نجيب طلالفي زحمة الأيام وحمولة أسعارها وهمومها ومعاناتها وإكراهاتها، المنقذفة على كاهل أغلبية العباد من عرب وعاربة ومستعربة شرقا وغربا !  ينقشع اليوم (العالمي للمرأة) يوم له دلالته؛ دلالة التقدير لتلك: الأم / الأخت / الصديقة / الجَدة / الزوجة / في عطفها وحنانها ونضالها وكفاحها وعطائها وإنجازاتها الاجتماعية والتربوية والاقتصادية.

لكن بتعقد الحياة والتطورات السريعة؛ والتي يقابلها التخلف الاجتماعي والفكري والتعَصب الديني في عصر الاتصال الإلكتروني؛ والغزو الوسائطي في حياة الأمم . فدلالة اليوم العالمي للمرأة؛ يظل مشكوكاً في أمره وماهية احتفاليته .

(تلك) شهرزاد ! هزمتْ شهريارعبرالحكاية؛ ولكن حكاية الواقع المعاش (الآن) أقوى من شهرزاد (هذه) والتي تحاول مقاومته بكل الأشكال والمسارات ليصبح واقعا منسجما أو متقاطعا وحقوق المرأة أينما كانت. لكن مكبلة وبين جسديها وكينونتها أشكال شتى من المعاناة والاضطهاد سواء الفكري والنفسي والثقافي. كل هذا وغيره يساهِم إلى أبعَد الحدود في ازدياد انهمار [دموع شهرزاد] انهمارا؟

فرغم ما يلاحظ من تطور في مسار المرأة العربية؛ من تقلدها وظائف ومناصب رفيعة وانخراطها في الحياة العامة بشكل متميزوبأداء عَملها وواجبها بمهنية عالية؛ في المعامل والشركات و قطاع التربية والتكوين ومجال التمريض والتطبيب ومجال القضاء والمحاماة ومجال السلطة الإدارية والأمنية .... فهذه تغيرات محمودة وإيجابية في حياة المرأة ، لكن  كثيرا من النساء يعانين من همسات ونظرات غير واقعية وسلبية  في أقصى الحُدود. تلك النظرات والهمسات التي يمارسها الفكر الذكوري؛ حتى في الأماكن المختلطة التي تتطلب تعامل المرأة تعاملا مباشرا مع الشباب والرجال ؟

إذ كثيرة هي العوائق التي تحيط بالمرأة؛وتحتاج لوقفة جدِّيةٍ عمليةٍ وقانونيةٍ في موقع الدفاع عن الذات؛ ذات المرأة من الإضطهاد الأسري والوظيفي والمجتمعي؛ بحكم ذكورية الفكر المسيطر في الواقع؛مما لازالت الممنوعات والمعيقات و مظاهر ذات إرث تقلداني؛ تساهم في استعبادها وتحاصرحركيتها وحريتها؛ وتدعمُ في إبعاد المرأة العربية؛ سواء في المدينة والقرية والمدشر عَن ممارسة دورها وحقها الشرعي للمساهمة  الفعالة في تقدم مجتمعها.

ففي كل الأمكنة والفضاءات؛ دموع شهرزاد تنهمرُ وَ تنهمرُإما علنا ً أوخلسة ً أو في أعماقها الداخلية؛ قرب بوابة المحاكم ومحاكمِ الأسرة أو قرب مكتب من مكاتب الإدارة أو المستشفيات أو في أقبية السجون ومخافر الشرطة؛ جَراء الإضطهاد أوالميزالجنسي أو الإساءة لأنوثتها أوالتعنيف أوالعنف الأسري أو التحرش لفظيا أو جسديا أوالمضايقات بأشكال مختلفة أوالمساومات الجَسدية؛ حسب طبيعة التعامل ومكان الشغل ....وبالتالي فظاهِرة الفقر

والعوز والحاجة  والعنف والاضطهاد واستغلال المرأة  استغلالا بشعا . ليست بالقضية الفردية ، بقدر ماهي قضية مجتمعية / إنسانية  بالدرجة الأولى .

إنه واقع لا يمكن أن ينكره أحَد أويمحيه أي كان أو يزركشه و يزينه من له سلطة القرار؛ بتخريجات بلهاء ومضحكة؛ كما يفعل بعض السياسويين؛ الذين يستغلون ظرفية الخطاب؛ لممارسة الحَروب الصبيانية؛ وليست الرجولية  ضد النساء !!

فهل يمكن أن ينكر أحد ما يقع للعَديد من النساء العَربيات في عدة مناطق عربية وفي مناطق التوتر والحروب الطائفية والاستعمار أو الإحتلال الجَديد/الإمبريالي الجاثم (الآن) في أغلب  مناطق الشرق ؟

* شهرزاد (الآن): جسدها مستباح لكل أنواع التعذيب والاغتيال برصاص الجماعات المسلحة أوالعَشائر !أوبسكاكين وأسلحة طائشين وعصابات الجريمة المنظمة !  تلك كارثة حقيقية؛جراء ويلات الحَرب أوالحُروب العبثية وأعمال العنف الطائفي والقبلي والعشائري؟

* شهرزاد (هذه): جَسدها مستباح لكل أنواع الاغتصاب والإتجار؛ تجارة في الجسد وفي الرقيق الأبيض؛ تمارسه عصابات منظمة ومهربون محترفون ! من أجل استغلالهن كسلعة لكسب الزبائن؛ ولكسب أصحاب المتعة وقلة الحياء وما أكثرهم بيننا غربا وشرقا؛ ليتم التمتع بهنً وبأجسادهنَّ ، ثم تركهنَّ في أسواق النخاسة المفتوحة؛ على بورصة اللذة من الماء إلى الواحات؟

* شهرزاد (الآن / هذه): ألم تتوصل برسائل تهديد؛ من جهات (ما) لمحاولة إجبارها الصمت أوالتزام شقتها، إن كانت لديها شقة ؟ ألا تعيش حملات اعتقالات تعسفية وإخفاءات قسرية في الأقبية والسجون والدهاليز المنسية. في أغلب المناطق [العربية] والتي رفعت فيها صوتها لتحكي، ليس ل[شهريار] بل تحكي  للعالم: كفى من التحرش واستغلال  فصيلها؛ ولامناص من تحسين واقعها؛ بغية التطور والنماء وتخليق الحياة العامة بالمرأة كشريك مجتمعي؛ بدل طمس هويتها وهدر وردم كرامتها واستغلالها بشكل بشع ؟

إذن؛ بين التعذيب والاغتيال وبين الاغتصاب والإتجار وبين التهديد والاعتقال؛ أليست مسألة (بَيْنَ) تدعُو وتبشر بواقع عربي؛ يعيد أو سيعيد:إنتاج زمن قتل/ وأد [ شهرزاد] أوالعودة لعصورما قبل التاريخ !!

فمن سيكفف دمُوع شهرزاد (هذه) في يومها العالمي! قبل أن تقتل عمليا في الأرياف والأضرحة المنسية والقرى والجبال الوعرة والسجُون والمداشر والأزقة الملتوية والفضاءات الهامشية والمهمشة؟

 

نجيب طلال

 

محسن العافيأوَ لم تعلموا أنها قريبة منا نحن الذكور؟ إذ لا نكاد نخطو خطوة إلى الأمام دون أن نطلب رأيها فيما يعنينا أو يؤرقنا، لأننا نريد ذلك عن طواعية، بل في ذلك راحة لا توصف ونحن نشاركها أفراحنا وأحزاننا ومشاغلنا ومشاكلنا،  لكن لماذا هي قبل كل شيء في هذا الوقت بالذات؟

أنثى هي طبعا لنسكن إليها زوجا تستقسم به الحياة إذ لا طعم أو معنى  للحياة بدونها .

كثيرة هي النصوص التي تهبها عظمتها واختلافها وتميزها عن شقيقها الرجل، لكن قليل منا من يهبها ما لها من هذه الحياة، ناكرين ما بإمكانها فعله في عالمها وعالمنا  إن نحن قمنا بالإهتمام بها كنبتة تحتاج لظروف خاصة  ورعاية خاصة لتنمو وتنضج كما نرجو أن يراها أغلبنا بشتى مواصفات ؛ بتنا نقرأ عنها ولا نجد لنا منها في مجتمعاتنا إلا صدى للممكن من المستحيل .

حمل ثقيل مستقبلها الغامض وحاضرها المشتت في ظل تربية تتأرجح بين المأمول وواقع الحال الذي بات لا يتغير، حيث بات بعضنا يرى أن في تكنولوجيا المعلومات حلا أمثل لشتى أمور حياتية، وبات يطبل ويزمر لأحاديثه وأقواله وزعمه، وغدا البعض الآخر إلى الحديث عن تنمية القدرات الإبداعية لدى المتعلمين، بدل الحديث عن تأهيل من يعلمهم بداية من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتلك هي الطامة الكبرى وزيغ عن حقيقة الأمور، لنجد انفسنا  بلا هدى في مسارات متاهة لا تنتهي .

لعلنا ونحن نفكر في إحياء هذا اليوم – اليوم العالمي للمرأة- بما يتوفر لدينا من رصيد لغوي وحروف تلتقي في كلمات عدة، قد تكفي لصياغة حديث مكتمل، وقد لا تفيد في عالم يعرض في سياقاته اليومية ما يجعلنا نحتار في بناء فكرة جريئة نحو رؤية واضحة المعالم ؛ لا انحياز فيها لأفكار ظلت تعصف بفكر الكثيرين مدى سنين خلت.

من المعروف أن ما بدا عليه حال المرأة في السنوات الأخيرة، يكاد يجزم الكثيرون فيه بأنه صراع غريب خلقته الثورة المعلوماتية، ذاك الصراع بين القيم المجتمعية علـــــى الواقــــــــع، و ذاك الجانب المتخفي منا ومنها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلك الصورة المغايرة التي يحيا عليها كل من الرجل والمرأة على حد سواء.

بالطبع هي صورة تخفي شخصا لتأتي لنا بآخر ؛ على شاكلة أخرى لم نكن نرسم ملامحها جيدا، ولم نلق لها بالا وهي على أرض الواقع ؛ ذاك الواقع الذي تقيدنا فيه مجموعة من القيم و العادات والتقاليد التي يكاد العالم الخائلي يغيبها أو يتخلص منها نهائيا، ليعود إلينا المبحر وكأننا نحيا في كوكب آخر لا يستطيع أن يقبل بماهيته كإنسان غير راض عن عالمه ؛ الذي ترغمه وتلجمه فيه العديد من الإكراهات والقيم والعادات عن كثير من الأمور والأشياء ؛ التي غدت ممنوعة ومرفوضة منذ زمن بعيد.

ربما هي صور لنفس الشخص خارج مَعْلَمٍ أرضي، بات يتواجد بين دروب المتاهــــة الرقميـــــة ؛ يحيا فيها على الكيفية التي يريدها .

أيتها المرأة بذات المواصفات التي ذكرك بها التاريخ أين أنت؟

أيتها المرأة التي بتنا نقارن صور ماضيها بحاضرها أين أنت؟

وأين نحن إلى جانبك وأنت السكن والنصف الآخر؟

كل هاته التساؤلات وتلك، لم أكن أريد إجابة لها وأنا أحاول الإسهام بكلمات في يوم هائم في خرائط المتاهة ؛ كل فيه يحاول أن يلفت نظرها إلى تميزها وتقدمها، وأرى ان هذا التتويج والتطبيل، ليس نقطة نهاية يجب أن نقف عندها، بل هو إعلان عن بداية بدايات متعثـــــرة، بل منزوعة التفاصيل تغيب عنا دَوَالُهَا المعقدة  في عالم يكره البداية ويعرض عن الجدية في رسم مستقبله.

ربما لن تجيبني امرأة تحاصرها طلبات الصداقة أينما حلت وارتحلت، أينما وضعت قدميها على العالم الإفتراضي، لتقتنص لها فيه فرصة الظهور هناك على الشاكلة  التي رسمت بها صورتها ؛ قبل أن تطأ قدمها الأرض بعد عودة من عالم أماط اللثام عن كثير من الأمور المتعلقة بنا وبها.

لازلت أذكر يوم حكى لي صديق لما أسمى نفسه باسم امرأة في أول خطوة له على  الفضاء الأزرق "الفيسبوك" .

حيث ذكر قائلا:

لا أخفيك صديقي، كان كلاما ملونا جميلا مختارا بعناية ؛ ناهيك عن الورود التي كنت أجدها في صندوق الرسائل صباحا ومساء، فمنهم من كان يترك أغنية، ومنهم من صار مغنيا من أجل اسمي، ومنهم من صار بطلا ومنهم من ....ومنهم من قال ما لا يمكن أن يقوله إن كان اسمي كما هو على حاله الآن :"محسن".

لزم الصمت حتى غير اسمه، ليتفاجأ بأن كل شيء قد تغير وتبدد من حوله، فلم يعد يتلقى أية رسالة ولا أغنية  ولا صور ولا ورود .

من أحاديثه وأحاديث ومظاهر أخرى  تأكدت بالملموس بأننا لسنا كما يجب، واننا المنحى المغاير لمناحي الحياة الحقيقية .

ما هذه الكارثة الأخلاقية ؟ وما هذه السلوكات المنحطة ؟ أهي سلوكات الرجل العربي في زمن الأقنعة ؟ أم إنها فرصة أخرى للضياع من جديد ؛ لا انفكاك من تأثيرها السلبي على مجتمعاتنا وأسرنا ؛ التي تحيا في عالم له ما له من مميزات ومقومات وخصوصيات، أم إننا يجب أن نتغير لنحيا بسلام في عالم لا يفرق بين الواقع والخائلي.؟

كم مرة قرأت عن المرأة، لكن قبل أن تجد ضالتها في العالم الإفتراضي، بل قبل أن تضيع منا ومنها ماهيتها، وقد أجزم وأنا أقرا للكثيرين قبلي عنها، انني يجب أن أحمل قلما أحمر لأصحح أفكارا و إطلاقات وشحت صدر تاريخ مجتمعات كثيرة فيما مضى.

وسؤالي هو :

هل أعد التاريخ نقسه لهذه المفاجأة الغريبة ؛ التي باتت تمنح المرأة إمكانية التعدد في عالم غير عالمها، وإمكانية التواجد في عوالم كثيرة قد لا يدري أحد إحداثياتها ولا زمكانيتها؟

هو تعدد مقهور لا يفصح عن نفسه، إلا إذا باغته القانون الذي لا يسري مفعوله بذات الطريقــة ؛ التي يسري بها في كل جوانب الحياة على أرض الواقع.

فقد يفر غالبنا من عالمه الواقعي إلى الافتراضي، بغرض التخلص من واقع لا يمنحنا الحياة كما نريدها.

أمور عديدة محيرة بتنا نحيا مكرهين على قبولها ؛ قبل أن نعرف ما تكشفه الأيام من سلوكيات وأفعال ، وصلت إلى واقعنا من عالم آخر ؛ لا يعرف المستحيلات عالم بلا حدود ولا مكابح.

وكما يفر الرجل إلى مبتغاه، تفر المرأة غير مبالية بشتى أمور كانت تعنون حياة نساء قبلها.

وأنا أسهب في الحديث عن عالم غريب خلقته الحياة، لا أنكر إيجابياتـــــه  كما لا أنكر سلبياتــــــه، ولكن المشكلة تظل مشكلتنا ونحن نحاول أن نتعلم في زمان متأخر كيف نحيا بين هذه الكائنات الغريبة : الهواتف الذكية، الأنترنيت، مواقع التواصل الإجتماعي ...، ولربما كان لزاما علينا أن نتعلم أبجدياتها في المدرسة، كي نكتسب مناعة ضد كل خطر قد يهدد الأطفال والنساء والرجال على حد سواء، ولربما كان علينا أن نعمل على تبني أخلاق أخرى ونحن نبحر في عالم جديد، ما يسري علينا فيه لا يسري علينا في واقعنا مهما كان بينهما من تشابه، ومهما بالغ الكثيرون في تشبيهه بالواقع المعاش .

حياة ثالثة وسطٌ بين حياتين اعتدنا الحديث عنهما،حياة مغايرة يجب أن نحذر من خباياها ومغيباتها، حياة ترجو منا أن نركز على أساسياتها، لأننا بتنا نحيا حياتين اجتماعيتين أخذت فيهما الحياة على الأنترنيت حصة الأسد، ولم يعد لنا من الواقع غير التفكير في الإفتراضي وما يمليه علينا كل حين.

وأنا اتحدث هاهنا لم أتحدث عن المرأة باعتبارها الضائع الوحيد في زمن العولمة، بل أتحدث عن ماهية الإنسان وعلاقته بالمرأة أما وأختا وزوجة، لأنها إن تاهت وضاعت منا ضاع منا الحاضر والمستقبل .

 

الكاتب :محسن العافي

 

 

عبد الخالق الفلاحفي البداية اقدم اجمل التهاني وارقها مؤرجة بشذى عطر ورد الياسمين متمنياً للمراة العراقية  التي تحدت كل المعوقات والصعاب والظروف القاسية راجياً لها مستقبلاً مشرقاً في خدمة المجتمع الانساني في يوم يحتفل العالم في الثامن من مارس – اذار  في كل عام باليوم العالمي للمرأة وهى مناسبة تضفى بلا شك على المرأة بعضا من السعادة كل عام والأمل بغدٍ أفضلٍ لهن وفي دعوة صريحة للعمل من أجل الوصول إلى المساواة بين الجنسين، واحترامًا لها، وتقديرًا لتضحياتها ودورها بالمجتمع،  ويرجح البعض أن الخلفية التاريخية للاحتفال تعود لإضرابات النساء فى ٨ مارس ١٩٠٨ حاملات قطعا من الخبز وباقات ورد!عندما تظاهرت الآلاف من عاملات النسيج فى شوارع نيويورك بسبب الظروف الغير الانسانية التي عانين منها،للمطالبة بحقوقهن، تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة، والاجتماعية والسياسية الشهيرة عالمياً غلوريا ستاينم: "إن قصة نضال المرأة من أجل المساواة لا ينتمي إلى نسوية واحدة ولا إلى منظمة واحدة وإنما إلى الجهود الجماعية لكل من يهتم بحقوق الإنسان"

ان النظر إلى مستوى النظامٍ الاجتماعي والسياسي العالمي، رغم كل ما يوحي في عالمنا بأن المرأة قد نالت حقوقها، إلا أن الذاكرة لا زالت تحتفظ بترسبات الماضي وعاداته، بدءًا من عادة "الوأد"  التي كان يمارسها العرب قبل الاسلام . يُقاس المجتمع بمؤشّر الوضع الاجتماعي والسياسي للمرأة فيه وهذه المناسبة هي فرصة لاعلاء صوتها وفرصة للمطالبة بمساواتها في الحقوق اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وفرصة للمطالبة بوجوب الغاء كل القوانين الجائرة التي تخالف هذا التوجه وهذه المساواة إذ يبرز فيه الإنجازات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية التي تقوم بها وبالمستويات التعليمية في الكثير من الاحيان تفوّقن على رجالٍ في قطاعاتٍ علمية وميدانية وفكريةٍ وذهنيةٍ واسعة . وفي الاعلام نشاهد ان الكثير يتحدثون عن حقوق النساء وهم لا يرون المرأة أصلا ولا يسمعون صرختها المكتومة بين الزقاق ووراء الجدران، بينما نرى في الحقيقة وعلى ارض الواقع ان المراة المتفهمة والحريصة تلعب دورا اقتصاديا مهماً في البيت وفي الادارة التي  تتراسها وتديرها بنجاح، او المدرسة، او كعاملة،،طبيبات ومهندسات وقاضيات ومحاميات، دكاترة جامعيات واساتذة ومدرسات تكاد اعدادهن تضاهي اعداد الرجال يزين الوطن،ولا تخلو جامعة او مؤسسة تربوية من طالبات تميل اليهن كفة الميزان العددية في الطب والهندسة والحقوق والعلوم والاقتصاد والانسانيات .

لقد جاءت فكرة الاحتفال بهذه المناسبة وتم الاحتفال بها في أوائل القرن العشرين نتيجة النمو السكاني، والتوسع الكبير والاضطرابات التي شهدها العالم الصناعي، وظهور أيديولوجيات راديكالية ساهمت في إبراز دور المرأة في المجتمعات، لذا، فيوم المرأة العالمي هو يوم للاحتفال العالمي، ودعوة لتحقيق التكافؤ بين الجنسين، من كل  جهة أو منظمة حكومية أو غير حكومية، أو مؤسسة خيرية، أو جمعية نسائية، أو مؤسسة أكاديمية، أو مركز إعلامي مسؤول عنه، بغض النظر عن الدين، أو العرق، أو الطائفة، أو اللون. وهى التى قال عنها الشاعر الكبير حافظ إبراهيم (المرأة الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق)،  وفى هذه المناسبة نتمنى أن تحظى المرأة بمكانتها التى تليق بها فى المجتمع، مع عدم الإخلال فى الوقت نفسه بتربية النشء والأبناء تربية صالحة سوية سليمة حتى تخرج لنا جيلا من الشباب السوى المؤهل للقيادة فى المستقبل .

 

عبد الخالق الفلاح – كاتب واعلامي

 

عقيل العبودكنت في السابق أظن ان ال (homesick) معناه الحنين الى الوطن، ولكن اتضح بعد حين، انه الحنين الى الماضي.

والمعنى ان الصورة، أي اللقطة التي ينفرد بها الإنسان ذات لحظة من الزمان، والإشتياق اليها عن طريق الذّاكرة، اي المفقود في الحاضر، هو المقصود، وهو عبارة عن متابعة الخط الذي يفصل بين زمنين.

وهذه اللقطة تعكس مشهدين؛ الأول الشعور الداخلي لصاحب الصورة من حزن أوفرح، أوحيرة، مع ما يحيط به من أشخاص وأثاث في مكان وزمان معينين ابان لحظة مضت، والثاني الإطلالة التي لا يمكن استنطاقها الا من قبل خبير متخصص في ملامح الوجه وطبيعة الحركة الخاصة بصاحب التصوير.

ومن خلال ذلك يمكن التمييز بين حركتين مختلفتين من خلالهما يتم استكشاف حقيقة الشعور الداخلي لصاحب الصورة؛

والقضية عبارة عن حركتين؛ الأولى فطرية غير متكلف بِهَا، والثانية، مصطنعة. وبتمييز الحركتين يمكن استكشاف حقيقة الملامح التي يتم فيها إستنساخ الشعور الداخلي للشخص لتضاف الى اللقطة الظاهرة.

والتذكر والحنين امران متعلقان بصاحب الصورة اكثر  من غيره، لأنهما يعكسان المشهد الخاص بحركة وطبيعة الشعور المنعكس عنه.

وهذا ينفع في مراقبة الإنسان لحركة ذاته عبر كل لقطة يراد تثبيتها داخلا، او خارجا، لكي تكون شاهدا على كل فاصلة من الزمان. 

 

عقيل العبود    

 

تعتبر الاسرة مؤسسة اجتماعية هدفها الاستقرار المادي والمعنوي لكلا الطرفين (الزوج، الزوجة)، وتدار وفق قانون ارسته التعاليم السماوية اولا ثم المجتمعية ثانيا، وذلك بتقسيم الادوار-كأي مؤسسة اخرى- بينهم كل حسب طاقته ومقدرته..

وبهذا الصدد سنتناول موضوع (القوّامة) لقوله تعالى"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم"(النساء..34)، ولنضع خطين تحت "بما انفقوا"، والاية صريحة وليس فيها اي لبس على ان تُقرأالاية كاملةً اي انه قوّام بما انفق، ليفهم مغزاها وليس جزءا منها كمن يقول مثلا "لاتقربوا الصلاة"ويسكت، اما الاية كاملة فهي"لاتقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون"(النساء 43) لكي يُفهم المعنى والقصد كاملا..نفس الموضوع ينطبق على آية "القوامة" التي يقال الجزء المطلوب فقط منها والذي يُستخدم كذريعة لتبرير الامر المراد تمريره، فبما انه قوّام فهو يقوم بالزجر والنهر والتحليل والتحريم وفق مزاجيته واهواءه..

في حين ان القوامة لغةً هي من قام على امر يقوم قياما والقوّام هنا صيغة مبالغة تعني كثير القيام لعظمة المسؤولية التي خصّها الله بالرجل لرعاية زوجته وتدبير مصالحها، واما اصطلاحا فهي مراعاتها والاحسان اليها وادارة شؤونها على اتم وجه، ولاتعني القوامة باي حال من الاحوال العنت والقهر والاذلال والمنع واصدار القوانين الجائرة والاستغلال والتهميش والتحكم بكل صغيرة وكبيرة تحت ذريعة "قوامون"..ان الاستشهاد بنصف اية لهو الظلم بعينه بل الكفر بما جاءت به الشريعة الاسلامية السمحاء التي كرمت المراة واعلت من شانها..

والقوامة هي وظيفة شرعية خص الله بها الرجل لقدرته البدنية وطاقته على تحمل المصاعب مقارنة بالمراة التي هي مخلوقة رقيقة عاطفية تحتاج الى عناية ورعاية كفلها الله لها لتبقى انثى وام"بما فضل الله بعضهم على بعض" ومن هنا جاء التفضيل فهو فضل القوة البدنية والقدرة على التحمل " وليس امرا اخرا"لايكلف الله نفسا الاوسعها"

ولكن وللاسف الشديد فقد فُهمت "القوامة"من بعض الرجال على انها قيد وتحكم واستعباد واستغلال بل مارسوا ابشع انواع الاستغلال، فبعضهم ينتظر نهاية كل شهر لياخذ راتب زوجته المتفضل عليها لانه تركها تذهب الى العمل ولايعطيها غير نزرٍ قليل، او انه قد ترك العمل اصلا وعاش عالة على زوجته فجلس بالبيت اوتراه يتسكع هنا وهناك فيما تقوم هي بالعمل ودفع الايجار والماء والكهرباء والمولدة ومصاريف الاطفال من ماكل وملبس ومدارس وطبيب ولايهمه ان كان راتبها كاف او انها قد تضطر الى الاستدانة من المعارف اوالاصدقاء او تطلب المعونة من اهلها لتقوم بواجبه هو كل ذلك باسم "القوامة" التي هي مسؤوليته بنظر الدين والعرف والقانون، قال تعالى"لينفق ذو سعةٍ من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله"..الطلاق..

ان بمجرد ان يتم عقد الزواج يلزم الزوج بالانفاق على زوجته ابتداءا من المهر وتوفير كل ماتحتاجه من مسكن وملبس قال تعالى"وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف"..البقرة

لكن يبدو ان كل واحد يفسر الامر حسب اهواءه ورغباته متناسيا واجباته التي وكلها الله له ليكون قوّاما مسؤولا عن اسرته، مراعيا لزوجته مؤديا واجباته لها ولاولاده على اتم وجه ليكون بحق قوّاما ومسؤولا امام نفسه وامام الله ، وليس العكس ان تقوم

 الزوجة بالعمل خارج البيت وداخله من اجل ان تربي اطفالها وتقوم بكلا الدورين، فيما يبقى هو مصرا على دور القوّام دون قيد اوشرط!!

 

مريم لطفي

 

عقيل العبودبإعتبارها عملية تقويمية وتطويرية لهذا الكائن الذي يسعى لأن يكون مبدعا وصانعا ومنشئا بعد الخالق، هنالك ثلاث مفردات لها علاقة بموضوع الثقافة، وهي الكاتب، والمكتوب أي الكلمة، والمكتبة.

 وهذه المفردات الثلاث ترتبط بالمشاعر  والعقل  اللذان يقومان بنقل المكتوب اي الكلمة وترجمتها في الإدراك العقلي أولا، ومن ثم العمل بها بعد تحويلها الى مدرك حسي، ومن ثم الإعتقاد بها، ذلك بعد العمل على مطابقتها بحسب مبدأي القبول اوالرفض.

والقبول والرفض معادلة من خلالهما يحاول الانسان جاهدا لأن يربي نفسه، والتربية عملية شائقة يقوم بها المهتم بالثقافة والاخلاق والفضيلة والباحث عن الحكمة، ذلك لكي يكون مطمئنا مستقرا امنا واثقا من خطواته لا قلقا ولا ايسا ليفرض جبروته وهيبته بين الناس، ولكي يشعر بالكرامة التي تؤهله لأن يكون محترما ومؤثرا وموثوقا به في المجتمع، فهو لا يريد ان يكون متزعزعا خائفا مرتبكا، وذلك طريق الهداية الذي يعتبر البوابة لعملية إصلاح المجتمع والمجتمعات وبناء الحياة.  

فقد ورد في قوله تعالى في سورة الملك اية 22 (أَفَمَن يمشي مكبا على وجهه اهدى، أمن يمشي سويا على صراط مستقيم). 

 لذلك نحن اليوم بأمس الحاجة لأن تكون كتاباتنا ومقالاتنا وموضوعاتنا قائمة على هذا الاساس، بمعنى ان يكون هدفنا من الكتابة هو تقويم العقل والنهوض به وتربية هذه النفوس، التي تحتاج من كتابنا ومثقفينا الإلتفات الى بنائها من خلال إنتقاء الموضوعة المناسبة، والكلمة المؤثرة، لذلك بإعتبارها رسالة إنسانية، أي الكلمة، فنحن لسنا بحاجة الى عناوين فضفاضة وموضوعات خارجة في ابعادها عن الواقع.

نحن لسنا بحاجة لأن يقول الكاتب عن نفسه هذا أنا صاحب هذه المقالة، اوتلك، فالنرجسية في الثقافة لا تبني المجتمعات، وسوف لا يهضمها العقل ولا النفس، لأنها مجرد ألوان وبالونات أنيقة لا تمت بصلة الى الذائقة.

 

عقيل العبود

 

ضياء نافعرحل في موسكو المترجم المصري الكبير الدكتور ابو بكر يوسف في الثالث من شهر آذار/ مارت من هذا العام2019 عن عمر 79 سنة، واكتب أنا  كلمات الوداع هذه من دولة الجبل الاسود (مونتينيغرو)، التي وصلتها قبل ايام.

 اللقاء الاول معه حدث بيننا عام 1960 في كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو، حيث كان ابو بكر في الصف الثاني وانا في الصف الاول (اي قبل 59 سنة) (انظر مقالتنا بعنوان – ابو بكر يوسف والادب الروسي)، واللقاء الاخير كان في سفارة العراق بموسكو عام 2014 (اي قبل 5 سنوات)، عندما أقامت السفارة لي حفل تكريم لمناسبة منحي عضوية الشرف في اتحاد ادباء روسيا، اذ قلت للسفير عندها، انه من الواجب ان يشاركنا في هذا الحفل اول عربي حصل على عضوية الشرف في هذا الاتحاد العتيد، وهو المترجم الكبير وشيخ المترجمين المصريين عن اللغة الروسية الدكتور ابو بكر يوسف. اتصلت هاتفيا به ودعوته لذلك الحفل، فوافق بكل سرور، وعندما وصل الى السفارة العراقية اتصل بي وقال، كيف سيدخل الى السفارة وماذا سيقول لهم عند المدخل، فقلت له ساخرج من السفارة الان واقف عند بابها كي استقبلك بالاحضان، وهذا ما حدث فعلا، وقلت بيني وبين نفسي، ان ابو بكريوسف كان ولا يزال شيخ المترجمين عن الروسية وشيخ المتواضعين البسطاء الكبار، وهو طبعا تواضع العلماء، اذ ان السنابل المليئة ينحنين تواضعا والفارغات رؤوسهن شوامخ كما يقول الشاعر العربي، والذي ذهب بيت شعره هذا مثلا ....

وفي كلمتي، التي ألقيتها شفهيّا جوابا على كلمة السفير في بداية الحفل ترحيبا بي (والتي تحدّث فيها حولي باعتباري اول عراقي يحصل على عضوية الشرف في اتحاد ادباء روسيا)، أشرت، الى ان الضيف الحاضر بيننا الدكتور ابو بكر يوسف هو اول عربي حصل على عضوية الشرف هذه في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية وذلك عام 2000، وقدمت له شكري الجزيل وامتناني الخالص لانه  وافق على الحضور الى هذا الحفل، وقد أخبرني ابو بكر لاحقا في دردشتنا بعد الحفل، انه اراد ان يتكلم في ذلك الحفل بعد كلمتي ولكنه لم يستطع لكثرة الذين تحدثوا آنذاك، ولانه لا يقدر ان يتزاحم مع الآخرين في مثل هذه المواقف، وقد ضحكت انا وقلت له، انني اتفهم هذا الشئ بدقّة، وقال لي، انه يتابع مقالاتي حول الادب الروسي، وشكرني لاني كتبت عنه عدة مقالات، و توقف بالذات عند مقالة بعنوان – ابو بكر يوسف يكتب عن غائب طعمه فرمان، وكرر شكره على مقدمتي لما كتبه عن غائب، فقلت له، انه رسم في مقالته تلك (وكانت بعنوان – قاهر الغربة) صورة قلمية في غاية الجمال والدقة والموضوعية لغائب لم يستطع اي عراقي ان يرسمها له، وانني (حفظت عن ظهر قلب!) جملة جاءت في تلك المقالة وهي  ان غائب يتصف ب (حلاوة تمر العراق  وحزن نخيله)، وانني أشرت الى هذه الجملة الجميلة والفريدة والمدهشة في مقدمتي تلك، فضحك ابو بكر وقال، ان غائب انسان رائع وانه معجب جدا به انسانا ومبدعا، وانه يستحق أكثر من ذلك .

وداعا ايها المترجم الكبير الدكتور ابو بكر يوسف، وداعا يا من أقمت وبمفردك (كما أشار اوليغ بافيكين في تعزيته باسم اتحاد ادباء روسيا) جسرا قويا بين الثقافة الروسية والعالم العربي باكمله، وقد أسماه بافيكين – المصري العظيم والانسان الرائع.

 

أ. د. ضياء نافع

 

صالح الطائيفي حياتنا الكثير من الدرر المخفية التي لا نعلم عنها شيئا، ربما لأنها انشغلت بنفسها عن تتبع آثار الآخرين، في هذا الزمن الصعب. وفي الأزمنة الصعبة يحلو السكوت، حيث ينزوي العقلاء في أركانٍ قصيةٍ ويدعون أعمالهم تتكلم عنهم، مع أنهم يعرفون قبل غيرهم أن المرء مخبوء تحت لسانه، وقد أبدع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في تصوير تلك الرؤية بعدد من أقواله مثل:

ـ ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.

- اللسان معيارٌ، أرجحه العقل، وأطاشه الجهل.

- اللسان ميزان الإنسان.

- ألا وإن اللسان بضعة من الإنسان، فلا يُسعده القول إذا امتنع، ولا يمهله النطق إذا اتسع.

- ما من شيء أجلب لقلب الإنسان من لسان، ولا أخدع للنفس من شيطان.

- الإنسان لبه لسانه، وعقله دينه.

- تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه.

- قلت أربعا، أنزل الله تصديقي بها في كتابه: قلت: المرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلم ظهر، فأنزل الله تعالى:  (ولتعرفنهم في لحن القول).

معنى هذا أن الإنسان يختبئ خلف أسوار أقواله، وخلف ما يريد أن يصرح به، ومعناه أن حديث المرء هو البوابة التي يلج منها الآخرون إلى عالمه، وهو جوازه للمرور إلى دنيا غيره، وقد يكون هذا الجواز منتهي الصلاحية، لا تفتح له الحدود! لكن مع هذا وذاك، يبقى الإنسان كائنا مجهولا ما دام ساكتا، فإذا نطق، أسفر عن وجهه، وعرَّف بشخصيته؛ الجميلة أو القبيحة، فقبح الروح وجمالها لا يُرى إلا عند التكلم، فالكلام هو الترجمان.

جاء في قصص الإغريق أن الفيلسوف سقراط كان جالسا بين تلاميذه يتبادلون الرؤى، وجاء أحدهم متأخرا، وهو يرتدي لباسا فاخرا زاهيا جميلا، فنظر إليه مطولا، ثم قال: "تكلم يا هذا لكي أراك". وقد جاء عن أمير المؤمنين(ع) قوله: "الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام".

إن هذه الأقوال العظيمة هي محاولات فلسفية هدفها إعادة تشكيل المعنى الإنساني خارج سياق التوصيفات المتداولة، فبالكلام وحده تتضح الشخصية، وتظهر حقيقتها إلى الوجود، وبالكلام وحده تُستحصل الحقوق، وتُقر الواجبات، ويُدان الظلم، ويُنصر العدل. من هنا نجد سقراط لا يقول للقادم المتأخر: تكلم لكي أعرفك، أو لكي أسمعك، أو لكي أفهمك، أو لكي أعرف من أي مكان أنت! والإمام علي(ع) لم يقل الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها النقود أو الجيوش أو الشباب. هاتان الرؤيتان أرادتا الإشادة بدور الإنسان الثوري الكتوم الذي لا يريد أن يفضح كلامه مراميه التي لا ترضي الحكام فيخافون منها.

لكن ذلك لا يمثل دعوة للثرثرة، فاللسان نصف موجبات الحساب الأخروي، قال رسول الله(ص): " مَنْ ضَمِنَ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ ورجليهِ أو وفخذيه، ضَمِنْتُ لهُ الجنَّة"، وحينما يكون المرء مسؤولا عما سينطق به لابد وأنم يضع في حساباته النتائج المترتبة على ذلك

لقد سقت هذه المقدمة الطويلة لأدخل من خلالها إلى عالم الأديب المتخفي الأستاذ عماد البابلي، الذي ما كنت لأعلم بوجوده لولا صديقنا المشترك الأستاذ محمد صالح الهاشمي، فأنا بالرغم من احتكاكي الدائم بالوسط الثقافي في واسط، لم أسمع من قبل عنه شيئا، بالرغم من كونه أصدر أربعة مؤلفات جميلة وغريبة، هي على التوالي:

- نائم لا يملك ثمن الحلم: قصص قصيرة وقصائد. صدرت في 2009.

- الكتابة على جسد العراة: نصوص سوريالية. صدرت في 2010.

- كارما: رواية. صدرت عام 2016.

- عوالم أخرى: مجموعة شعرية. صدرت عام 2019.

وسأقصر حديثي عن الرابعة منها، مع أني ارغب بالاحتفاء بها كلها، فهي محاولات جريئة لاختراق حاجز الصمت، وإشهار الصراع بوجه العبثية، في محاولة لتنبيه الذات إلى مكامن الخطر الأسطوري؛ الذي يحيق بنا في مفازات حياتنا التي لا تعرف السكون.

في محاولتي لتفكيك هذه المجموعة اضطررت ـ حتى بالرغم من مشاغلي الكثيرة والمتنوعة ـ إلى إعادة قراءتها أكثر من مرة، علي انجح في استخراج اللؤلؤ المكنون في أصدافها المتناثرة على مساحة واسعة، ينوء بحملها كتاب مكون من 202 صفحة، فكيف بمن يقف على أبواب السبعين منهكا من ثقل ما يحمل من خطايا وذنوب وآثام، وثورة أيضا، أن يحمل وزرا جديدا.

ولكي يثمر جهدي، بدأتُ بالمقدمة التي أسماها الشاعر (افتتاحية)، إذ أنه أفصح من خلالها عن الغاية والهدف من الكتابة، معترفا أنه ليس بشاعر، وأنها نصوص شبه شعرية، وهي ليست أكثر من  تهجدات سجين مكتوبة على جدران زنزانته، باح بها كنداء استغاثة.

هذا النوع من البوح، ولاسيما إذا ما كان مشفوعا بدعوات لغض النظر عن الأخطاء اللغوية والطباعية والاملائية والعروضية،  يهدف عادة إلى الإعلان عن مواقف تتسبب بأذى غالبا لمن يصرح بها، أو يتبناها، حتى مع شكلها العام الذي لا يتبنى موقفا ثابتا نمطيا تجاه فئة أو جهة، والخال من التخصيص والتأشير، مثل قوله: "طفل يأكل من مزبلة قرب كنيسة، أو جامع مغطى بالذهب، وكأنه لا يبحث عن الجريمة، وإنما يهتم بحرمة الجثث!

هذا الأسلوب النقدي اللاذع وغير المباشر والقابل للتأويل، يدخل في نطاق فن (البانتوميم) أو فن الحركات الإيحائية أو التمثيل الصامت، الذي يعتمد على براعة الممثل، وخيال المتفرجين في ترجمة تلك الإيحاءات إلى ما يشتهون، ممكن أن ينفذ من خلال الجدران الزجاجية السميكة دون أن يترك مخلفات تثير الريبة والشك، لكن المباشرة النقدية مثل قول: "كنتيجة طبيعية لبقية ما يحدث في هذا الوطن المنهار، الوطن الذي حوله قادته الى مزرعة حمير مشوشة تكره الكتب وتكره كل ما هو متصل بالمعرفة" قد تترتب عليها مخرجات فيها قدر كبير من المسؤولية، وهذا قد يكون جزء من مشروع التخفي اللطيف الذي يتبعه الأديب البابلي في حياته العامة والأدبية. ولكنه يدل في ذات الوقت على وجود ثورة تعتمل في صدره إلى درجة الغليان والانفجار، وهذه الثورة هي التي تدفعه ليكتب ويتحمل مسؤولية ما يكتب، لأنه يدين "هذا الزمن العربي المشوه الذي يحتاج للكتب التي تسجل خيبته وسيرة الضحايا وماذا فعلت الحروب والانقلابات السياسية في هذا الشرق الذي يزعم أنه الأقرب الى الله".

أول شيء جلب انتباهي في مطبوعات الأستاذ البابلي أنها لا تختص بنوع محدد من الأدب، مثلما هو متعارف عليه، حيث يُخصص الكتاب إما للشعر أو النثر أو القصة أو الرواية، أما البابلي فباستثناء كتابه (الكتابة على جسد العراة) الذي اورد فيه نصوصا نثرية، جمع في الإصدار الثاني (نائم لا يملك ثمن الحلم) قصصا قصيرة وأضاف لها مجموعة من القصائد، وهذا أسلوب غير دارج. وفي روايته (كارما) استخدم التهميش في كثير من صفحاتها، واستمر التهميش لغاية الصفحة الأخيرة من الرواية البالغ عدد صفحاتها (111) صفحة، حيث تحدث فيه عن الكارما، وهذه الهوامش تتراوح بين التحدث عن نتيشة ووالماسوشية واليهودي التائه وختان البنات والسوريالية والناقلات العصبية وحرب الوردتين والانثروبولوجيا والانكشارية والكاكائية وكثير مما لم نتعود رؤيته في كتب الروايات.

ووفق السياق نفسه، جاءت مجموعة "عوالم أخرى" مزيجا من الشعر، والنصوص النثرية القصيرة، والحكم المقتبسة، والمعلومات التاريخية، وهي بتلك الصورة تبدو مائدة شهية ترضي جميع الأذواق، وذلك لأن الشاعر بدا متأثرا بأبي حيان التوحيدي، الفيلسوف المتصوف، والأديب البارع، وهو من أعلام القرن الرابع الهجري، عاش أكثر أيامه ببغداد وإليها ينسب، الذي قال: "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم". وهي مقوله رددها جميع الذين يكتبون بنفس نسق الأديب البابلي، والتي أسست لمنهج سبق وأن سار عليه الكثير من الأدباء المشهورين، منهم محمود درويش في مجموعته "كزهر اللوز أو أبعد" الصادرة عام 2005.

هذا يعني أن المعلومات الموجودة في مؤلفات عماد البابلي تدل إما عن رغبة جامحة في خدمة الناس من خلال ذكر معلومات قد يحتاجونها، أو أنه يملك كما كبيرا من المعلومات التي يحاول نشرها من خلال مؤلفاته، وهي سواء عاب النقاد وجودها في غير أماكنها الطبيعية المعتادة، أو اعتبروا ذلك خروجا على المألوف، تمثل غالبا إضافة جميلة جدا تدل على سعة ثقافة الكاتب، وهذا ليس تبريرا ليُعفى من مغبة استخدام هذا الأسلوب.

مجموعة (عوالم أخرى) ارادت أن تعلن صراحة عن هويتها الغريبة، فأنا خلال خوضي في غمارها، وبعد عدة محاولات، لم انجح في توصيفها، واحترت في أي خانة من خانات الأدب المتداول أضعها، وهذه ليست استهانة بها، فهي جوهرة حقيقية تنبئ بولادة مثقف كبير ممكن إذا ما أعاد منهجية مشروعه أن يتحول إلى رقم صعب في مجتمعنا.

مجموعة (عوالم أخرى) كنز معرفي، ومتحف مملوء حتى مشاشته بأروع العبارات والجمل والحكم والمقاطع النثرية التي تهزك من أعمق أعماقك، حتى تشعر بقشعريرة وكأنك تقف عاريا على قمة رابية في ليل شتائي قارس. فانظر إلى عمق دلالة الصورة في قوله:

ـ أم تخاطب ملاك الموت: لنحمل أحذيتنا ونحن نخرج من الباب أخاف على أطفالي أن يستيقظوا. (ص:124)

ـ لافتة على دار العجزة: أمومة للبيع. (ص:23)

ـ في المزاد بيعت حزمة كتب من علم النفس بسعر تنورة قصيرة. (ص: 5)

ـ الانسان قرد الأزمنة، يبايع نفس الغزاة، يرقص لنفس الزناة، جمل مخنث يعرف الحقيقة لكنه يصمت. (ص: 44)

ـ الوزير الذي قتبه الخضر لم يمت، كبر وصار الآن وزيرا للداخلية. (ص: 100)

ـ هل تؤمن بالحياة بعد الموت؟ اجعلني أؤمن بالحياة قبل الموت أولا. (ص: 101)

ـ للذئاب حكايتهم في تخويف صغارهم، يحكى أن هناك ذئب بملامح إنسان. (ص: 101)

ـ الجسد الميت الطافي يساوي كمية الماء المزاح. (ص: 171)

بالمحصلة أجد أن عماد البابلي رجل مجازف، يقبل المخاطرة بكل شيء في سبيل أن يقطع الطريق علينا، لجعلنا نقف ونستمع إلى نوتات تلك الموسيقى الناشزة، التي تنطلق من أعماله لتعلن تمرده، وتصيبنا بالدهشة.

 

صالح الطائي

 

 

سارة طالب السهيلكل الامم والشعوب تزرع أولى أشجار نهضتها او قامة حضارتها المستقبلية انطلاقا من رعاية الطفل عقليا وفكريا وثقافيا، فطفل اليوم هو المستقبل.

ومن خلال انغماسي في شؤون الطفل سواء بالكتابه له او عنه وجدت ملاحظات كثيرة بإمكاننا إنجازها او تجنبها من خلال ما يصدر للطفل من وسائل ترفيه وتعليم عبر وسائل الاتصال، وليس فقط الاعلام المرئي والمسموع والمقروء.

ففي ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي واقتحامها عالم الطفولة اصبح هناك العديد من التحديات الجسيمة التي تواجه المتخصصين في عالم الطفولة والمهتمين بتنشئة الطفل بعقل وقلب سليم ونفسية صحية.

لو أردنا ذكر اهم الأشكال الفنية الموجهه للطفل وليس حصرا الرسوم المتحركة، الأغاني، قصص الاطفال التي تشمل قصص الحديثه او التاريخيه او التراثيه، وكذلك قصص الخيال العلمي، او التي تحتوي على حكم وأمثال شعبيه ونكت وافيهات؛ كلها تحتاج الى اعادة النظر بمحتواها ومدى تأثيرها سلبا وايجابا في تكوين شخصية الطفل.

كما تشكل افكار الطفل وثقافته معطيات كثيرة منها الألعاب الالكترونية، والبرامج مثل التوك شو، والبرامج التعليميه والتثقيفية مثل افتح يا سمسم او المناهل في السنوات الماضيه، والقنوات الفضائية المتخصصة التي تبث طوال اليوم برامج متنوعة للطفل، والمواقع الالكترونية الموجهه للطفل، مجلات الاطفال، كتب الكوميكس.

فهذه المعطيات على كثرة تنوعها وأسالبيها في جذب الطفل اليها تشكل خياله وفضائه ورؤيته للعالم سلبيا او ايجابيا، وان كانت المناهج التعليميه من اكثر الوسائل تأثيرا على الطفل باعتبارها الاوسع انتشارا وصولا للطفل عن طريق المؤسسه التعليميه التي من المفترض انها اجبارية وبالتالي تصل لكل بيت.

لا ننسى، في هذا السياق، الاطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وما يقدم لهم عبر هذه الوسائل ومناقشة الكم والكيف المطلوب للنهوض بحالته الصحية والنفسيه عن طريق ما بقدم له بمراعاة ظروفه وقدراته وتنميتها وتطويرها.

حشو وغياب الكيف

ومن خلال مراقبتي لكل ما سبق وجدت تأخرا ملحوظا بالنوع والكم المقدم للطفل العربي، مقارنة بدول العالم. فالمواد المقدمة للطفل العربي تعاني ترهلا وحشوا غير مبرر بما يقدم للكبار من انتاج فائض بما لا يجدي نفعا و بما يضرالذوق العام و يتسبب في تدني الاخلاقيات والسلوك والآداب العامة.

وذكري لما يقدم للكبار في موضوع عن الطفل ليس اعتباطا، بل لان هذه البرامج اقتحمت عالم الطفولة واصبح الطفل من أوائل المتابعين لها، وربما يعود السبب آلى ان الطفل لم يجد ما يجذبه وما يرضي فضوله وما يتناسب مع زمنه وتطوراته، فطفل اليوم اصبح مطلعا على كل شيء، و واعيا بكل ما يدور حوله فذهب الى ما يقدم للكبار وقفز عن الطفولة بشكل مخيف.

فمن الطبيعي ان يعيش الانسان مراحل عمره بترتيب يتناسب مع ما يمكن ان يحتمله الطفل من قدر العبء والمسؤولية التي تلقى عليه اذا اقتحم عالم ليس عالمه، و بالتالي إنقاذ الطفل من اقتحام عالم الكبار وإعادته للطفولة يجب ان تكون من أوائل الاهتمامات.

وقد يرتبط جنوح الطفال لعالم الكبار بقلة عدد الكتاب والمؤلفين المهتمين بعالم الطفولة في عالمنا العربي، كما ان الاهتمام بكتاب الطفل ضعيف على الصعيد المادي والمعنوي والانتاجي فبالتالي هجر الكتاب الابداع للاطفال وانطلقوا لعالم الكبار كي يستطيعوا تأمين حياتهم اليومية وتحقيق نجاحاتهم.

والشق الثاني المرتبط بعدد الكتاب هو عدد الانتاج وهو مرتبط بعدد الكتاب ومرتبط بشركات الانتاج التي لا تسخى ابدا لاعمال الاطفال. ومن هنا وجب تدخل الانتاج المدعوم حكوميا حتى و ان كان الانتاج موجها فلا ضرر ان كان التوجيه ثقافي واخلاقي وتربوي ووطني بعيدا عن السياسه الا فيما يخص التثقيف السياسي و ليس التوجيه.

كما يجب على المؤسسات الثقافيه المختصة ان تدعم الانتاج للطفل لسد النقص شركات الانتاج الفنية الخاصة والتي لاتهتم الا بتحقيق الارباح المادية فقط، وقد يغري نجاح تجارب الانتاج  الفنية الحكومية  الموجهه للطفل، شركات الانتاج الخاصة في تعديل موقفها  لتدخل معترك الانتاج الفني للاطفال.

العنف والجريمة

أي متابع للاعمال المقدمة للاطفال او التي يشاهدها الطفل في الاعمال المقدمة للكبار يجد واقعا مخيفا، قد تبدأ من سماع الأغاني الركيكة التي تستخف بعقلية الطفل واستخدام الألفاظ والعبارات التي لا ترتقي بالاخلاق والتحضر.

وعلى صعيد المشاهدة، فان المواد المعروضة على الطفل تحتوي  مشاهد وافكار تحض على العنف وتحفز علي الجريمة وارتكابها، ناهيك عن افكار شيطانية تعبر عن رفض الاخر وعدم قبوله.

ويلاحظ ايضا التناقض الكبير بين افكار رفض الاخر في هذه الاعمال الفنية وبين تكريس الانفتاح علي قيم اجتماعية لا تتناسب مع قيمنا الاخلاقيه التي تقرها كل الديانات الموجودة على ارض بلاد العرب بمقاييس وسطية.

وكذلك التركيز على التراث في بعض المواد الفنية تسبب في وجود فجوة بين الماضي والحاضر لدى الطفل العربي فجعله حائرا هل هو ابن الماضي و كيف يمكن له الاندماج مع الحضارة والتمدن الذي يعيش ألفيته الثالثة؟

فطفل اليوم يفتقد لقيم القدوة الصالحة، ولا يجد لها في لسان الحال واقعا في زمنه، وما يطرح من قيم القدوة الصالحة لا يراه الا في معطيات الماضي، ومن ثم فان مثل هذا الاعمال الفنيةالتي تقدم صورة المثال والقدوة الصالحة رغم أهميتها فانها تقدم رساله للطفل بأن يبقى في جلباب التاريخ ومن ثم فانه يفقد الأمل في المستقبل.

واذا ما عرجنا على البرامج الدينيه، فاننا نجد ان بعضها يحث على التعصب والعنف والتشدد، في الوقت الذي نحتاج فيه تماسك مجتمعي تجمعه الوطنيه والهوية والمواطنة بعيدا عن ثقافة الكره والعداء والتكفير، حتي نستطيع العيش في سلام ونحفظ حريات الاخرين.

فثقافة العنف التي يتعرض لها الطفل العربي تدخل في كل شيئ يعيشه اليوم بما فيها الألعاب الالكترونيه التي باتت أضرارها  تكشف رويدا رويدا بدءا من اهدارها للوقت مرورا بادمانها وتحريضها علي اكتساب العنف وممارسته وصولا للقتل.

وفي تقديري، فان الاعلام الذي يخاطب الطفل لابد وان يقوم برسالته كاملة في الارتقاء بالطفل، من حيث الخيال الجمال والابداع، وخلق روح المرح بداخله، وتنمية الفكر والمواهب، وتكريس قيم المواطنة والانتماء، والحث علي اكتساب المعرفة و التزود بالعلوم السلوك والآداب العامة. كما انه مطالب بغرس قيم الضمير لدي الناشئة لكي يفرقوا  بين الخير والشر، مع التوسع في البرامج التي تنمي القدرات العقلية وتنشط الذكاء والعقل الذكاء والذاكرة.

 

سارة السهيل

 

مصطفى غلمان1ـ ما أبلغ ما يدور في خلد أمي وهي ترتب أفكارها لانتقاد طريقة تجميعي لركام الكتب المشتتة على السرير وأرضية البيت، وفي درج مكتبتي .. وفوق شباك النافذة المطلة على صحن أسفل الدار.

كانت حفظها الله تمارس بعين حكمتها وقدرتها على قراءة طاقة طفل يافع لا تزال أبعاد حضوره الجاثم وانطلاقه الكثيف في زمنية مدفوعة بالشك الأيديولوجي والعراء السياسي، نقدا يشد عن المعنى المألوف، والتحوط الجافل، ويستثني صراعات المجتمع في ظل تهادر القيم وتغيرها.

ولم تخل نزعات أمي من بداوة عفوية ماتعة وفورة حذيرة تفردها يد حنون وقلب خافق مختلج، وعقيدة واسعة المسند والهوى.

ولكن سحرها الفاتن في مطمحي ورؤاي أن غمست فروقها الثاوية بين المبنى والنص، العقل الجامح المرتد، والروح الشاردة الثائرة.

لا إرادة دونها، ولا خطا رائما من غير عطف منها. فالساحة المفتوحة على الهوامل المسيبة المغدورة تعصب أعين الحق عن الحقيقة، وتلتع بنفير مستعجل في كل لحظة قائظة. وغالبا ما يسمع صدى البلاء وعجيج القهر وخفة يد المخزن، فنبرح الحيطان ونقرع كؤوس الشاي على مدفئة الهمس والإبطان.

وتؤول أمي إلى فراشي كل يوم لتمتح من ذوات الأشعار ونثرات الليل وفرائس السرد وهمومه. فأواري الأوراق المتحلقة بين أرجل المائدة الصغيرة وأركان بيتي الهلامي الآسر.

ويستعطرني الوجه الصبوح كل لحظة وحين، فرحا يشحذ عرائسه ويغريني بالتوقد والاعتداد ..

كنت أباهي بانتشاء سامق فرادة أمي في القبض على الهارب، وصراعها المستمر في التخلص من بقايا ذكريات وحصائد آلام ونفخ زند.

وها هي الآن كأي امرأة تستل طروسها لكتابة آثار تليدة من جوامع الكلم ونفائس الخطوط والولدان. تطرز سروج الوقت على موسيقى الاستعارات الجديدة.

نصف قرن من الأمومة وعهود غنيمة من التضحيات الجسام، وأوصال معرقة من الرزايا والختور، واستصبار منيع لم تقصمه يد الدهر ولا اشتدت حموضته إلى المرارة، كانت فيه الوالدة أعزها الله قدوة وملاذا وحوضا ورحمة ودعما ونصيرا ..

فسبحان من خلق وأخلق وارتضى وأرضى. وسبحانك أمي أبدعت وأمتعت وصار لك ما الله ناظره.

2 ـ  لو أن لي سراديب من جوف وخوف لما أسررت بشيء، ولأقمت الحجة على نفسي حتى تشبع من الإسرار ، فإن التخبير عين التقصير، وإن مطاوعة الأنا على الكلام مذلة وغفل صريح.

إن العظماء يخرجون من البدايات والتوسط إلى الاقتدار والتجرد، ويعلمون ان النطق الدال على المعنى حتما ينبئ عن الغاية. قال ابن الجنيد رحمه الله (...وذلك ذكره للجسم، والجناح، والهواء، والميدان).

وكان رحمه الله ينشد :

سأكتمُ من عِلمي به ما يصونه

وأبذلُ منه ما أَرى الحقَّ يُبـــــــــذَل

وأُعطي عبادَ اللهِ منه حُقوقَهـم

وأمنعُ منه ما أرى المنـعَ أفضــــــل

أَلاَ إنَّ للرحمـن سـرّاً يســــــره

إلى أهله في السرِّ والسترُ أجمـل

3 ـ لا يعدم المشتري من كان ثمنه أرذل وأحط. ومن لم يكن له نواة وهوادة تدحرج بين ميؤوس ومتروك. فلا تعجل من تحويل زمنك إلى ما دونه، ولا تقل إن لي حياة بمثل ما للآخرين. فقد تعيش على الحر والبرد والصحو؛ فلا تدرك غير ما تسد به عين الحقيقة.

وقد يسعف الحظ مخبولا فيخص بالنصيب دون شقاء.

وقد قال الشاعر يوما:

اذا شئت حاز الحظ دونك واهن

ونازعك الأقسام عبد مجدع

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

داود السلمانبالضرورة أن يكون الفيلسوف مثقفاً، وليس بالضرورة أن يكون المثقف فيلسوفاً؛ فالفيلسوف يحمل هوية المثقف، وقد لا يحمل المثقف هوية الفيلسوف. وعلى اعتبار أن عمانويل كانط فيلسوفاً من الطراز الاول، بل شيخ الفلسفة الحديثة كما وصفه أحد الكتّاب المعاصرين، وهو رائد الفلسفة النقدية في العالم، بلا منازع، ولا يزال الكانطيون مؤمنون بكل ما طرحه كانط من رؤية فلسفية للكون وللوجود وللأخلاق والدينين والميتافيزيقا والسياسية، وقد اعتبر كانط الاخلاق هي أساس كل شيء، يعني: إن الاخلاق هي معيار الانسان المستقيم، وهو يفضل الاخلاق على الدين، ويرى أن الانسان الذي يمتلك أخلاقاً بالضرورة أن يمتلك دين ويصبح إنساناً متديّن (بالدين الذي يراه هو صحيحاً) بعكس الانسان الذي يمتلك دين ولا يمتلك أخلاق، فالدين لا يصنع أخلاق، والاخلاق تصنع دين، إذ بالمحصلة النهائية: الاخلاق هي فوق الكل، وهي القيمة الحقيقية للإنسان السوي.

والثقافة، بالنسبة لكانط، التزام أكثر مما هي معيار ذا قيمة معرفية. الثقافة سلوك سوي يرتبط بقدسية الانسان والتزامه بسلوكه تجاه الآخرين، وتجاه نفسه كذلك، وبالتالي تجاه مجتمعه (المجتمع الذي يعيش في احضانه). وتنطلق ثقافة كانط من كونه يراقب كل الاحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحيطة به، سواء في داخل بلده أو خارجه، وكانط يحلل الامور ويفلسفها برؤية ناقد بارع غير متحذلق، مطلع على كل شاردة وواردة، من خلال رؤيتين: رؤية فلسفية (فلسفة النقد التي شيّد أركانها ودق أوتادها بارض الفلسفة الحديثة) ورؤية ثقافية شاملة، وهتين ما جعلت منه أن يكون كذلك مثقفاً من الطراز الاول، أي أنه بذلك يكون مثقفاً شمولياً، يستوعب جميع الاطر التي تطرأ في الساحة الثقافية والفلسفية معاً، وليس هذا فحسب، بل أن كانط كان عالماً اجتماعياً ايضاً، ذلك حينما كان يجلس مع كافة شرائح المجتمع، ويشاركهم افراحهم واتراحهم آنذاك، ويحدثهم ويستمع اليهم ويدرس مشاكلهم ويحاول أن يضع لها الحلول المناسبة، بعكس ما اتهمه بعضهم: من أنَّ كانط كان منطوياً على نفسه ومنعزلاً عن المجتمع، بهدف الانتقاص من شخصيته وتقليل من شأنه ومن فلسفته التي طغت على كافة الفلسفات الاخرى التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وصار حديث الناس يدور حول فلسفته.

المثقف، وعلى اعتباره أنه عقل فاعل في مجتمعه يقيم أود الحياة بكل اشكالها، فأن كانط، ومن هذا المنطلق، كان المساهم الاكثر فاعلية وحراكاً، إذ تتجه اليه الانظار أكثر من سواه في الساحة الثقافية والفلسفية معاً، حتى أنه ملأ الخافقين في اطروحاته ونظريات التي اثارت من حوله كثير من الشكوك والتهم، حتى أن رجال الكنيسة (وهذا هو ديدنهم) اتهموه بالإلحاد، رغم أنهم  لا يعون اسلوبه في الطرح، وادعوا أن اسلوبه صعباً، وهو ما جعله أن يطلق العنان لقلمه وأن يعطي مساحة واسعة لتفكيره الحرّ، حتى أنتج فكراً لا يزال الى يومنا هذا محط نظر وتفكر من قبل المعنيين في هذا الشأن.

 

داود السلمان

  

محمد الدعميأزعم هنا أن جذور الاستجابة الثقافية للبيئة الحضرية إنما تضرب بتربة بغداد وحواضر الشرق العربي الإسلامي (مثل القاهرة ودمشق وأصبهان) عبر العصر الوسيط، إذ تشكلت في هذه الحواضر استجابات العقل الحساس والمبدع الأقوى، حيال طبيعة البيئة الحضرية، متبلورة في تسليات حكايات (ألف ليلة وليلة) وفي كنوز الحكمة بحكايات الحيوان في (كليلة ودمنة)، وفي مقامات أبي الفرج الأصبهاني، بعدما بقي الأدب العربي والإسلامي عامة حبيسا للصحراء وللأرياف وبيئتها القاسية أحيانا.

وإذا ما تواصل العقل العبقري المرهف الحس بالاستجابة لآثار المدينة عبر العالم عبر الحقب التالية، من الصين إلى أوروبا الغربية، مرورا بالشرق الأوسط، فقد شكل “أدب الثورة الصناعية” ببريطانيا المرآة الأهم (في تاريخ العالم) لعكس حساسيات بعض الشعراء والكتاب الخياليين لرتابة الحياة المدينية، واستبدالها أبراج الكنائس والكاتدرائيات بمداخن المعامل التي بقيت تتقيأ سمومها نحو الأعالي لتستبدل غيوم السماوات الصافية بشرائح غيوم الأبخرة السامة، درجة حجب الشمس عن وجود الإنسان المضطهد والمضموم لأرتال الكدح الطويلة، طوابير من الجياع والمضطهدين.

وإذا كان “العصر الفكتوري” ببريطانيا الثورة الصناعية قد شكل “العصر الذهبي” للانتفاض على المدينة الصناعية ولرفضها بسبب ما جاءت به من تعقيدات التلوث والقبح، والرتابة والفقر، والإنسان مضادا للماكينة، ناهيك عن معضلات تنامي الجريمة والضغائن بسبب تحول المدن إلى “علب ساردين” خانقة، خصوصا عبر أحياء الأزقة الفقيرة، فإني أرى بأن الدور قد جاء (الآن) على حواضرنا في الشرق الأوسط، للكشف عن ذات المشاكل أو ما يشابهها في كبريات المدن. ومن هذه المشاكل التي يتوجب معاينتها ومجابهتها تبرز آثار البون بين أحياء الأغنياء وأحياء الفقراء، واستفحال إفرازات الفقر وتداعياته الأخلاقية، وغزو الماكينة بما يأتي مع هذا الغزو من تلوث بيئي وخنق للمواطن بالمواد البلاستيكية التي لا يمكن التخلص منها (علميا)، زد على ذلك المعضلات الناتجة عن الكثافة السكانية، أي المعضلات المعروفة: كتراجع الخدمات الصحية والتربوية وخدمات النقل العام وتوفير أساسيات الحياة الحضرية كالماء الصالح للاستهلاك البشري وكالكهرباء والتوسع في مشاريع الإسكان والإعمار، تلك المشاريع التي راحت تنوء تحت أعباء تلبية الحاجة السكانية المطردة إليها، وهي الحال التي قادت إلى ظهور أحياء وتجمعات الصفيح السكانية، ناهيك عما يتناهى إلى مسامعنا الآن من الخوانق التي أدت إلى مشاركة الأحياء مساكن الموتى في مقابرهم من أجل المبيت، والاستقرار أحيانا.

وإذا كانت صحارينا الشاسعة المحيطة بمدن الخليج العربي قد ساعدت على تنقية أجوائها على نحو سريع برياحها النقية سابقا، فإن على المخططين الحضريين التحسب والتحوط للقادم من السنين سريعا، قبل أن تتحول المدينة الخليجية إلى “ثقب جحيم”، كما وصف الفكتوريون مدنهم الصناعية قبل أكثر من قرن ونصف!

 

أ.د. محمد الدعمي

 

ابراهيم رحيمكان الصّوت، الحجرّ الأقدم لبنيان الكلمة والكلمة كانت بيت الجسد. نفخنا الكلام روحاً وقمنا بالعوالم أحراراً، فشعلنا الشّمس السّاطعّة في ليل اللّاوجود وبهذا الجمال المصطنع سكرنا وبلغنا ما بلغنا من الفصاحة والظّهور بأمر اللّوغوس، بأمر الإله السّرمدي.

كنا نعلم مِن قبل، ما يحدث، ما يكون، بالشّك لا باليقين والشّك هذا صراطٌ جمعنا حول مائدةٍ أشبعتنا من زادٍ دفين، زاد الوجع والأنين. مَن أنا، من أكون وما هذا القلقّ المترسّبّ لِما سوف أكون!

بوهمنا تداوينا فراغ الأسامي وفُتحت لنا بيبان المكان والزّمان، لدخول جنانٍ قلنا لها بالحرف الواحد، لتكوني خالدةً بصنعنا، لتكوني خالدةً بعدنا.

الكلمة، شراب الحدود التقليدية للطّيران وذهنٌ يشرئبّ بجنون نحو آفاق قاموسيّة جديدة ليس للبقاء فحسب، إنما للفتح والسّيطرة على مقاليد حكمِ سلطنة أوراقٍ لم تكن ممطرّة الاحساس غالب الأمر، لكنّها سوف تكون؛ إنْ جُرّدت من جسمها البارد الخالد واحتضنت دفء الضّفة الثّانية لنهر الغوص والغموض، دون سياط الغصب السّوداء وبعيداً من رياء مسميّات القدر!

السّيطرة قيد حديدي ناعم يجلجل بسلاسل حروفٍ دمويةٍ، عطشةٍ دائم العطش، برنينِ الصاعقة الممتدّة عَنوةً نحو طبقات الباطن البكماء، هامسةً لنا بحنينٍ روحانيٍ لطيف الوميض: يا ابنائي المحاربين وأنتم أيضاً يا ابنائي المقهورين، ها قد بلغتم وادي السّكون الأبجديّ سوياً، فلترقدوا صامتين فخورين بما صنعتم من بطولات، هاربين من وحشة زنزانة الموت الأبدي!

تلكم الحروف اللّائي قد جلست على عرش صوتيٍ قد سُقيّ بدمٍ ناصعٍ شفيف، نافذاً من لذائذ الشّهوة الهائجة تلو انتعاظٍ ذهنيٍّ جميل. شربت فسكرت من كؤوسِ دماء أخواتٍ لها بالولادة وأخرى بالرّضاعة -علمت هذا أو لم تعلم- في سبيل عروشٍ؛ جاهدت في حدود المرئيّات واللّامرئيّات- منذ الأزل- مولّعةً بحروب السّيطرة والانقياد.

الأيادي الخفيّة اللّائي توحّدت تحت رايتا الذّات ومرآة الآخر في جغرافيا الذّهن والبياض، لتكون لها الغلبة الدّائمة ولتصنع وهم المستقبل المتأخّر دوماً - من حرية ومساواة- زادت أرقام القتلى وشرّدّت متبقي اعوان السّلم الخيالي واتباع السّلام الوهمي!

ما من رفرفة عَلمٍ فيما وراء تلال الوعي دون قتلى، قتلى الحروف، قتلى اللّغات وقتلى الأجساد. فما من براءة في الكلمات وليس للكلمات من براءة، إذ الصّمت لغة القتل والقتلى معاً، في ضيافة الأبد الكوني!

أجساد تتهمّش لتبقى الفكرة أصيلة في إيجاد البدائل، مستمرة بالارتواء من ينابيع الحروف والتّشبّع إثر إثارة الاختلاف تلو انحرافٍ معرفيٍ جدير بالتّكوين!

الانحراف انزياح شديد الميلان، قام بقوام الجسد من كلمات حبيسة المعان، مكورّة بقبضتّه التحرريّة وأفرز أخّرٌ، كان الخيال - وحده -  جناحها الملائكي للتحليق، ولا غبار!

الحق، أن الكلمة الكسيحة الرّابضة بحضيرة القناعة والتّحديق الفاتر، كانت تنادي لتشويه الجسد الجالس بين حدّي العوالم الخرساء/المتحركّة - أكثر فأكثر- ليغدو جثةً ساكنّةً ذات تجعيدات وانكماشات باعثةً للغثيان إن لم تكن داعيّة للسأم والوهن!

فصار الحرب إيمان الكلام ومن موجبات التّطوير والدّوام، دون الوقوع في شرك الاسهاب والتَرداد وليس خفي أنّ بين العوالم أحاديث وكلام، بل حروب جمّة لفرض السّيطرة على الدّوام. عالم كبير، كثير المعان لا يجد أي مصلحة لمقايضة السّلطة ومشاركته مع عالم لا يحلم وليس له أحلام، يعلم أن عليه الخضوع بل الرّكوع التّام لسطوة الرّؤية القادمة من قوة قاموس الكلام - الحداثوي ذو المطرقة الفرضويّ- ومنهجه التّعبيري الملبّس بأوزار الحرب تارة وأوزار السّلام تارة أخرى، بغرض التّنكيد والتّكدير وفرض الضّريبة الصّمتيّة - الكلماتيّة - مقابل شعور وجيز، خجول، بشم الهواء الطّلق في كنف هذا السجن لا غير!

إذن لا عدل في غابة النّصوص والحكم بيد من ملك القوة والعرش وحده وقال أنا وصي الكلمة، خليفة الإله والحاكم المطلق لعرش الكلام، أنا اللّوغوس، انتهى الكلام!

و الوقت، هذا العادل الأظلم، يَقضِم من خبز النّسيان ما يبيد على مضضٍ، قديم العظام ويشدّ به بنية اجساد جديدة وعظامْ، تركض فرحةً نحو حتفٍ جديدٍ بفتحٍ جديدٍ لثغورٍ ذهنيّة أبت الخضوع قبل اللّحظة وليتم دورة الفتوحات الدّموية مناهجاً دواليك!

فسار الزّمن بنا وأخرجنا من جيوب الأذهان آلهة الحروب، حروبنا المقدسّة كانت من جنس لذائذ الأوهام، يسود من يسيطر على ثغور الكلام، يسود من يقوم بتسمية الظّلال، يسود من يناطح الظّلام ويخلق ضوءاً للكلمات مدى الحياة.

ما مِن وهم جديرٌ بمأساة الروح، سوى حياةٌ منمّقّةٌ بثياب الحروف - قد تكون بلون آخر زائلٍ آخر المطاف - لكن لا بدّ منه فالوهم قوت الحياة؛ قاتل الموات، فأيّة كلمة تجترح الأمل الأخير، دافعة برقبة الأمس، ماسكةً أعنّة المستقبل وتجرّهما قهراً لملاقاة اليوم ولا تكون قاتلة ومجرمة في هذا الحرب الأبدي بأمر الأوهام!

نحن من سابقنا الرّيح في قتلها لبواعث الصّمت. قَتَلنا، قُتلنا.. قَتَلنا، قُتلنا وأحيينا قتلانا بقتلنا الرّحيم ونحن من دفنناهم أحياء ثمناً لحيواتنا وقلنا لتكونوا شهداء الكلام. هذا القتل إذن، بات خراب جميل وبناء لموتٍ مريحٍ لا يستثني قتلاه من قاتليه!

القتل هذا جريمة وجنايّة جميلة، نقوم بها على حساب أنثى الحرف وتقويض أثرها إثر صراخ الكلام - ذكوري الصّدى ربوبيّ الصّخب- يصمّ آذان القواميس ويحدّ من انتاجيّة الخصوبة القديمة ويفضي آخر المطاف، لانجاب كلام قد يكون راع لرؤى ثوريّة، تُمزّق الخطاب المقدس ذاك وتخلفّه بخطاب مقدس ثان، يكون زنزانةً للموت المثير لا باب خروج منها إلّا في دخولها حياة الممات!

إذن القتل تآكلٌ رباني ذو قدسانيّة داخليّة، قد يمزّق الثّوب الباليّ، ليرفو ثوباً جديداً بخيوط المتآكل الحرفيّ هذا ولا اعتراض وعلى السّلم السّلام.

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

 

زينب فخريبين مهزلة نقد الأغاني وضعف المضمون!

 كالنار في الهشيم انتشرت مصطلحات رقمية في الفضاء الافتراضي كنتاج طبيعي للتطور الهائل في تكنلوجيا الاتصالات، ومن بينها تلك المتداولة على نطاق واسع بين مستخدمي الانترنيت، هو "اليوتيوبر"، المعروف أيضاً باسم شخصية يوتيوب أو صانع محتوى اليوتيوب.

ومهمة "اليوتيوبر" نشر مقاطع الفيديو الخاصة به على موقع يوتيوب أملاً باكتساب شعبية؛ فلو حققت مقاطعه نسب مشاهدة مرتفعة؛ فهذا قد يكون سبيلاً لجني أرباح هائلة من خلال الإعلانات التي تتخطى أحياناً نسبة الـ 60% منها.

وتعدّ شبكة اليوتيوب الأكثر شعبية في العالم لنشر المحتوى، ووفقاً لمصادر عديدة، فإنها تحوي من 500 مليون إلى 1.5 مليار فيديو.

وفي هذا السياق أنشئت بعض المواقع المختصة بتطوير محتوى قنوات اليوتيوب وتحسين صناعته، منها socialmediaexaminer، بل ليس من العسير أن تجد بعض "اليوتيوبرز" الرواد قد تطوع بصنع فيديوهات لنصح الشباب والمبتدئين، ولا يترددون بوضع عصارة تجاربهم أمام زملاء المهنة لمدّ يد العون لهم في الحصول على أرباح من قبل شركة يوتيوب أو من شركات الإعلانات بعد تحقيق الشهرة.

ولتعم الفائدة، يشددون مثلاً على ضرورة الالتزام بنشر فيديوات عدَّة في الأسبوع، وبدء كلّ فيديو بما يجذب المشاهدين؛  كأن يظهر "يوتيوبر" النتيجة النهائية أولاً،   مع الاهتمام  بالعنوانات لتبدو شيقة وجذابة، فضلاً عن وصف الفيديو (شرح محتوى الفيديو قدر الإمكان)، حتى يصل إليه مستخدم الانترنيت بسهولة، كذلك وجوب العناية بجودة الصوت والتصوير والإضاءة وتطوير هذه الأمور باستمرار، وأن يؤلف الـ "يوتيوبر" محتواه بنفسه وعدم تقليد الآخرين، كما ينبغي اختيار اللغة المبسطة التي يفهمها أكبر عدداً من المتابعين، وكسر الروتين دائمًا والتنويع بالقناة وإن كانت مختصة بمجال معين، وعدم الطموح إلى الشهرة السريعة أكثر من إفادة الناس وتعليمهم شيء جديد. وبذل العناية بالجمهور بشكل دائم وتخصيص وقت للردّ على تعليقاته، والترويج للقناة بذكاء ومهارة دون تجاوز حدود اللباقة.

وتشير بعض المواقع والمصادر أن القنوات التي تتكلم عن الاقتصاد والمال والطب هي الأكثر ربحاً، ويصل عدد مشتركي بعضها لأكثر من 19 مليون مشترك، وعدد مشاهدات بعض مقاطع الفيديو قد تزيد عن 3.7 مليار مشاهدة. ورصدت أن الفيديوهات ذات المحتوى الكوميدي أو الموسيقي تحصد أكثر المشاهدات على اليوتيوب، كذلك بالنسبة للقنوات المخصصة للأطفال والشباب، فإنها تحظى بمشاهدات أكثر بآلاف المرات من محتوى (الاقتصاد، السياسة، الموسيقى)، فقنوات الموسيقى والترفيه تحصل على 1000 دولار مقابل مليون مشاهدة، بينما الموضوعات الأخرى، يمكن أن تحصل إلى حد 10 آلاف دولار مقابل مليون مشاهدة.

وعلى وفق موقع “skudoum“، فقد أجرى دراسة كشف فيها عن مقدار الربح من اليوتيوب لمليون مشاهدة في بلدان مختلفة، وهي كالتالي: الولايات المتحدة 373,12$، الهند 157,04$، روسيا 215,72$، أوكرانيا تتراوح بين 10,65$ و93,74$.

وبذلك يكون اليوتيوب قد وفر فرصةً للجميع ليقدموا من خلال منصته ما بجعبتهم من إبداعات مع عرضها ومشاركتها مع العالم.

وبالتأكيد هناك يوتيوبرز عربي، شأنهم شأن جميع بقع العالم المتأثرين بهذه التقنية،  فأنشأوا قنوات خاصة بهم، يقدمون من خلالها محتوى، قد يعود عليهم بالمال فيما لو حظي بمشاهدات كثيرة!

وبمتابعة وجولة استشكافية بين قنوات الفيديوهات سيتضح مدى ضعف المحتوى العربي! فأغلب القنوات النسائية العربية قد حددت نفسها في زاوية المكياج والطبخ والموضة أو الانحسار بالهجوم على تلك الشخصية النسوية أو هذه، أما القنوات الرجالية فحدث ولا حرج، فأغلبها تخصصت بمهمة نقد الأغاني والتشهير والاستهزاء والسخرية، بأسلوب ساذج بعيد عن المهنية أو الذوق عبر تصوير أقل ما يقال عنه أنه بيد غير احترافية!

فأغلب اليوتيوبرز العربي، الشباب والفتيان تحديداً، أخذوا على عاتقهم مهمة النقد الفنّي الذي يغلب عليه طابع السخرية، فتكفلوا دون دراسة أكاديمية أو خبرة عملية برصد كل شاردة وواردة من الأغاني الهابطة والرقص الخليع.. مع عرض لقطاتٍ فاضحة من الفيديو مورد النقد بالطبع؛ لرفع نسب المشاهدات.. ولا يخفى أن نقدها من قبلهم ليس خوفاً على فساد الذوق الفني أو انهيار المنظومة الأخلاقية بل لرفع نسب المشاهدات وكما أسلفنا.

والأدهى من ذلك أن سرقة المحتوى فنّ رائج بينهم، فتجد الفنان الضحية قد استهدف من أغلبهم وفي أوقات متقاربة، محرزاً صدى وشهرة حلم بها.

 كما أهتم بعض اليوتيوبرز العربي بالنقد اللاذع لمقدمي برنامج "الميوزكلي". والميوزكلي (musically) للذي لا يعرفه هو برنامج لصناعة الفيديوهات والمراسلة وتصوير الأغاني، أطلق في آب/ أغسطس 2014. ومن خلال التطبيق يمكن للمستخدم صناعة فيديو. فوجد صانع الفيديو العربي ضالته في الميوزكللي، كمادة دسمة لمحتواه، في دلالة لإفلاسه الفكري والمعرفي.

 وبالتأكيد لا يمكن تجاهل ذلك المحتوى الذي يبث سموم الطائفية والعنصرية، ليس خوفاً وغيرة على الدين والمذهب والعرق بقدر نيل أكبر قدر من المشاهدات وجني الأرباح.

وليس بمستغربٍ أن يعمد بعض صانعي المحتوى العربي بإيهام المشاهدين بعناوين رنانة لا تمت بصلة للمحتوى الحقيقي الذي صور على عجالة ولا يقدم فائدة لمشاهديه..

وبلا شكّ هذا الأفق الافتراضي اتّسع لعدد قليل من القنوات الجادة والعلمية التي خطت خطوات راسخة في مجال التثقيف والتوعية، وعلى الرغم من قلّة المشاهدات والمتابعين إلا أنّها تقدم محتواها المفعم بالرصانة والمستحكم في مادته، كتلك الخاصة بملخصات كتبٍ أو محتوى ثقافي أو تاريخي أو وثائقي، ونالوا أصحابها قسطاً من الشهرة والمتابعة على نطاق واسع في العالم العربي، بلا استجداء الضغط على زر الأعجاب أو تفعيل الجرس.

 

زينب فخري

 

ضياء نافعرفعت هو المعماري العراقي الكبير رفعت كامل الجادرجي، وزهاء (التي اصبح اسمها زها بعد ان ترجمه المترجمون مرجّعا من الانكليزية الى العربية لعدم وجود الهمزة لدى الانكليز ولا عند غير الانكليز) هي المعمارية العالمية زهاء محمد حديد، وخالد هو الدكتور المعماري خالد السلطاني – نجم التنظير المعماري العراقي في السنوات العشرين الاخيرة و مؤرّخ العمارة العراقية، وانا (البعيد كل البعد عن المعماريين كافة، والقريب من بوشكين وغوغول وتولستوي ودستويفسكي وتشيخوف، و القريب كذلك من العراقيين الذين مرّوا بموسكو) هو انا الذي (انحشرت!) بين هذه الاسماء الشهيرة من المعماريين العراقيين الكبار بمحض الصدفة الغريبة ليس الا، واليكم قصة هذه القصة الطريفة.

استلمت مرة رسالة الكترونية من الدكتور خالد السلطاني، والذي تمتد صداقتي معه اكثر من نصف قرن من الزمان، فقد كنّا سوية طلبة في موسكو عام 1960، واستمرت علاقات الصداقة في بغداد السبعينات والثمانينات والتسعينات، والتقينا في الاردن عندما اتخذ ابو الوليد قراره الشجاع والحاسم بالخروج من العراق في تلك الاوقات العصيبة، ولازلنا لحد الان نتابع بعضنا البعض عن بعد وعن قرب ايضا . الرسالة الالكترونية التي استلمتها من د. خالد  كانت تطلب منّي ان اكتب في حدود ثلاثين كلمة عن رفعت الجادرجي، كي يدخلها د. خالد في كتابه الذي كان يعدّه آنذاك بمناسبة الذكرى التسعين لولادة رفعت، وقد اختار د. خالد مجموعة من زملائه للكتابة عن رفعت خارج المعماريين، كي يضفي على الكتاب مسحة طريفة على ما يبدو، من اجل ان يكون هذا الكتاب مختلفا عن الكتب التقليدية الصارمة والمحددة عن المعماريين وفن العمارة . كانت الرسالة بالنسبة لي غريبة بعض الشئ، فهي بعيدة كل البعد عن العوالم التي اكتب فيها، اذ ما الذي استطيع ان اكتبه عن هذا المعماري الكبير وانا غارق باجواء الادب الروسي وتاريخه ومسيرته وابطاله ورجالاته، او وانا المشغول بتسجيل تاريخ زملائي العراقيين الذين مرّوا بموسكو والذين لم يكتب أحد عنهم بتاتا رغم انهم صنعوا ولا يزالون يصنعون تاريخ العلاقات الانسانية بين الشعبين العراقي والروسي، وهي أهم عندي من العلاقات السياسية الرسمية، اذ اني ارى، ان هذه العلاقات بالذات هي التي تخلق التواصل بين الشعبين قبل كل شئ، او وانا – اخيرا – ابحث عن قصائد ملائمة من الشعر العالمي المعاصر بالروسية كي اترجمها واقدمها للقارئ العربي، لأني اؤمن ان ترجمة الشعر تعني الصياغة الموسيقية العربية للنص المترجم بغض النظر عن كل العوامل والقواعد الصارمة للترجمة، التي يضعها (النقاد اللؤماء!) حسب تعبير عبد الوهاب البياتي . رسالة د. خالد السلطاني حيرتّني، وبما اني لا أقدر ان أعتذر لهذا الصديق الحبيب، فقد تركت كل خططي وأعمالي حول الادب الروسي وتاريخ العراقيين في موسكو والشعر العالمي باللغة الروسية، وجلست – متوترا- لكتابة تلك الثلاثين كلمة، التي طلبها السلطاني منيّ، وبعد اللتي واللتيا، كتبت له تلك الكلمة، وارسلتها له بالبريد الالكتروني ايضا، وتنفست الصعداء كما يقول التعبير العربي . ومرّت الايام والشهور، ونسيت تلك الكلمة وانا في زحمة الحياة ومرارتها. ومرة، وبعد عدة سنوات، تحدثنا هاتفيا، فسألت د. خالد هل نشر تلك الكلمة، فأجابني انه – وفي زحمة الحياة ايضا- لا يتذكر، فقلت له، انها عزيزة عليّ، فهل تمانع من نشرها حتى ولو انك نشرتها في حينه، فقال انه سيكون سعيدا جدا بذلك، لأن الكتابة عن فن العمارة محصورة تقريبا بالمعماريين اساسا، وان نشرها سيوسّع دائرة الاهتمام بهذا الفن، وهكذا قررت نشر تلك السطور بغض النظر عن كونه نشرها ام لا في كتابه ذاك، وذلك من اجل ان يكون صديقي سعيدا ... 

ثلاثون كلمة حول رفعت الجادرجي

كامل الجادرجي ومحمد حديد من ابناء الحزب الوطني الديمقراطي العتيد في المملكة العراقية الهاشمية، وقد تركا بصماتهما في مسيرة الاحداث السياسية آنذاك. أفل نجم الجادرجي بعد اعلان الجمهورية العراقية، لكن نجم حديد استمر بالتألق في مجالات المال والاقتصاد والسياسة في الجمهورية الاولى.

رفعت ابن كامل الجادرجي وزهاء ابنة محمد حديد تألقا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين معا (مثل والديهما)، ولكن في الشتات العراقي . كلاهما اصبحا معماريين، وكلاهما استقرا في لندن، وياللغرابة . الفرق بينهما، ان عمارة رفعت ترتبط بالعراق، وهي تتبغدد، أما عمارة زهاء، فانها لا ترتبط بالعراق، وهي تتلندن. الفرق شاسع طبعا بين بغداد ولندن في كل النواحي، ولندن هي لندن وبغداد هي بغداد، ولكن بغداد بالنسبة لنا، نحن (البغادة) الى القلب أقرب، حيث نلوذ بها لوذ الحمائم بين الماء والطين، بينما في لندن لا توجد حمائم ولا ماء ولا طين.

هل اكتملت (الثلاثون كلمة) التي طلبتها ايها المبدع خالد السلطاني؟

 

أ.د. ضياء نافع

 

مادونا عسكر"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.

هذا كان في البدء عند الله.

كلّ شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء ممّا كان.

فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور النّاس،

والنّور يضيء في الظّلمة، والظّلمة لم تدركه." (يوحنّا 5،1:1)

من عمق التّأمّل العاشق ووعي العقل المستنير ورصانة العلاقة بالرّبّ، يكتب القدّيس يوحنّا ما يبدّد كلّ قلق أو شكّ أو صراع يربك الوجود الإنسانيّ في بحثه عن سبب وجوده وهدفه. وكلّ التّأمّلات والأبحاث الماضية والحاضرة الّتي ستكون حتّى نهاية التّاريخ، لن تصل إلى المعنى الحقيقي للوجود ما لم تنطلق من المبدأ. وعلى الرّغم من اختلاف الاختبارات والانتماءات والعقائد إلّا أنّ المبدأ واحد، لأنّه مبدأ الحبّ الإلهيّ. فالحبّ الإلهيّ  واحد وفيضه واحد وتدفّق نوره واحد وكلمته واحدة.

(في البدء كان الكلمة) عبارة تأخذنا إلى البدء/ المبدأ، لا إلى البدء كنقطة الصّفر. ولو قصد القدّيس يوحنّا (البدء) بالمعنى الّذي يرمي إلى البداية كنقطة انطلاق لأتى المعنى خاطئاً. لأنّه إذا اعتبرنا أنّ البدء يرادف البداية فكأنّنا نقول إنّ الله لم يكن ثمّ كان، أو إنّ لله بداية. حاشا.

لم يكتب يوحنّا من فراغ، ولم يكن عقله وفكره موجّهين نحو التّراب. فكما كانت روحه محلّقة كذلك كان فكره يهتمّ بما فوق. والاهتمام بما فوق مبدأ البحث وغايته. لكنّ القدّيس يوحنّا يبلّغنا النّتيجة، فيبذر في فكرنا وروحنا شعاعاً يدلّنا على الحقيقة (في البدء كان الكلمة). فإذا تبعنا هذا الشّعاع فهمنا ومشينا نحو النّور الأصل وإذا أحببنا النّور عرفنا.

المبدأ الكلمة حاضر منذ الأزل وإلى الأبد (والكلمة كان عند الله). ولما كان عند الله فهو بالضّرورة كائن معه. والفعل (كان) لا يشير إلى حالة ماضية بل إنّه يشير إلى كينونة الكلمة وحضورها الّتي ستدلّ عليها عبارة (وكان الكلمة الله). في هذا التّحليق العظيم يحكي يوحنّا مبدأ الوجود وغايته. ويرسم الدّائرة الوجوديّة الّتي إذا ما دخلها الإنسان فهم سرّ وجوده وسار نحو الغاية الأسمى، الله. ولئن كان الكلمة هو المبدأ كانت الصّيرورة إليه. فالإنسان ذاهب إليه لا محالة بغضّ النّظر عن أيّ شيء وعن كلّ شيء. فالكلمة هو النّور (فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور النّاس)، والكلّ منجذب إليه بحكم النّور لا بحسب القرار بالانجذاب. لذلك فالكلّ ماضٍ إليه. لكنّ المفارقة في قرار الانطلاق نحو النّور وعدم الاختباء منه. فالاختباء منه كفعل رفض هو بمثابة الخروج عنوة من دائرة الله. ما يؤدّي إلى الاضطراب والقلق الإنسانيّ. فالنّور حياة للنّاس والحياة الحقيقيّة هي النّور. وإذا احتجب الإنسان عن النّور احتجب عن الحياة ومات. فمسيرة بحثه عن سبب وجوده وغايته بمعزل عن النّور، موت. لذلك من العسير أن يبلغ هدفه في اكتشاف سرّ وجوده.

إذاَ، فنحن موتى إلى أن نحيا بالكلمة. موتى، نسير في هذا العالم، نبحث دون جدوى. تقلقنا الأفكار والتّساؤلات ولا يطمئننا شيء. فأنّى للموتى أن يحقّقوا أهداف العقل ويشبعوا ظمأ الرّوح؟ الأحياء فقط يستطيعون؛ لأنّهم مرتبطون بالنّور الحياة. النّور الإلهي، الكلمة، قوّة تفيض على الوجود بأسره، منها ينهل الإنسان المعرفة. فالعلاقة بالنّور الإلهي لا تقتصر على الرّوحانيّات، بل إنّها علاقة وجوديّة تنير العقل ليفهم وتستبيح القلب ليعرف. ويحدّد القدّيس يوحنّا أكثر سبب الوجود وغايته بقوله (كلّ شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء ممّا كان)، وبذلك فالوجود مرتبط بالكلمة الشّخص، ومن دونه لا وجود له، وخارجاً عنه تيه بل موت.

الكلمة النّور، العقل الإلهيّ الّذي يجذب العقل الإنسانيّ ويتفاعل معه فيستنير ويتعقّل إلهيّاً. والكلمة النّور، حياة، بها يحيا الإنسان بكلّيّته مع الله فتنطلق روحه حرّة متأمّلة أنوار الله. (والنّور يضيء في الظّلمة، والظّلمة لم تدركه) الظّلمة جانب من الجوانب الإنسانيّة ولا يكتشفها الإنسان إلّا بارتباطه بالنّور. فماذا يرى في الظّلمة إلّا الظّلمة؟ وبقدر ما يقترب من الكلمة تنكشف له جوانبه المظلمة فيسعى جاهداً للتّخلّص منها. وبذلك يقترب أكثر حتّى يحترق حبّاً، فيحرقها ولا يبقى منه إلّا النّور. لو لم يكن الكلمة حبّ لما كان نوراً ولما أضاء للنّاس ولكانت الظّلمة أدركته.

الوجود قائم على "الكلمة" الشّخص، يكون به، ينمو به، وينتهي إليه. تلك هي الخلاصة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

رجاء بكريه".. ذلك لأنّي لم أعد أوافق على السّحجِ لمن هم أقلّ منّي طاقة وقدرة وفنّا مثلا بذريعة الذّوق. لن أسحج لمن أعرفُ ويعرفُ أنّه سرق أفكاري واعتبر روايتهُ إنتاجا شخصيّا خلبتهُ بنات أفكاره. ولا من وضع روايتي أمامه ونقل عنها ترتيب مفرداتها وأصول عوالمها فقرةً ومفردة.."، رجاء. ب

مسافة..

صدّقتُ دائما، أنّي أملك قدرة عجيبة على قلب المعايير حين تعترض طريق تسميتي للواقع. وليس المهمّ أنّي أعارض الواقع كثيرا، وأضع في طريقه عقبات كثيرة ليقتنع أنّ ما أؤدّيه يصلح أن يُعتنَق أكثرَ منهُ. ليس سحرا، ولكن لأنّ جماليّات الحياة أقوى من أشكال البشاعة الّتي نخترعها نحن البشر حين نقرّر أن نعلن الإستياء والشّكوى من الحياة. كأنّ الحياة قناة مفتوحة علينا، ولا همّ لها سوى هواجسنا الخرقاء غالبا، كالأدب تماما. هل جرّبتم أن تستمعوا لرأيه فينا؟ بإنجازاتنا وانقساماتنا. بتجنّينا المستمرّ على قوانينه مثلا؟ إنّه في الحقيقة لا يهمّه مطلقا ما نقول، فلهُ شرائعه الّتي لا تخيب. حرّة في مداها وانفجاراتِ هواها، وربّما لأجل ذلك ينتصر علينا دون حاجة لإعلان حرب. لأنّه لا يلتفتُ إلا لأثر جماليّاته في خلق اللّه. ألا يصبح الكونُ ريشة نمتطيها إلى فضاءات وسماوات، وأمزجة كواكب لمجرّد أنّ الفكرة أصبحت بحجم الكون ذاته، بل وخفّت حتّى تجاوزته؟ ليس لأنّها لجأت إلى الخديعة الّتي تسندُ رؤوس البشريّة جمعاء، ولكن لأنّها انكشفت على مفاتيح الجمال الأبديّ الّذي لا يعترف بحدود الأشواط ذاتها الّتي يقطعها الرّأس إلى القدم ليقيس طول حماقاتهِ. أتذكّر الآن أنّي حين وقعتُ في غرام أحد الرّجال، أمضيتُ وقتا لا بأس به في قياس مسافة الطّولِ الّتي تفصلني عن عنقِهِ حين أدبّق صورتينا الواحدة إلى جانب الأخرى. أتذكّر كم مرّة غضبتُ لأنّ كتفي لا تصلُ عُنُقهُ. ولا أعرف إذا كانت خدعة البشر للفوزِ بنساء جميلات، هي من قادتهُ لإقناعي بطولهِ النّخيليّ. فقد اكتشفتُ يومَ التقيتُهُ للمرّة الأولى في مطار اسطنبول أنّي أبعد منهُ خطى وأمتن  ثقة بقدمي وهي تتجاوزهُ لتبحثَ عن الرّجل الّذي كاتبَ دَعساتي لشهور طويلة، بتلكَ اللّهفة والثّقة الّتي لم تمشِ حولي لتلفت انتباهي وأنا أتجاوزها. كان سحر الأدب أقوى منّي ومن المسافة الّتي أحلتها لريشة وجُلتُ بها العالم. حين تجاوزتهُ بخطوات فهمتُ أنّ القصائد الّتي كان يرسلها آخر اللّيل إليّ كتبها عنهُ شاعر عظيم كتب عِشقاً لم يَعِشهُ. ألِذلك يسمو الأدب؟ 

3- نظريّة أم حِشرِيّة؟

هكذا هو إذا! شرطُهُ أن يظلّ محلِّقا كي يُستساغ، فحينَ يتناثرُ ريشهُ استسلاما وخنوعا لن يصلح لغير إمتاعِ حشوِ المِخدّاتِ الخاوية.

والحاصل، يا للغرابة أنّ معظم الجوائز الأدبيّة العربيّة منها خصوصا، وعلى مدى سنوات . انطلاقا من البوكر مرورا بالمسابقات العربيّة الّتي لا نشارك فيها لنفاذ صلاحيّة بطاقاتنا الزّرقاء وضرورة استبدالها بالأخرى الفلسطينيّة، يحوز عليها رجال دون النّساء. منطق قبليّ بعينيّ ولا علاقة له بمستوى الإبداع ولا فنيّة الرّواية، لا يمكن للقرن الواحد والعشرين إلاّ أن يخرّ صريع جهادِهِ الطّويل ضدّ التّفرقة العنصريّة على طولِ سماوات وشوارع الوطن العربيّ. فالرّواية النّسائيّة قد تصل للقائمة القصيرة مثلا في البوكر، لكنّ الخيارات تعلن في اللّحظات الحاسمة عن تذكير الجائزة لهذه السّنة أيضا. هكذا يُزاحُ منطق الأدب عن مزاجيّة الكتابة كشرط لتفوّقها ويُستبدل بالمفردة انحياز كي يُشرّعَ مَنطِقَهُ.

لن أناقش من يعتقد أنّ الأدب الجيّد لا يحتاج إلى جوائز، ذلك لأنّي لم أعد أوافق على السّحجِ لمن هم أقلّ منّي طاقة وقدرة وفنّا مثلا بذريعة الذّوق. لن أسحج لمن أعرفُ ويعرفُ أنّه سرق أفكاري واعتبر روايتهُ إنتاجا شخصيّا خلبتهُ بنات أفكاره. ولا من وضع روايتي أمامه ونقل عنها ترتيب مفرداتها وأصول عوالمها فقرةً ومفردة، ولا من استعار موضوعاتي وشخوصي وادّعي بقلّة حياء نادرة، أنّه أسّس لمنطق إبداعيّ آخر، رغم تطابق الطّرح والتوجّه، ولن أفاخرَ بأنّي قبضتُ عليه|ها مقلّدا|ة بالحرف، فمهما لفّ لن يصل لأبعاد خيالي .

صمتُّ طويلا أمام التّصنيفات الفكريّة الجارية في حقول الأدب، والمردودة غالبا إلى التّاريخ السّياسي لفلان ممّن كتبوا، والعلاقات الشخصيّة الّتي لا يُزاوَد عليها، لكنّي أُثير القضيّة بكثير من الرّغبة في نفض غبار الورق الملتصق بسقف الحلق. كلّ ذلك يجري وأدب ال 48 خارج خارطة الأدب لأنّ الخارطة الّتي يسيل دمها محزّزة بخطّ أخضر فاصل لحدود الدّاخل عن الخارج. لقد ابتعلنا الدّاخل وأغلق العرب علينا كلّ خطوط التّماس معهم، أليس مهينا بحقّ خطوط الطّول والعرض الّتي لم يحسبوا خطوط تماسّها مع أخضرنا وصحرائهم الطّويلة؟ أمّا المعارض الدوليّة فحدّث ولا حرج، فأحدا لا يسألك. لا يتذكّرك. لا يلوّح لك، إلاّ إذا لوّحتَ أنت لنفسك، وجاهدت كي تصل بنفسك، كأنّ الدّار الّتي وعدتك بتوقيع هناك وهناك نسيت وعدها، أو اختلطت الأمور عليها وضاعت أوراق وعودها. فدار نشرك حريصة أن تبقى على بعد مسافة من حظّك، ألم تقدّم رواية غيرك الصّادرة بعدك لجائزة عربيّة تنافس عملك الغائب عن ذاكرة فلسطين الّتي كتبتها وأنت تحلم على مدى ستّة عشر عاما. كم تبدو ذممهم واسعة، أشدّ اتّساعا من إبريق جدّتي صبيحة الأخضر، الّذي فاض دمعا وهو ينسكب دمعا وكلاما عنها.

وإذ نستعرض ما يجري، لا نناقشُ هويّة المنطق الّذي قرّره النّاشر، بل نناقش فكرته، تحت أيّ تسمية تنضوي؟ والحاصل، بعد مسار سنتين على صدورها تُوِّجت روايتي بجائزة الرّواية الأفضل للسّنة عن الوزارة الإسرائيليّة، طاقم الجائزة فلسطيني بحت طبعا، لكنّي لم أتوقّع ألا تتدخّل ميري ريجف، وزيرة الرياضة والثّقافة المموِّلة لها وتبطل استقلاليّتها. أعجبني فوزَها لأنّي انتتزعتُ استحقاقَها من ذات القوّة الّتي انتزعت أهل وجيران جدّتي من بيوتهم، وسلبتهم أرضهم وحقولهم وأرواحهم أيضا. "عين خفشة" لم تهادن أحدا، بل ضربت على وتر الوجع الّذي يقتلنا منذ ال 48، ويكتب عنه روائيّو العالم العربي كأنّهم يعرفون دائرة القتل أكثر منا. يُحتفى بنا غيابيّا على أنّنا منجم حكايا، يُغيَّبُ حين تحضر على لسانهم الحكاية. نحن من كتب نكبته هذه المرّة والبطل إبريق الوضوء الأخضر، وخطوات جدّتي صبيحة الثّقيلة فوق صرار السّاحة الأبيض. وسبحتها الأطول من عمر الدّولة الّتي أخذت لمعان خرزها.  نكتب كي لا يكفّ النّمل عن الحفر في بدن الكلام، ويبني له أنفاق أعمق من بئر الذّاكرة الّتي تنتظر بالدّور إفراغ جرارها الطّافحة بالحقد على تاريخ نسيها بلا رقم.

4- انعتاق..

 أتنفّسُ الآن بعمق. لا أشكو من مفردات الأنوثة بترجماتها لسبع لغات ترجمت إليها نصوصي. ولا أهتمّ كثيرا بمن يعدّ عليّ ماركات فساتيني الثّمينة أو الرّخيصة، غير مفروغ ضمنا من أناقة أعناقها الّتي تلبسُني، ولو لم ألبسها، وتمخترتُ في صالات المدارس أو القاعات بدوايِرها الغريبة الّتي نسجت بعضها جدّتي وتركتها رهن انتظار. دواير بأعناق زرافات جميلة صارت بعضها إلى غزلان أو وحوش غابات أطرّز بها أطرافها. أحبّ الفساتين المتوحّشة، وأثقُ أنّها تحميني من لطشات العين، يكفي لطشةُ العَين الأولى الّتي تزحلق فيها الضّبع وقضى عَطِشا، فضيَّعَ نصف الحكاية,,,,

  

كتابة: رجاء بكريّة

 

عقيل العبودالإنسان بحسب علاقته مع الطّبيعة، هل ينتمي بأحاسيسه ومشاعره الى اللون، وهل ان هنالك مؤثرات فيزيائية لها علاقة بحقيقة وجوده الكيميائي، أم ان هنالك علاقة تبادلية تفاعلية بين الأمرين؟ هنا إجابة على السؤال، يفترض ان يَكُون ارتباطا واعيا بين صفة اللون وطبيعة التركيبة الشخصية، هذه الصفة هي عبارة عن مجموعة مفردات متجانسة تتفاعل مع بعضها بطريقة تدرجية حتى تصل الى الذروة.

فاللون الأحمر بحسب تدرجاته المختلفة يحتوي في كينونته اللون الوردي، واللون الأزوق تتدرج ألوانه بين الفاتح والغامض، وهكذا، ومزاج الإنسان هو الاخر له علاقة تدرجية مع الضوء، حيث تجد المزاح عند الغروب غيره عند الشروق، وهكذا.

هنا إضافة الشدة والضعف في التركيب الضوئي لهما علاقة بتربية الأزهار والنباتات، فبعض النباتات مثلا لا تتآلف في نموها مع الضوء الشديد، وهذا أيضا له علاقة بالحر والبرد والإعتدال، ومثل ذلك الألوان الغامضة والفاتحة.

وعليه يمكن قياس التأثيرات المناخية وموضوع التدرج والانسياب الضوئي في فصول الشتاء والصيف والربيع والخريف، وهكذا.

فالبحر تراه يتخذ لون السماء في المناطق الباردة، والجبال تتخذ ألوانا مختلقة بحسب حركة الشمس وتغيرات المناخ. ولذلك فإن نفس الانسان عرضة لهذه المتغيرات.  

 

عقيل العبود

شاكر فريد حسنكانت الصديقة الكاتبة الفلسطينية المقدسية من أصل فحماوي، الطالبة الجامعية رهف عز الدين السعد "، أهدتني مشكورة، باكورة أعمالها الروائية بعنوان " ليت "، الصادرة عن مكتبة ودار نشر "كل شيء" في حيفا، لصاحبها الناشر صالح عباسي . وقد شدتني حكايات وشخوص الرواية وتطورات الاحداث فيها، وأسلوبها المشوق ولغتها الرشيقة .

تقع الرواية في 197 صفحة من الحجم المتوسط، ويحمل غلافها لوحة للتشكيلية صفاء دبس، والتصميم لشربل الياس . وكتب مقدمة لها الأديب ابراهيم جوهر، الذي كان قد درّسها موضوع اللغة العربية، مقدمًا تلميذته صاحبة الموهبة، ومعرفًا بها، ومفسرًا معنى عنوان روايتها " ليت " .

تتناول الرواية هموم المجتمع، وتطرح قضايا وموضوعات اجتماعية من الواقع الحياتي المعاش في المجتمعين الفلسطيني والعربي، وتدور أحداثها حول الصراع بين الخير والشر، بين الحب والكراهية، دون ذكر للزمان والمكان، وتنتهي بانتصار الحب على الكراهية، والخير على الشر .

شخوص الرواية تتداخل فيما بينها، وتتبادل الأدوار والقصص والحكايات، وتتراوح بين الشخصية السلبية والايجابية . وأبطالها هم: راضي (الأب)، صابرين (الأم)، حسام وشريف (الأخوين)، دلال وناي (الأختين)، داغر (العم)، ورياض شديد (الجد) . وتنجح رهف في اعطاء كل شخص الدور الملائم المنوط به، الذي يناسب تطورات الاحداث في الرواية .

وتحتوي الرواية على غالبية العناصر الروائية، وفيها نفس طويل، وهي ذات طابع سردي، وتدل فكرتها ولغتها على سعة ثقافة رهف السعد، وعلى نضوجها الفكري والعاطفي والذهني، ومعايشتها للأحداث، وفهمها وادراكها الواعي لما يجري في محيطها الاجتماعي من مشاكل وصراعات وأزمات اجتماعية عميقة .

تلجأ رهف السعد إلى أسلوب الرسائل الورقية بين عدد من شخوص الرواية، وتستخدم الكثير من المحسنات البلاغية، وتكتب بلغة فصيحة بليغة باذخة مطعمة بالقليل من العامية، وتوظف التناص الأدبي، وتجيد اختيار بعض المقطوعات الشعرية لتخدم الغرض والهدف المنشود، للشاعر الفلسطيني سميح القاسم .

ويستمتع قارئ الرواية بالنسج الشائق واللافت لصيرورة الأحداث، وتزاحم الصور، وقوة اللغة، ودقة الوصف، وجمال التراكيب، والأسلوب الماتع المكتنز بالعبارات البلاغية والمحسنات البديعية .

ورغم بعض الهنات، وقلة السرد، وكثرة الحوار في الرواية إلا انها تبقى تجربة ناضجة في مجال الكتابة الروائية، وخاصة أنها العمل الإبداعي التجريبي الأول . ويمكن القول أنها نجحت في تقديم رواية اجتماعية واقعية، تصور وتجسد واقعًا إنسانيًا ضمن حياتنا الاجتماعية وحياة مجتمعات أخرى.

إنني إذ أهنئ الصديقة رهف ابنة صديقي الشاعر المبدع عز الدين السعد، وكما يقال فرخ البط عوام، وهذا الشبل من ذاك الأسد، أتمنى لها النجاح والتوفيق في أعمالها القادمة، فقد أثبتت بعملها الروائي " ليت "، أنها موهبة تمتلك الأدوات واللغة والعناصر الفنية، التي تؤهلها أن تكون كاتبة ناجحة في المستقبل، ولها مني كل التقدير، وقدمًا إلى أمام .

 

كاظم الموسويتنشط معارض الكتب سنويا في أغلب العواصم العربية، أو المدن الكبرى على امتداد الوطن العربي. هذه المعارض السنوية تعكس النشاط الثقافي العربي، وتتم فيها إضافة إلى عروض المكتبات ودور النشر وآخر الاصدارات، ندوات ومحاضرات وحفلات توقيع الاصدار والتعرف بين المؤلفين أنفسهم والقراء والزوار والمتابعين للكتب والكتاب. وباتت تقليدا مرغوبا وموعدا منتظرا لحضور ثقافي ولقاءات ثقافية واتفاقيات تعاقدية بين دور النشر والمؤلفين والمشرفين أو القائمين عليها، رسميا أو اهليا. (رغم تحول بعضها إلى صفقات تجارية أو متاجرة بالكتاب على حساب الكاتب، واحيانا يستثمر الموضوع بين الطرفين، ويقوم الكاتب، بقلب الصورة، بتحميل نفسه تكاليف الدعوات والولائم و"الحفلات"!) ويتحول بعضها إلى مهرجانات ثقافية عامة، يتذكرها روادها وزائروها باهتمام واعتزاز. ومع كل هذا تثار أسئلة كثيرة حول المعارض نفسها، زمانها ومكانها، وطبيعة الصفقات التجارية واصحابها وحول تأثير الاوضاع الاقتصادية والثقافية والسياسية على صناعة النشر وتداول الكتاب وما يتعلق بالنشر الالكتروني والتغيرات التي تجري في اتجاهات القراء وميولهم ومراحل اعمارهم. هذا فضلا عن العلاقات التجارية والاقتصادية والناشرين والدعم الحكومي وتقلب اسعار الورق والطباعة وغيرها من الأمور المتداخلة في كل ما له علاقة بالكتاب والكاتب والنشر والعرض.

لاشك أن عوامل كثيرة تلعب أدوارا مختلفة في إقامة المعارض والترويج لها وادارتها والإعلام والإعلان والتسويق والتسهيلات اللوجستية وغيرها مما تترك أثرها في كل معرض، ومكانه وزمانه.. وقد تؤثر تقلبات الأسعار والأزمات الاقتصادية على إنجاز وانجاح المعرض والدور المشتركة والمساهمة فيه، كما أن اتجاهات القراء من جهة والاتجاهات الغالبة أو المنتشرة من جهة أخرى تساهم في تحريك أو تقديم المعرض وانجاحه، هنا أو هناك، بتكامل العوامل أو توفر الظروف الملائمة والمشجعة. وتكاد معارض العواصم العربية المعروفة باهتماماتها الثقافية الفكرية أو صناعة الكتاب والإعلان عنها، أبرز المعارض التي تسجل لها أرصدة على مستويات متعددة، منها الاستشهاد بها في الحديث عنها، كمعرض بيروت أو القاهرة أو الجزائر أو الشارقة أو الرياض أو الدار البيضاء. ولا تعدم المعارض الباقية من الأثر الثقافي ولكنها تتموج عاما عن عام، أو ليس كما حصل لما ذكر سابقاً. ومع ذلك فإن المعارض الثقافية عموما تبقى مؤشرا واضحا عن المشاركات والتحضير والاستعداد والانتشار والمشاركة والانتساب والكثير من الأمور الأخرى، التي من أبرزها أهمية الكتاب ودوره في التربية والتعليم والتوعية والتنوير. ورغم أن أحوال بعض المعارض قد تراجع او انقطع في سنوات معينة لأسباب معلومة أو ضعف الاهتمام به. إلا أنه ظل محتفظا بدوره وسمعته بتغير الظروف والعوامل التي أدت إلى ذلك. كما حصل مع معرض دمشق وطرابلس وصنعاء مثلاً، أو حتى بغداد لسنوات عديدة، بعد سنوات الحصار والعدوان والغزو والاحتلال. ولكن رغم ذلك فإن اسواق الكتب والعروض غير المنتظمة للكتب لم تنقطع في اي من هذه البلدان، رغم كل شيء أو رغم انعدام ظروفه. واحيانا تتنافس هذه الفعاليات الثقافية بحجمها واعدادها مع المعارض السنوية ومكانتها الإعلامية.

في كل الأحوال تلعب معارض الكتب السنوية أدوارا في المشهد الثقافي في كل بلد خصوصا، وفي المشهد الثقافي العربي عموما. وتعطي انطباعات مهمة على ما يجري داخل الحياة الثقافية العربية. كما يجري الجدل حول تطورات تقنية الكتاب وتأثير النشر الإلكتروني على الكتاب المطبوع، حيث زادت معدلات النشر في الدول الغربية بنسب تتراوح بين 10 و12 في المائة، الا أن ما يقال عن النشر يعتمد على المضمون والمؤلف وليس الوسائط فقط، فمنذ النشر على ألواح الطين وأوراق البردي، وصولا للنشر الإلكتروني، ومرورا بالطباعة والميكروفيلم واقراص السي دي والفلاش يو اس بي وغيرها تنوعت وسائط النشر وتعددت وظل الكتاب الورقي المطبوع صامدا رغم كل تلك التطورات. أو مازال مطلوبا ومرغوبا، كما أكد مختصون بهذه الشؤون.

من جهة اخرى، رغم كثرة المعارض والتطورات التقنية في صناعة الكتاب والعرض والإعلان، فإن ثمة تراجعا ملحوظا في النشر في الوطن العربي عموماً، وهذا ما صرح به مسؤول اعلامي عن المعارض، من مصر: "هناك مشاكل في صناعة النشر في مصر، والعالم العربي لن تحل إلا بتدخل الحكومات ودعمها، أهم تلك العوامل هي نسبة الأمية، وعزوف المتعلمين عن القراءة، والاعتداء على الملكية الفكرية، كذلك هناك انكماش في أسواق كبيرة للكتاب في المنطقة نتيجة الأوضاع السياسية، مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، فضلا بالطبع عن ارتفاع تكاليف الورق والطباعة والتي تترك أثرها على الاسعار". وأضاف: "العالم العربي ينتج من 35 إلى 40 ألف كتاب في العام، وهذه النسبة تبدو متواضعة في كل الدول العربية، فإسبانيا وحدها تنتج حوالي 45 ألف كتاب سنويا، ونسبة مصر من إجمالي ما ينتج من كتب في المنطقة العربية من 25 إلى 30 في المائة فقط، ولكن لو حذفنا الكتب الحكومية والإصدارات الحكومية، ستتراجع النسبة بشكل ملحوظ".

بالمقارنة مع ما يحصل في اوطان اخرى، مجاورة أو بعيدة، واهتماماتها الثقافية والتقنية يتطلب الأمر العودة إلى ما يسمح به القانون الأساسي والارادات الوطنية الثقافية، فتكاد مثلا كل الدساتير في البلدان العربية تضمن حرية الكلمة والتعبير والنشر والتوزيع والطباعة وما يتعلق بها، كما يؤمن دعمها ومتابعة تطوراتها. وهذا يعني أن مسؤولية كبيرة تقع على الكتاب والناشرين والموزعين والمهتمين بالشؤون الثقافية، وتكشف المعارض وجوها من هذه المهمات والمسؤولية المشتركة، واي إخلال فيها ينعكس عليها ويتطلب مراجعتها وعدم التوقف عندها. وينبغي التعامل معها بجدية وحرص على مواكبة التطورات والمستجدات والتقدم الى الأمام دائما.

تكون المعارض واجهة أو صورة للمشهد الثقافي، وبضوء ذلك يحكم على دورها في دعم القراءة أو توفير ظروفها وامكانياتها على الصعد المختلفة، بما فيها الاسعار والتجهيز والخدمات وغيرها مما يصنع حالة صحية واجواءا ملائمة للثقافة والاهتمام بها. ويضع الأزمة العامة في هذه المجالات في حدود يمكن التغلب عليها، أو تجاوزها وبناء مشاريع تنموية قادرة على الربط والتنسيق بين كل الاطراف، الكتاب والقراء والناشرين والإداريين ومن يهمهم الأمر  إلى ما يحقق الأهداف منها.

 

كاظم الموسوي