفه الأسباب. ونطالع كل يوم عشرات التدوينات والتغريدات التي تتأوه من ضربة صديق، أو جفاء صديقة. وكما هائلا من الانفعالات التي تتحدث عن غدر الخلان، وإيثار العزلة على صاحب لا يرعى المودة، وتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب!

 هل يصح أن نسمي كل علاقة بنيت على التجاوب والارتياح النسبي صداقة؟

وكيف يمكن الوثوق بمشاعر افتراضية لم تتعرض لخبرات الواقع؟

أليس لزاما على المرء أن يتقبل الصداقة بكل ما يتخللها من مظاهر الضعف الإنساني، أم هو السعي الزائف خلف أنموذج للكمال؟

عديدة هي الأسئلة التي تكتنف هذا الموضوع بالنظر إلى تمثلات الأفراد حول الصداقة و الصديق. وبالتالي لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال تقريب ماهية الصداقة، والأبعاد الأساسية التي تميزها عن سائر العلاقات الاجتماعية. ولست هنا أعرض للمسألة من داخل دائرة البحث العلمي أو الفلسفي، أي من منظور علم النفس أو الاجتماع، أو حتى النظرية الأخلاقية كما عرضها الفلاسفة، وإنما أستجدي خبرات مبثوثة في بعض المصنفات، حيث يمتزج الانطباع والتأمل بتجارب شخصية، ترسم الإطار المحدد للصداقة الحقة، باعتبارها قيمة مركزية مترسخة في صلب الطبيعة البشرية.

في مشهد من مشاهد الحسرة المؤلمة التي تنتاب أهل النار يوم القيامة، يكتسب الصديق الحميم مكانة مميزة توحي بأهمية تلك الرابطة الاجتماعية. يقول سبحانه وتعالى في سورة الشعراء: ﴿ قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون. فمالنا من شافعين. ولا صديق حميم﴾[96-101]. أما الصديق، يقول الزمخشري في معرضه تفسيره، فهو الصادق في ودادك، الذي يُهمه ما يُهمك، والحميم هو القريب الذي يُحزنه ما يُحزنك، فكأنه استوى في الحرقة مع أصل الحميم الذي هو الماء الحار.

إن رابطة بهذه الأهمية يجدر بالعاقل أن يسعى لتأسيسها والحفاظ عليها، ويصونها من تقلبات النفس والدهر. لكن الأمر رهين أولا بإدراك ماهية الصداقة، والأسس التي تنهض عليها بمعزل عن باقي العلاقات الأخرى سريعة الذوبان ! إننا إزاء حاجة أساسية تمثل برأي ميشيل مِتياس أرقى أنماط الحياة الاجتماعية، والشرط الذي لا يمكن الاستغناء عنه للتطور الإنساني، بل يمكن أن نذهب مع مونتين إلى القول بأنها ذروة كمال الحياة الإنسانية.

تنشأ الصداقة في نسيج الفرد كميل طبيعي، لا تستحق الحياة أن تعاش بدونه على حد تعبير الفيلسوف ديموقريطس. فما إن يولد المرء في هذا العالم حتى يشعر بمسيس الحاجة إلى روابط تحقق له البهجة، وتُمده بالسند المعنوي والحافز للعمل والنجاح. تحقق الأسرة نصيبا من ذلك بحسب الإمكانات، قبل أن تبدأ رحلة البحث عن المشاركة الوجدانية، وقدر من التشابه مع الآخرين. وخلال المدى الذي تستغرقه التجربة الإنسانية ينبثق التساؤل حول محددات الصداقة الحقيقية وتجلياتها، ومؤشرات التوافق التي يمكن من خلالها ضبط شبكة العلاقات الاجتماعية لتمييز الصديق الحميم عن غيره من الأدعياء.

أجمل توصيف للقرب الوجداني الذي تنطوي عليه الصداقة هو مقولة أرسطو حين سئل: من الصديق؟ فأجاب: إنسان هو أنت، إلا أنه بالشخص غيرك! فالخصائص المشتركة، والقرب الوجداني، بالإضافة على عامل الثقة، كل هذي العناصر تسهم في تحقيق التوحد الذي يفضي في النهاية إلى الوحدة؛ أو كما قال الأعرابي لصديق: كن ببعضك لي حتى أكون بكلي لك!

ومن محدداتها أيضا تلقائية التفاعل، وشعور كل منهما بأنه على طبيعته، ولا يحتاج إلى تنميق خطابه وتصرفاته. وهي تتولد عن فهم كل طرف لشخصية الآخر وتفضيلاته ودوافعه. بمعنى أن تتجاوز الصداقة الحقيقية كل المواضعات الاجتماعية التي ألف الناس من خلالها تزييف حضورهم وسلوكهم تماشيا مع المظهر العام. وهذا المحدد رصده يحيى بن معاذ فأجاد التعبير عنه بقوله : بئس الصديق صديق تحتاج معه إلى المداراة، وبئس الصديق صديق تحتاج أن تقول له: اذكرني في دعائك، وبئس الصديق صديق يُلجئك إلى الاعتذار !

يبدو المطلب صعبا وربما عسير المنال، لذا تتردد في أدبيات المكتبة العربية أقوال مأثورة، تغذي الانطباع باستحالة العثور على صديق حميم، أو النجاح في تشكيل صداقة حقيقية تتحمل نوائب الدهر. فينسب إلى روح بن زنباع قوله لما سئل عن الصديق: هو لفظ بلا معنى، أي شيء عزيز حتى كأنه غير موجود.

ولحكيم حين سئل: أي الناس أطول سفرا؟ قال: من سافر في طلب صديق.

وآخر أمضى عشرين سنة يطلب صديقا إذا غضب لم يقل إلا الحق، فما وجده !

وهذا أبو حيان التوحيدي يهزأ ممن يثني على صديق بالخير فيقول:" وأما الذي قال في أصدقائه وجلسائه الخير، وأثنى عليهم بالجميل، ووصف جده بهم، ودل على محبته لهم فغريب!" وقس على ذلك أمثلة عديدة، تغذي السوداوية والكآبة في مئات الخواطر و التدوينات المبثوثة في مواقع التواصل تحت وطأة الانفعال وسوء التقدير.

يلعب عنصر الزمن دورا مهما في تشكيل الصداقة الحقة. فإلى جانب القرب الوجداني و الخصائص المشتركة، وغيرها من السمات الواردة آنفا، يتطلب الأمر هزات وتجارب مؤلمة في الغالب، تسهم إما في تمتين الرابطة أو تفكيكها. وغالبا ما يكون سبب انحلال الرابطة هو المنفعة والمصلحة، أو اللذة العارضة، في حين أن استمرارها رهين بقدر من التضحية والعطاء والتحمل؛ لذا حين سمع ابن عطاء رجلا يقول: أنا في طلب صديق منذ ثلاثين سنة فلا أجده، قال له: لعلك في طلب صديق تأخذ منه شيئا، ولو طلبت صديقا تعطيه شيئا لوجدت!

يُخلّ الناس بواجبات الصداقة، إما عن جهل بها أو تقليل من أهميتها. ولمّا تنفك الرابطة يُلقون بالتبعة على الزمان وفساد الحال. وأهم تلك الواجبات التي توحي بأنها وليدة تجربة شخصية وتأمل في طباع الناس: كتمان الأسرار، والمواساة في الشدائد، والنصح و المعاتبة، ثم احتمال العيوب التي لا يخلو منها بشر.

إن ما يحدث من اشتباك إنساني، في الحياة اليومية أو على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن يندرج دائما تحت مسمى الصداقة. فالرغبة في اكتساب قبول الآخرين تدفع المرء للمسايرة، والمبالغة في إرضائهم ولو على حساب القناعات والمبادئ. وهنا يتبدد جوهر الصداقة الحقة أمام صيغ المجاملة الزائدة، والتملق، وتداول عملات زائفة في سوق القيم!

ما أحسن قول بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكّرك برؤيته ربك، خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا !  

 

حميد بن خيبش