ضياء نافعجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي هي الجائزة الاولى في سلسلة هذه الجوائز، التي تحمل اسم نوّار (الراحل الذي لم يرحل) باعتباره ابن العراق وابن روسيا معا . فاز بهذه الجائزة في دورتها الاولى السيد بوغدانوف نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية (انظر مقالتنا بعنوان – بوغدانوف يفوز بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي)، وكان ذلك في العام 2018، وفي الذكرى الرابعة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية العراقية – الروسية، أمّا في العام 2019، عندما احتفل الجانبان العراقي والروسي بالذكرى اليوبيلية (75 سنة) على اقامة تلك العلاقات، فقد قررت لجنة جائزة نوّار منح جائزتين بدلا من جائزة واحدة تحية لهذه الذكرى اليوبيلية، جائزة للعراق (ويستلمها سفير العراق في روسيا السيد حيدر العذاري)، وجائزة لروسيا (و يستلمها سفير روسيا في العراق السيد مكسيم مكسيموف) . الجائزة الثانية في سلسلة هذه الجوائز هي جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية، والتي تحمل اسم نوّار باعتباره ابن الثقافتين العربية والروسية، وثنائية الثقافتين هذه تحتاج الى تعزيز حركة الترجمة بينهما وتوسيعها . فاز بهذه الجائزة بدورتها الاولى (2019) المترجم العراقي الدكتور تحسين رزاق عزيز، رئيس تحرير المجلة العراقية العريقة (الثقافة الاجنبية) التي تصدرها وزارة الثقافة في العراق .

جائزة نوّار الثالثة في سلسلة هذه الجوائز ترتبط بمدرسة الموسيقى والباليه العراقية، وذلك لأن نوّار هو خريج هذه المدرسة الفريدة في العراق، المدرسة التي تأسست في بغداد العام 1968، وكان من المفروض ان تكون لديها بعض الفروع في المدن العراقية الاخرى، ولكن ذلك لم يحدث – مع الاسف الشديد – نتيجة عوامل عديدة . مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد ترتبط ايضا بالعلاقات العراقية – الروسية، اذ ان هذه العلاقات هي التي منحت الكوادر التدريسية الفنية لها من المدرسين الروس في الموسيقى والباليه، ومن الخريجين العراقيين، الذين درسوا في الجامعات الروسية . ان مدرسة الموسيقى والباليه في العراق تذكرنا – نحن العراقيين – باسماء مبدعين كبار في تاريخنا المعاصر مثل فنان الشعب العراقي عزيز علي (الذي عمل هناك في اوائل تأسيس تلك المدرسة الرائدة) والموسيقيّ منير بشير وشقيقه فكري بشير وغيرهم، ان هذه المدرسة هي تعبير رائع لمسيرة بناء المجتمع المدني العراقي السليم، الذي ابتدأ منذ ثلاثينات القرن العشرين في الدولة العراقية الفتيّة، عندما تمكن عباقرة العراق الاوائل من وضع اسس الفنون الجميلة (كما استقر هذا المصطلح لغويا في مجتمعنا)، والتي تعني تلك الجوانب الضرورية للحياة الانسانية من الفنون المسرحية والتشكيلية والموسيقية وكل ما له علاقة بهذا الجانب الجمالي للحياة الانسانية، وقد انعكس كل ذلك في تأسيس معاهد الفنون الجميلة واكاديميتها، وجاءت مدرسة الموسيقى والباليه تتويجا منطقيا لكل هذه الظواهر .

جائزة نوار الثالثة ترتبط بهذه المسيرة وتسمى – (جائزة نوّار للمبدعين من مدرسة الموسيقى والباليه) . وهكذا تصبح هناك ثلاث جوائز تحمل اسم الراحل الذي لم يرحل نوّار وكما يأتي -

جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي

جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية

جائزة نوّار للمبدعين من مدرسة الموسيقى والباليه

 وتخطط لجنة جوائز نوّار لاعلان نتائج كل هذه الجوائز في الشهر التاسع من العام القادم (2020) .

 

أ.د. ضياء نافع

 

من الأعياد المهمة عند المسلمين في المشرق والمغرب والأندلس لما له من مكانة دينية مقدمة حيث يمثل ولادة سيد خلق الله وأعظمهم نبلا وأشرفهم خلقا كما خاطبه الله سبحانه وتعالى بقوله (وانك لعلى خلق عظيم )1 (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)2 ولم تكن هذه المناسبة الشريفة تحمل صفة رسمية في الأندلس وسلطنة غرناطة الا في وقت متأخر وذلك في منتصف القرن 7ه/13م حيث كانت قبل هذا التاريخ تحمل صفة اجتماعية الى أن جعلها حاكم سبتة cueta  الفقيه أبو العباس السبتي العزفي (ت633ه/1236م) وولده أبو القاسم العزفي3 وأصبح المولد النبوي في عهدهم مناسبة رسمية خالدة وعزيزة في سبتة وغرناطة وباقي المدن في الأندلس والمغرب مثلما تقام شعائره في الشرق الإسلامي ومغربه حيث صنف أبو العباس العزفي كتابا قيما لهذه المناسبة الكريمة اسماه"كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم" وقد اكمله ولده ابو القاسم العزفي بعد وفاة والده.

أما الاحتفال في ليلة القدر المباركة في 27 رمضان كان لها مكانة مقدسة في العالم الإسلامي وفي الأندلس كانت تقام المجالس في المساجد والربط والزوايا و بها تقرا آيات الذكر الحكيم و الأحاديث الشريفة والمواعظ والصلوات وكان لهذه الليلة منزلة مقدسة و بها انزل القران الكريم على سيدنا محمد ومنزلتها كمنزلة ليلة المولد النبوي الشريف وقد اوجد لنا الفقيه ابن مرزوق مقارنة بين الليلتين (ليلة القدر المباركة وليلة المولد النبوي الشريف) كما أوردنا ذلك سابقا كانت المساجد تنار بالشموع والزيت في ليلة القدر المباركة حتى الفجر وقد تطرق لنا ابن الخطيب الغرناطي و أرخ لهذه الليلة العظيمة كما ورد في النص بقوله ونزلوا الى القلعة سحور الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان عام 670هـ فاستظهروا بالمشاعل والصراخ فما راعه إلا النداء والضجيج وأصوات الطبول.

كما احتفلت الأندلس بليلة الإسراء والمعراج التي وردت في القران الكريم سبحان الذي اسري بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى شانهم بذلك عما كان يحدث في المشرق الإسلامي ويتم الاحتفال الديني لهذه الليلة المباركة .

أما عيد الفطر المبارك وعيد الأضحى المبارك فهما مناسبتان دينيتان عند المسلمين وتحدثت المصادر الأندلسية عن هذه الأعياد لما لها من مكانة عظيمة في نفوس المسلمين وقد خصصت مقالة عن العيد لأبي محمد عبد الله الاسدي في (رسالة في الحسبة ) لعمر بن عثمان بن عباس الجرسفي

كما انشد شاعر غرناطة ابن زمرك قصيدة في مناسبة عيد الفطر المبارك ذكر فيها اصطلاح (العديات) والهدايا التي قدمها ومنحها للأمير الغرناطي السلطان محمد الخامس للحضور.

وفي العاشر من شهر ذي الحجة من السنة الهجرية كانت العوائل الإسلامية من مختلف الطبقات والمذاهب والمستويات الاجتماعية تحتفل بفرح وبهجة وعظمة وتقدير لهذه المناسبة في عيد الأضحى المبارك وتقليدا للقيم العربية الإسلامية وتتم بهذا العيد التضحية او نحر المواشي كالأغنام والأبقار والمواشي الأخرى بالإضافة الى ارتداء الملابس الجديدة للكبار والصغار كما أن العوائل المتوسطة كانت تعمل الموائد والتي تحتوي على البيض والخضروات والفواكه وفي القرن الثاني عشر الميلادي ذكر الأديب الفقيه ابن قزمان القرطبي انه يتم توجيه احد المواطنين أو المسؤلين  من الرجال الذين يدافعون عن العادات والتقاليد حيث كان يعرض على كل عائلة اكتساب أو اقتناء خروف كل عام وفي كل بيت لابد من ان يتم الفرح والطرب لبضعة أيام من العيد بالإضافة الى أنشاد القصائد ويتم تناول الفواكه والكرزات .

أما يوم عاشوراء فهو مناسبة عظيمة في الأندلس والمشرق والمغرب الإسلامي ويصادف العاشر من محرم الحرام ذكرى استشهاد سيد الشهداء الحسين بن ابي طالب (عليه السلام وكرم الله  وجه) حفيد سيد الكائنات محمد ويحتفل المجتمع الأندلسي بالمناسبة وتلقى القصائد والخطب الدينية استذكارا بالبطولة والشهادة ومما انشد في الاحتفال في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني (الأوسط) من الفقيه والمؤرخ الأندلسي عبد الملك بن حبيب الالبيري للأمير هذه الأبيات المناسبة:

لاتنس ـ لاينسك الرحمن عاشــورا            واذكره لازلت في الأحياء مــذكورا

قال الرسول ـ صلاة الله  تــــشمله             قــــولا وحدنا عليه الحق والنـــورا

من بات في ليل عاشوراء ذا ســعة             يكــن بعيشه في الحــول محبـــورا

فارغب ـ فــديتك فيما فيـه رغبنــا             خــير الـورى كلهم حيــا ومقبـــورا

وفي غرناطة تحتفل فئة وطبقة من المجتمع بإحياء ذكرى عاشوراء مثل باقي مدن الأندلس واعتاد بعض الأهالي من الصيام في ليلة العاشر من محرم تضامنا مع الشهادة والبطولة التي وقعت بالمناسبة .

 

أعداد: الأستاذ المساعد لقاء محمد بشير حسن

جامعة بغداد/كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

.......................

(1) القلم :3.

(2) الأنبياء :107.

(3) عن حياة الفقيه أبو العباس العزفي وولده الفقيه أبو القاسم العزفي ينظر:ابن الخطيب الغرناطي /الإحاطة /ج3/11والحاشية  2’14 ابن عذاري المراكش /البيان المغرب/تحقيق:محمد إبراهيم الكتاني ’محمد بن تاويت وآخرون (قسم الموحدين) دار الغرب الإسلامي

 

توظيف الرمز الديني في الشعر، لنتوقف عند العنوان الذي يمتلك مفتاح النص وهوالذي يمتلك جواز المرو الى رحبة النص وهوالامين على اسراره ورؤاه، فالنص جملة اسمية تشير الى الثبات، وهذه اشارة الى ما ياتي به النص هو استعراض لفكرة عقدية ثابتة في النفس والروح ومستودعها القلب حيث المشاعر والعواطف والاحاسيس، وهو بهذا يدلنا بان القلب هوالمكان ألذي قد قر فيه العشق عشق الخالق وبصيغة مطلقة وهذا ما نستوحيه من تنكير العشق، بدلالة واضخة على ان ما تسمو الشاعرة نحوه هو عشق اعظم من كل عشق.

في هذه القصيدة جسدت الشاعرة مفيدة حشاني رؤيتها الصوفية، عبر توظيفها الرمز الديني عصا موسى والتي لها في التفكير الديني مكانة مهمة. حيث وظفت المعجزة التي تهز الوجدان والكيان بدلالتها الرامزة الموحية ببعدها الرؤيوي، وتداعياتها الفكرية، وهي باستعانتها بالرمز الذي تمثله عصا موسى، تسد فراغات النص والمعنى الكامن فيه،وعصا موسى كانت من العجب اذا انها كانت متعددة الاغراض،فهي التي انقلبت الى حية تسعى، وهي التي لقفت ما يافكون وبها انفلق البحر، ويها تفجرت الصخرة عيونا في الصحراء وغيرها من الايات، لاثبات حق وابطال باطل، بعد ان كانت تقوم بدور طبيعي تخدم مستخدمها وتساعده في بعض شانه كما بين لنا ذلك القران الكريم حيث يخاطب موسى  بقوله (وما تلك بيمينك ياموسى، قال هي عصاي اتوكأ عليها واهش بها على غنمي ولي فيها مارب اخرى قال القها فذا بها حية تسعى) طه 18هذه العصا التي لعبت دورا محوريا في نبوة موسى اصبحت اداة للشعراء يوظفونها فنحن نراها في قصيدة مفيدة حيث كان حضورها طيفا عثرت عليه وهي في شدة انفعالها وكما ترى الدكتورة اسماء بانها تشد على الجمر، فكانت الصدمة وكان الخوف ومن ثم الاحساس بالرجاء وهدوء الجيشان وانفراج الموقف بالوصول الى شاطيء الاسحار، وهنا توظف خلاصها برمي حلمها في البحر، كما رمت ام موسى وليدها، لتحميه، من بطش فرعون، فعندما تجيش بصدرها الانفعالات وترى ان قلبها اصبح فارغا في اشارة الى فراغ قلب ام موسى خوفا عليه، وهي لم تكتفي بقصة موسى في جعلها معادلا موضوعيا لاحساسها وشعورها بالخوف، تفتش عن منقذ لحياتها الذي اخذت بلملمته وصنعت منه سفينة وهذا توظيف واضح لسفينة نوح سفينة النجاة والخلاص، وهي في سطورها الباقية تعتصم بقلبها وتتوجه بخطابها لمعشوقها الذي كله كلها مشيرة الى حالة الوصول الصوفيه والذوبان في المعشوق لتعيش حالة التوحد، وهي واياه روحان تسبحان في بحر ملكوت الروح الي ان ترى وقد انصهرت واياه في الكون فليس هناك الا هو العشق المقدس ولا تخفى دلالة العبارة، ثم تعود بوقفة الى العصا الطبيعية وماديتها التي تتنافى مع ماوصلت اليه من مقام روحي شفاف خال من كل ما يخدش عالم الروح، لقد تفردت القصيدة ببنائها وجماليتها وعرضها للفكر الصوفي وسبكها بانفعالات الوجد لتصبها في قالب الروح روحا تتوحد مع المعشوق وتذوب فيه عبر مسيرة طويلة من المجاهدة والمكابدة للوصول الى التجلي وحصول السكينة والعيش في عالم خال من كل ادران الواقع المادي الى حيث التمتع بلذة اللقاء الروحي.

 

احمد زكي الانباري

 

زهير الخويلديتقديم: لم يقتصر الشغل الفلسفي الذي انخرط فيه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور على التأويل والرمز والسرد والاستعارة والخيال وإنما اهتم أيضا بالقضايا السياسية والتجارب التاريخية التي تخص المواطنة والعنف وأثار بشكل بدئي المفارقة السياسية وحاول معالجة آفة الشر السياسي ونادى باللاّعنف والعيش المشترك.

اذ يرى بول ريكور في كتابه "عين الذات غيرا" الذي يثير فيه إشكالية السلطة والحرية أن العلاقة بين الصدقة والعدالة هي الشكل العملي للعلاقة بين اللاهوت والفلسفة. من نفس المنظور، يقترح إعادة التفكير في اللاهوت السياسي، ويبشر بنهاية لاهوت سياسي معين كان قد بني على الهيمنة / الإخضاع العمودية الوحيدة للعلاقة بين الحاكم والمحكومين وبين الدولة والمجتمع وبين السلطة السياسية والمواطنين. كما ينادي بضرورة تشكيل اللاهوت السياسي جديد الموجه بطريقة أخرى نحو الحرية والمواطنة ويقطع مع لاهوت الهيمنة والقمع ويسعى إلى إثبات الرابط الروحية كمبرر للرغبة في العيش معًا في مؤسسات عادلة. إن اللاهوت السياسي العمودي في تحديد العلاقة بين الله والناس على الصعيد التشريعي قد عفا عليه الزمن ويجدر تعويضه بلاهوت سياسي أفقي يتخلص من الإخضاع والهيمنة ويؤسس للمشاركة والفعل والحياة المشتركة الأفقية بين الأفراد والتعايش الجماعات دون إقصاء أو تمييز على أساس الطائفة والملة . فكيف أعلن بول ريكور نهاية اللاهوت السياسي؟ وماهو المقترح المفهومي الذي يقدمه كبديل مرجعي عنه؟

النص المترجم:

" يتعلق السؤال الذي أطرحه في الصيغة الاستفهامية، " نهاية اللاهوت السياسي؟ "، بالسلطة السياسية. لذلك من المهم تحديد ووضع السلطة السياسية فيما يتعلق بجميع السلطات الأخرى. هذا سيكون موضوع الجزء الأول.

السلطة السياسية: الإخضاع والتنسيق:

توجد مشكلة سلطة لما تطلب أي منظمة عند تشغيلها إنشاء مناصب المسؤولية والنفوذ والقرار الذي يتخذه الأشخاص المسؤولون عن تشغيل هذه المنظمة. لقد وضعتنا جلساتنا السابقة المكرسة لظاهرة التعقيد [1] وجهاً لوجه مع تنوع كبير في هذه المنظمات. في هذا الصدد تصر سوسيولوجيا المنظمات على جانبين: الطابع النسقي للمنظمات، أي حقيقة أن علاقات التنسيق والتبعية لها قوانينها الخاصة للاشتغال، بغض النظر عن معيش فناني الأداء، الوكلاء، والفاعلين الاجتماعيين - معيش سواء شخصي وبيشخصي. وبالتالي يمكننا التحدث عن نسق تقني ونسق قانوني ونسق بيروقراطي ونسق وسائطي ونسق تربوي وحتى نسق علمي، حيث أن اختصاصات المعرفة مؤطرة في مؤسسات تحتوي على قواعد للوصول والترقية ووقف النشاط بالنسبة لجميع مناصب النفوذ. تتعلق السمة الثانية بإنشاء وظائف أو مناصب المسؤولية والنفوذ والقرار التي ذكرناها بأنها مشغولة من قبل الأشخاص المسؤولين عن ... إنه في هذه النقطة المفصلية بين الشخصية النسقية ومواقف النفوذ والمسؤولية التي تطرحها مسألة السلطة.

أول ما يلاحظه المرء هو جانب الأمر، الجانب الهرمي الذي يجعل السلطة أكثر من السلطة: قوة أولئك الذين يمثلون بطريقة أو بأخرى النظام قيد الدراسة، السلطة التي تمارسها على الفاعلين الاجتماعيين من حيث هم منفذين. ولكن هذا الجانب الهرمي، العمودي بطريقة ما، لا ينبغي أن يجعلنا ننسى الجانب الآخر، الأفقي - يمكن القول، أي تنسيق الإجراءات وتوجيه هذه الإجراءات في نفس الاتجاه - باختصار، الجماعة الهدف. تلعب فكرة المحور المزدوج دورًا أساسيًا في عرضي: فكرة المحور الرأسي للتبعية - إخضاع الإرادات - ومحور أفقي للتنسيق - تنسيق الإجراءات والأهداف. لكي أرسم صورة، سأتحدث عن السلطة على والسلطة مع . وبالفعل، فإن السؤال الذي سيأخذ على السلطة السياسية أهمية مركزية، هو أولوية هذا المحور أو ذاك على الآخر، العلاقة الهرمية أو علاقة التعاون. بالانتقال من المنظمات بشكل عام إلى التنظيم السياسي، يأخذ هذا السؤال على محوري السلطة شكلًا فريدًا من نوعه، الذي يعطي لهذه الأولوية للمحور الرأسي أو المحور الأفقي طابعًا دراماتيكيًا حيث سينزلق السؤال اللاهوتي السياسي.

المنظمة السياسية تحمل اسما، الدولة، التي أستعيرها من الفيلسوف إريك فايل: "الدولة هي تنظيم جماعة تاريخية ؛ والجماعة، منظمة في دولة، تكون قادرة على اتخاذ القرارات" [2]. شيئان: 1) [واحدة] جماعة تاريخية، [وبالتالي جماعة] التي تشمل في نفس المنطقة جميع المنظمات الخاصة التي قيلت، والتي أصبحت جزئية فقط ؛ علاوة على ذلك، [لها] بعد تاريخي: [إنها] نتاج للتاريخ، بأخلاقها وعاداته ا، [وبالتالي] الجانب الإيتيقي - الثقافي. 2) قادرة على اتخاذ [القرارات]، [وبالتالي] مع الجانب الطوعي، الإرادوي، كفاعل فردي يعمل على المسرح العالمي. هذا الجانب الأخير مرئي في الأزمات والحروب وهو مستوحى من كارل شميت: يعترف المرء بالدولة لقدرتها على اتخاذ قرار في مواقف استثنائية.

يشير هذا التعريف إلى أن السلطة السياسية تمثل الأولوية المطلقة للعلاقة العمودية للتبعية على العلاقة الأفقية للتنسيق أو التعاون. لماذا؟ لأنه هو وحده الذي يطرح مشكلة محددة هي مشكلة السيادة، أي السلطة العليا: "السيد، كما يقول روبرت [3]، هو الشخص الذي لا يخضع في نطاقه لأحد". لذلك ليس من المستغرب أنه في تاريخ الفلسفة السياسية بأكمله، تم تعريف الرابطة السياسية من خلال الهيمنة. وهكذا، يميز أرسطو (الأول، بعد أفلاطون، النظرية السياسية) بين الأنظمة الثلاثة القابلة للحياة من حيث الهيمنة: السيطرة على واحد، عدد قليل، جميعًا (الكل، وهذا يعني قول الرجال الأحرار، باستثناء العبيد والغرباء). والسؤال الوحيد هو التمييز بين الهيمنة السياسية والهيمنة- العبودية (السيد والعبد) أو الأهلي (رب الأسرة المعيشية). إن الانبهار شبه الحصري بمسألة الهيمنة قوي للغاية لدرجة أننا، بالقرب منا - مرر هوبز وماكيافيلي وهيجيل وماركس، وكلهم مشغولون بسيادة السلطة - وهذا مفكر مستنير وليبرالي مثل ماكس ويبر، في بداية هذا القرن، يعطي هذا التعريف القوي: "الدولة هي علاقة هيمنة (الإنسان المتمدن ) على الإنسان، والتي تأسست على وسائل العنف الشرعي" [4]، وصحيح أن الدولة الحديثة البوليسية تتعرف على حقيقة أنها حرمت الأفراد من الحق وحتى في الوسائل والقدرة على أن يكونوا عادلين مع أنفسهم، للانتقام لأنفسهم ؛ وبهذا المعنى، فإن مصادرة العنف الخاص تعد معيارًا جيدًا لما يسمى بحالة القانون. لأنه حتى في النظم السياسية التي تدعي أنها فصلت بين السلطات، وبالتالي التعددية على رأس الدولة، لا يمكن للسلطة التشريعية والقضائية إنفاذ قراراتها، بل يمكن فقط فرضها من خلال الذراع المسلحة للدولة، صاحب العنف الشرعي النداء الأخير، الملاذ الأخير. هنا تظهر الشخصية السيادية: "تابعة لأحد". لا يتم تجاهل المحور الأفقي، لكنه يخضع بشكل واضح للمحور العمودي للهيمنة. ينعكس هذا في تاريخ أقدم الدول القومية في الغرب من خلال حقيقة أن الأمة، وهي عبارة عن ملخص لجميع العلاقات الأفقية، ولكن أيضًا مقر تشابك جميع القوى الأخرى، هي إلى حد كبير من صنع الدولة.

ولكن بعد ذلك أطرح السؤال التالي: ألم يكن اللاهوت السياسي مضللاً منذ البداية، ووضع نفسه على الجانب الوحيد من علاقة التسلسل الهرمي، والتي طُلب من الدين جلب المزيد من السلطة إليها، شرعية كانت ستفتقر لولا ذلك، ضمانة وتأسيسا؟ لا أخفي أنه من الصعب الخروج من هذه المشكلة التي تعود إلى آلاف السنين ؛ لم نر قط أن السلطة السياسية تعمل على أساس الرضا المتبادل، الرغبة في العيش معا. كل شيء يحدث كما لو أنه بسبب ظاهرة السيادة، ضمنت السلطة السياسية أولوية الرابط العمودي على الرابط الأفقي، والسيطرة على التعاون. لدينا فكرة عن هذه الضرورة الواضحة في الدور الذي تلعبه فكرة النفوذ في الإطار السياسي. يبدو النفوذ بالنسبة لي مفهومًا مختلطًا، يتعرف فيه المرء على السمات الهرمية المرتبطة بالهيمنة والسمات المتساوية التي تتعلق بإرادة العيش المشترك. من ناحية، يبدو أن النفوذ يأتي دائمًا من أبعد وأعلى من الممارسة التاريخية الحالية للسلطة. وهكذا، أحب الرومان أن يقولوا: "السلطة في الناس، والنفوذ في مجلس الشيوخ" [5]. مجلس الشيوخ، أي القدماء، وبالتدريج، من قريب إلى بعيد، إلى تأسيس المدينة، أب أوربيت كونديتا، كما لو كانت طاقة البداية قد أبلغت بعضها البعض. أصول اليوم، وإعطاء السلطة إلى هالة من الآثار القديمة. هذا صحيح لدرجة أن كل سلطة في مجرى التاريخ تسمح بسهولة لنفسها بسلطة سابقة. ثوارنا، من دانتون إلى مارات، وسانت جوست وروبسبير، لم يسمحوا لأنفسهم بالرومان، لأننا سنقول إن روما الثالثة تسمح لنفسها بالثانية، والثانية للأولى والأولى للإمبراطورية. ألكساندرين الذي بدوره مستوحى من الاستبداد الآسيوي؟ من ناحية أخرى، أنا لا أنكر الجانب الآخر للنفوذ: لا يوجد نفوذ يستحق والذي لا يتم الاعتراف به، أعني أن تفوقه غير معترف به. يقال، لقد تكلم السيد المسيح بالنفوذ، لكن هذا النفوذ لا يتميز عن القيد إلا من خلال الاعتراف بقرار إتباع التلاميذ - نشفذلج الألمان - طاعة "أنت، اتبعني" التي يضمنها الالتزام، المسؤولية، الخوف، وأخيرا شهادة الاستشهاد [6].

هناك شيء مزعج للغاية هنا يبدو أنه ينبع من طبيعة السلطة السياسية ذاتها، ألا وهي أن إحدى قواها تتمثل في منح مدة، واستمرارية في الأشياء البشرية سريعة الزوال وهشة للغاية. لكن السلطة، إذا ما تم تخفيضها إلى الرغبة في العيش معًا، ستكون بحد ذاتها هشة للغاية: يكفي أن نرى كيف تتحلل أمة بسرعة عندما تفشل الرغبة في العيش معًا. أضف إلى ذلك أن إرادة الاستمرار في العيش معًا عادة ما تمر دون أن يلاحظها أحد؛ ثم يتم إخفاء ذلك، حتى يتم دفنها بحيث يتم تجاهلها، كما لو أنه منسية. هذا هو السبب في أننا بحاجة إلى دعم واضح للنفوذ، والتي، وفقًا لعلم أصول اللغة اللاتينية للكلمة اللاتينية auctoritas - augere، "الزيادة - تزيد من السلطة، وتحافظ عليها من الانحلال". وهكذا يبدو أن كل النفوذ يساهم في بناء كل الفلسفة السياسية على المحور الرئيسي للهيمنة [7].

اللاّهوت السياسي ونهايته: الملك عار

يفسر هذا الضعف الحميم في السلطة السياسية في الوقت الذي تعلن فيه نفسها سيدة، أي عليا، دون أي إنسان فوقها، أن البشر لجئوا إلى الدين لإعطاء السيادة الأساس المتعالي الذي كان ينقصها من الداخل.

في بداية هذا الجزء الثاني، أعلن الألوان. الأطروحة التي أريد أن أؤكدها هي أن المفهوم اللاهوتي للسلطة التي تموت يركز بشكل حصري تقريبًا على تفوق علاقة الهيمنة على علاقة التعاون. إذا كان هذا هو الحال بالفعل، فلن تكون نهاية اللاهوت السياسي هي الكارثة التي تستنكرها العقول المعادية للحداثة والتي تحتفل بها ما بعد الحداثة، بعد نيتشه وآخرون.

إنها لحقيقة أن اللاهوت السياسي المهيمن منذ أوغسطين كان يتمثل في إرساء السيادة السياسية على السيادة الإلهية، التي يتم التعبير عنها غالبًا على أنها ذات قدرة كلية أو سيدة، بلغة مألوفة لدى كالفين والكالفينيين حتى كارل بارث. هذه ليست حلقة محدودة نسبيا في التاريخ السياسي للغرب، وهي الملكية المطلقة للحق الإلهي ؛ إنها خلفية قديمة يمكن قولها بحذر أو أسطوري أو عقائدي، وهي ممثلة في إمبراطوريات الشرق الأوسط القديمة، المصرية أو بلاد ما بين النهرين، الكنعانية، الحثية، الفارسية.

إن السيادة الإنسانية هي، بشكل أو بآخر، الممثل أو مظهر من مظاهر القوى الإلهية: الله على الأرض، هو اللاهوت السياسي في الحالة الخام. ولكن - وهذا هو أحد الألغاز العظيمة في التاريخ - حيث تختلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية مع مرور الوقت، يميل الهيكل الأساسي للسياسة إلى المثابرة والمعاودة. وهكذا، عند انهيار المدينة اليونانية، تم بناء الإمبراطورية المقدونية لفيليب، وخاصة لإسكندر، على أساس اللاهوت السياسي نفسه الذي تضمنه آلهة القوة السيادية للملك. من أليكساندر، من الضروري أن نمر إلى قيصر، من قيصر أول روما إلى أولئك من الثاني إلى بيزنطة، ومن الثالث إلى موسكو [8]. في الغرب، كانت مهمة محامي فليب الجميل، ثم الفقهاء من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، تتمثل في تصنيع - لا توجد كلمة أخرى - اللاهوتيات المخصصة التي كانت مشكلتها هي حل مشكلة تربيع الدائرة التالية: كيفي تستخلص قدرة الملك من القدرة الكلية الإلهية دون المساس بتعالى الله وقدرته الكلية؟ [9] وهكذا نرى الدروس التي يقدمها بوسويه Bossuet إلى دوفن Dauphin بمهارة تجمع بين التواضع الذي يناسب السيد المسيحي والنفوذ الأعلى الذي يتمتع به هذا التواضع بمهارة [10].

في النسخة الإنجليزية من Legists of Elizabeth I، هناك مذهب غريب وضعه Kantorowicz بطريقة تتعلق بجسدي الملك، أحدهما غير قابل للاختراق وبأحد المعاني الخالدة، والآخر قابل للتلف مثل أي شخص آخر لكل منهما. لعبت المضاربات من هذا النوع دورًا في المناقشات حول قتل المهاجمين وحرمة شخص الملك نفسه [11]. في النسخة الفرنسية، خاصة بعد إلغاء مرسوم نانت، كما أظهرت إليزابيث لابروس وجانين غاريسون [12]، هناك تبادل للممارسات الجيدة، كما يقول المرء، بين الكنيسة الكاثوليكية والملكية، أول إعطاء دهنه - تجلى جسديا - والثاني قوة ملزمة من الذراع العلمانية للسلطة الكنسية. لا تزال راسية الملك هذه راسخة بقوة في العقول، حتى أن حكم الإعدام الصادر بحق لويس السادس عشر ظهر، بالنسبة لأولئك الذين صوتوا ونفذوها، كقدس عظيم. كان من الضروري أولاً إلغاء الملكية لإدانة المواطن Capet، لكن هالة استمرت في التحرك فوق رأسه، لدرجة أن Robespierre وSaint-Just لم يستطعا منعهما يجد الناس ملكهم في التطرف في صورة المسيح الشهيد. أنا لا أقول المزيد عن الوظيفة الأيديولوجية اللاهوتية والسياسية.

هذه هي النتيجة التي تستحق الاهتمام. ما أود إظهاره - والذي أخضعه لنقاشنا - هو الأطروحة التي تم الإعلان عنها سابقًا، وهي أن الإطاحة باللاهوت السياسي ظل، في معظمه، ثورة في داخل علاقة الهيمنة. يتم وضع الشعب في مكان الله، ولكن كمصدر للسيادة، دون تحدي أساسي للعلاقة بين الرابط الرأسي للهيمنة والرابط الأفقي للتعاون. هذا ما سأحاول الآن أن أوضحه، من أجل إثارة السؤال الذي يمثل في النهاية مسألة الجزء الثالث - أي ما إذا كانت للجماعات المسيحية، من خلال ممارستها الخاصة للسلطة، دور تلعبه في تصحيح التوازن بين الهيمنة والتعاون. لكن أولاً، التظاهرة، التي تحتل كل هذا الجزء الثاني، أن هزيمة اللاهوت السياسي تظل إلى حد كبير ضمن حدود تصور السياسة التي تركز أساسًا على علاقة الهيمنة. لنأخذ النظريات التعاقدية، هوبز وروسو. للوهلة الأولى، من المهم أن تبني علاقة الهيمنة على علاقة أفقية: العقد، الذي يعتبر فعلًا افتراضيًا شرطيا خياليًا، والذي من خلاله يوافق أفراد المجتمع على نقل إلى السيادة ما يسمى الحقوق الطبيعية التي من شأنها أن تنتمي لهم قبل الدخول في العقد. حسنا: العقد تم وضعه بشكل جيد مكان الوفد الإلهي، وبهذا المعنى، يتم وضع الشعب في مكان الله. هذه هي نهاية اللاهوت السياسي. لكن - بالنسبة لي، النظير هو الأساسي: وظيفة العقد، والغرض منه هو إيجاد علاقة أكثر صلابة، لا جدال فيها، وأكثر شفافية لروح العلاقة العمودية للهيمنة. هذا واضح في هوبز، في اللوياثان. يتفق الجميع على تجريد أنفسهم من سلطاتهم وحقوقهم - إنه نفس الشيء - لصالح طرف ثالث غير متعاقد، هو الملك. لماذا؟ لأن الهدف السياسي المهيمن ليس الحرية، بل الأمن، والخوف من الموت العنيف هو الدافع النهائي لدخول الجسم السياسي [13]. سوف تقول لي أنه في روسو لا يوجد طرف غير متعاقد، أو الملك، ولا أحد فوق الشعب، وأن نهاية العقد ليس أمنًا بل حرية. هذا صحيح: روسو ليس هوبز. لكن السيادة ليست من اختصاص الإرادة العليا التي تنطلق من ترابط الإرادات الفردية. إنه من اختصاص الإرادة العامة، التي تنبع من انكسارات، وتصفيات إرادة كل واحد. قرأت صيغة العقد الاجتماعي: "كل واحد منا يشارك شخصه وكل قوته تحت التوجيه الأعلى للإرادة العامة ؛ ونتلقى في الجسم كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل" [14].

يتم وضع الشعب في مكان الله. هذه هي نهاية اللاهوت السياسي. ومن هنا تكمن المفارقة التي يدور حولها تفكيري: إن رفض الأساس اللاهوتي للسلطة السياسية يظل محصوراً بالحدود الثابتة ظاهريا لنظرية الهيمنة. الله لم يعد الأساس، إنه الشعب. ولكن ما تم تأسيسه هو السلطة كهيمنة، أي علاقة هرمية للسلطة، بالإرادة المهيمنة على الإرادة المهيمن عليها، وبالتالي علاقة الإخضاع. لذلك ألا يجب أن نشعر بالقلق من نهاية اللاهوت السياسي إذا كانت السياسة اللاهوتية هي الاستثمار الممنوح من قبل فكرة القوة الإلهية الكاملة إلى طموح كل القوى البشرية المدرجة في علاقة الهيمنة؟ ألا ينبغي لنا أن نعتبر حقيقة أن الديمقراطية الحديثة ليس لها أساس ديني فحسب، بل حتى تخترقه؟ هذه هي السلطة باعتبارها هيمنة وضعت عارية، أعيدت إلى بعدها الإنساني، الإنسان أيضا. وفي هذا الصدد، أؤيد بالكامل هذا التفكير من جانب أحد علماء السياسة البارزين لدينا، كلود ليفور، حول الديمقراطية: سيكون أول نظام سياسي لا أساس له من الصحة، أو لا أساس له من الصحة إلى حد ما، وبالتالي يتم إيصاله إلى الأزمة بشكل دائم الشرعية[15]. إن أزمة الشرعية هذه هي الجانب السياسي للظاهرة العامة للعلمنة: بالطريقة نفسها، كما قيل لنا، أن العلم قد حرر نفسه من الدين، كما رفضت السياسة وصاية النفوذ الكنسي، وعلى وجه الخصوص، وراء هذه الوصاية، ضمان القدرة الإلهية. الملك عار. ولم يعد الملك العاري ملكًا، بل كان في الغالب مديرًا عرضيًا للشؤون الإنسانية.

لاهوت سياسي جديد: إزالة القدرات

أتعامل مع السؤال الذي تم من خلاله إجراء جميع التحليلات السابقة: بعد نهاية اللاهوت السياسي مع الوظيفة التي قلتها للتو، ما هي المهمة التي يمكن أن يقدمها اللاهوت السياسي؟ سأقول [مهمة] مزدوجة: [أ] انتقاد الانجراف شبه العفوي للسياسة نحو القدرة الكلية، وهو شر سياسي على هذا النحو ؛ [ب] المساهمة في جميع جهود المؤمنين وغير المؤمنين لتصحيح توازن القوى لصالح الارتباط الأفقي للتعاون.

المهمة النقدية:

سأبدأ من نص القديس بولس، والذي يبدو في البداية لتأكيد اللاهوت السياسي في طموح الهيمنة على السلطة. هذا هو النص الشهير للرومان 13.[16] ليس من قبيل الصدفة أن يتم طرح المسألة اللاهوتية للسلطة من خلال فكرة النفوذ، كما يبدو، من منظور الهيمنة. لكن اقرأ رومية 13: "دع الجميع يقدم للنفوذ المسؤولة. لأنه لا يوجد نفوذ لا يأتي من الله، والموجودون هم من الله". للوهلة الأولى، ما زلنا في اللاهوت السياسي الكلاسيكي للعصر الهلنستي. [17] لكن يمكننا أن نقول ثلاثة أشياء لما أسميه استقبالًا نقديًا لهذا النص. أولاً، هناك ما لا يقوله: عبادة الإمبراطور تعامل بالخداع ؛ بولPaul يعرف القضاة فقط. ثم هناك التسلسل الذي يتوافق مع ما أسميه في وقت سابق لحظة حرجة من الاعتراف بالتفوق. دعونا نقرأ: " في الواقع، لا ينبغي أن يخاف القضاة عندما يفعل المرء الخير، ولكن عندما يفعل المرء الشر" (رومية 13، 3). من الواضح أن هذا يذكرنا بأن القاضي نفسه في خدمة الصالح وأن هذا الصالح هو نفسه الذي سيتم تحديده، وربما يتم تأسيسه عندما يكون هناك نقص. [18] سوف يندفع كالفين وبارث إلى هذا الخطأ من القاضي الصالح. أخيرًا، وربما الأهم من أي شيء آخر، يقوده علم المسيحية بولس إلى إزالة الأسطرة عن كل قدرة أو كل نفوذ يرغب في احتلال مكان الله سبحانه وتعالى أو ممارسة وظيفة بديلة للمسيح. السياسي هو مفصول جذرياً عن الديني واللاهوتي.

إن هذه الوظيفة النقدية التي تمارسها الأخبار السارة للمسيح فيما يتعلق بالسياسة، حيث إنه يريد أن يُنكر نفسه، مع أو بدون لجوء الكهنة، ضرورية للغاية - بل وأقول فعليًا - إن ظاهرة العلمنة، حيث رأينا هزيمة لاهوتية-سياسية، رافقها في قرننا ظهور ما أسماه ريمون آرون بالأديان العلمانية [19]: ليس فقط النازية والبلشفية الستالينية، بل كل أيديولوجيا لها ادعاء كوكبي وكلياني، وبالتالي شمولي من الناحية الافتراضية وتحصل على ولاء شبه ديني [20].

هذه هي المكملات التصحيحية التي يجب تقديمها للتوصية البولية paulinienne المتمثلة في طاعة النفوذ - في الجمع- ونوع الائتمان الخاطئ الذي يبدو أنه يقوم به لهم من خلال الاتصال بهم الذي أنشأه الله. فكرتي هي أن نقد أي سلطة تدعي أنها ذات سيادة مطلقة أو خلاصية هو بعيد عن المساهمة الإنجيلية الأكثر أهمية في اللاهوت السياسي.

إذا كنت ترغب في توسيع هذا الخط قليلاً، فستكتشف مساهمة أخرى، ليس فقط حرجة ولكن بناءة، من الوعظ المسيحي إلى الفكر السياسي. لكن هذه المساهمة لا يعترف بها في أقصى حد لها إلا إذا ذهبنا أولاً إلى ما أسميه عوز القوى المشاركة في الوعظ بالأخبار السارة. وهنا مانيفيكات لماري في بداية إنجيل لوقا هي التي يجب أن تستحضر: "لقد نشر بقوة ذراعه، لقد انتشر الناس بقلب عظيم. أطيح بأمثال عروشهم وأثارهم المتواضعة". يمكن للمرء بالتأكيد أن يقول دائمًا أن الاقتباسات من 1 صموئيل 2: 1-10 ("أطيح بالقوة") تشير إلى الرغبة في الانتقام من أمة صغيرة سحقتها الإمبراطوريات وعاد حلم الهيمنة إلى نهاية الوقت [21]. إسرائيل هي قزم سياسي، ومساهمتها في تاريخ العالم ليست سياسية على وجه التحديد، لكنها إيتيقية: "لقد ملأ الجياع بأشياء جيدة وأرسل الأثرياء بعيدا خالي الوفاض"، قرأنا لاحقًا في المانيفيكات. لكن رسالة المسيح تنفصل عن كل حلم بالانتقام السياسي. وكيف ؟ من خلال وضع نفسه في تمديد قصائد خادم المعاناة من أشعيا الثانية. في نهاية هذا الخط ما هو هناك؟ ترنيمة الفيليبيين 2: "بينكما المشاعر التي كانت في المسيح يسوع" / هو، من الوضع الإلهي، / لم يحتفظ بالغيرة / الرتبة التي تعادله مع الله. / لكنه يهلك نفسه مع ذلك، بأخذ وضع العبد، و بأن يصبح مشابهاً للإنسان، / أن يتصرف مثل الإنسان، / يذل نفسه أكثر من ذلك، / يطيع حتى الموت، والموت على الصليب! "

هل هو نص أكثر معاداة للسياسة، إذا ركزنا الفكر السياسي على الموضوع الهرمي المتمثل في الهيمنة والطاعة؟ المسيح يسوع هو الشكل المعاكس لشخص الأمير، السيد، المعلم. إنه البطل المضاد تحت شخصية العبد. في الوقت نفسه، إنها جزء من قصة مختلفة عن قصة الأقوياء والمنتصر، في التاريخ غير المكتوب إلى حد كبير [22] للمزدرين والضحايا.

 في هذا الصدد، هل من قبيل الصدفة أن يتم تسمية السياسة في العقيدة فقط في عبارة: "لقد عانى في ظل بيلاطس بونتيوس"؟ تدرج معاناة المسيح تحت السياسة في شخصيته الرومانية [23]. الصليب، في هذا المعنى، هو النقد الناجم عن السلطة السياسية التي تحاول السلطة المطلقة، وبشكل أخطر، ممارسة مهمة إنقاذ. في هذا يتكون الشر السياسي، أعني الشر المحدد للسياسة - أن تميل، مثل الهيمنة، إلى القدرة المطلقة. لذلك، يمكن القول دون خوف أن انقلاب القسطنطينية، الذي جعل السيادة الإمبراطورية وما يسمى بالسيادة الكنسية، يمثل خيانة خطيرة للغاية لأوعظ الوعظ الأصلية الكنيسة البدائية، التي ترسم شخصية العبد فوق صورة السيد. الشر السياسي يميل، مثل الهيمنة، إلى القدرة الكاملة. نتيجة هذا النقد، الذي قد يُطلق عليه اسم «مسيحي"، للحلم السياسي للقدرة المطلقة، هو أن السياسة تختزل إلى مستوى الأشياء الإنسانية، وكلها إنسانية [24].

بهذا المعنى، قد يجازف المرء بالقول إن علمنة السياسة والنتيجة الطبيعية لها، نهاية اللاهوت السياسي، تحقق واحدة من أعمق الوعود بالوعظ للكنيسة الأولى.

وهكذا يتم إرجاع السياسة إلى مسؤولية الناس، مع خطر وجود سلطة لا تقوم على أساس، لأنهم أسسوا أنفسهم بالموارد الوحيدة للنفوذ المشبوه، ابتزوا من المؤسسات القديمة والأسطورية إلى حد ما.

المجتمع الكنسي والجماعة السياسية

هل أكمل اللاهوت السياسي مساره بنهاية اللاهوت السياسي؟ [السؤال] ينشأ من حقيقة أنه، تحت هذا العنوان، يتم تعيين دور تاريخي محدود: التبرير والضمان وأساس السلطة كهيمنة. هل لدى اللاهوت السياسي مكان في إعادة اكتشاف الرابط الأفقي للراغبين في العيش معًا واستعادة التوازن بين الرابط الأفقي والرابط العمودي؟

ملاحظة أولية: [يجب ألا نسمح] لأنفسنا أن نحصر في التمييز بين الشخصية العامة للسياسة وما يسمى الشخصية الخاصة للدين. ضد خصخصة الدين، يجب على المرء أن يرسم خط الفصل بشكل مختلف: المجتمع السياسي / المجتمع المدني. الحياة الكنسية كجزء من المجتمع المدني. في هذا المعنى، يتم لعب الجدلية من جماعة إلى جماعة (جماعة بمعنى إريك فايل وإيمانويل منير: علاقة ملموسة ومعيشة لالتزام الناس والسلع التي تنسق الإجراءات وتعطي إحساسًا مشتركًا ).

الملاحظة الأولية الثانية: تبدأ من التمييز بين غايات الجماعة السياسية و[الجماعة] الدينية. الأولى تحت علامة العدالة، والثانية من الصدقة، وكلاهما سمع جيدا [25]. بحكم العدالة، لا أقصد القضاء، على الرغم من كونه سلطة سياسية - أو ينبغي أن يكون كذلك إذا اتبعنا مونتسكيو بدلاً من روسو (جمهورية غير قابلة للتجزئة) - ولكن كل العلاقات بين الحقوق التي تجعل الدولة سيادة القانون. هناك ثلاثة أنواع من الحقوق: المشاركة في الحقوق (الحق في العيش في مدينة كعضو يتمتع بإمكانية الوصول إلى عمليات صنع القرار السياسي - أرسطو)، وحريات الحقوق [أو] حقوق الحريات (حرية العبادة، والتجمع والتظاهر والحماية من اقتحام الدولة أو الجماعات أو الأفراد الذين يرغبون في التعدي على مجال الحكم الذاتي الخاص بي) والمطالبات بالحقوق (الحقوق في ... الصحة والتعليم والأمن). كل هذه الحقوق [تحت] علامة [العدالة] بمعنى التوزيع العادل. أنا لا أخوض في التفاصيل. فقط: [لديهم] شخصية محايدة فيما يتعلق بالديني. وبهذا المعنى، يتم تسليم السياسة إلى الرأي العام المستنير بالمناقشة العامة [26].

الجماعة الدينية - أود أن أقول على نحو أفضل: الكنسية - يتم تعريفها على أنها جماعة الاستماع وتفسير الكتاب المقدس، والذي يحدد هويتها. بأي معنى تحت شعار الصدقة وليس العدل؟ أنا هنا كانط في فلسفته للدين. [المرجع] هو الشر الأساسي. مهمة [الدين] هي الإحياء، بمعنى [إعادة] خلق القلب، [الانعكاس عن أهم الاستعدادات الأساسية [27]. [إن] الخيرية؟ بمعنى أنه من خلال الدخول في اقتصاد العطاء، والسخاء، والإكراه، يدخل المرء في مجتمع مغفرة الخطايا والتقديس. كانط: الكنيسة [هي] مجتمع غير مرئي ومرئي للمساعدة المتبادلة من أجل الإحياء. فوق الأخلاقية، فوق القانونية، المهمة فوق السياسية. هاتان الملاحظتان المقدمتان، الأولى ضد [خصخصة] الإيمان - [وبالتالي] التركيز [على] البعد الكنسي - [والثاني] ضد [الخلط] بين الأدوار.

ماذا يمكن أن يقال عن نوع الارتياح أو اللجوء الذي يمكن أن توفره الكنائس، كجزء من المجتمع المدني، لتوازن القوى والتضامن وأولوية العلاقة الهرمية للسلطة. الإخضاع ؟ كل هذا يتلخص في جودة العيش معًا، والتي رأيناها كلاً من السمات الخفية والمخفية والمخيفة والضعيفة: إنها موجودة فقط طالما أن الناس يريدون العيش معًا بموجب نفس القوانين . كيف يتم تعميق وتنشيط هذه الرابطة المدنية؟

هذا هو المكان الذي تجلب فيه الرابطة الكنسية شيئًا آخر، يمكن أن يكون أكثر من القيم العالمية المفترضة، والتي تظل رسمية جدًا ولا تعبأ للغاية، أو تلك القيم المرتبطة بالتاريخ المشترك، والتي تغلق على البعد العرقية مع كل الاستثناءات إلى المفتاح. سأقترح سطرين على تفكيرنا ومناقشتنا. سوف أقدم لهم أسئلة. السؤال الأول هو: ما هو التأثير الذي يمكن أن يكون لمنطق الإحسان على منطق العدالة [28]؟

كل ما هو ليس بسبب توزيع الأسهم، مندهشا، انضم [في] "العمل الخيري" من اليونانيين، والشفقة والأخلاق اللغة الإنجليزية من القرن السابع عشر، ولعل الرحمة البوذية: التفرد من الناس مقابل شمولية القانون. احترام الناس وليس القانون؛ أن تسود [المشاركة] على [فصل] الأسهم. هذا النذر سوف يتوقف عن التفكير بالتمني إذا أعطت الجماعات الدينية مثال ممارسة السلطة الكنسية بأقل قدر ممكن من التسلسل الهرمي والتعاوني قدر الإمكان. آه، إذا استطعنا أن نقول لهم "انظروا كيف يحبون بعضهم البعض" [29]! هذا ليس مرهقًا في المشاعر الطيبة، لكنه يتعلق بالتنظيم الكنسي الأكثر واقعية. في هذا الصدد، يعتبر مثال كالفن في ستراسبورج وجنيف مثيراً للاهتمام على الرغم من حدوده وأيضًا عنفه، وحتى عنفه: جعل الديمقراطية الضيقة بيئة مثالية لاختبار العلاقات السياسية في الديمقراطية السياسة. (هنا، يعد كالفن [أكثر إثارة للاهتمام وحسمًا من لوثر وعقيدته للمملكتين.) لا أريد أن أذهب إلى النقطة الثانية دون سابق إنذار من الاستخدام المفرط لأغابي عندما يتجاهل ذلك] العدالة (في قضية توفييه Touvier وربما في قضية [30] Habacheهاباش []). أن تقول لنفسك وتكرر لنفسك: ليس أقل من العدالة. [مؤسسة خيرية] لا يمكن أن تحل محلها ولا تتجاهلها. لكن أنسنة ذلك. السؤال الثاني ربما يقود إلى قلب السياسي: فهو يبدأ من تأملاتنا حول الشر السياسي. لقد أثارنا الشر السياسي: الغلو، القدرة الكلية – وقيد الموت - (العلاقة بين الشر والموت: الثورة الفرنسية، ثورات القرن العشرين). من هنا [السؤال]: كيف يمكن للجماعات الإنجيلية أن تساهم في تعزيز العلاقات السلمية بين إخواننا المواطنين؟ كيف تجلب السلام حسب روح الغبطة -في الجمع-؟

بعض الاقتراحات [31]: - للمساعدة في الحفاظ على ذكرى الضحايا التي يتجاهلها التاريخ العظيم إلى الحد الذي يكون فيه هو التاريخ لما نجح، [حيث] ترك أثراً من القدرة في مجرى الأمور. هذا يتماشى مع الوعظ للصليب. لجعل الشخصية المعادية للسياسة أقرب إلى البطل المعادي؛ [عدم] تسييس الأمل الخلاصي. الصليب علامة بارزة في تاريخ الضحايا [32]؛ - توسيع هذه الذاكرة وتاريخ الضحايا إلى [الَدَيْن] فيما يتعلق الموتى. عندما يحتمل أن تكون السياسة قاتلة، تستبعد الأحياء، يتصالح المتدينين بمن فيهم الموتى: الغائب الثالث. أنا هنا بالقرب من شيء قد يصبح مشبوهًا بالثقافة البروتستانتية، لكن يجب أن نتجرأ على المخاطرة: أضف إلى بعد الذاكرة التقوى البعد التقوي. لقد تأثرت بشدة، من جانب واحد، بنوع من التزكية غير الطائفية من جانب والتر بنيامين: المسؤولية عن الماضي هي مسؤولية المستقبل. إن رباط العيش معاً يفترض عمقًا تاريخيًا صحيحًا [33]. بقدر ما هو رباط هش، ضعيف [موجود] فقط في التقوى المدنية الحالية، إذا جرحت على هذا التعبير، فإنه يمنحها عمقًا في الماضي ودافعًا في المستقبل. بعد كل شيء، يجب على المسيحيين أن يدركوا شيئًا ما من مهنتهم في الإيمان بملكوت الله والانفتاح المثالي للمستقبل. ولكن قد يكون الأمر متروكًا لليهود، بصفتهم ناجين من الحل النهائي، ليقولوا شيئًا قويًا عن الصلة بين الدين بالموتى (مسؤولية الماضي، [على عكس الماضي] من] هانز جوناس [34]) وتوقع خلاصي بمثابة انفتاح طوباوي.

على الرغم من عدم اليقين والمغامرة مثل هذه الأفكار الأخيرة، فإنهم يأخذون كل معانيها فيما يتعلق بموضوع سلطتنا إذا قمنا بربطها بالسؤال الذي طرحته في المركز: كيفية جعل التعاون على الهيمنة سائداً في دستور الرابط السياسي وفي إقامة السلطة السياسية. ليست نهاية اللاهوت السياسي هي نهاية كل شيء، ولكن فقط نهاية لاهوت السيطرة على السلطة: إنها تفتح مجال اللاهوت السياسي للعيش معاً.

© أعماق ريكور،

مخطوطة العرض التقديمي الذي قدمه بول ريكور في عام 1992 في "Entretiens de Robinson". وفقًا لكاترين غولدشتاين، محادثات" تمت في عامي 1991 و 1992، وكان موضوعها "السلطة". وقع نشرها في مجلة فكر، سبتمبر، 2019.

 

تقديم وترجمة:

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..........................

الرابط:

https://esprit.presse.fr/article/paul-ricoeur/le-pouvoir-politique-42278?fbclid=IwAR00RXgl0fCRhe1S4HKxtCz-EHiquajZAZqfT7-qgl1L264Ea41nRY3t9dk

الإحالات والهوامش:

[1] تخمين: ربما يشير ريكور إلى الجلسات السابقة، المكرسة لتعقيد السلطة.

[2] إريك فايل، الفلسفة السياسية، باريس، فرين، 1956، ص. 131. هذا هو الاقتراح 31 من هذا النص، الذي يستشهد به ريكور في "الفلسفة السياسية" لإريك فايل، إسبريت، أكتوبر 1957 (أعيد نشره في المحاضرات 1: حول السياسة، باريس، سوي، 1991، الصفحات 95-114).

[3] قاموس روبرت.

[4] ماكس ويبر، "مهنة ودعوة رجل السياسة" [1919]، رجل العلم ورجل السياسة. ترجمة بواسطة جوليان فروند، مقدمة ريموند آرون، باريس، بلون، 1959، ص. 101.

[5] شيشرون، معاهدة القوانين (De legibus)، III، 12، 38: في حين أن قوة سلطة الشعب الآن في مجلس الشيوخ.

[6] إشارة محتملة إلى كتاب ديتريش بونهوفر، سعر النعمة [Nachfolge، 1937]، باريس / جنيف، سيرف / لابور أند فيدس، 2009.

[7] كتب ريكور هنا السطور التالية: "تدور الكتلة العظيمة من كتابات اللاهوت السياسي حول هذا السؤال: من هو صاحب السيادة؟ من يملك السيادة؟ من المفهوم أن هذا هو السؤال حول العلاقة الرأسية للهيمنة وأن الصلة التي أسميتها أفقيًا للتعاون، مع السلطة مع، للعيش معًا، تم تأسيسها من خلال العلاقة الرأسية: كل الخاضع للسيد، نحن متحدون بهذه الإشارة المشتركة إلى الرئيس. إضافة في الهامش: "فرنسا في هذا الصدد هي حالة مثالية: في الدولة القومية المزدوجة، تعتبر الأمة إلى حد كبير نتاج الدولة. "

[8] "موسكو" هو تصحيح. كان ريكور قد كتب عن طريق الخطأ "روما".

[9] - الإضافة في الهامش: " ايريك فايل: "الدولة هي تنظيم جماعة تاريخية، والجماعة قادرة على اتخاذ القرارات". "

[10] انظر Jacques-Benigne Bossuet، السياسة من الكلمات الخاصة بالكتاب المقدس (بعد وفاته، 1709).

[11] - إشارة إلى إرنست كانتوروفيتش، جسدان الملك. مقال عن اللاهوت السياسي في العصور الوسطى [1957]، ترجم بواسطة جان فيليب ونيكول جينيت، باريس، غاليمار، 1989.

[12] انظر إليزابيث لابروس، إيمان، قانون، ملك. مقال عن إلغاء مرسوم نانت، باريس / جنيف، Payot / Labor and Fides، 1985 و Janine Garrisson، مرسوم Nantes وإلغائه. تاريخ التعصب، باريس، سيويل، 1985.

[13] في الهوامش: "ماكس فيبر: الدولة. "علاقة الهيمنة (Herrschaft) للإنسان على الإنسان، والتي تأسست على وسائل العنف الشرعي، أي على العنف الذي يعتبر خاضعًا للشرعية".

[14] يشير ريكور هنا إلى جان جاك روسو. مقتطفات، نشرت مع مقدمة وملاحظات وتوضيحات لفيليب فان تيغم، باريس، هاشيت، 1936، ص. 283. الاقتباس، الذي قرأه، غير موجود في النص المكتوب.

[15] إشارة إلى كلود ليفور، الاختراع الديمقراطي. حدود الهيمنة الشمولية، باريس، فيارد، 1981.

[16] بولس الرسول الى الرومان، الفصل. 13.

[17] في الهامش: "يطفو حول مصطلح النفوذ (في صيغة الجمع) هالة باطنية: القدرات، العروش، التي ينظر إليها على أنها أحجام. "

[18] في الهامش: "في حالة القاضي الوحيد المعترف به في خدمة الصالح العام، كما نقول في العصور الوسطى، يمكننا أن نقول مع بولس:" لذلك يجب أن نقدم ليس فقط خوفًا من العقاب، ولكن من أجل نمط الوعي "(13،5). يتبع إشارة صريحة إلى الضريبة، والتي ستعود في متى 22 مع الشهير والغامض: "أعط لقيصر ما هو قيصر"، وهذا يعني أن يقول قطعة مع دمية له، وإلى الله ما هو لله "، وهذا يعني ..." (النتيجة مفقودة).

[19] إشارة إلى ريمون آرون، "مستقبل الأديان العلمانية" [1944]، أعيد طبعها في التعليق، العدد 24، شتاء 1984

[20] في الهوامش: "إحياء، تدنيس السياسة اللاهوتية المسيحية المحررة. "

[21] في الهامش: "إنه التفسير المعادي لليهودية لغوشيه في خيبة الأمل في العالم. (إشارة إلى مارسيل غوشيه، خيبة الأمل في العالم: تاريخ سياسي للدين، باريس، غالمارد، 1985).

[22] في الهامش: "ودائما تكتب".

[23] في الهامش: "السياسة القاتلة". وأدناه: "وصحيح أن السياسة لها علاقة بالموت: من وفاة إلى أخرى: لويس السادس عشر، الثورة الفرنسية، روبسبير. (التلميح إلى ميريام رينو أوف ألونيس، من وفاة إلى أخرى، هبات الثورة، باريس، سيويل، 1989.)

[24] في الهامش: "القدرة الكلية، أو أنها مأذون بها من قبل الله، وهي اللاهوتية السياسية، أو أنها تتحملها لنفسها، وهي الديانات العلمانية . "

[25] "هيرد": ربما يريد ريكور أن يقول أنه يجب فهم هاتين الكلمتين جيدًا، لأنه يشرع في تعريفهما فيما يلي.

[26] في الهامش: "كانط: السياسة [لا] تفترض حسن النية، وهذا يعني [واجب] احترام الواجب، ولكن الامتثال الشديد للقواعد. [الارتباط] السياسي يتطلب أقل من [الأخلاقية]. حتى مجتمع الشياطين يمكنه، باهتمام، ضمان السلام العام. "

[27] انظر إيمانويل كانت، الدين في حدود العقل البسيط (1793).

[28] تحت عبارة "منطق الصدقة"، يحمل النص كلمة "فرط الوفرة" وتحت عنوان "منطق العدالة"، كلمة "التكافؤ". بعد كلمة "التكافؤ"، قم بالإشارة إلى ملاحظة في الهامش: "أضف علاقة عدو صديق وفقًا لكارل شميت، بعدًا عدائيًا ملازمًا للسياسة. "

[29] انظر Tertullian، علوم الدفاع عن النفس 39، 7.

[30] حكم على بول توفييه، زعيم ميليشيا ليون خلال الاحتلال الألماني لفرنسا، بالإعدام غيابياً في عام 1946، لكنه تمكن من الهرب من العدالة لعقود بفضل دعم الدوائر الكاثوليكية. جورج حبش، ناشط فلسطيني شارك في هجمات معادية لإسرائيل أودى بحياة العديد من الأشخاص، تم نقله إلى مستشفى فرنسي في عام 1992 بعد إصابته بجلطة دماغية.

[31] على الهامش: "أنا لا أعود إلى الجانب النقدي - انتقاد السلطة، إلخ. لا تحبس نفسك في نقض. "

[32] إضافات دون تعليق: "اللاهوت الكاثوليكي، الذاكرة المخيفة". في هذا المقطع عن ذكرى الضحايا، يشير ريكور بلا شك إلى عمل اللاهوتي الكاثوليكي يوهان المعمدان ميتز، الإيمان في التاريخ والمجتمع، عبر. بول كورسيت وجان لويس شليغل، باريس، سيرف، 1979. استلهم ميتز بشدة من موضوعات مدرسة فرانكفورت.

[33] تلميح محتمل إلى أطروحات والتر بنيامين، في "حول مفهوم التاريخ" [1942].

[34] هذا، إذا قرأ المرء جيدًا، في عكس المسؤولية الأحادية عن المستقبل الذي دعا إليه هانز جوناس في مبدأ المسؤولية [1979].

 

 

عامر كامل السامرائيفي العاشر من أكتوبر من هذا العام سيتم الإعلان عن أسماء الفائزين بجائزة نوبل للآداب. وسيتم في الحقيقة الإعلان عن جائزتين. الأولى لعام 2018 "والتي تم حجبها بسبب الفضائح التي أحاطت بالأكاديمية السويدية"، والثانية لهذا العام 2019.

ففي ربيع عام 2018 أقدمت لجنة التحكيم على خطوة استثنائية، عندما أعلنت عن عدم منح أي شخص جائزة الأدب التقديرية، استجابة لصراعات السلطة الداخلي وقضايا التحرش الجنسي الفاحشة التي تم الإعلان عنها آنذاك.

فمنذ الحرب العالمية الثانية كانت السنة الماضية هي المرة الأولى في تاريخ جائزة نوبل، التي لم يتم فيها منح الجائزة على الرغم من أنه يجب منحها سنوياً. لقد صرح السيد كارل هنريك هيلدين، رئيس لجنة نوبل قائلاً: عندما تؤثر هذه المسألة الخطيرة على عملية صنع القرار وتضع علامة استفهام كبيرة خلف مصداقية الجائزة، فمن الممكن تأجيل منحها، وليس حجبها. كما جاء في بيان نُشر على موقع جائزة نوبل، ذكر أيضاً أن الفضيحة المحيطة بالأكاديمية السويدية كان لها تأثيراً سلبياً عاماً على الجائزة وأن هذا القرار كان ضمانة لمكانة الجائزة.

على صوت الفضيحة الأولى في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2017 عندما نشرت صحيفة سويدية مقالاً عن المصور جان كلود أرنو اتهمته فيها بالتحرش الجنسي على 18 امرأة، والذي تربطه بالأكاديمية روابط كثيرة، فقد كان و زوجته كاتارينا فروستنسون عضوان في الأكاديمية. وكانت زوجته تتمتع بعلاقات صداقة قوية مع العديد من الأعضاء. وكانا بنفس الوقت صاحبي المنتدى الثقافي في العاصمة ستوكهولم، والذي كان مدعوماً مادياً من قبل الأكاديمية السويدية. كما تم الكشف والإعلان عن شكاوى تم التكتم عليها لأكثر من عشرين عاماً.

أما القشة التي قصمت ظهر البعير في سلسلة الفضائح فقد جاءت عندما أجبَرَ أعضاء آخرون سارة دانييل، أول سكرتيرة دائمة للجنة، على الاستقالة. ورداً على ذلك قامت السيدة سارة بقطع جميع علاقات الأكاديمية بالمصور آرنو، كما حاولت اتخاذ إجراءات قانونية ضده.

كما أثارت استقالتها احتجاجات جماعية داخل المؤسسة، وادعى الكثيرون أن الذي دفعها لذلك هو شعورها بالذب اتجاه كل ما حدث. ونتيجة لتلك الأحداث استقال المزيد من الأعضاء، ولم يبقى منهم سوى عشرة أعضاء، لم تكن لديهم الصلاحية الكافية على تعيين أعضاء جدد، كما تنص عليه لائحة القوانين وقواعد اللجنة. وبما أن العضوية كانت مدى الحياة فلم يتمكن بقية الأعضاء من الاستقالة رسمياً، وإنما توقفوا عن المشاركة الفعلية في نشاطات اللجنة.

وإنقاذاً للموقف فقد أقدم راعي الأكاديمية غوشتاف كارولي السادس عشر، والذي صرح "إنه كان يراقب الأحداث بقلق بالغ"، على تغيير قواعد المؤسسة، وتشريع بند جديد يسمح بموجبه للأعضاء بالاستقالة، وكذلك إمكانية استبدال الأعضاء الذين تغيبوا عن المشاركة لأكثر من عامين بأعضاء آخرين جدد. أعضاء الأكاديمية السويدية الجدد الذين تم تعيينهم متفائلون بشأن الإعلان عن الجائزة في 10 أكتوبر 2019.

أما مكاتب المراهنات والقمار مثل Ladbrokes و Nicerodds فلم تبدآن بعد في التخمن والمراهنة.

لذلك أود هنا أن أعرض للقراء الكرام والمهتمين بهذا الموضوع بعض الأسماء اللامعة والموهوبة حقاً والملفتة للنظر، ولهم شعبية أكثر لدى القراء والمتابعين، عسى أن نستطيع تخمين من هو الكاتب والشاعر، اللذين سيتم الكشف عن اسمهما بعد أيام.:

1- جويس كارول أوتس: ()كاتبة أمريكية ولدت عام 1938 تقوم بتدريس الأدب في جامعة برينستون منذ عام 1978.

2- خافيير مارياس: (Javier Marías) روائي ومترجم وكاتب مقالات، ولد عام 1951 تُرجمت رواياته إلى العديد من اللغات، وحصل على الجائزة الوطنية في  سنة 2012، غيرأنه رفضها.

3- كلاوديو ماجريس: (Claudio Magris) باحث ومترجم وكاتب إيطالي، ولد عام 1939. كان عضوا في مجلس الشيوخ عن فريولي فينيتسيا جوليا من 1994 إلى 1996.

4- ميلان كونديرا: (Milan Kundera) كاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشيكية، ولد عام 1929 لأب وأم تشيكيين. لم يُعرف كونديرا ككاتب هام إلا عام 1963 بعد نشر مجموعته القصصية الأولى غراميات مضحكة.

5- مارغريت آتوود: (Margaret Atwood) كاتبة وشاعرة وناقدة أدبية كندية. ولدت في 18 تشرين الثاني 1939 وهي أحد أهم كتاب الرواية والقصص القصيرة في العصر الحديث. حازت على جائزة آرثر سي كلارك في الأدب والعديد من الجوائز والأوسمة الرسمية في كندا وولاية أونتاريو.

6- عاموس عوز: (Ámosz Oz) كاتب وروائي وصحفي إسرائيلي، كما أنه بروفيسور في الأدب في جامعة بن غوريون في بئر السبع. ولد عام 1939 وتوفي عام 2018. مُنذ عام 1967 اعتبر من أبرز الدعاة والمؤيدين لحل الدولتين من أجل انهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

7- يماماندا نغوزي أديشي: (Chimamanda Ngozi Adichie) كاتبة نيجيرية الأصل. ولدت عام 1977 في نيجيريا نشرت العديد من الكتابات. من أكثر أعمالها نجاحاً هي ثلاث روايات باللغة الإنجليزية، زهرة الكركديه الأرجوانية، نصف شمس صفراء، أمريكانا.

8- دونالد ديليلو: (Don DeLillo) روائي أمريكي ولد عام 1936. كاتب قصصي ومسرحي، وكاتب سينمائي. غطت أعماله مواضيع متنوعة مثل التلفزيون والحرب النووية والرياضة وتعقيدات اللغة وفن الأداء والحرب الباردة والرياضيات وظهور العصر الرقمي والسياسة والاقتصاد والإرهاب العالمي.

9- آدم زاغايوسكي: (Adam Zagajewski) شاعر وروائي ومترجم وكاتب مقالات بولندي ولد عام 1945. حصل على جائزة نويشتاد الدولية للأدب لعام 2004، وجائزة غريفين للشعر لعام 2016، وجائزة أميرة أستورياس للأدب لعام 2017. يعتبر أحد الشعراء البارزين في جيل "68" أو ما تسمى الموجة البولندية الجديدة (البولندية: Nowa fala) وهو أحد أبرز الشعراء المعاصرين في بولندا.

10- فيليب روث: (Philip Roth) كاتب روايات أمريكي ولد عام 1933 وتوفي عام 2018. اشتهر وحصد الاهتمام مع بدايات عام 1959 عندما كتب رواية «وداعا كولومبوس»، وهي صورة عن الحياة اليهودية الأمريكية، والتي حصل بها على جائزة الأمريكية القومية للكتاب والرواية. روث هو أهم الكتاب في الولايات المتحدة في جيله: فقد حصل مرتين على جائزة الكتاب الوطني، ومرتين على جائزة النقاد الوطنية للكتاب، وثلاث مرات على جائزة PEN / فولكنر. حصل على جائزة بوليتزر للعام 1997.

11- إسماعيل قادري: (Ismail Kadare) كاتب ألباني ولد عام 1936، بدأ الكتابة في منتصف الخمسينيات ونشر بعض القصص القصيرة في الستينيّات حتى نشر قصيدته الأولى جنرال الجيش الميت، عام 1996 أصبح إسماعيل عضواً مدى الحياة في أكاديمية العلوم السياسيّة والأخلاقيّة الفرنسيّة، فاز بجائزة بوكر الأدبية عام 2005 وجائزة أمير أستورياس عام 2009، كما رشّح أكثر من مرّة لجائزة نوبل للآداب، وأعماله ترجمت لأكثر من ثلاثين لغة.

12- موراكامي هاروكي: (Murakami Haruki) كاتب ياباني ولد عام 1949 في مدينة كيوتو. لاقت أعماله نجاح باهراً حيث تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعاً سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وترجمت إلى أكثر من 50 لغة. حصل موراكامي أيضاً على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة عالم الفنتازيا (2006) وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة (2006) وجائزة فرانز كافكا (2006) وجائزة جائزة القدس (2009). من أبرز أعماله رواية مطاردة الخراف الجامحة (1982) والغابة النروجية (1987) وكافكا على الشاطئ (2002) وإيتشي كيو هاتشي يون (2009 - 2010). يُعد موراكامي من أهم رموز أدب ما بعد الحداثة. كما وصفته مجلة الغارديان بأنه "أحد أعظم الروائيين في يومنا هذا" بسبب أعماله وإنجازاته.

13- أدونيس: (علي أحمد سعيد إسبر) المعروف باسمه المستعار أدونيس. ولد عام 1930.  شاعر سوري تبنّى اسم أدونيس (تيمناً بأسطورة أدونيس الفينيقية). درّس في الجامعة اللبنانية، ونال درجة الدكتوراة في الأدب عام 1973 من جامعة القديس يوسف، وأثارت أطروحته الثابت والمتحول سجالاً طويلاً. بدءاً من عام 1955, تكررت دعوته كأستاذ زائر إلى جامعات ومراكز للبحث في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة وألمانيا. تلقى عدداً من الجوائز العالمية وألقاب التكريم وتُرجمت أعماله إلى ثلاث عشرة لغة.

14- نغوغي وا ثيونغو: بلغة الكيكويو (Ngũgĩ wa Thiong’o) أو جيمس نغوغي كاتب كيني ولد عام 1945، كان يكتب باللغة الإنجليزية، واتجه الآن إلى الكتابة بلغته القومية (الكيكويو). كتب الرواية والمسرحية والقصة القصيرة، كما كتب مقالات أدبية واجتماعية، وكتب في أدب الطفل. هاجر إلى الولايات المتحدة بعد تعرضه للسجن في بلاده ما يربو على العام. حصل على عدة جوائز أدبية. من أعماله، لا تبكِ أيها الطفل، حبة حنطة، بتلات الدم، شيطان على الصليب.

15- بيتر ناداش: (Nádas Péter) كاتب روائي ومسرحي مجري ولد في بودابست عام 1942. درس الصحافة وفن التصوير في الفترة ما بين 1961 و 1963، وعمل بالصحافة والكتابة الدرامية والتصوير. وتفرغ منذ عام 1969 للأدب والمسرح. من أعماله، كتاب الذكريات” عام 1986، وثلاثيته قصص متوازية والتي استغرق في كتابتها ثمانية عشر عاما، وعن روايته “كتاب الذكريات” وصفته الناقدة سوزان سونتاغ بأنها" أعظم رواية كتبت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية".رواية "نهاية قصة عائلية" عام 1998، رواية "الحب" عام 2000. و "المعرفة والنار".

16- كراسناهوركايي لاسلو (Krasznahorkai László) روائي مجري من مواليد 1954، فاز بجائزة مان بوكر الدولية عام 2015 عن رواية “ميلانخوليا المقاومة صدر له 8 روايات تشتهر رواياته بالسوداوية ووصف مرارة الواقع. من أشهر أعماله رواية ميلانخوليا المقاومة، والصادرة عام 1989. فازت الرواية بجائزة أفضل عمل روائي يصدر في ألمانيا لعام 1993. قالت عنه سوزان سونتاغ Susan Sontag أنه غوغول المجري وملفيل في الكتابة. كان صديقا للشاعر الأمريكي ألين غينسبرغ Allen Ginsberg الذي ساعده على إتمام رواية الحرب والحرب أثناء إقامته في نيويورك.

 

بقلم: عامر كامل السامرّائي

 

عبد الحسين شعبانإذا كان كتاب «الاستشراق» أول كتب المفكر الفلسطيني الموسوعي إدوارد سعيد، فإن آخر كتبه التي زادت على العشرين هو كتاب «تأملات حول المنفى». الأول صدر في العام 1978، أما الأخير فقد صدر في العام 2000 وفيه جمع نحو 50 مقالة كان كتبها خلال ثلاثة عقود ونيّف من الزمان (1967-1999).

تصدّر الكتابان وما بينهما كتاب «عن الأسلوب المتأخر- موسيقى وأدب عكس التيار» ترجمة فواز طرابلسي، وقد دوّن فيه السنوات الأولى من سيرته حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره، وكتاب «خارج المكان» الذي صدر في العام 1999 وتمّ تعريبه في العام 2000، قائمة الأعمال الإبداعية لإدوارد سعيد الذي أصبح الشخصية العربية العالمية الأكثر إثارة للجدل والنقاش من جانب تيارات فكرية وثقافية مختلفة، وأوساط أكاديمية وسياسية متعدّدة، خصوصاً توزّع أعماله بين «النقد الأدبي»، و«الهويّة الثقافية»، و«القضية الفلسطينية»، و«الموسيقى»، وغيرها.

وتعكس شخصية إدوارد سعيد مفارقات عدة، فبقدر ما هو فرد فإنه مثّل مجموعاً، لأنه عبّر عن ضمير، وإذا كان ولد في القدس العام 1935، فإنه ترعرع في القاهرة، ودرس في الإعدادية البريطانية، وقضى أوقاتاً في لبنان، وغادر إلى الولايات المتحدة، حين بلغ السادسة عشرة من عمره، التي حمل جواز سفرها لاحقاً، ليدرس في جامعة برينستون، ثم هارفرد، ومن ثم يشرع بالتدريس في العام 1963 في واحدة من أعرق الجامعات العالمية، وهي جامعة كولومبيا في نيويورك، وظل فيها حتى وافاه الأجل.

وكانت صدمة هزيمة 5 يونيو/ حزيران، العام 1967، تركت جرحاً عميقاً في حياته، وهو ما عبّر عنه حين استحضر انتماءه وهويته الفلسطينية العربية، حيث عاد بالذاكرة إلى عمليات الإجلاء والترانسفير الفلسطينية التي مارستها «إسرائيل» منذ قيامها، وما تعرّض له الشعب العربي الفلسطيني من استلاب دولي، وتواطؤات ألحقت الضرر البالغ بقضيته العادلة، وكان انصرف في تلك الفترة لكتابة مؤلفه المثير «الاستشراق» الذي لاقى نجاحاً منقطع النظير، وتمت ترجمته إلى ستة وثلاثين لغة، وهو قراءة للخطاب الغربي عن «الشرق».

تعلّم سعيد من تناقضاته والواقع الذي عاش فيه كيف يفكّر إزاء المشروع الحضاري الفلسطيني والعربي المناهض للإمبريالية، والصهيونية، وأدرك دور المثقف والأكاديمي، ولاسيّما الذي يعيش في الغرب، فهو فلسطيني يعيش في الشتات، وفي مدينة «نيويورك» الكوزموبوليتية، متعددة الأعراق، وهو في الوقت نفسه متعدد الأصوات، وينطلق من تعددية داخلية، وتنوّع ذاتي، مثلما هو جزء من الهويّات الإنسانية المعاصرة المنفتحة، وغير المنغلقة.

وإذا كانت جروح المنفى كثيرة ومعتّقة، فإن إيجابياته غير قليلة، وهذا يعتمد على قدرة المنفي على التفاعل مع محيطه، والتأثير فيه، بما يساعد على الانفتاح والتلاقح ما بين الثقافات، والحضارات، حيث تتجاور الخصوصيات في إطار من التنوّع والتواصل، والتداخل، وهو ما حاول إدوارد سعيد توظيفه إيجابياً بعد التوقف عنده، وفحصه، واستخدام شحناته الحيوية لمصلحته، وقد عكسه في كتبه، ومحاضراته، وأنشطته المختلفة، فالمنفي، والمهاجر، أو المهجّر، يجد نفسه في «اللّا مكان» لدرجة يشعر أحياناً بأنه «عكس التيار»، ويعيش التهميش أحياناً، لكنه يعتبره امتيازاً وليس فداحة، لاسيّما حين يستمر في بحثه عن الحقيقة والعدالة.

ويُعتبر إدوارد سعيد الأخطر بالنسبة إلى الحركة الصهيونية في ما كتبه، وفي ما استطاع أن يلفت النظر إليه في أحد معاقلها الأساسية، ونعني به الولايات المتحدة، حيث اللوبي الصهيوني المتنفّذ، الذي عرف دوره منذ صدور كتابه الأول «الاستشراق» الذي لا يزال حاضراً حتى الآن، رغم مضي ما يزيد على أربعة عقود من الزمان، خصوصاً أن كتاباته جاءت متناغمة مع القيم الإنسانية في الوقوف ضد الحرب، والتطهير العرقي، والعنصرية، والهجرة القسرية، وتمزيق البلدان. وبسبب مواقفه هذه تعرّض للتهديد، بل إن مكتبه أحرق، فضلاً عن اتهاماته بأنه «عدو للسامية».

ولعلّ من يقرأ كتابه «خارج المكان» سيدرك أنه أمام إحدى أهم شهادات العصر، والأمر لا يتعلق بأهميته، أو بأسلوبه المشوّق، والممتع، أو بالسرد الدرامي، أو حتى بسبب مضمونه، إنما لما سلط فيه الضوء على خمول الضمير الإنساني في لحظة مفارقة من لحظات التاريخ الأشد مأساوية، خصوصاً أنه استطاع أن يخاطب العقل (الآخر) ويتحدّث عن تجربة اقتلاع شعب من أرضه، ورميه خارج المكان في محاولة لمحو ذاكرته، وهويته، ومصادرة تاريخه ومستقبله.

و«خارج المكان» يمثّل جسراً بين ماضٍ لا يمكن أن يُنسى، وبين حاضر لا يمكن أن يدوم، أما داخله فهو تمسك بالهوية والرمز، وبين الخارج والداخل صور، وانعكاسات، وأحداث، ووقائع، ومؤامرات، وآمال، وحروب، ولكن الذاكرة تظلّ قائمة كأنها تعيش واقعاً هو استمرار بحثها عن هوّية، ومكان، وأرض، ووطن مسلوب. وتتوحّد الهوية أحياناً مع رمزية المكان في إطار هارموني متناسق، يحاول المغتصب اغتياله وهو اغتيال داخل المكان، مثلما يمثّل الترحيل والإجلاء الاغتيال خارج المكان، بالتجريف، والإبعاد، وقطع الجذور الأولى، ومصادرة الحقوق بالاستيطان، والإلغاء.

 

عبد الحسين شعبان

 

محمد فتحي عبدالعالحديث الذكريات: في حياة كل منا ذكريات تبقي محفورة داخلنا وصور تحفظها عيوننا وحنين آخاذ داخل صدورنا وأشواق وإن أخفتها كلماتنا نضحت بها مآقينا إنه أرث الماضي الجميل حيث الحب البريء والصداقة الحميمة وذكريات الطفولة والدراسة واجتماع العائلة وأماكن اتيناها وارتحلنا عنها.. انها عزاءنا الوحيد أحيانا حينما نقف عاجزين أمام تحديات واقعنا فيأخذنا الحنين إلي خزينة ذكرياتنا بحثا عن ما نسري به عن أنفسنا وإن لم نجد فأننا نجد أنفسنا بلا شعور منا ننسج هذه القصص ونغزل خيوطها شيئا فشيئا لتعوضنا عن قسوة الحياة أننا لا نغير التاريخ ولكن فقط ندفع عن أنفسنا قسوة الحياة ..كلنا مررنا بهذا ولكننا ربما لم نتوقف عندها للحظات من التأمل فكلما استرجعنا واحدة من ذكرياتنا فأننا في حقيقة الأمر نعيد تشكيلها علي نحو قد يكون مغايرا لحقيقتها أحيانا وهذا هو سراب الذاكرة أو تشوهات الذاكرة ..

سراب الذاكرة:

كانت أول أشارة لهذا المصطلح في كتاب علم النفس لإدوارد فيشنر عام ١٩٢٨وكذلك لدي سيجموند فرويد وإن لم يستخدم مصطلح سراب الذاكرة حيث أعتبر أن ذكريات الطفولة المليئة بالقمع تختبيء في حالة اللاوعي ثم تعود لتطفو علي الحياة مرة أخري بشكل يصعب تمييزه عن الأوهام في مرحلة متأخرة من العمر. كما أشار إلى وجود نوعين من تشوهات الذاكرة :الأول هو اعتلال الذاكرة على نحو لا يمكنها من التفرقة بين الذكريات الحقيقية والوهمية والنوع الثاني هو الذكريات الحاجبة وفيها يحدث أحلال ذكرى محل أخرى بما يواريها عن الوعي...

أنواع الذاكرة:

تنقسم ذاكرة الانسان الي نوعين :الذاكرة قصيرة المدي (الفورية) immediate memory والتي تحمل كمية قليلة ومؤقتة من المعلومات وهي ذاكرة عملية كأن يري المرء مشهدا جميلا وتمر به رائحة ذكية أو أن يتذكر نتيجة أهداف مباراة حتي تتغير ..

والذاكرة طويلة المدي long term memory وتنقسم الي قسمين هما:

الذاكرة ا للاواعية والمتعلقة بالمهارات الحركية مثل قيادة السيارة وتعلم بعض الفنون كالعزف علي البيانو .

والذاكرة الواعية حيث حفظ المعلومات الشخصية واليوميات التي نعيشها وتتضمن الذاكرة الوقائعية (خاصة بالوقائع والاحداث كالحصول علي أول شهادة دراسية) والذاكرة الدلالية (الحقائق والمعلومات العامة مثل الجزائر عاصمة الجزائر).

بداية الأكتشاف:

وقد كان اكتشاف هذه الانواع من الذاكرة عام ١٩٥٣ حينما أزيلت أجزاء من المخ مسؤولة عن الذاكرة لمريض مصاب بالصرع يدعي هنري مولاسون .ومن بعدها أصبح مولاسون مادة خصبة لدراسة الذاكرة فقد كان بأستطاعته تذكر ما مر به منذ إحدي عشر عاما الا أنه لا يمكنه استرجاع ما حدث له خلال عامين قبل العملية !!! وعلي الرغم من احتفاظه بالذاكرة طويلة الأمد الا أنه يستطيع لعب الشطرنج بمهارة لكن لا يمكنه تذكر متي تعلمها؟!!..

السؤال الذي يتبادر الي اذهاننا :متي يحدث التغيير في ذكرياتنا؟ بالطبع الاجابة خلال نومنا فذاكرة الأحداث قصيرة الأمد تخزن في منطقة من الدماغ تسمي hippocampus (الحصين) بينما تخزن الذاكرة طويلة الأمد في neocortex (القشرة الدماغية)

 وخلال النوم يحدث ترسيخ ودمج الذكريات والأفكار عبر انتقالها من الحصين إلى القشرة الدماغية  وتعرف هذه العملية بتوطيد أو تصلد الذاكرة memory consolidation في الدماغ إذ أن خيوط النوم المغزلية sleep spindles والمرتبطة بتوطيد الذاكرة وهي نوع من موجات الدماغ تحدث بشكل مغزلي أثناء مراحل النوم الأولى المعروفة بعدم وجود أحلام أو عدم وجود حركة سريعة للعينين وكلما زادت هذه الموجات زادت قدرة المرء علي التذكر في اليوم التالي ..ولإن التمثيل الذهني للحدث عادة ما يتشكل في اليوم التالي لحدوثه بعد أعادة بناءه وصياغته أثناء النوم فهذا يفسر ما يصيبنا أحيانا من سراب الذاكرة .

رؤيتان لحادث واحد.. وهم أم حقيقة ؟!:

لذلك فلا تتعجب من رؤيتين مختلفتين لشخصين حول حدث واحد وكلاهما علي حق فهناك اختلافات فردية قوية في كيفية تذكر الناس وقدرتهم المتفاوتة في نقل التفاصيل فكل شخص يسلط الضوء علي الأشياء التي تهمه وفق ميزان خاص للتقييم يختلف من شخص لإخر حول أهمية الأحداث وفق فائدتها .

لقد صدمنا العلم في أعز ما نملكه من ذكريات كانت بمثابة الجوهر الذي نرتكن عليه دوما ..

 

د.محمد فتحي عبد العال

......................

المراجع:

١- مقال سراب الذاكرة.. ماذا الذي ينتقيه الدماغ للاحتفاظ به وكيف؟ للباحثة فلانتينا شيرنشيفا

٢- كتاب سراب الذاكرة للباحثة جوليا شاو

 

محسن الاكرمينيركب سيارته ويتجه نحو نقطة مجهولة عن العيون المتلصصة عبر الطريق السريع، كان تفكيره مشوشا حتى أن  الشيطان الذي يجسد الكائن الخارق للعادة والذي يزين شهوات الدنيا وحب الامتلاك سافر معه لزوما. تذكر أن الشيطان هو القوة الضابطة لأفعال الكفر وبه تتحرك قوى أعوان الشر المنتشرة بالامتثال لأوامره عن طريقة استغلال شبكة "الويفي" الحديثة مجانا. في طريقه التي لا تنزاح علوا بمنعرجات منغلقة كان يفكر في تسميات الشيطان عند مختلف الأديان والثقافات، كان جلوس إبليس في المقعد الخلفي يجاريه في التفكير ويتودد له بأن يبقيه مصاحبا له طيلة سفره.

هو كان يعلم علم اليقين أن شياطين الأرض تمثل القوة الخفية الفاسدة، وتبتكر الشر بمراتب تفوق إبليس الجني. حين نظر من المرآة  خلفه وجد أن الشيطان حاضرا بابتسامة مستطيلة ويتوسط المقعد الخلفي للسيارة، وجده ينتحل صورة (نافي) في فيلم (الأفاتار Avatar) المسالمة والطيبة من الكوكب المشع بزرقة اللون، وجد ابتسامته تفوق متسع السعادة التي نبحث عنها ولا نقدر على تملكها، وجد أن الخيال والحياة خارج العوالم الممكنة مغامرة مفزعة. لم يستطع إيقاف تلك التمثلات الجانبية إلا وهو يحدث فرملة قوية لحياة محرك السيارة، حتى أنه سمع صوت عجلات سيارته في احتكاك مع إسفلت الأرض.

توقف اضطراري جعله يستعمل كل المنشفات الورقية ليتخلص من عرق جسم خوفه، ترجل سيرا بجانب تلك الطريق المقفرة ، ترجل وهو يلامس ملمح حضور الشيطان يعاكسه، وحتى إن جنس الشيطان المتحول أبى على الشد بيده رفقا لحاله ومساعدته على البقاء وقوفا. حين توقف على هامش المنحدر، كان ظل تلك الشجرة اليتيمة مشتتا ولا يمنع أشعة الشمس من التسرب أرضا، لكنها تظل شجرة مقدسة في ظل وضعيتها المتفردة بالاخضرار في تلك المنطقة القاحلة.

في مخيلته كان يحتقر عمل الشيطان المتواصل الذي لا يعرف راحة ولا عطلة نوم ، كان مرات عديدة لا يؤمن بعنترية إبليس التاريخية، لكنه اليوم بدا جبانا ومتوترا وضعيفا أمام سلطته التحولية، ويمكن أن يعيش معه (نفي النفي) غير المنتهي. تبسم إبليس المؤنث والمذكر في صورة (نافي الطيبة) وفي متم ابتسامته حدث ضغط على عقله وتفكيره، حينها شد على عينيه بغير إيمان خوف من إبليس، وكأنه يعيش ساعة جحيم من خدع كاميرا الشيطان الإنسي في فيلم (أفاتار).

كان الشيطان واثقا من عمله، كان أشد حرصا على إتمام مهماته بكل حزم وجودة أداء. تبسم إبليس وآثر أن يحمل ازدواجية بشرية وجنية. تبسم حين أقبس على تفكيره كليا ولم يدع له فرصة للفرار إلى مقعد قيادة سيارته. إنها هجمات الشيطان غير المعلنة لا في المكان ولا في الزمان، إنه الشيطان الواثق من عمله دون أن يطالب زيادة في أجره الشهري، إنه إبليس الذي يحتل أذهاننا الدنيوية بإطباق السيطرة.

اليوم إبليس كان قوي الحضور وفرض عليه شروط التفكير والكلام وبناء علامات الشر غير المنقطع، اليوم يعلن إبليس أنه رقم بسيط في معادلة تدمير المجتمع والحياة وتوسيع موجهات الفساد، يعلن أنه رمز قوة الشر وتبقى لعبة التطبيق بيد الإنسان الظلوم الجهول. اليوم يعلن إبليس أنه يصنع المغريات ويتفنن في جودتها وتسويقها بكل أريحية إعلام ، اليوم يعلن أن أتباعا أوفياء من البشر قد تم توظيفهم برواتب مغرية ليقوموا بدور ترشيد تطبيق مكائده وقوته المدمرة وتحصين الفساد من شر الحكامة.

لحظتها لم يعر كلام إبليس متسعا من الضبط العقلي، بل انطلق نحو مقود سيارته وأعاد تشغيل محركها بانطلاقة مسموعة نحو حياة الأفق. هو الآن يحس بأنه تحرر من ضغط إبليس وشره، وكلماته الآتية من خيال الرؤية الملتهبة بنكوص الأمل، هو يحس بأنه تخلص من إبليس المذكر والمؤنث بذلك الفضاء البعيد عن موطنه. لكن، هيهات هيهات فإبليس لم يترجل مشيا بل لازال قاعدا في خلفية مقعد السيارة.

رغم أن أغنية جينيريك (فيلم نافي) قد رمت به بعيدا عن ملازمة التفكير في  شرور إبليس اللعين، إلا أن رجله لم تستطع نقل قوة الضغط على دواسة البنزين، فكان سيره بطيئا حزينا ، كانت حركته لا تحمل محفزات  مجابهة إبليس أمير الشر بشجاعة والحد من تجلياته الماكرة. كان غير قادر على خلق ثورة مفزعة ضد الشر والفساد، كان التحكم في تفكيره يزكي نضج الخوف من الفشل ويتوسد أمنا وسادة الضعف. حين أتلف طريقه شتم إبليس وتعود منه ثلاثا، نظر عبر المرآة العاكسة وراء فوجد أن ظل إبليس لازال  ساكن الحضور.

أحس باحتقان داخل مخيلته،  فقرر الحرب على مكونات الفساد، قرر التخلص من الخوف، ومن ارتعاد حركات الضعف في مواجهة تجليات الشر، قرر مواجهة الشر الأصغر في نبعه الأول. التزم بقطع كل (ماكينات) محركات الفساد، قرر الوثوق في خلق الثقة وربح معركة عدل المحاسبة الدنيوية وتقليم أظافر جنود إبليس الأشداء من بني البشر. قرر استحضار بصيرة الخير وتغليبها، قرر أن يقف عند علامة " قف" ويتجه نحو مسلك تعديل سنن المستقبل وبناء مفاضلة الحق والعدل.

 

ذ. محسن الأكرمين.

 

مادونا عسكر"يُخيّل إليّ أنّ آلهة اليقظة والنّشاط شاءت أن تتفقّد الشّرق حوالي منتصف القرن الماضي فنشأت فئة من فضليات النّساء على مقربة من الرّجال الّذين قُدّر لهم أن يكونوا عاملين في صرح الشّرق الجديد. فولدت عائشة عصمت تيمور في مصر سنة 1840م، وولدت في تلك الأعوام بسوريا وردة التّرك، ووردة كبا، ولبيبة صدقة وغيرهنّ. وولدت زينب فوّاز صاحبة "الرّسائل الزّينبيّة" و"الدّرّ المنثور" في صيدا سنة 1860م. وولدت في العام نفسه فاطمة عليّة ابنة المؤرّخ التّركيّ جودت باشا. وهي رغم كونها كتبت بالتّركيّة فإنّ لها الحقّ أن تُذكر بين أديبات العرب لأنّها عرفت لغتهنّ، وانتشر صيتها في أقطارهنّ، وعاشت طويلاً في بلادهنّ..."

بهذه السّطور البليغة استهلّت ميّ زيادة كتابها عن الشّاعرة اللّبنانيّة وردة اليازجي. وفي هذه السّطور وما تلاها من بحث قيّم عن وردة اليازجي، وفي نفس الاتّجاه عن عائشة عصمت تيمور وملك ناصف حفني (باحثة البادية) تتجلّى للقارئ شخصيّة ميّ كاتبة مقتدرة وقادرة على تحليل الشّخصيّة المراد الحديث عنها، وعلى تقدير عطائها وجعله في مرتبة عالية حتّى يتمكّن الجميع من التّعرّف إليها. وفي هذا الاستهلال إشارة إلى وعي ميّ بحضور المرأة الأديبة  الفاعل. فكأنّها تقول إنّ الشّرق يفتقد إلى جوهر الكلمة ما لم تحضر فيه كلمة المرأة. كما تبرز ميّ كناقدة تجيد استخراج الجمال ممّا اطّلعت عليه من شعر وفكر وأحاديث مطوّعة إيّاه بأسلوبها البليغ ومشتغلة على النّصوص، تبيّن جمالها ومضامين سطورها، كما تنتقد بصرامة ما يخالف تطلّعاتها وخبراتها وآراءها.

من جهة أخرى، ونحن نطالع الكتب الثّلاثة لميّ زيادة عن باحثة البادية وعائشة تيمور ووردة اليازجي، تتشكّل أمامنا شخصيّة ميّ الإنسانة الواثقة من نفسها، العارفة مكانتها من العالم المحيط بها ومن قريناتها من الأديبات بل ومن الأدباء. ففي هذه الكتب الثلاثة تتحمّل مسؤوليّة أدبيّة في تسليط الضّوء على أديبات ساهمن في بناء الصّرح الأدبيّ، حتّى وإن تمّ تجاهلهنّ وإقصائهنّ عن التّكوين الفكريّ الأدبيّ وعدم اعتبارهنّ مراجع أدبيّة يمكن الاستناد إليها.

إنّ عمل ميّ في هذه الكتب، وتحديداً، في كتابها "باحثة البادية"، علامة مميّزة  أكّدت من خلالها ميّ وعيها الأدبيّ والإنسانيّ، فأظهرت لقارئ عصرها سمات أديبات تتفرّد كلّ منهنّ بأدبها. كما تظهر لقارئ اليوم  أهمّيّة تراثه الّذي ينبغي أن يُحفظ بالفكر والقلب حتّى يرتقي ويصبح بمصافّ الشّعوب المتقدّمة، لأنّ الشّعوب لا ترتقي إلّا بقدر ما تهتمّ بتراثها الأدبيّ والفكريّ والجماليّ.

عبّر العالم والأديب اللّبناني ومؤسّس صحيفة المقتطف يعقوب صرّوف عن أهمّيّة عمل ميّ في مقدّمة كتاب "باحثة البادية" بقوله: إنّ ميّاً نموذج جديد للنّقد في العربيّة بالأسلوب الّذي جرت عليه. فإنّها مهّدت لكلّ فصل من هذه الفصول، وختمته وعلّقت عليه من آرائها الخاصّة وأقوال أئمّة الكتّاب بما يدلّ على واسع علمها وبعد نظرها، وعلى أنّها جارت أكتب الكتّاب الأوروبيّين في هذا النّوع من البحث والانتقاد". ما يعني أنّ ميّاً اتّخذت أسلوباً نقديّاً خاصّاً بها مع استنادها إلى مخزونها المعرفيّ، ووضعت من ذاتها داخل العمل. فحين تُذكر وردة اليازجي أو عائشة تيمور أو ملك حفني، تُذكر ميّ. ولعلّه بذلك يمكن القول إنّها طوّرت الأسلوب النّقديّ.

حين أرادت ميّ  أن تكتب عن أعمال باحثة البادية ووردة اليازجي وعائشة تيمور، ارتكزت بداية على السّمات الشّخصيّة لكلّ منهنّ، جسديّة كانت أم نفسيّة. وبذلك يكون نقدها قد استند إلى تحليل لحركات الجسد والتّأمّل في الشّخصيّة وسلوكها ضمن محيطها ومدى تأثير هذا السّلوك في نوع الكتابة. فتذكر على سبيل المثال عن حضور وردة اليازجي الأدبيّ القويّ في عائلة أدبيّة. وتذكر ميّ أنّ شقيق وردة اليازجي الشّاعر الشّيخ ابراهيم اليازجي كان يصمت تهيّباً في حضور شقيقته فيكون لها الحديث وله الإصغاء. وإن ذكرت ميّ هذا الأمر فلترسم للقارئ شخصيّة وردة اليازجي وتأثير هذه الهيبة  في العمل الأدبيّ. فتكون بذلك قد انتقدت العمل انطلاقاً من الشّخصيّة على المستوى الفكريّ والنّفسيّ مستخلصة من بين السّطور أهميّة أدب العمل المراد نقده. ما يعني أنّ نقد ميّ احتاج معرفة دقيقة للشّخص المراد نقد عمله، لأنّها تعتبر أنّ عصارة الوجدان والعوامل النّفسيّة والظّرفيّة تؤثّر في عمق العمل. والّلافت أنّ لميّ تعريفات نقديّة خاصّة تأتي على ذكرها في سياق الحديث عن الشّاعرة المصريّة عائشة تيمور. فتعتبر أنّ النّقد ليس ببلاغ عسكريّ يعلن الأحكام العرفيّة، ولا هو منشور أسقفيّ يحرم عضواً من شركة المؤمنين وشفاعة القدّيسين، ولا هو بأمر المعلّم القرويّ غضب على تلميذ مسكين لم يحفظ أمثولته كما ينبغي...

تفهم ميّ النّقد على أنّه نظرة فرد  معرّض للخطأ في عمل فرد آخر معرض للخطأ يختلف عنه ميولاً وكفاءة ووراثة. ما يدلّ على أنّ النّقد في مفهوم ميّ ليس تجاهلاً للأخطاء أو قبولها وغضّ النّظر عنها، وإنّما هو حالة من التّجرّد يدفع النّاقد للتّماهي مع المنقود والشّعور به وبكلماته ولعلّه يمكن القول بلوغ حالته أثناء الكتابة ليتمكّن الناقد من بلوغ أهدافه النّقديّة. وفي كتاب باحثة البادية تذكر ميّ شرطين أساسيّين ليكون النّقد مفيداً: الأوّل، أن يكون قوّة فطريّة مكتملة لا جزئيّة، والثّاني، أن يكون الإطّلاع والملاحظة والاختبار قد أوسعته تهذيباً وتصفية. والشّرطان لازمان متماسكان  إلّا أنّ الملكة الفطريّة أكثر ضرورة لأنّ وجودها يقبل المزيد والاتّساع.

إنّ ميّاً ناقدة بالفطرة وهذا منحها آفاقاً إبداعيّة واسعة. فالنّقد، في نظرها، موهبة فنّيّة تصقلها المعرفة، ويغنيها الاطّلاع والاختبار الشّخصيّ. وإلّا فكيف يمكن التّماهي مع المنقود إن لم يكن النّاقد قد اختبر ولو بجزء بسيط ظروفاً حياتيّة تؤهّله للتّوغّل في شخص الآخر؟ ومن اللّافت أيضاً أنّ ميّاً سعت بشكل أو بآخر إلى إعادة بناء مفاهيم قد تكون ملتبسة في ذهن الإنسان؛ كأن تشير إلى مفهوم التّعصّب في سياق الحديث عن باحثة البادية المسلمة المتمسّكة بالأصول والشّريعة: "سيرى فريق أنّ باحثة البادية كانت متعصّبة. ذلك ممّا لا ريب فيه وكيف ينتظر أن تكون غير متعصّبة؟ أليست بشراً، أو ليس التّعصّب من أشدّ العواطف ملاصقة للنّفس؟ حدّثوني عن تسامح من لم يكن متعصّباً لأضحك قليلاً!"؛ وبذلك إشارة إلى التّعصّب كسمة إنسانيّة أصيلة في الإنسان، إلّا أنّ ميّ نالت منها الجانب العميق لا السّطحيّ بمعنى التّشدّد الأعمى. وتضيف ميّ أنّ التّعصّب الجنسيّ والقوميّ والعلميّ والفلسفيّ والأدبيّ والاجتماعيّ والحزبيّ والفرديّ وتعصّبات أخرى لا أسماء لها تسير موكباً هائلاً سرّيّاً لا يبرز إلّا التّعصّب الّذي ننعته بالدّينيّ. من هنا يمكن الاستدلال على ناقدة تحيط بالعمل بجوانبه المتعدّدة وتسبر أغواره بهدف أن ترسّخ في ذهن القارئ مفاهيم تسهم في تطوّر وعيه من جهة، وبهدف تعميق النّظرة في العمل الأدبيّ من جهة أخرى.

وإنّ ما قيل في كتاب "باحثة البادية" يوم ظهوره سنة 1920 يحدّد لنا ملامح ميّ زيادة الأديبة والنّقديّة الّتي لم نرها على حقيقتها في أغلب ما كتب عنها. كأن يُعتبر كتاب باحثة البادية أوّل كتاب فيه نموذج للنّقد العلميّ، وأوّل كتاب في تاريخ سيّدة عربيّة وضعته سيّدة عربيّة. (مي زيادة: قطوف من التّراجم الأدبيّة)

ولا يتّسع المقال لذكر كلّ ما قيل في كتاب ميّ عن باحثة البادية، لكنّ ما يهمّني ويهمّ القارئ في ما ذُكر عن جلالة ميّ الأدبيّة وقوّتها الفكريّة وعلمها الواسع وبلاغتها الأدبيّة وتأثيرها في الوعي الأدبيّ، والأهمّ من هذا كلّه عينها النّاقدة وقلبها الّذي يرى ما لا يُرى وقدرتها على الإحاطة بمواضيع شتّى وضبطها حتّى لا يملّ القارئ، وحتّى يستفيد ويتجذّر في وعيه أهميّة وعظمة الكلمة.

لقد ظهرت ميّ في هذه الكتب الثّلاثة تحديداً أديبة من الطّراز الأوّل. أديبة متفرّدة وباحثة ثاقبة النّظر، دقيقة القراءة والبحث، واسعة الأفق، متحرّرة في عمق أعماقها. مع العلم أنّ ميّ لم تتمتّع بالحرّيّة كإنسان. تذكر الأديبة سلمى الحفّار الكزبري في كتاب "مي زيادة أو مأساة النّبوغ، ج1، ص326" أنّ والدة ميّ كانت تحظر عليها الخروج من البيت وحدها أو مع أصدقاء مقرّبين متقدّمين في السّنّ. كما يرى د. جوزيف زيدان في مقدّمة كتابه "الأعمال المجهولة لمي زيادة" أنّه ليس من قبيل الصّدف أن ينفضّ صالون ميّ بعد وفاة والديها، فقد كانا الواجهة الّتي تحتمي بها وتختفي وراءها. فميّ لم تكن لتستطيع أن تتمتّع بحرّيّتها حتّى ولو قُدّمت لها على طبق من فضّة، لأنّها كانت بنت ظروفها وبيئتها في نهاية المطاف. لكنّ افتقاد الحرّيّة الخارجيّة لم يفقد ميّ اتّزانها الفكريّ والنّفسيّ بل لعلّه زادها تحرّراً فكريّاً ونفسيّاً ومقدرة على معاينة الآخر من الدّاخل. فالحرّ من داخله، وحده يستطيع أن يبلغ عمق الآخر ويعترف له بالنّبوغ والجمال ويقدّره حقّ تقدير. ولئن  كانت ميّ حرّة فكريّاً وروحيّاً تمكّنت من الكتابة بعبقريّة عن أديبات عربيّات، ما لا تقدم عليه أغلب كاتبات اليوم. فنكاد لا نعثر إلّا نادراً على كاتبة عربيّة تكتب عن كاتبة عربيّة وتسلّط الضّوء على إبداعها في الشكل العميق الّذي قدّمته ميّ عن الأديبات الثّلاث. وأمّا السّادة الأفاضل الّذين يتحفون القرّاء بعناوين سخيفة عن ميّ زيادة لا تمتّ بصلة إلى أدبها، وبدل أن يردّدوا ما يقرؤونه هنا وهناك ويستبيحون سيرة ميّ زيادة، حريّ بهم أن يعودوا إلى أدبها وكتاباتها الّتي نحتاج إلى وقت طويل لقراءتها وتأمّلها وتبيّن عبقريّة هذه الأديبة الّتي لا ريب في أنّها أثّرت في محيطها الأدبيّ، ويمتدّ هذا التّأثير إلى العصر الحاضر.

 

  مادونا عسكر/ لبنان

 

علي الباشاحين خطوت لأخرج من غرفتي، كان الخوف مني على مسافة ذراع . كان وجودي بقربها خطيئة، وخطيئتي الكبرى أني فارقتها عند المساء. كان فراقاً مُراً علقماً كمن يجتث روح مظلوم في "الساحة العامة"[1] ويكبّر فوقه إني أرى يقيناً: أن أذبحك، لا بل أصلبك، لا بل أرجمك، كلمات نتنة تجترها أفواههم كخنازير تأكل قذارات من غير عناء.

بعدها تساوت الألوان، وليست كل الألوان، وظهرت الغابات على حقيقتها، والمساحات الوردية التي افترشت نفسها أمام ناظرينا ما هي إلا مستنقعات تصطاد أحلام الأزهار وتقتل العصافير في مهدها. لم تكن سوى غُولاً ذاك الذي خوفتنا منه العجائز على ضوء السراج، لا بل ذاك " الهرط" [2] الطويل حين يبتلعنا الخوف فنهرع لضم أمهاتنا وتمنعنا القوانين التي سنتها الحروب. تلك التي منعتني أن أقضي ليلة واحدة معك بجوار "مقبرة الشيخ عقيل" [3]، تلك التي لفّت حول عنقي ألف ليلة أخرى، تنقر فيها الطير رأسي ثم أهرب من طوفان النوحيات وأصلب نفسي على "دوّار الدلة"[4] كشاخصة في الطرقات . يرمقني أهلي من بعيد وهم ممنوعون من الاقتراب، وتقبلني النسوة المارات كالسيارات. يا لحظة تفوح منه رائحة المسك والعنبر! ثمَّ أشتري قلادة كُتب عليها الله أكبر، وأقف بين الشهداء في مقبرة "اعزاز"[5] أصلي صلاة الخائف على جسدي المسجى أمام ناظري، وأتدرّب على حرب المشاعر المقدسة وفي عنقي بيعة ورهان درع ليهودي.

حاصرتني الآلام حصار الأيام الثكلى التي تبكي على من فارقها، وتنوح كل يوم ولا تتعب: أنا أم الشهيد، أنا زوج الشهيد، أنا أخت الشهيد، أنا بنت الشهيد. تهيل عليه التراب وتنتظر يوم القيامة بفارغ الصبر لتأخذ حقها. تلبس عليه السواد وترفض كل اغراءات المصابيح . فأيّ هاجس أكبر من هاجس الروح بالفراق، وأيّ ورد يليق بالمقابر تلك التي نلقيها فوقها لتستبغ برطيبها ألم الفراق.

ذاك الألم الذي يأكل ذاكرة المغتربين كدودة دالية خضراء، يوقفهم عند الحدود ويدقّق أوراقهم : من أنتم ؟ لقد ضاعت السجلات. لكن وحدها البوابات تلك التي تتذكر الوجوه، وجوه المتصوفين الذين أتعبهم الانتظار على أبواب الأولياء، وناموا على مفارق الأحزان في خيم الذكريات.

كل يوم، يقف على باب ذاكرتي هاجس يدفعني بشدة لاحتضن "مئذنة الجامع الكبير" [6] وكلما اغفو يهزني الشوق فاستيقظ فزعاً .. إنهض، كيف ينام العشاق "وما أطال النوم عمرا"!  ثمَّ أقول، يا لخوف فؤادي من غدٍ تركض عقاربه مسرعة، تسبقه خطوات الموت، تأكل أعمار المتنزهين على شواطئ الحرية كل يوم، وتنتحر الأماني المزروعة بين " الألغام" [7] وتسقط سنابل الحنطة كشواهد قبور أسقطتها جحافل البربرية.

لا يمكنهم -مهما فعلوا- أن يهزموا الحب السرمدي الذي بيننا وشرانق من " التوت"[8] منه ابتنينا. ينتابني كلّما سمعت اسمك رهبة الخشوع وأنا واقف في " رسوم المستجاب"[9] استمده من حنين أبو فراس الحمداني " وجعلت منبج لي محلا"، ويلتصق ريح " الزيزفون"[10] في ذاكرتي اشتمه بعمقٍ كريح يوسف حين ربي لدعاء يعقوب استجاب.

أدفن أنّاتي في سواجيرك حلماً "غُزيلّياً"[11]، وأراقب من خلال نافذتي عصفوراً يبني عشه من جديد تحت كرمة العنب، واعتصر ألمي من زيتونك زيتاً يضيء طريق المعثرين بين أزقة الجنة الموحشة. وأبحث كل صباح فوق وسادتي عن فسيفساء دراويشك بين" فلافل الفيحاء وفول يشار ومشبّك جالو " [12]. وحينما أنهض من فراشي أتعثر بركام" مبنى البريد"، فأكسر قلمي الرصاص لأبريه من جديد.

العتبة المقدسة أمام باب منزلي تنتظر قدمي لتعرج معي، ومفاتيحي التي في جيبي تذكرني كل يوم أن أتحسسها. تلك الأحلام سقطت مني سهواً جميلاً حين خطوت حاملاً في جعبتي "نشيج الزيزفون"، ولا شيء يملؤ دفاتر مخيلتي سوى رشفة قهوة سديمية تحت أشجار اللوزية الخضراء عند "ضوء القمر" .

 

د. علي الباشا

كاتب سوري، مقيم في السويد

.......................

[1]  إشارة إلى الساحة العامة في منبج.

[2]  شخصية خرافية مخيفة.

[3]  مقبرة معروفة في منبج.

[4]  أحد الساحات " دوار في منبح" صلبت فيه داعش الشباب بعد قتلهم.

[5]  مدينة اعزاز شمال سورية، حيث تم دفن ابن أخي.

[6]   الجامع الكبير في منبج.

[7]   الألغام التي زرعتها داعش وحصدت الأرواح.

[8]  قول ابن الوردي عن منبج: منبج أهلها حكوا دود قز عندهم تجعل البيوت قبورا * رب نَعِّمْهم فقد ألفوا من شجر التوت جنة وحريرا

9  قول أبو فراس الحمداني: قِف في رُسومِ المُستَجاب وحَيِّ أَكنافَ المُصَلّى * فَالجَوسَقُ المَيمونِ فَالسُقيا بِها فَالنَهرُ أَعلى * تِلكَ المَنازِلُ وَالمَلاعِبُ لا أَراها اللَهُ مَحلا * أوطِنتُها زَمَنَ الصِبا وَجَعَلتُ مَنبِجَ لي مَحِلّا

[10]  شجرة الزيزفون، شجرة مالوفة في منبج.

[11]  قول محمد منلا غزيّل رحمه الله : وأطياف منبج عند المغيب وأحلام منبج بين الشجر.

[12]  محلات يعرفها أهل منبج.

 

باﻷمس وأنا اتنقل بين الصحف الإليكترونية، وأتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وأتقلب هنا وهناك بين القنوات الفضائية، وقعت بالصدفه على فلم  The حميد طولستDiscovrey أو La découverte  الذي حاول مخرجه "تشارلي ماكدويل" الإجابة عن التساؤلات المحيرة والمقلقة لإشكال وعي الإنسان، من دون غيره من الكائنات الحية، بأنه يحيا ويعيش ويفنى، وجهله التام بالغاية الخفية من تربص الموت به، لإنهاء وجوده الدنيوي، وانتزاعه من ملاذاته الحياتية، وحرمانه من رغباته وشهواته التي يزداد تمسكا بها كلما تقدم في العمر وتوغل في الحياة، وذلك من خلال قصة لــ"جاستن لاثر" التي تحكي فيها عن توصل عالم وباحث الكبير -"توماس هاربور" الذي لعب دوره في الفلم الممثل المقتدر "روبرت ريدفورد"- إلى إثبات علميا وجود حياة بعد الموت، الإكتشاف الذي دفع، بعد سنة، بالكثيرين إلى الإنخراط في تجربة الإنتقال إلي العالم الآخر، عالم الروح ، على أساس أن الموت ليس إلا خطوة ثانية بعد خطوة الحياة، وعتبة مرور إلى اللامتناهي الأبدي، وذلك فرارا من كل ما يشوش على طبيعة وجود الإنسان وآفاق كينونته، إلى عوالم الروح، التي اختار البعض العبادة والتصوف وشدة الإيمان والتقرب من المولي عز وجل، كوسيلة للولوج إليها،  واتخذ البعض الآخر التأمل والسكون والتصوف و"اليوجا" كسبيل لبلوغها، وتعاطي فريق ثالث "أقراص الروح" كطريق للوصول إلى عالومها الخفية ... كأقراص الـ" دي إم تي"، ونبات "الأياوسكا" الذي كانت قبائل الأمازون تتناولها خلال طقوسهم الدينية لتحقيق وهم الحقيقة الكاملة المُخَلِّصة من صدمة الموت القاسية، وما يعيشه بسببها من حياة مزدوجة بين واقع ملموس مرئي بالأعين البشرية، وعالم خفي معروف ومدرك بالروحه، ويصعب رؤيته خباياه إلا بالبصيرة  أو العين الثالثة، التي نبهنا الله عز وجل لوجودها، والمغطاة بغطاء يمنع العقل البشري من إدراك ما خفي عنه منه، لسلامته، بدليل قوله تعالى "لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ منْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ". تلك العين التي يكشف عنها الله لمن يشاء، ويفتح عليه فتوح العارفين، فيطلعه عما خفي عنه من ذاك العالم، الذي لا يستطيع أي سويٍّ من بني البشر أن يمنع نفسه من التفكير فيه والإنشغال به، والذي برع كل من "روبرد ريدفورد" و"ريتشار أورورك"و"كتري ديمارتينو" و"رون كندا" في  تشخيص الإشكال  بفنية عالية.

 

حميد طولست

 

محسن الاكرمينفي متحف النسيان ممكن أن يسكن الماضي برفق بدون تنبيه يقظة مفزعة، في متحف التناسي ممكن أن يصبح الماضي امرأة تركت عطرها الفواح عند من يعشقها حيلة للعودة بسحبه. من عجزنا الجماعي استراق سمع خبايا المستقبل من سماء الأرض، حينها ممكن أن نتسلح بمغامرة التغيير و فض بكرة غد خبايا المستقبل.

من حساباتنا الخاطئة أن تبقى أسلحتنا الفكرية والعاطفية المحولة نحو المستقبل بدائية، من سوء نزوة إرضاء غرورنا المتدفق بالكبرياء نحرق مراحل الطريق دون أن نقف بمتسع الوقت الكامل لمعرفة الوصايا العشرة للألواح والوقوف على علامات ترقيمها.

من أصعب الإشكالات غير المفككة حين تفشل قدرتنا على التعامل مع سماء الغيبيات العلوية والسفلية، حين لا نستطيع إيجاد ايجابيات سواء كانت كلية أو جزئية عن الظواهر الغيبة غير المتحكم في نتائج قدريتها علينا. من سوء تقديراتنا حين نسقط الحزن والحب من أوراق كتاباتنا و تفكيرنا، حين ينتهي الوجع برسم الشفاه على مرايا الحياة بالتنوع الممتد غير المنتهي، حين نعيش بالتعب الحامل لكل همومنا ومآسينا، حين تكون البدائل الممكنة أوالمفكر فيها أسوء سوءا، ويمكن من خلالها أن نخسر فيها قلوبنا وأفكارنا ووهج الحياة الباقي، حين تخفي علينا شهب السماء الساقطة استراق محددات الخسائر بمبدأ تدبير المخاطر. حين ذاك ممكن لشر التملك والكبرياء أن يتقوى علينا سوءا ويفسد النور الآتي حتى من نوافذ الهواتف اليدوية.

 نقط التشابه تلعب أحجية الرعب الآتية من جدران كئيبة، نقط التشابه أفسدت الزمن الجميل وتعيش الفوضى وسوء الترتيب، نقط التشابه بدأت البحت عن ألوان جديدة لسماء الحقيقة حين تضيع ولا تعتدل، حينها تبدأ في تقليص عددها وصناعة فواصل الاختلاف.

هي الحياة الخاطئة حين آمنا أن الحب لا يهرم ولن يتحرش بذوات خلافاتنا، حين آمنا به كما سمعناه عند مغنية أم الشرق. هي الحياة أحببنا أم كرهنا لها مقاطع عديدة ملتصقة بالمرآة الخاصة لكل منا ولن تزيح وجوها منها حفظا للماضي الجميل، هي الحياة التي لها اللحظات الصامتة ولا بوح جماعي، لها الصورة النمطية المسوقة بإرفاق بسمة أو دمعة بالتناوب غير العادل.

لنشتغل على قوى التغيير، فممكن أن تكون البدائل أسوء فنخسر الآخر والذوات، ممكن أن تكون الحصيلة مفصلية حياتية تقتضي إعادة الترتيب، ممكن أن نصنع من  اللحظات المقطعية من حياتنا عشق الفرح وحلم الأمل بفواصل متلاحقة، ممكن لفكر الصياد الطماع أن يخرج عفريت سليمان من قمقم سجنه الأزلي، ممكن للعفريت ألا يرضي كبرياء طلبات الصياد، وممكن أن يهدد العفريت الصياد بالقتل، لكن ممكن لعقل الصياد المفكر وقلبه الهادئ أن يرجع الجني إلى فانوسه بأمان.

 

محسن الأكرمين

 

عبد الله الفيفيما تنفكُّ عُقدة العَرَب الحضاريَّة المعاصرة تَحْمِلُهم على أن ينسبوا كلَّ فضيلةٍ إلى الآخَر.

إنه الاستلاب. 

يكفي أن تتمشَّى في شوارع مدينة (الرِّياض) لتُدرِك ذلك الاستلاب اللغوي الحضاري. ولم تَعُد العُقدة غربيَّة فحسب، وإنما أصبحت عالميَّة أيضًا، فكلُّ ما ليس بعربيٍّ جميلٌ عند العَرَب! سترى مفردات هنديَّة، وفارسيَّة، وتركيَّة، وفرنسيَّة، وإنجليزيَّة، وصينيَّة، المهم أن لا تكون عربيَّة، وإنْ لم يكن لها معنى! أو ربما استُعملت كلمة عربيَّة ظنًّا أنها أجنبيَّة! 

والبدعة الجديدة هي نسبة ما يصح أن يكون عَرَبيًّا إلى الأجنبي، كالقول في كلمات يمكن أن يكون لها وجهها من لسان العَرَب إنها يونانيَّة أو لاتينيَّة.  ونضرب مَثَلًا بكلمة "لَجْنة".  جاء في بعض المعجمات المعاصرة، كمعجم "المنجد في اللغة والأعلام" عن مفردة (لجنة): "الجماعة يجتمعون للنظر في الأمر ويرضونه.  وهي إمَّا يونانيَّة من (ليجون)، أو لاتينيَّة من (ليجو)."

  نعم، كلمة (لَجْنة) من مُحدَث الاستعمالات، فليست بمستعملة- فيما أعلم- في تراثنا العَرَبي.  ولم أقف على استعمال الكلمة، في شِعر أو نثر، قبل القرن العشرين الميلادي. قال (أحمد فارس الشدياق):

ألم تر أربابَ المعارفِ عَوَّلَتْ

                     عليهِ ومنهمْ عارفٌ شَرَفَ العَرَبْ

تَحَرَّى غناءَ الناسِ في نَظْمِ لَجْنَةٍ

                      تُجَدِّدُ رَسْمَ العِلْمِ في سالفِ الحِقَبْ

وقال (محمَّد توفيق بن أحمد بن علي العسيري العباسي، 1304- 1355هـ= 1887- 1937م)، الشاعر المِصْري، نِسبته إلى قبيلة (العسيرات)، النازل قِسمٌ منها بمِصْر العليا، ويقال إن هذه القبيلة تنتمي إلى (العباس بن عبد المطَّلب):

لَجْنَةُ التَّوفيقِ أَرضَى حُكمَها

                    إِنْ أَبَــى سَعدٌ وإِنْ يَستَثقِلِ

أمَّا في لغة العَرَب قديمًا، فنجد قولهم:

"لَجَنَ الوَرَقَ يَلْجُنُه لَجْنًا، فهو مَلْجُونٌ ولَجِينٌ: خبَطَه وخلَطَه بدقيقٍ أَو شعير. وكلُّ ما حِيسَ في الماء فقد لُجِنَ. وتَلجَّنَ الشيءُ: تَلزَّجَ... أَبوعبيدة: لَجَّنْتُ الخِطْمِيَّ ونحوه تَلْجينًا وأَوخَفْتُه إذا ضربتَه بيدك ليَثْخُنَ... وتَلجَّنَ القومُ إذا أَخذوا الورقَ ودَقُّوه وخلطوه بالنَّوَى للإِبل. وفي حديث جرير: إذا أَخْلَفَ كان لَجِينًا؛ اللَّجينُ، بفتح اللام وكسر الجيم: الخَبَطُ، وذلك أَن ورق الأَراك والسَّلَم يُخْبَطُ حتى يَسقُط ويَجِفَّ ثم يُدَقُّ، حتى يتَلجَّن أَي يتلزَّج ويصير كالخِطْمِي. وكلُّ شيءٍ تلزَّج فقد تَلجَّنَ، وهو فعيل بمعنى مفعول. وناقةٌ لَجُون: حَرُون... قال ابن سيده: اللِّجانُ في الإِبل كالحِرَانِ في الخيل. وقد لَجَنَ لِجانًا ولُجونًا وهي ناقةٌ لَجُونٌ، وناقةٌ لَجُون أَيضًا: ثقيلة المشي، وفي الصحاح: ثقيلةٌ في السير، وجَمَلٌ لَجُونٌ كذلك. قال بعضهم: لا يقال جمَلٌ لَجُونٌ إِنما تُخَصُّ به الإِناثُ، وقيل: اللِّجانُ واللُّجُون في جميع الدواب، كالحِرَانِ في ذوات الحافر منها. غيره: الحِرانُ في الحافر خاصَّةً، والخِلاء في الإِبل، وقد لَجَنَتْ تَلْجُنُ لُجُونًا ولِجانًا."

(ابن منظور، لسان العَرَب المحيط، (لجن)).

أفلا يمكننا القول، بناء على هذا الاستقراء اللغوي: إن لكلمة (لَجْنة) وجهًا من العَرَبيَّة، يغنينا عن الزعم أن أصلها يوناني أو لاتيني؟  وضبطها بفتح اللام، لا (لِجْنَة)، بكسر اللام، كما نسمع نطقها أحيانًا، ولا (لُجْنة)، بضم اللام. وجمعها (لِجان)، بكسر اللام.

لَجَنَ الشيءَ يَلْجُنُه لَجْنًا: خلَطَه، وحاسَه.  وهل اللَّجنة إلَّا خليط من الناس؟

وربما كان دور اللِّجان كذلك أن تحوس الأمور حَوْسًا، لتستخلص منها ما تتمخَّض عنها من نتائج!

ومن جهة أخرى فإن اللِّجان تلجِّن الأمور، أي تمزج الرؤى حولها، وتدرسها، وتخبطها، وتدقُّها، وتسهِّلها، حتى تلزِّجها تلزيجًا، وبالجُملة تطبخها طبخًا حتى تستوي، أو ربما تَفْسُد كأيِّ طبخة!  وكلُّ هذا له أصلٌ من المادة اللغوية (لجن)، كما رأينا.

على أن بعض اللِّجان كالإبل اللِّجان، أي الثقيلة في المشي!  تأخذ بالحكمة القائلة: "في التأنِّي السَّلامة وفي العَجَلة النَّدامة"!

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

مادونا عسكر"الخالد بتقديري هو من خطا بجماعته خطوة حاسمة في الميدان الّذي تفوّق فيه. الخالد هو الّذي جعل وسطه، بفضل جهوده، خيراً ممّا كان قبل ولادته. الخالد هو الّذي ثقّف وأنمى جانباً من الشّخصيّة العامّة، فكان له في تكوينها أثر لا تمحوه الأعوام والدّهور." (ميّ زيادة)

بهذا المعنى العميق للخلود، كانت ميّ تعي أنّ الكتابة نقش في النّفوس، وولوج في تكوين الفكر الإنسانيّ. وليست الكتابة مجرّد رصفٍ للكلمات وتعبيراً عن المشاعر أو تعبيراً عن الذّات. إنّها عمليّة تثقيف وتنوير وتطوير للعقل. لذلك من اطّلع على أدب ميّ زيادة، وتحديداً خطاباتها المتعدّدة الّتي كانت تلقيها في أيّة مناسبة دُعيت إليها، يراها تستدعي التّاريخ والثّقافات المتعدّدة بما يتناسب ومناسبة الخطاب، ما يعني أنّ خطاباتها لا تندرج ضمن إطار المدح أو الكلام المنمّق، بل كانت تنتهز هذه الفرص لتحفر رقيّ الفكر في الوعي الجمعيّ، فتستفزّ العقل للتّساؤل والتّأمّل والنّقاش. فكلّ خطاب أو مقال لميّ فيه ما فيه من التّفاصيل الّتي تغني العقل وتحيله للبحث، كأنّي بها تريد في ذلك الخطاب أو المقال أن تزرع في المستمع والقارئ بذور المعرفة والعلم والثّقافة. وهناك فرق شاسع بين زرع المعرفة واستعراضها؛ فالزّرع يفترض جهداً شاقّاً ووعياً متكاملاً ورصانة فكريّة، تفتح نافذة الأسئلة لدى القارئ، وأمّا الاستعراض المعرفيّ ففوضويّ ولا يؤثّر في القارئ.

يستشف القارئ من خلال مقالات ميّ وخطاباتها أهمّيّة حضورها وجلال هذا الحضور في الوسط الأدبيّ، فهي الكاتبة المحاطة بهالة الفكر، وليست معنيّة بأيّ أمر غير هذا. فإذا تحدّثت عن الوطن خلا أسلوبها من الشّعارات الرّنّانة والكلام الّذي يمرّ بالنّفس ليشعلها، ثم ما تلبث أن تخمد الشّعلة لسطحيّة الكلام وتكراره. وإنّما ميّ زيادة تعرض تأمّلها ووعيها بشكل محاكاة أو نقاش مع القارئ فتوقظ في داخله تساؤلات عن فهمه الشّخصيّ للوطن. وإذا تحدّثت عن التّآخي بين الأديان، استدعت التّاريخ كما قرأته بوعي وحياديّة وإنصاف مشيرة إلى تفاصيل وأحداث تاريخيّة، ترفع من مستوى القارئ الفكريّ، ولا تنحدر به إلى حضيض الغرائز. وإذا تحدّثت عن الثّقافة الغربيّة أدخلت القارئ في حضارات تعرّفت عليها فعرّفته بها، لا لتبهره بهذه الحضارات، وإنّما لتقدّم مثالاً آخر للحضارة مع الحرص على عدم التّمثّل بها والتّخلّي عن الهويّة الخاصّة. وإذا تحدّثت في العلم كشفت عن كاتبة متميّزة ومتفرّدة في المعرفة، تجيد نقل الرّؤية العلميّة ليفهمها القارئ، ما يندر في وسط الكاتبات بشكل عام. وإذا تحدّثت عن المرأة آثرت تسليط الضّوء على قدراتها ومسؤوليّاتها وعلمها ومعرفتها بعيداً عن إقحام الرّجل في ما يشبه التّنافس أو الحرب، فموضوعها في هذه الكتابات ليس الرّجل وإنّما المرأة. وإن ذكرت الرّجل فلأنّه لا يمكن تجاهله كعنصر في المجتمع، وإنّما أرادت ميّ أن ترفع من قدرة المرأة الفكريّة وتسليط الضوء على شخصيّتها وتركيبتها الإنسانيّة. "تتهيّب المرأة أمام مقدرة الرّجل لاعتقادها أنّه أبرع منها في الإلمام بالأمور من جميع جهاتها. فما أشدّ خيبتها يوم ترى الرّجل الذّكيّ الحسّاس لا يدرك ولا يريد أن يدرك من الحسنات أو السّيّئات إلّا وجهاً واحداً فقط (ميّ زيادة)

 ولئن كانت ميّ تشقّ طريق الخلود، سعت جاهدةً لبلوغ أكبر عدد من القرّاء، وذلك من خلال عدم انحيازها لأحزاب أو سياسات أو مواضيع معيّنة. فعلى سبيل المثال، رفضت ميّ معالجة شؤون المرأة فقط والالتزام بمجلّات نسائيّة وحسب، لأنّ هذا الالتزام يحدّ من تطلّعاتها وطموحها في التّأثير في التّكوين الفكريّ العام، و"تشير مقالاتها في "الأهرام" إلى عزمها على الخروج من الدّائرة المحدودة للمجلّات النّسائيّة والأدبيّة والثّقافيّة الّتي كانت تكتب لها سابقاً بالدّرجة الأولى، لتصل إلى جمهور أوسع من القرّاء." (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر، دار نوفل، بيروت، ط1، 2009).

يعدّ هذا الخروج من دائرة المواضيع المحدودة وبلوغ جمهور أوسع من القرّاء تحقيقاً لمفهوم الخلود كما أرادته ميّ. ومع أنّها كانت ترفض رفضاً قاطعاً أن تتدخّل في السّياسة إلّا أنّها وبذكاء حادّ لعبت دوراً سياسيّاً مهمّاً.

و"في معزل عن السّياسة" لعبت ميّ زيادة دوراً سياسيّاً لا يستهان به، سواء شهّرت بانتهاك حقوق مصر الشّرعيّة بنظام القضاء المختلط، أو طالبت بمبادرات إداريّة في شؤون تخطيط المدن، أم تذمّرت من التّقصير في المجال الصّحيّ، أم سعت في صدّ مشاريع قانونيّة لتشديد الرّقابة على الصّحافة، أو منع المسكرات، أم اتّخذت من الدّيكتاتوريّة في ظلّ سياسة اليد الحديديّة لمحمد محمود مناسبة لتأمّلاتها حول الحكومات والشّعوب، أم أثارت مناقشات كتلك الّتي دارت حول إدخال التّعليم الإجباريّ في مصر الّتي احتلّت الصّفحة الأولى في "الأهرام" لعدّة أسابيع.

بذلك كلّه وغيره، صارت ميّ زيادة مرجعاً للنّقد وحجّة أخلاقيّة اجتماعيّة ساهمت بأوجه مختلفة بتكوين الرّأي العام، إمّا من خلال مقالاتها وتعدّد ردود الفعل عليها، أو بالرّدّ العلنيّ أحياناً على رسائل قرّاء طلبوا نصيحتها ومساندتها، أو بشكل استطلاع للرأي مثل الاستفتاء حول إنشاء شرطة نسائيّة في مصر؛ فقد انهال على جريدة الأهرام على إثرها أكثر من ألف رسالة من رسائل القرّاء، نشرت منها ما يزيد عن الثّلاثمائة في الأسابيع التّالية." (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر). كما يذكر الباحث الفلسطينيّ د. جوزيف توفيق زيدان في مقدّمة كتابه "الأعمال المجهولة لمي زيادة" ص 25، أنّ رأي جلّ الّذين كتبوا عن أنّ ميّ لم تكن تُعنى بالسياسة لا يمكن التّمسّك به، لا سيّما بالنّظر إلى مقالاتها في "الأهرام"، وإن أسهمت الكاتبة نفسها في خلق هذا الانطباع من خلال أقوالها.  كما كان لميّ مساهمات إذاعيّة تمثّل استثناء يذكر، فعبر هذه الوسيلة الإعلاميّة الّتي كانت حديثة العهد اتّجهت الكاتبة إلى جمهور جديد مواصلة شقّ طريقها إلى عامّة النّاس. (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر)

إذاً، فميّ أديبة متمدّدة في الوعي الإنسانيّ من خلال معرفتها الواسعة وحضورها الأدبيّ والثّقافيّ، وتواصلها المباشر مع القرّاء ومناقشتهم من خلال الرّسائل والمقترحات والاستفتاء. وما هذا التّمدّد إلّا تأكيد على أنّ كلمة ميّ تأصّلت في الوعي الإنسانيّ، وساهمت إلى حدّ بعيد من خلال تحرّرها الفكريّ في أن تبني فكراً موازياً لدى القارئ. فميّ لم تكن مجرّد كاتبة تدغدغ حسّ القارئ ببعض العبارات الجميلة أو الصّور الخياليّة الّتي تداعب مشاعره. بل كانت امرأة فكر تخلق نقاشاً حيّاً بينها وبين القارئ في جميع المواضيع، التّاريخيّة منها والعلميّة والوطنيّة والاجتماعيّة والفكريّة والسّياسيّة. ما يجعلنا نكوّن صورة واضحة عن أديبة جليلة تؤثّر في الأدب العربيّ الّذي عاصرته، كما تؤثّر في الأدب المعاصر بل في تكوين فكر الإنسان المعاصر، من ناحية الارتقاء بالفكر وتنوير العقل.

نحن أمام ميّ زيادة المرجع، وقد أقول المدرسة الّتي تعلّم بكلمتها كيف نربّي الفكر الإنسانيّ على جميع المستويات بدل أن نغرقه في التّفاهات، بل بدل أن ندخله في هيكليّة التّفاهة.

قد لا نفهم لماذا لم تدخل ميّ في تكويننا المعرفيّ، أقلّه ككاتبات، وقد نفهم إذا تتبّعنا تفاصيل عديدة من شأنها أن تثير التّساؤلات حول عدم انتباهنا إلى مرجعيّة أدبيّة وثقافيّة يمكن أن تغني فكرنا وخبرتنا في الكتابة. ومن ضمن هذه التّفاصيل عدم التّركيز على الفكر والانشغال الأكبر بالبوح عن المشاعر وعدم التّوغّل الجدّيّ في المعرفة. من ناحية أخرى، لعلّنا ما زلنا بعيدين عن النّطق بالحكمة، حكمة المرأة. ولعلّنا لا نقدّر ذواتنا حقّ التّقدير انطلاقاً من قدراتنا الشّخصيّة. وإنّما غالب الظّنّ أنّنا ما زلنا نبحث عن ذواتنا جاعلين الآخر محور البحث. وأعني بالآخر الرّجل الّذي ما برحنا ننافسه لنثبت حضورنا. بيد أنّه ينبغي إثبات الحضور بمعزل عن المنافسة معه والقياس عليه.

قد لا نفهم لماذا لم نقرأ عن ميّ إلّا صورة هشّة بعيدة كلّ البعد عن صورتها الحقيقيّة وحضورها الجليل في الوسط الأدبيّ. وقد نفهم، إذا أعملنا العقل في الخبر كما يقول ابن خلدون، وولجنا سياقاً أدبيّاً وتاريخيّاً وحلّلنا بعض الشّخصيّات الّتي عاصرت ميّ زيادة من خلال سلوكهم الحياتيّ وعقدهم الذّكوريّة وانفصام شخصيّتهم  ونظرتهم للوجه الواحد للمرأة، وربّما خوفهم من الحضور المتحرّر مقابل تأصيل وتجذير الفكر الدّينيّ.  كلّها أسباب ممكنة ومشروعة التّساؤل. إلّا أنّه ما من خفيّ إلّا سيظهر، وما من مكتوم إلّا سيُعلن عنه، ليصبح واضح النّور يعشي ذوي الأعين كليلة النّظر.

 

  مادونا عسكر/ لبنان

 

محمد صالح الجبوريالذكريات القديمة لها مكانة في القلب والعقل والنفس، وهذة الذكريات تبقى خالدة مهما تغير الزمان، المدينة مصدر العلم والثقافة، عندما يزور الإنسان المدينة لأول مرة يصاب بالدهشة والإستغراب، وهو يرى التطور العلمي والصناعي، وجمال المدينة وحدائقها الجميلة التي تسحر القلوب، وتبعث في النفس الهدوء والتأمل لهذه الحياة، ألمدينة العامرة بأسواقها المنوعة، و مطاعمها التي تقدم أفخر الأكلات منها الكباب الذي هي من الأكلات الشعبية التي يقدم معها اللبن وشربت الزبيب، والمشويات، والقوزى، والتشريب، الباجة، ومالذ وطاب من الأكل، والمقاهي المنتشرة في معظم أحياء المدينة،وعلى ضفتي النهر، ومدن الألعاب ودور السينما والمسارح، المثقفون تجدهم في المكتبات التي تحتوي على أنواع الكتب، والمجلات  والصحف، الاسواق منوعة ومرتبة حسب عرض البضاعة، أسواق الأقمشة الملابس والأحذية، والتراثيات، واسواق الذهب، واسواق المواد الغذائية، في المدينة يكتسب الإنسان الثقافة و العلم، الجامعات هي مراكز الثقافة والبحوث منتشرة في المدينة، الإيجابيات كثيرة في المدينة، وعلى الإنسان يختار الأماكن ألتي يتواجد فيها، وان يختار الأصدقاء الذين من أصحاب الأخلاق الحسنة، والذين يمتلكون ثقافة عالية، اما السلبيات الموجود في المدينة كأصحاب السوء و الأخلاق السيئة، والإبتعاد عنهم، وعدم التردد على الأماكن السيئة، الإنسان ينبغي أن يثقف نفسه بالقراءة و حضور الندوات المفيدة، والعلم والثقافة سلاح قوي يستخدمه الإنسان في حياته، ونبقى نعيش مع الاحداث التي مرت مرور الكرام، وأصبحت ذكريات من الماضي.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

شاكر فريد حسنالشفاعمري عبد الهادي قصقصي شاعر رصين مرهف الاحساس، مسكون بحب وطنه، ملتصق بقضايا وهموم شعبه، ومفتون بالقصيدة الكلاسيكية العمودية العروضية، وما يميزه خصوبة الخيال والقدرة على الاتيان بالصور الشعرية الفنية الواضحة الانيقة الخلابة.

اصدر ديوانين شعريين، هما : " إن الحمامة تنتشي بهديلها " و " قبس القصيد ". وبين يدي ديوانه " إن الحمامة تنتشي بهيديلها "، الذي كان قد وصلني هدية منه حين صدوره، ولكن شواغل الحياة وهمومها ومشاكلها وضغوطاتها حالت دون الكتابة عنه، فالمعذرة يا شاعري.

جاء الديوان في 100 صفحة من الحجم المتوسط، وضم بين ثناياه 37 قصيدة تتناول موضوعات وطنية وسياسية ووجدانية ورومانسية ومناسبات اجتماعية ورثائيات. وكتب الناقد الاستاذ محمد صفوري مقدمة له، ومما قاله: " قصائد الديوان تثبت قدرة شعرية وفنية جديرة بالتقدير والاهتمام، إنها قصائد تفوح بعبق الماضي وعذوبة المستقبل المؤمل، ليعيدنا الشاعر إلى تراثنا العربي الأصيل، ويعزز أصالتنا وانتماءنا لهذه الأرض التي عُجنا من أديمها، اجسادنا وليمدنا بالأمل، لنحلم بالمستقبل الذي لن نحيد عنه ".

قصائد الديوان جميلة شفافة في الفاظها ومعانيها، تنساب انسيابًا رقراقًا عذبًا شجيًا، تحفل بالتعابير التصويرية الفنية التي تنم عن حسٍّ انساني مرهف، وتذوق رائع للجمال في كل مفردة من مفرداته، التي يختارها بعناية فائقة واهتمام بالغ، وتتصف بمتانة العبارة، واناقة الحروف، وسلامة الأسلوب، وسحر اللغة، وروعة الأداء والصياغة والتراكيب والموسيقى الداخلية الهادئة الطلية، كصوت الحمامة في هديلها، فضلًا عن توظيف الأساطير، وابتكار الصور الفنية واضحة المعالم، واللغة الرشيقة الحية، والإحساس الوطني والقومي والعروبي، والنظرة الاستشرافية التفاؤلية المشرقة، رغم المكابدة والألم والوجع والقلق الحضاري، وما يعصف في حياتنا من معارك وحروب وصراعات طائفية وفوضى خلاقة.

يبدأ شاعرنا عبد الهادي قصقصي ديوانه بقصيدة " متألق هذا الربيع بموطني "، حيث يتغنى بالربيع الطلق ويصور جمال الطبيعة وسحرها ومناظرها الخضراء في بلادنا، ويذكر اسماء الأشجار وأنواع النباتات التي تنمو في أرضنا السمراء المعطاء، ويبدع في الوصف حين يقول:

متألقٌ هذا الربيعُ بموطني

              وتكحلَّتْ من سحرِهِ الابصارُ

سجادةٌ خضراءُ تفترشُ الثرى

              بالأخضر الشجري تمَّ إطارُ

رسمتُ مشاهد لوحةِ ألوانها

                وكواكبٌ  إكليلُها   والغارُ

تتوفر الخيراتُ في جنباتِهِ

                وفواكه مشهورةٌ وخضارُ

وسنابلُ القمحِ المباركِ حبَهُ

               يحني السنابلَ حبُّهُ المقدارُ

والزعترُ المحرومُ من قطَافِهِ

              منع الأهالي  قطفهُ  انذارُ

والصخرُ والقندولُ رمزُ صمودِنا

              والتينُ والزيتونُ والصبارُ

والتوتُ والرمانُ طابَ شرابُنا

             والزيتُ من زيتونِنا نختارُ

وفي قصيدته الثانية يشدو لمدينته " شفاعمرو "، ويفاخر فيها، لأنها تجمع أخيار الناس في أحضانها، ويتحدث عن روح التسامح بين اهلها، وعناق الهلال والصليب، فيقول :

بلدي الحبيبُ معزتي ومفاخري

                     وبديله لا أرتضي بمكانٍ

متألقٌ بلدي الجميلُ بأهلهِ

                     وبنهضةِ الإنسانِ والعمرانِ

ومعالمُ التاريخِ تثبتُ مجدَها

                     من عهدِ كنعانِ إلى عثمانِ

جمعتْ خيارَ الناسِ في أحضانِها

                      وتآلفت في أقدس الأديانِ

وتعانقُ الأجراسُ صوتَ مؤذنٍ

                      وأهلَّةٌ تدنو من الصلبانِ

وكنيسةٌ دقَّتْ بجانبِ مسجدٍ

                      وتجاوبتْ في خلوةِ الاخوانِ

أما في قصيدة " إن الشعوب إذا ثارت ستنتصر "، يحاكي ويصف أحوال الامة واوضاع الشعوب العربية الواقعة تحت وطأة القهر والاستبداد، ويحيي البواسل والأحرار في الوطن العربي، مؤكدًا على حقيقة أن الشعوب إذا وقفت على رجليها وهبت وثارت على انظمتها فهي المنصورة في نهاية المطاف :

لا يدرك البغي والحكامُ عاقبةً

             إن الشعوبَ إضا هبت ستنتصرُ

إرادة الشعب قد حقَّتْ نجاعتها

             قد أحبط الظلم والطاغوت يستترُ

ما للعروبةِ في أحوالها غضب

           من ظلمِ حكامٍ جاروا وما اعتبروا

ويهتف شاعرنا لأيار عيد العمال العالمي، وشهر الكفاح ورمز النضال الطبقي ضد الظلم والاستغلال والعبودية والرأسمالية، والشهر الذي يعيد للأذهان نكبة شعبنا ومأساته المستمرة، ملوحًا بالراية الحمراء الخفاقة عاليًا كالنسر، ومبشرًا بفجر الحرية والانعتاق :

شهر الكفاحِ مناصرٌ لمطالبٍ

               نصر الشعوب لحقهم قد لاحا

والكادحونَ تفجرتْ احقادُهم

               من ظالمِ حقَّ الورى اجتاحا

والرايةُ الحمراءُ تخفقُ عاليًا

           كالنسرِ يخفق في الفضاءِ جناحا

ولا ينسى عبد الهادي أمه الحبيبة فيكتب لها في عيدها الميمون، فيبغي رضاها ورشف طعم الحنان من صدرها، ويخاطبها قائلًا :

أغصانُ حبّكِ برعمتْ في خاطري

               زهرًا وعطرًا من شذى ريّاكِ

كم كابدتْ عيناكِ من وَهَن الكَرى

               وتألمتْ من  موجعي   عيناكِ

وإذا شعرْتُ بوعكةٍ في حالتي

              لمستْ جبيني   بالحنانِ   يداكِ

وفي الديوان قصائد عن حرب لبنان، والأقصى الشريف، وناصرة البشارة وقلعة النضال، ومكة المكرمة ، وغزة هاشم الصامدة بوجه الحصار والهمجية والعدوانية الاسرائيلية الاحتلالية، التي تأبى الخنوع :

وغزةُ هاشمٍ تأبى خنوعا

              لقهرِ الظالمينَ المجرمينا

وغزةُ هاشمٍ تُفني غزاةً

            ومجدُ نضالِها عبر السنينا

وفي قصيدته " أوفى التهاني والأماني "، يهنئ صحيفة " الاتحاد "، سنديانة شعبنا الباقية بعيدها، هذه الصحيفة التي تنير الفكر وتدافع عن الحق جهرًا، وتطالب بالعدالة، وتنشد السلم، ويحكي عن تاريخها العريق الماجد ومواقفها الجريئة بوجه السياسة العنصرية، وتظل منارة الأحرار :

أنارت للجميع دروبَ نهجٍ

              تمثَّلً  بالكفاحِ   وبالعنادِ

تدافعُ في سبيلِ الحقِ        

         ولا تخشى ملامات الأعادي

وأنباءٌ تزودُها بصدقٍ

          مقالات  تُسَطَرُ     باجتهادِ

وتاريخٌ تألقَ منذُ عهدٍ

     مناصرةً الضعيفِ من اضطهادِ

ومرجعُ إرثِنا الوطني فيها

         يدوَّنُ بالنزاهة   والسدادِ

تكالب بالعدالةِ مستحقًا

      وتبغي السلم في كل ارتياد

وفي قصيدة " يكرم المرء عرفانًا بقيمته " يحيي ويبارك للأديب محمود عباسي بمناسبة يوم ميلاده، ويثمن انجازاته المتميزة في حقل الثقافة والفكر والأدب، ولا سيما مجلة " الشرق "، التي كان لها دورَا رياديًا في الحراك الثقافي في هذه الديار، فيخاطبه بكلمات جميلة تنبض بالمحبة والاجلال والتقدير، أديبًا وانسانًا، فيقول :

أديبُنا الفذُ في الآفاقِ منطلقٌ

         قد أتحفَ الجيلَ من إبداعهِ الأدبي

ترادف الاسمُ والمحمودُ في صفةٍ

        هذا الأديب الأُلى من نُخبةِ النجبِ

شمسُ المعارف في الأقطارِ ينشرُها

          فكرًا منيرًا لأهل العلمِ  والأدبِ 

مجلةُ الشرقِ من تحريرِهِ انبثقتْ

          منارةُ الشعرِ والآدابِ   للعربِ

قد أثمر الفكرُ انجازًا يشرَفُهُ

       وينهل الجمعُ من ابداعه الخصبُ

ويفرد في ديوانه قصائد يرثي فيها شاعر فلسطين والمقاومة محمود درويش، والشاعر ماجد مهنا عليان، وصديقه رمز التحدي محمد حسين نمر، والطبيب النبيل المعطاء موفق ذياب، وهي قصائد مؤثرة، صادقة النبرة والاحساس، تطغى عليها العفوية والشفافية، ومما قاله في رثاء الشاعر الكبير محمود درويش :

يا بلبلَ الشرقِ والأوطانِ هاجسُهُ

               للشعبِ للأرضِ كانت له السببُ

لآلئ الشعر قد أبدت محاسنها

            في محفل الفن قد سادت بها الرتبُ

نار القصيدِ صَلَتْ للخصمِ أفئدةً

            وعابرون أتاها  اللؤم    والغضبُ

نجم القريض فنون الشعر أبدعها

            ترنَّمَ العودَ  والأغرابُ   والعربُ

ويتناول العنصرية المتفاقمة في المجتمع الاسرائيلي، وينشد السلام العادل، الذي يحقق أماني واحلام شعبنا الفلسطيني بالحرية والخلاص من براثن الاحتلال الجاثم على صدره، قائلًا :

ليت السلام يحلّ في اوطاننا

          ليعيش في وطن الألى أحرارُ

ويمكن القول، أن قصائد ديوان " إن الحمامة تنتشي بهديلها " لعبد الهادي قصقصي ذات احساس عالٍ، ونبرة شعرية هادئة، تزخر بالعاطفة الرقيقة، وصفاء روحه ووجدانه، وانسانيته كشاعر مبدع حساس يحلو له الشدو والغناء والهتاف في جو من الحرية والمحبة والاخاء والتسامح الانساني، بعيدًا عن التعصب الديني والطائفي، فالإنسان عنده اولً واخيرًا.

فأجمل التحيات للشاعر وزميل القلم عبد الهادي  قصقصي، مع التمنيات له بالمزيد من العطاء والابداع والتألق الشعري.

 

 بقلم: شاكر فريد حسن   

 

1122 متاهة

ربما من نافل القول التأكيد بأن الرواية هي خطاب اجتماعي ونفسي وتاريخي لأي شعب أو مجتمع في لحظته التاريخية المعنية، وهذا لا يعني بأنها الوحيدة في ذلك، وأنما هي الأقدر من بين الأشكال الفنية والأدبية على التقاط تفاصيل الحياة اليومية واحتضان الأنغام المتنافرة لإيقاع عصرها المتغير، لذا صار الرواية نصا قادراً على توثيق لحظتها التاريخية، بكل ما فيها من تفكك واضطراب واهتزاز للثوابت والايديولوجيات والبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي بذلك تقوم بتشكيل ليس الوعي وحده وأنما الوعي المضاد لكل الثوابت، هذا الوعي الذي يستعيد العالم بوساطته الأسئلة للذات الفردية والجمعية مؤكدة على إدراك الوجود ووعي الحياة. وهذه النظرة للرواية يمكن سحبها وتطبيقها على النتاج الروائي العالمي كله. بما في ذلك الروائية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص.

وهنا، في وقفتنا هذه، نجد أن الشاعر والروائي والباحث العراقي بُرهان شاوي في روايته المسلسلة "المتاهات" يجسّد الفهم الشامل لمفهوم الرواية باعتبارها خطابا تاريخيا ونفسيا ومعرفيا، ولا أغالي إذا ما قلت بأن " المتاهات" تشكل انعطافة جديدة في معالم الرواية العراقية الحديثة، فقد جاءت مكتظة بأسئلة الوجود والحياة والمعنى الكامن فيها، وإعادة قراءة المراحل التاريخية التي مرت بها العراق، والمنطقة، بل هي تعيد قراءة المقدس  الديني بدءا من أسطورة خلق آدم وتجلياتها في الأديان مرورًا بإشكالية الخطيئة والخير والشر، وتجليات الرغبة في انفلاتها وفي كبتها بحيث تتفجر إلى أفعال عنف وتدمير وأذى نفسي وجسدي، مرورًا بكل التاريخ الروحي للإنسان.

يحاول الروائي بثرهان شاوي في روايته المسلسلة "المتاهات" إعادة تشكيل وقائع الحياة القاسية والفجة بشكل جمالي ، وإقتناص لحظات الإختلاف بين الحياة الواقعية وبين إعادة تشكيل روايتها أدبيًا . وقد اعتمد الكاتب في متاهاته التسع (متاهة آدم / متاهة حواء/ متاهة قابيل/ متاهة الأشباح/ متاهة إبليس / متاهة الأرواح المنسية / متاهة العدم العظيم)، كما نوه الباحثون فيها، على تقنية دمية الماتروشكا الروسية وكذلك الصندوق الصيني، حيث تتداخل الروايات ليس على طريقة ألف ليلة وليلة ، حيث تروي شهرزاد رواياتها المتداخلة والمختلفة وإنما تتداخل الروايات هنا لتعيد نفسها في زمان ومكان مختلف ، وبأسماء شخصيات جديدة ، لكنها تعيد دورة الأشياء البشرية وجوهر الأحداث نفسها.

لا تهاب "متاهات" بُرهان شاوي من اقتحام وتفكيك الثالوث المحرم:  الجنس/ الدين/ والعنف السياسي أو السلطة، من منطلقات تاريخية ومن خلال مناهج التحليل النفسي الفرويدي وما بعد الفرويدي، متكئة على رصيد معرفي هائل،  متناصة مع روائع الدب العالمي، وتاريخه الموسيقي والتشكيلي، والمثيولوجي، بسرد لا يخفي تماهيه مع جماليات السرد السينمائي، متجاوزة عراق السبعينات والثمانينات والتسعينات وفترة ما بعد الاحتلال 2003، لتكشف عن تاريخ العنف المنفلت والأعمى، متخذة مع حياة الناس الأفراد بُنية حكايتها الطويلة، متوغلة في أعماق النفس البشرية، كاشفة عن تجليات الرغبة العارية والجامحة، و هابطة إلى بئرها الغامض والمخيف والصادم لكل المنظومات الأخلاقية السائدة، لتكشف في هذه الروايات التسع عن قدر الإنسان المأساوي كفرد وعن تفاهة الوضع البشري كتاريخ. 

ومن الناحيو الجمالية والمعرفية فهي روايات تحتفي بالشك وتحنو على الإيمان العميق الذي لا بد أن يقود إلى شك جديد.

"المتاهات" سلسلة روائية تكشف عن عمق سوء الفهم بين البشر الذي يقود إلى الفاجعة في أغلب الأحيان، وهي لا تهاب الكشف عن الغرائز الجامحة ، وعن الحب المحاصر بالنوايا المريبة، ومن هنا فهي تنطوي على  كشوفات نفسية جريئة لأعماق الإنسان ورغباته الدفينة ومواجهة صريحة معها، حيث يتداخل المرئي واللامرئي ، الواقعي والسحري ، الجنسي والسياسي.

ربما من الناحية الأدبية يمكن التوقف عند هذه الرواية الملحمية التي تحمل سمات التجديد في السرد الروائي بأنها تضم 304 شخصية روائية، بينها 119 حواء  و 185 آدم، حيث تحمل كل الشخصيات النسوية اسم "حواء" أو "إيفا" إذا ما كانت أوربية أو مسيحية، و185تحمل كل الشخصيات الذكورية اسم "آدم": ونادرًا اسم " قابيل" أو "هابيل" وهذه تجربة جديدة في السرد الروائي.

"المتاهات" روايات عن الإنسان في متاهة النفس ومتاهة الوجود، روايات فلسفية، نفسية، تاريخية، تحتفي بالشك واللايقين لتأكيد متاهة الإنسان في هذا الوجود، ويمكن التوقف عند "حواء الكرخي" في " متاهة إبليس" حين تبوح قائلة: "أنا حواء الكرخي ، أشك في كل شيء .طمأنينة اليقين تخيفني ، بينما قلق الشك يمنحني الطمأنينة . الشك هو الذي يقودني إلى الحقيقة ، لكن الحقيقة متاهة ..متاهة تفضي إلى شك جديد .. نعم الحقيقة هي متاهة صامتة "..

 

م.م مسار غازي

 

شاكر فريد حسنتركي عامر، ابن بلدة حرفيش الجليلية، من الأصوات الشعرية والادبية المهمة الجادة، عرفناه في اواخر السبعينات والثمانينات من خلال المنابر الاعلامية والثقافية في بلادنا، وكانت البدايات في صحيفة الأنباء ومجلة صدى التربية ثم في مجلة الشرق وصحيفة الاتحاد ومجلات الجديد، والمواكب والاسوار وغيرها من المجلات والدوريات والملاحق الثقافية .

تركي عامر يكتب الشعر بالفصحى والمحكي، بالإضافة للمقالة النقدية الساخرة، عمل مدرسًا لموضوعي الخدمة الاجتماعية واللغة الانجليزية حتى العام 2000، ثم عمل امين مكتبة في المدرسة الاعدادية والثانوية ببلدته، بعدها انشأ موقعًا الكترونيا اطلق عليه اسم ورقستان، ومنذ سنوات متفرغ للأدب والكتابة، وينشر كتاباته على صفحته الفيسبوكية وفي عدد من المواقع الالكترونية .

ولتركي عامر العديد من المؤلفات والاصدارات والاعمال الشعرية والنثرية، نذكر منها: ضجيج الصمت، نزيف الوقت، استراحة المحارب، فحيح الضوء، من مواخذ الروح، سطر الجمر، لن اعود الى المرعى، أكل الولد التفاحة، العائلتقراطية – مداخلات في الاجتماع والسياسة، صباح الحبر – مداخلات في الأدب والثقافة، صواريخ عابرة للقرارات .

تركي عامر شاعر غاضب، وصوت صارخ في البرية، وفارس من فرسان اللغة العربية، يتمتع بذائقة ادبية وثقافة موسوعية شاملة، وصاحب مخيلة خصبة واسعة، وجواد شعري جامح يحاكي الوطن وهمومه، ومنحاز لجموع المعذبين في الأرض، ويطرق في قصائده الشعرية ونصوصه النثرية موضوعات من واقع الحياة، وهموم السياسة والمجتمع، والمأساة الفلسطينية وجراحات الوطن واوجاعه وعذابات ناسه المسحوقين .. لنسمعه يقول عن نفسه :

بلا غَرَض إديولوجيّ مُسَمَّى

أحبّ الحياة وأكره الموت

أحاول بدم القلب خربشات

على ورق الرّوح

أقرأ كلّ ما تقع عليه عيني ويدي

وأكتب أقلّ من القليل بكثير

أحبّ السّفر والأنثروبولوجيا

أحلامى الصّغرى والكبرى

تتلخّص في مشهد واحد أحد

كرتنا الأرضية الطّيّبة

ترفل بعباءة من حرير سلام

وترقص على لحن محبة

يسيل من دفاتر غيم دافئة

ليغسل شبابيك الرّوح

حتّى الينابيع

قصائد تركي عامر تخلو من التكلف والصناعة اللفظية، وتتسم بالطوابع السياسية والوطنية والاجتماعية والمواقف الانسانية الغاضبة المتمردة .

وفي دواوينه الشعرية نلتقي شاعرًا ملتزمًا أبيًا أصيلًا، شاعر الصدق والوثبة، شاعرًا مقاتلًا ومحاربًا بالكلمة والقصيدة والموقف الجذري الثابت، شاعر يعانق الجرح ويسكن الالم والوجع والهم الفلسطيني والإنساني، مرفرفًا في فضاءات وسماوات الابداع والالهام والتوهج الشعري .

ورغم شفافية نصوصه إلا أنها محملة بدلالات متعددة، ومشحونة بأفكار عقلانية نيرّة، وتعبوية متقدمة، يبدع في سكبها ونسجها بقالب نثري، وبلغة شعرية رشيقة وحيّة، مازجًا بين الرمز الشفاف، وشعرية الاداء، ورقة النبض والاحساس .

وتنضح قصائد تركي عامر بالإرهاصات اللغوية الايقاعية، منتشيًا بالبوح والتحليق، شفافًا ومتزنًا على مستوى اللفظ والصور والايحاءات والاستعارات والمحسنات البلاغية، ويشدنا إلى نصه وهو يمتطي صهوة النشيد بكل خصائص التجربة وحرارتها، فتخرج كلماته من بين سجايا اللحظة الشعورية، مفعمًا بالمشاعر الجياشة الحالمة، والرؤية الفلسفية، ومسكونًا بهاجس الوطن وقضاياه المصيرية، ومعبرًا عن الهموم الذاتية والجماعية :

لِفُ الإكسيرِ: إمامٌ

إِلاّ منتصبًا لا يركعُ قُدَّامَ المحرابْ.

والكافُ: كتابٌ مِن وردٍ،

لا تُفتحُ سيرتُهُ

إِلاّ مِن خلفِ حجابْ.

والسّينُ: سؤالُ السُّكَّرِ يسكنُهُ السّمّاقُ، سلالتُهُ

سببُ الأسبابْ

والياءُ: يئنُّ/ يموءُ ذهابًا كي يحيا،

ويعنُّ/ يموتُ إِيابْ.

والرّاءُ: رحيقُ الرّغبةِ يُدْخِلُهُ،

مِن دونِ حسابْ،

جنّاتٍ ما وردَتْ في أيِّ كتابْ.

وما يميز القصيدة العامرية العمق والكثافة الشعرية والصور المزدحمة والخيال الشاسع الامين على الواقع، وذات سبك متين وبناء فني سليم ومفردات مدهشة.

ويمكن القول، تركي عامر شاعر متمرس يمتلك أدواته، ومكتنز باللغة، يحافظ على عناصر القصيدة والخلق والابتكار الشعري، ويكرس شعره للوطن والأرض والانسان والجمال والحلم والحقيقة والثورة الطبقية .

فأطيب التحيات للصديق الشاعر والناثر والناقد تركي عامر، والتمنيات له بالحياة المديدة الزاخرة بالعطاء والابداع والنشاط الثقافي، وبانتظار المزيد من كتاباته واصداراته.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد الشيخاوييعتبر الشاعر المغربي محمد اللغافي، نموذجا في النضال الإبداعي والحياتي، على حدّ سواء، ولم تزل تحكمه خلفيات البيئة التي خرج منها، كونها عنوانا للهامش، ملطّخا بشتى الأوبئة السياسية والمجتمعية، ما صنع من الرجل، طرازا خاصا يبلور مواقفه بجرأة وصلابة وتقديس رسالة، أيضا، دونما المهادنة في تمرير قناعاته وما يحسه تجاه ذاته، أولا، ثم منظومة ما ينبثق عنها انتهاء.

يكتسي منجزه الشعري، طابع الفرادة، من ماهية منتصرة لكائنات الهامش، ومعتقدة بفلسفة تبني الأبعاد الإنسانية في المغامرة الإبداعية المتشبعة بلغة الخلق وخطاب الواقع ورؤى الاستشراف.

الشيء الذي جعل العديد من الأقلام تتناول تجربته، ولو أنه لم ينصف، لحد الآن، كما يجب، شأنه في ذلك، شأن أصوات كثيرة، تعزف على ذات الوتر، وتترنم بسيمفونية جيل التهميش والضياع والإنكسار.

يقول الدكتور محمد عزيز لحبابي:

علمت أن تلك المجموعة من الشعراء المجهولين.تسكن بإحدى ضواحي الدار البيضاء الصاخبة وتعيش في غفلة من التاريخ..إنهم جميعا شباب قانعون بما يسر الله لهم مقتنعون بان للشعر مستقبلا ومزايا ..ولذلك ينسجون للغد شعرا بجهود وعرق وابتسام.

من هم..؟

قد أفرغت كل ما اعرف عنهم، أسماء غفل بلا شهادات بلا سيارات بلا مساكن .ولا عنوان مضبوط رصيدهم الوحيد هو ما يريدون أن يحققوه في المستقبل بالشعر وللشعر. ..

فتحت (سوق عكاظ) فعثرت على أعلام نكرة في الآداب.. محمد اللغافي.. رضوان مصطفى.. محمد كوبري.. وحميد بركي.. وثلاث أسماء. شطب عليها من تحت القصائد.. سنقف عند اثنين منها ..الأولى (كلمة رجل البارود).

: (النصان الآتيان هما للشاعر محمد اللغافي..وقد شطب على الاسم من تحتهما (لظروف خاصة

[ممكن أن أطرق بابك يا شعر

ممكن أن اجعل الأبناء مردودين إليك

عائدين بالقوافي

سابحين في بحورك

ممكن أن اقرع بابك يا شعر

فأوظف الحروف بين وكنة البياض

فوق صدرها الحنين

اصنعها بيت حلمي

وأنوم عليها الحزن

حين يستيقظ أمسي](1).

ويقول الشاعر والناقد المغربي عبد الهادي روضي:

 إنها رؤية الشاعر للعالم والأشياء المحيطة بذاته، رؤية تنتهي بالاستفاقة على مشهد بانورامي أكثر درامية، يكشف انهيار الأفق الرؤيوي للذات الشاعرة وللعالم:

(عائد من فوضاك

 تسيج زرقة السبت

في ركنك المعتاد

كبطل فاشل

تعلن انهيار العالم )(2).

ويقول الكاتب المغربي رشيد الخديري:

[إن الشاعر محمد اللغافي يخلق لنفسه عالما في عوالم متماهية مع الذات الشاعرة، المتشظية، القلقة، فهو يناقش قيم الشعر الأثيرة: المرأة/ الواقع/ الحب/ الحلم / الحلم الإستهامي ....بلغة شعرية شفافة وبسيطة تعكس روح الشاعر وهمومه الوجودية، ولاشك أن الشاعر محمد اللغافي يروم التأكيد على جوهر الإنسان، الحامل للمرآة نكاية في هذا الواقع المتشظي المرتكن أساسا إلى عوالم تمتح من المتخيل والواقعي والأسطوري، وبتتبع النسق الشعري الذي خطه الشاعر يتضح جليا المراهنة على الذات، والتي أخذت تلوينات استعارية واجراءات بلاغية تروم تأسيس خطاب شعري، شفاف لكن مسالكه غير آمنة تحتاج إلى خبرة متسلق وتأمل حكيم، حتى نتمكن من فك طلاسمه وشفراته، والوقوف عند أهم تمظهراته وإشاراته](3).

من هنا نجد الشاعر محمد اللغافي، مجددا، يعتبر الفعل الإبداعي، منوطا بتراكمية مسجلة لهوية عمر بأكمله، وكل كتابة تجب ما قبلها، والإبحار إنما يجدر أن يكون في اتجاه واحد، المستقبل ومواكبة إفرازاته، خاصة ونحن نعلم، جميعا، مدى تجاوزات عالم التقنية، لأحلامنا المشروعة، وجوره على إنسانيتنا، من خلال تغريب الروح ونفيها، حدا بات معه سؤال غائية الشعر خصوصا والأدب بشكل عام، أكثر إلحاحا على لحظات العدمية التي نشاكس تطاولاتها، ونحاول مسح الضباب عن مراياها، سعيا وراء ملامح إنسانيتنا التي تشوهت كثيرا، وتكاد تضيع بالكامل.

هذا الكتاب، يحوي عدد من المقالات التي قاربت تجربة شاعرنا المبدع، بصمتها أسماء وازنة في مشهدنا الأدبي، وهي أقل ما يمكن قوله في حق مبدع عصامي، تكالبت عليه الإيديولوجيات وتفاصيل حياة الحيف والتهميش، لكنه لم يستسلم، بل خاض مقامرة مجنونة، ضد التيار، كي يثبت هويته ويعطي معنى لوجوده، كإنسان أولا ثم كمبدع يأبى أن يكون مجرد بوق تتقاذفه أيادي طعن الثقافة والحقيقة والإنسانية.

ليس ذنبا أن تعقّ الغصن، صديقي الصعلوك النبيل، وثق بأني احتراما ومحبة، أرفع لك القبّعة.

 

شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

(1) مقتطف من مقالة " مغربيون من نوابغ القرن الواحد والعشرين " للراحل د.محمد عزيز لحبابي.

(2) مقتطف من مقالة " المتنسك بشجرة الشعر " للناقدعبد الهادي روضي .

(3) مقتطف من مقالة " معالم الكتابة في ديوان يسقط شقيا لمحمد اللغافي، كتبها المغربي رشيد الخديري.

 

 

لا تثبت التسمية لمصطلحٍ ما الّا بعد أن تنضب التجربة العميقة له ثم تظهر تداعياتها الأثرة وتأخذ رواجاً واسعاً، وهذا ما حصل مع مصطلح أدب السجون إذ أنه ظاهرة قديمة لكن أخذ صداه وقعا عالمياً بعد أن وقع أصحاب الكتابات الأدبية في قضبان السجون ومنها بدأت تنطلق تلك الكتابات مطالبة بالحرية، والتمسك بالوطن والقضية الإنسانية ولا سيما أن كان المسجون بتهمة سياسية  أديب، أو صحفي.

وهذا الكتاب يعدّ من أكثر الكتب التي سلطت الضوء على قضية شغلت كثيرا من المثقفين ومازالت إلى يومنا هذا محوراً هاماً لمؤتمرات ومنظمات عالمية وهي (الإنسانية والحرية)، التي غيبتها الحكومات ذات سلطة الحزب الواحد بقيت الى حاضرنا تعاني من هشاشة متشظية وغير مستقرة ولا سيما في المجتمعات العربية . ففي تقديم هذا الكتاب يذكر لنا الاستاذ فخري كريم أن صدوره وترجمته كانت " كمبادرة لموجهة عسف نظام صدام البعثي وتصفياته الجسدية التي طالت المئات من الشيوعين تحت التعذيب وبالإعدامات). وبعد سقوط حكومة البعث أرى أن إعادة صدوره وطبعه مرة اخرى يعدّ وثيقة تاريخية هامة ؛ لتؤكد على القضية التي أُعدم بسببها الكثير من الشيوعين الاحرار وإننا جيل متمم لتلك الرسالة مواصلة السعي وراء الحرية والظفر بجميع حقوق المواطنة، وعلى الرغم من اختلاف التجارب والزمان والمكان لصدور اليوميات في اوربا حينها، ومن ثم العراق لكنّ هناك رابطاً مشتركة بينهم هو إقصاء الكلمة الحرة وتكميم الأفوه للديمقراطين الشيوعين، فنظام البعث لا يختلف عن الفاشية، وفوتشيك يظهر لنا بطلاً  صنعه التاريخ النضالي، فحين أُتيحت له فرصة الكتابة، كتب تلك اليوميات لتكون مصدراً لمن بعده لمواصلة النضال والقضاء على الدكتاتوريات التي فقدت إنسانيتها وبدأت تقضي على كلِّ من يخالفها الرأي . وهناك مشاهد كثيرة سردها الكاتب  دخلت في عمق التاريخ وتحولت الى ما هو عالمي، فقصر بيتشيك كان أخر محطة يقيم المعتقل فيها ثم ينتقل الى موته المنتظر لكنّ يوليوس واجه شيئاً اصعب من الاعدام " لم تكن الأيام الأولى في قصر بيتشيك سهلة تماماً غير أن هذه الضربة أعنف ضربة تلقيتها هناك . لقد انتظرتُ الموت لا الخيانة " . وهذا النص يؤول بصورتين: الأولى خيانة أصحابه الذين اعترفوا وباعوا القضية، والثانية بشاعة التعذيب التي ارغمتهم على الاعتراف . لكنّ الأمل ينبض متدفقاً بلا توقف عند يوليوس " كلنا نعيش هذه الحالة . اليوم قبل شهر قبل عام نستدير الى الغد وحده دوماً الذي يوجد فيه الأمل . أن مصيرك قد تقرر وبعد غدٍ سترمى آه ولكن من يدري ماذا يمكن أن يقع غداً، فغداً يتغير كل شيء " . النص يوضح حالة التشبث بالحياة من قبل يوليوس وهذه دعوة لمن بعده المصرّين على الأمل . ويمكننا أن نعدّ هذه اليوميات الأدبية صرحاً مزخرفاً تنطلق منه أهمية أدب السجون، ويوليوس اسطورة مازالت تتناقل عبر الاجيال وتحمل قضيها الإنسانية والغرض من الكتابة لا يتمثل في بيان المرء أنه على حق او مصيب، بل محاولة لتحريك المشاعر الساكنة ويكفي لنا أن نرى العدوان عدواناً وهذا ما فعله فوتشيك .

 

موج يوسف