ضياء نافعولد غافريل درجافين عام 1743 وتوفي عام 1816، اي انه ابن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وترتبط باسمه في تاريخ الادب الروسي – قبل كل شئ - قصائد ذات سمات ليريكية (عاطفية غنائية ان صحّت الترجمة) تسمى باللغة الاغريقية القديمة - (اودا)، اي ان بلاد الاغريق (اليونان) هي موطنها الاول، وأخذت لغات اخرى عديدة هذه التسمية من تلك اللغة كما هي، ومن بينها اللغة الروسية، وقد كانت المرحومة أ.د. حياة شرارة ترى ضرورة ادخال كلمة (اودا) في مسيرة الترجمة العربية، اذ كانت تعتقد، ان ترجمتها بالعربية الى (قصيدة عاطفية او عاطفية - غنائية) كما جاءت في بعض المصادر العربية - ترجمة غير ملائمة وغير موفقة بتاتا وغيردقيقة لهذا النتاج الابداعي المتميّز، وهي وجهة نظر تستحق التأمّل بلا شك (اذ اننا نقول الان بالعربية وبشكل طبيعي جدا – تراجيديا او كوميديا مثلا رغم وجود كلمتي مأساة او ملهاة)، وقد كنّا نؤيد بشكل عام في قسم اللغة الروسية آنذاك رأي د. حياة هذا، وكنّا نقول، ان ترجمة  - (قصيدة عاطفية) لتلك القصيدة لا يعكس فعلا المعنى المحدد لكلمة - (الاودا) كما هي بالروسية، ولكننا لم نصل – مع ذلك – الى قرار واضح وحاسم و نهائي حول ذلك، اذ تشير معاجم المصطلحات الادبية الروسية، الى ان الاودا هي قصيدة مديح او تمجيد لبطل او شخصية بارزة متميّزة او حدث تاريخي محدد، وانها تمتلك عدة معاني في آن، منها معنى (اغنية او انشودة)، وكانت تصاحبها بعض الاحيان حتى موسيقى عند تقديمها لدى الاغريق والرومان، ولهذا تطلق بعض المصادر الروسية صفة (الشعر الغنائي) على قصائد الاودا .

ظهرت قصائد الاودا في مسيرة الادب الروسي بالقرن الثامن عشر، وبالذات عند لامانوسوف (حسب قواعد التلفظ الروسي، ولومونوسوف حسب الكتابة)، الذي ساهم بشكل ابداعي وطليعي في الكثير من مجالات الحياة الفكرية المتشعبة، بما فيها اللغة الروسية وآدابها (انظر مقالتنا بعنوان – لومونوسوف واللغة الروسية وآدابها)، ولكن هذا النوع من القصائد، اي (الاودا) ارتبط مع اسم درجافين بشكل دقيق وحاسم، وقد ابتدأ بكتابتها ونشرها منذ عام 1773 فصاعدا حيث ظهرت قصائده العديدة تلك تباعا، وهكذا اصبحت الاودا شائعة في الادب الروسي على يد درجافين لدرجة، انه كتب كلمات اول نشيد وطني للامبراطورية الروسية .

 كل المصادر الروسية التي تناولت القرن الثامن عشر أشارت، الى ان درجافين عاش حياة غير اعتيادية، اذ انه ابتدأ عسكريا، ثم اخذ يشغل مناصب ادارية رفيعة، منها، انه كان محافظا لعدة مدن روسيّة مهمة، ثم اصبح سكرتيرا لمكتب القيصر، ثم وزيرا للخزانة، وكان آخر منصب له هو وزير العدل في الامبراطورية الروسية، وطوال هذه الفترة التي شغل فيها تلك المناصب الرفيعة، استمر درجافين بكتابة قصائد الاودا، والمساهمة في الحياة الثقافية الروسية، وكان بيته مكانا يلتقي فيه الادباء الروس، ويتحدثون عن الحياة الادبية في روسيا ونشاطاتهم ومساهماتهم الثقافية في مسيرتها، وكان هذا اللقاء يتم شهريا، وليس عبثا، ان هذا اللقاء الشهري في بيت درجافين بالذات قد تحوّل بعدئذ وبالتدريج الى جمعية ثقافية تحمل تسمية طريفة وغير اعتيادية، وهي - (حديث محبّي الكلمة الروسية)، والتي يمكن القول، ان درجافين كان واقعيا مؤسسها ورئيسها، وهي جمعية كانت تضم نخبة من المثقفين و الادباء الروس في ذلك الزمن البعيد، ولعبت دورا متميّزا في نشر الادب الروسي في المجتمع آنذاك .

من الوقائع المشهورة في تاريخ الادب الروسي، والمرتبطة بسيرة حياة درجافين، هي انه قد حضر عام 1815 (اي قبل سنة واحدة من وفاته) حفل التخرّج، الذي أقامته الليتسيه (المدرسة التي كان يدرس فيها بوشكين)، وقد ألقى بوشكين عندها (كان عمره 16 سنة) احدى قصائده، وقد انتبه درجافين الى موهبة هذا الصبي اليافع وتوقع له مستقبلا لامعا في الشعر، وهذا بالضبط ما حدث في مسيرة الادب الروسي كما هو معروف، وكان بوشكين يفخر بتلك الحادثة، وكتب لاحقا في روايته الشعرية الشهيرة (يفغيني اونيغين) مقطعا طريفا حول هذه الحادثة، ولازالت كلمات بوشكين معروفة لدى الروس عن درجافين، اذ انها تعبّر فعلا عن روحية بوشكين وخصائص شعره الجميل و البسيط والواضح والمرح والمحدد والدقيق، والترجمة الحرفية لهذ المقطع في رواية (يفغيني اونيغين) هي كما يأتي–

العجوز درجافين لاحظنا،

و ذاهب هو الى القبر

باركنا ..

وقد كتب أحد القراء الروس، مرة، تعليقا طريفا حول هذا المقطع  الذي كتبه بوشكين في روايته، و قال فيه، ان درجافين توقع بشكل صحيح مستقبل بوشكين عندما رآه لاول مرة، وان بوشكين توقع ايضا بشكل صحيح مستقبل درجافين عندما رآه لاول مرة...

 

أ. د. ضياء نافع

 

لقد حكمت بفرقتنا الليالي من دون رغبتي ورضاي ولا رضاكم ويعز علي حين أقلب طرفي أبحث هاهنا وهناك في اﻷمكنة ولا أراكم ..أنا وفي بعض ما أكتب أُخَبِّئُ مشاعر بين ثنايا حروفي وعيوني مغرورقة بدموعها وقلبي ينبض بالشوق لرؤياكم برغم اﻷلم وانف البعد فحسب التوقيت الزمني لغيابكم أنا هنا وأنتم هناك، ترى أي حضن يلملم إحتياجي إليكم إذن فأنا أحتاجكم كثيرا كي أدس أحزاني وشوقي في أحضانكم التي تختبئ بين ضلوعها أجمل سنين عمري التي رحلت فلا أحد غيركم قادر على إحتواء ألمي ووجعي سواكم بعد أن لونت الأمس بلون بنفسج مشاعركم المزروع بين ثنايا قلبي، ووضعتكم على رفوف عيني إحساس لا يفارقني طيلة عمري

فيالهول إحتياجي إليكم فأنا حين أبكي أبحث عنكم، وحين أحزن أبحث عنكم، وحين أشعر بالغربة أبحث عنكم، وحين يضيق صدري أبحث عنكم .. فأنتم مازلتم أجمل من زار قلبي وأستوطن فيه عشقا مابين السموات والأرض .

أيها الساكنون في دمي .. بين كفيكم دفء آوى إليه، حين يشتد برد أيامي فأنتم الشمس حين تشرقون في صباحاتي الباردة، وأنتم اﻷنس حين يكتمل البدر في الليالي المكتحلة بالظلام، وأنتم البلسم الذي يداوي نفسي من قرح الأيام، وأنتم أسوار مدينة الأمان لعمري الذي أنهكته عداوة الزمن وجبروته وحلت فيه الغربة والبعاد.

وحيث أنا هنا .. وأنتم هناك .. وقد تعبت قدماي من كثرة الإنتظار لقطار لا يأتي بكم لن أقف مستسلمة أو يأسة، سأستدعيكم من قاع ذاكرتي كي أطوي بيننا المسافات والبعاد سأقبلكم كما الندى وهو يقبل الصباحات، سأقرأ كل تفاصيلكم بمشاعري لأكتبكم نشيد حنيني لوطني الذي لا يطاله الزمن مهما تجبر .

إن ما بيني وبينكم روح ألتقت بأرواحكم في رحب القدر فإمتزجت بالمحبة، ومايجمعهم القدر لا ينقطع لهم وصلا .. ما أجمل تلك الأشياء الرقيقة الودودة التي جمعتني بكم، أشياء تبث الضياء في عتمة الحياة، وتصبغ القلب بلون المحبة والفرح الخالصة لوجه الله  لذا سأتجاهل كل أبجديات البعاد ومفرداته، فأنتم هنا حاضرون رغم أنف الغياب الغبي في روحي فما بيني وبينكم لن تغلبه المسافات وعثرات الزمن وما بيني وبينكم كاف لروحي أن تحلق مع أرواحكم بعيدا بعيدا في عالم الذكريات الجميلة، وتحتضنكم بالحب الذي جمعني بكم ذات يوم...

 

بقلم :ذكرى البياتي

 

مامون احمد مصطفىكنت نهبا موزعا بين الإقدام والإحجام، حين تكورت فكرة كتابة بعض من وصايا أمي، أأكتبها باللهجة العامية التي تحدثت بها، أم أعاود صياغتها باللغة التي اعتز بجزالتها وفخامتها، وأخيرا قررت الكتابة باللغة الفصيحة، حتى لا يأتي يوم واندم فيه على ما بدر مني.

يا ولدي...

إن أردت أن تبقى بين الناس علما تهابه الرجال وتخشاه الأصدقاء، ويرهب جانبه الجاهل، ويتقيه المتعلم، فاحفظ سرك لنفسك، ولا تبح به لأحد، مهما عظمت ثقتك به، ومهما بلغت منزلتك عنده أو منزلته عندك، فالسر نقطة ضعف، يحكمك فور خروجه منك، ويجعلك تتقي غضب من ائتمنته عليه، حتى وان أثار غضبك، أو تجاوز حدك، فالثقة بغير النفس أكثر الأمراض فتكا في بناء الذات المكتملة النماء.

وإذا ما ضاق صدرك بسرك، فاعلم أن الأموات هم احفظ الناس للسر، فتخير من القبور من كان عزيرا عليك بحياته، واقترب من شاهده، واهمس بسرك في تراب قبره، وكرر الهمس حتى تشعر بالراحة والطمأنينة، وغادر القبر وأنت على ثقة بان الروح لن تخرج لتعيد ما قلت، وكن على يقين بأنك إنما حدثت قبر، والقبر فيه من الأسرار، قدر ما فيه من عي وحصر وصمت.

وإن كنت أنت صاحب السر، والأولى بحفظه، لم تطق الصبر على بقائه في صدرك، فطاقة الناس للاحتفاظ به اقل وأقصر.

ولا تمنح نفسك حق محاسبة من باح بسرك، لأنك أول من بحت به إليه، ولتكن حسرتك على ما بدر منك من تفريط بما لا يمكن التفريط به، وليكن ألمك عقابا لنفسك وتوبيخا لقلة صبرك، أما الآخر، فانه وان كان يستحق التقريع والملامة، فانه أيضا يملك عذرا أقوى منك ومن كل حججك، حين يسألك عن قلة صبرك في حمل سرك، وعن تبرعك في بثه إليه دون طلب منه أو إلحاح.

صحيح انه بداخله يعلم بأنه مخطئ، لكن الناس ترفض الاعتراف بالخطأ، وتأبى أن تضع نفسها على محك محاسبة الرجولة والوفاء والإخلاص، وهم بذلك يبدون ما في نفوسهم من انهيار ومن ظلمة وسواد، لكنها طبيعة النفس التي تتلحف بالعذر والمبرر، والغرور والكبر، النفس المسكونة بحب الظهور بمظهر المصيب رغم وجود الخلل وعظم الخطأ.

وحاذر الحاجة ما استطعت، فرغيف يوم يكفي ليومين، ولقمة الإفطار توزع على غداء وعشاء، وشربة أوم، يمكن أن تكفي حاجتك الموزعة بين العطش وبين الحاجة ، لأن المحتاج أسير لحاجته، وأسير لمن يطلب منه، والناس بطبعها الأزلي لا تعطي إلا لهدف، والنفس الإنسانية، مجبولة على حب الشعور بالتعالي، ومؤهلة على غضب غير متوقع، أو خلاف غير محسوب، وليس أصعب على الرجال من كشف حاجتهم، ومطالبتهم بالدين أمام الرجال، وأمام النفس، تعفف، تكن بعيدا عن متناول اليد واللسان، وارض بالنوم جوعا، على النوم مدينا، واعلم أن كبوات الدين لا تسندها حصاة ولا يسندها جبل، ولكن العفة تسندها الرجولة ويسندها الحياء.

وإياك إياك، أن تكثر من المزاح والضحك، فالناس لا تعرف حدود الرجال إلا بقدر ما يحملون من مهابة وسمت ووقار، فالمزاح زاد الجاهل، ومتاع الغبي، والضحك عيب لا يصلحه زمن ولا يداويه دهر، وكلما ازداد مزاحك وضحكك كلما ازدادت عيون الناس بك دخولا، وتقليلا من شأنك، وهم غير ملومين، لأنك آثرت أن تفتح لهم أبواب الاستخفاف بك وبما تحب ولا تحب، والمزاح صنو الجهل، والجهل صنو السخرية، والسخرية صنو الاستهزاء، فباعد بينك وبين المزاح، مباعدة الموت بين الحياة، وألزم الجد، وانتقي اللفظ، وتمعن في صدور الرجال ووجوههم، تعرف كم كبرت فيها وكم عظمت مهابتك، حتى وان كانوا يضمروا لك غير ما يظهرون، فالغنى عما أضمروا يرفعك مقاما فوق المقام، ويدخل في روعهم من شخصك فوق ما أبطنوا وفوق ما اظهروا.

ولا تأمن صدور الناس، ففيها من الغل والحقد ما يكفي لصهر الفولاذ، وما بجوفها لا يعلمه إلا الله، فتعامل معهم بقدر الكلمة، ولا تتعدى ذلك، فللرجال صدور تعرف الغدر، وتعشق التقلب، حسب الأهواء وحسب المصالح، وكلما أمعن الرجل بالجهل والغباء-وليس هناك من يعترف بجهله وغباءه- كلما أمعن في التقلب والتبدل، على حساب الناس وأقدارهم، وتعالى بنفسك عن جهل الجاهل، بالابتعاد عنه والتنصل من معاشرته، تسلم غدره وغله.

وكلما أمعن بالمعرفة، أعطى نفسه حقا اكبر منها ومن طاقتها، فهو العالم المصيب، القادر على التحليل والتأصيل، وهو الذي بيده اكتشاف طرائق التفكير ونوازع النفس، وعلى كل هذا يبني بعقله الصورة التي كونها عنك عما بنفسك من أحاسيس ومشاعر وتقلبات، وعما براسك من أفكار وآراء، فلا هو مستعد للتواضع للنزول عند رأي فهمه خطأ، ولا أنت بقادر على إقناعه بحقيقة ما تشعر وما تفكر.

لذلك عليك بالاقتضاب مع الجاهل، كما الاقتضاب مع العالم، فكلاهما إنسان، يعشق الصواب الذي يعتقد، وينأى عن الاعتراف بان الخطأ مكون من مكونات النفس البشرية، وان النوايا هي بيد الله الكريم وحده، فاحذر بين الاثنين حذر الغزال الذي عرف مكان النمر، أو حذر النمر الذي عرف بوصول رائحته للغزال.

وبين الجاهل والعالم، تقع المجموعة الطيبة من الناس، الذين يتعاملون مع الناس كلهم بسليقة العفوية، وخير النوايا، فالحديث الذي يقال، يحمل على محمل المعنى الذي قيل فيه، دون زيادة أو تمحيص في النوايا المستترة خلف الجمل والمفردات، ودون النزوع إلى تعرية الحروف وكشف الستر عنها بردها إلى خفايا تضمرها النفس، وتسترها العقول، وهؤلاء قلة، تعرفهم من ملامحهم، ومن بسمتهم، فلا تبدو في تلك الملامح قسوة النفس، ولا تظهر على بسمتهم إلا تلك البراءة التي تفيض من شفاه الأطفال حين تدس بيدهم قطعة حلوى، أو تمسد ظهورهم بكف حنون.

وأكثر ما أوصيك به، عدم الأكل عند الناس إلا في ضرورة الضرورة، كإفطار في رمضان، أو دعوة في مناسبة، وان أكلت فلا تشبع، بل تناول قليل القليل، وعد إلى بيتك وتناول ما يشبعك، فالأكل يعير به الناس، تماما كما يعيرون بالشرف، وقد يأتي ذلك على سبيل المزاح والهزار، ولكن المزاح لم يأت إلا من عيون راقبتك، وأطالت التحديق بكم تناولت من طعام، ولما ضاق صدرهم بالصبر، تناولوك بالمزاح والهزار، وكل الكلام، يا ولدي جده وهزره، إنما صورة للنفس وما يعتمل فيها من تقلبات.

واعلم أن الأمثال لم تخرج إلا من تجربة أجيال، تناولوا الحدث بعين بصيرة، وراكموا أحداث التجربة، مراكمة العقل للغة والمفردات، وحين نضجت قالوا بها قولا اختزل تجارب الأجيال كلها، لذلك فالمثل القائل " مزح الرجال كله جد " جاء عن وعي متراكم متأصل، جيلا خلف جيل، فالتزم بتجارب كان بلوا الناس أصحابها إلى أن كاد الإبلاء يضيق بهم.

واحذر الأهل والأقارب، فأنهم العقارب، واجعل بينك وبينهم سدا منيعا من الدخول والخروج في شخصك، فأنهم أكثر الناس حسدا، وأكثرهم غدرا، لأنهم يظنون أن لامناص لك منهم، ولامناص لهم منك، فبيت أخيك، فيه امرأة غريبة، لا تجمعها فيك صلة أو قرابة، وهي أكثر الناس قربا له، وكذلك بيت أختك، واهم منه بيت ابنك وبيت ابنتك، فكل من في هذه البيوت غريبا عنك، فحاذر، وحاذر، أن تكون ثقيلا عليهم، في زيارة أو دعوة، وتأبى طعامهم ما استطعت، تكن في مأمن من كيدهم ومن نفوسهم، والعاقل من استطاع أن يخرج نفسه من المفاضلة بين هذا وذاك من الأهل والغرباء.

وتعفف عن مال ولدك، لان حاجة الولد تورث ألما لا تعرفه النفس إلا بمثل هذا الموطن، فان أعطاك عن طيب نية وخاطر، فانك لا تعلم بما تمور نفس زوجه، وما يمكن أن ينشأ بينهما من فراق وقطيعة بسبب ما أعطاك، فهي تفضل ولدها ويسر أمره، على إطفاء عطشك أو سد رمقك، ولا يعنيها من جوع أحشائك أو ظمأ روحك شيئا، وان تناول الناس زوجها بألسنتهم وما يخرج من قلوبهم من ازدراء ونميمة.

وان منع عنك سؤلك، فان كل وجع الدنيا وحسرتها ولوعتها ستندفع بقلبك اندفاع الماء من جوف الصخر.

فكن أنت الكبير سنا وقدرا، وباعد بين ولدك وبين منعك ما سألت، وبينه وبين السنة الناس ومكر زوجه.

واعلم انه كلما ازداد علمك ومعرفتك، كلما ازداد أذى الناس وقهرهم، فالعلم يورث الأسى، والمعرفة تورث الضنى، فرافق من هم في علمك ومعرفتك، وترفع عن ما هم دون ذلك، دون ازدراء أو احتقار لهم، تضمن هدوء البال واطمئنان الحال.

وتخير من الناس من يعد حسناتك ويستر عوراتك، ويقيم بالا لحزنك وغضبك، فان من لا يستطيع أن يجعل في صدره حيزا لغضب عابر أو حزن طارئ، فلن يكون بصدره مكانا لشخصك وذاتك، فالأفراح لا تحتاج إلى مواساة، ولكن الحزن يبين ويكشف معادن الإنسان، ومن لا يستطيع أن يحزن لحزنك ويبكي لمصيبتك، فلا حاجة لك به في فرح أو في سعة أمر.

قلت:-

وكأنك ترين السواد في النفوس والصدور، ولا تتبيني النقاء والصفاء في الصدور.

قالت:-

لا يخلو الكون من أناس طيبين، ولكنهم قلة ندرة، كحبة خردل في صحراء، والصدور قاتمة قاحلة، ترضى اليوم، وتغضب في الغد، تشعرك بالمودة لحظات وأيام، فان اصطدمت بمصيبة قد ينالهم منها حظا إذا ما وقفوا معك، انقلبوا نحو الدفة الأخرى، انظر إليهم كيف يغتابون أشخاصا في يوم، ثم تراهم مع من اغتابوا في اليوم الذي يليه، كالصديق مع صديقه، وكالعاشق مع معشوقه، وما هي سوى أيام حتى ينقلب الميزان، النفوس تربطها المصالح، وتفرقها المصالح، ولكن إن وجدت من يبكي لدموعك، وتيقنت أن دموعه حارة كاوية مثل دموعك، فتمسك به، وامنحه من أيام من عمرك كي تطيل عمره، وكن وفيا للناس كلهم، وان ناصبوك الخديعة والخداع، فليس انقص من الرجولة إلا أن تقابل الناس بمثل ما شاهدت ولمست منهم.

ولكن ليكن وفاءك بحساب، فلا تسرف، ولا تقتر، وأفض على من عرفت انه منك واليك.

قلت:-

وكيف لي بعد كل الذي قلت، وبعد أن سددت الطرق الوعرة بوعورة الصخر، أن اعرف، أو حتى استشف عنصر الخير بإنسان؟

قالت:-

يا ولدي، أول الرجولة الحياء، لأن الحياء يفضي نحو المروءة، وهي تفضي إلى الواجب، ومن كان الحياء سمته، فقد حصل على بعض صفات الأخيار، وإذا ما أضاف المروءة فانه يكون قد توج الرجولة بتاج الواجب، والواجب ذاته يعني احترام الذات وتهذيبها، والسمو بها فوق مراتب المزاح والهزر، إلى مراتب السمت والوقار والرزانة، فمن امتلك من هذه الصفات حمرة الوجه والتعفف عن التلذذ بسقطات الناس وهفوات الرجال، يكون قد امتلك مقدمات الصداقة والوفاء، فان قابلته بمثل ما فيه، والتجأت إلى الصدق في المبادلة، تكون قد حصلت على الأخ الذي لم ألده من رحمي، وان لم تجد فالخلوة والوحدة أفضل لك وامتن، لأن الزمن الذي يعز فيه وجود الرجال، أولى تركه وهجره، من العيش بناره وجحيمه، والعاقل العاقل من سمع ووعى، فانظر أمرك، واترك الأيام تسير، فان في سيرها ينقضي العمر، وتتلاشى السنين، فاختر راحة العمر، على شقاء الأيام وألم الرجال.

وكبرت، وتجاهلت عن غير قصد، بل باندفاع الشباب وحماسه كل وصاياها، وغصت في عباب الحياة والنفوس، بغير حساب، غير حساب الطيبة والعفوية، وظننت بان كل ما يقال نابع من القلب، خارج من الصدق، حتى جاءت اللحظة التي فقدت فيها يدي اليمنى، يدي التي كانت تخرج الرزق من خفايا الغيب، لتوزعه على الأصدقاء والزملاء بكل طيبة وحب.

صحوت في المشفى، بعد إغماء طويل، وبعد عدة عمليات يائسة من اجل إنقاذ يدي من الشلل، فوجدتني وحيدا، إلا من أبي وأمي، اللذان تفطرا ألما ووجعا لمصابي، وزوجتي التي كانت تقف مذهولة بين الماضي وبين حاضر نزع مني قدرتي على اصطياد الرزق بساعد تعود على مقاومة مشاق الحياة.

لم يكن المشفى بعيدا، لانتحل الأعذار للناس، ولمن كان ساعدي سببا في بناء بعض بيوتهم، بل كان للبعض اقرب بكثير من أماكن عملهم، لكنها النفس التي تحدثت أمي عنها يوم أجلستني بلحظة صفاء لتلقنني وصاياها عن تجربة اختزلتها في أعطاف نفسها خلال رحلة حياتها الموزعة بين النزوح من حيفا وبين الفقر الذي أطبق بنواجذه على العائلة التي استقرت لتكابد عناء المخيم والبرد والحر والفقر والشتات واللوعة والأسى.

وحين خرجت من المشفى، بيد واحدة، والثانية معلقة على الجسد وجودا غير حاضرا لنفع أو عمل، تباعدت المسافة بيني وبين من كانوا يخطبون ودي، ومن كانت عيونهم تبدو لي وهي تنضح بالوفاء والود.

لم يكن هناك سوى أبي وأمي وزوجتي وإخوتي وأخواتي، واثنين من الأصدقاء، الذين قالت أمي فيهم منذ سنين، أنهم أصحاب حياء ومروءة، وأنهم وحدهم من يستحقون صداقتي واستحق صداقتهم.

وماتت أمي، طواها القدر بين دفتيه، في حفرة صغيرة، أهلت بيدي التراب فيها،ولكني لا زلت حتى هذا اليوم، أقف عند وصاياها، حرفا حرفا، وكلمة كلمة، كما فعلت بسابق أيامي، فكان ما قالت هو الحقيقة التي أنارت دربي كلما تعثرت بشبح إنسان يدعي انه يحمل من الإنسانية أو الرجولة مقدار حبة الخردل التي تحدثت عنها في زمن سابق.

والآن، وقد قاربت على النصف قرن، استطيع أن أقول، بيقين الحياء، وتثبت المروءة، بان الصدور ليست سوى مجموعة من المغر والسراديب، العاجة بالسواد، كلما حاولت اقتحامها كلما احتجت إلى مزيد من المشاعل، وكلما أضأت شعلة، كلما غرقت خلفك في ظلمة، وعرفت بأن "الرجال" منازل، رغم تعددها فإنها تبقى دون منزلة الرجولة، ودققت في التسميات، فأتتني تسمية الذكورة.

يممت نحو قبر أمي، جلست وأنا استعيد تفاصيل ملامحها الملوحة بالفقر والعذاب والشتات، وبكيت، بكاء مكلوم موجوع، فالقبر يذكرني بفقدان الحنان الذي لا حنان على الأرض يماثله، وان اجتمع أهل الارض كلهم مرة واحده، يفيضون عليك حنانا صادقا، فأنهم سيؤلمونك بتذكيرك بخاصية الحنان الذي يدفن مع قلب الأم حين يدفن قلبها.

قلت لها:-

نعم، صح كل ما قلت، ولكنك يا أمي الحنونة، لم تشرحي الفرق بين الرجولة والذكورة، فهل فاتتك هذه، أم هو النسيان؟ ولربما تركت ذلك لحدسي وتجاربي؟

 

مأمون احمد مصطفى

فلسطين- مخيم طول كرم

النرويج-23-10-2006

 

معراج احمد الندوييميل الأطفال بفطرتهم إلى القصة، وهي من أشد ألوان الأدب تاثيرا على النفوس. خاصة الأطفال، لأنها تتضمن تلك المثيرات الباعثة على تشكيل سلوكهم وتكوين شخصيتهم. فالقصة أحد الأساليب الفعالة في التثقيف والتنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة. هذه المرحلة التكوينية المهمة من مراحل نمو الشخصية الإنسانية. وللقصة أثر بالغ في تنمية الجوانب النفسية عند الأطفال في هذه المرحلة لما فيها من الحوار والتأمل في النفس والقدوة الحسنة. تساهم القصة في ترقيق العواطف والوجدان وتنمية المشاعر والإحساس وتخفيف التوترات الانفعالية وتخليص النفس من الانفعالات الضارة وتكوين الميول والاتجاهات. تعتبر القصة بالنسبة للأطفال وسيلة تربوية وتعليمية ذات تأثير عظيم. ولقد استخدمت القصة في التربية على مر العصور الإنسانية، واستقر رأي رجال التربية وعلماء النفس على أن الأسلوب القصصي هو أفضل وسيلة نقدم عن طريقها ما نريد تقديمه للأطفال سواء كان قيمًا دينية أم أخلاقية أم توجيهات سلوكية أو اجتماعية. 

إن أهمية القصة ليست ثقافية فحسب بل تشتمل كل حياة الطفل بجميع جوانبها. تنبع أهمية القصة للطفل من أهداف القصة ومهمتها التربوية، وتعد قراءة القصة للطفل في سن مبكرة من العوامل المساعدة في النمو اللغوي للطفل وفي تكوين شخصيته والوصول بها إلى درجة من النمو والنضج، وتسمح للطفل أن يعيش حياته مستمتعاً بها ومتفاعلاً مع البيئة التي يعيش فيها بمدخلاتها المتعددة. فالقصة لها أهمية قصوى بالنسبة للأطفال، إذ إنها تغرس في نفوسهم القيم والمبادئ، وتنمي جوانب شخصيتهم الحسية والعقلية والروحية، فالطفل يعايش القصة ويتخيل نفسه بطلاً فيها خاصة إذا كانت أحداثها واقعية، فهي تحرره من واقعه وحدوده التي يعيش فيها إلى عالم واسع فسيح.

تتضمن القصة الكثير من الأمثلة والحكمة والمواعظ والعبر. لها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات والقصص الفكاهية خاصة بالأطفال. ومن أهمها كما تلي:

القصص الخيالية: إن العقل معالج فعال للقصص الحقيقية والخيالية.وتعتبر هذه القصص التي تشتمل على الصور أدوات تعليمية ممتازة. قصص تقوم على افتراض أبطال وشخصيات وأفعال خارقة للعادة لا وجود لها في الواقع، وقصص الخيال تعزز عند الأطفال المعرفة بالكون والكائنات الطبيعية كما تجعل الطفل أكثر  وعيا بالحقائق التي تحيط به. ومن الثابت أن قصص الخيال تنمي عند الأطفال المعرفة بالكون والكائنات الطبيعية ومفرداتها، ومن ثم يتحول الأطفال بالتدريج إلى الاقتراب من الحقيقة من خلال الانغماس بين صراع الخير والشر، كما أنها تجعل الأطفال أكثر وعياً بالعالم.

القصص التاريخية: هذه القصص ترتكز بالأساس على الأحداث التاريخية المتنوعة، وتجعل الطفل يعمل على ترقية شعوره بالإنتماء إلى الوطن و العروبـــة وتنمي فيه روح المسؤولية والبطولة والإقدام. تعتبر القصة التاريخية مهمة للطفل لأنها تعمل على تنمية الشعور بالانتماء والكرامة الوطنية وأيضاً تنمي روح البطولة والفخر عن طريق ما يقرؤونه من سير الأبطال العظام.

القصص الاجتماعية: تعد القصص الاجتماعية طريقة لتعليم المهارات الاجتماعية للأطفال المصابين بالتوحد وذوي الإعاقات ذات العلاقة بالتوحد. تهدف القصص الاجتماعية إبراز الموقف الاجتماعي من خلال قصة قصيرة مبسطة مكتوبة من منظور الطفل تقدم له معلومات معينة تفيده في حياته اليومية. وهي مهمة للأطفال حيث أنهم يعيشون في مجتمع ما ويتعاملون ويتفاعلون مع هذا المجتمع، ومن الضروري أن يتعرفوا على هذا المجتمع وخصائصه ومظاهر الحياة فيه وأنواع الحرف والمهن وعاداته وتقاليده، فهي تتناول الأسرة والروابط الأسرية، والمناسبات المختلفة ومظاهر الحياة في البيئات المختلفة.

القصص الواقعية:هذا النوع من القصص يناسب الأطفال في نهاية مرحلة الطفولة، لأن الأطفال يبدؤون في التحرر من خيالهم نتيجةً لزيادة وكثرة اتصالهم بالمجتمع، فيميلون إلى معرفة حقيقة الحياة المحيطة بهم والطبيعة والحيوانات والرحلات والعلوم المختلفة. ويجب أن تقدم هذه القصص بشيءٍ بسيطٍ من الخيال لتتناسب مع قدرتهم على التفكير والاستيعاب في هذه المرحلة العمرية. وفي نهاية مرحلة الطفولة تصبح هذه القصص الواقعية تناسب مستواهم الفكـــــري والعقلي ويبدأون في التحرر من الخيال نتيجة وعيهم واحتكاكهم بفئات المجتمــع، ويصبح التلميذ في هذه المرحلـة عن طريق القصة التمييز بين الحقيقـة والخيال.

القصص العلمية: هي القصص التي تدور أحداثها حول مواقف وأحداث علمية أو تتناول في محتوياتها ابتكارات واختراعات علمية وتكنولوجية، وهذه القصص تنمي خيال التلميذ وتوسع قدراتهم الفكرية والعقلية. ومن خلال القصص العلمية ،يستطيع الطفل أن يتعلم ما في الحياة من خير وشر وتمييز بين الصواب والخطأ، والقدرة على التفكير في اتخاذ القرار بما يساعد على تكوين شخصيته، وتوجيه سلوكه، وذلك عن طريق التحكم في نوع الخبرات المقدمة له بطريقة القصة.

القصص الفكاهية: القصص الفكاهية من الآداب الشيّقة والممتعة، فهي نزهة النفس وربيع القلب، ومرتع السمع ومجلب الراحة، ومعدن السرور، ولا يمكن أن نتصور العالم من دون فكاهة، أو نتصور الحياة عابسة مقضبة الجبين مقفهرة المظهر، إن الحياة بغير ضحك عبء ثقيل لا يحتمل. والفكاهة لا تهدف فقط إلى إضحاك المستمع بل إن لها في حالات كثيرة، رسالة نقدية إصلاحية، تصريحًا أو تلميحًا أو تربويا. وهي قصة تتركز حول موقف يبعث غلى الفكاهة وهي تعكس صورة للمجتمع عادات الناس. القصة الفكاهية من أحب وأمتع القصص إلى نفوس التلاميذ لما لها من مواقف بهلوانية وصور معبرة تدخل السرور والمرح في نفوس التلاميذ، وهذا النوع من القصص يشوق التلاميذ ويحببهم إليها.

القصص الدينية: القصة الدينية وهي القصة التي تهدف نحو هدف تربوي ينسجم مع غاية الإسلام الربانية في تحقيق العبودية لله، وتحقيق مهمة الخلافة في الأرض، ومصدرها القرآن الكريم أو السيرة النبوية أو سير الأنبياء والمرسلين أو حياة الصحابة والصالحين، وتاريخ الإسلام. هي أهم أنواع قصص الأطفال وأكثرها انتشارا وتأثيرا في وجدان الطفل وإذا أحسن كتابتها. فمن الممكن أن تساهم في التنشئة الدينيــــة للتلميذ وإكسابه المفاهيم الدينية الصحيحة والسليمة، وهي تتناول مواضيع دينيــة كالعبادات والعقائد وسير الأنبياء وقصص القرآن الكريــم. فهي تعطيهم المثل الأعلى والقيم الروحية والقدوة الصالحة التي يقتدون بها في حياتهم العامة. تحتل القصة الدينية في تربية الأطفال بحيث يتم انتقاءه قصصاً تربوياً إسلامياً يحقق أهداف التربية الإسلامية للطفل.

تساهم القصة في مساندة الطفل في التعلم وإكتساب القيم الاخلاقية. تحتل القصة مكانة متميزة عند الاطفال وتفوق أنواع الأدبية الأخرى بما تتمتلكه من قوة تاثير ومتعة لا يملكها غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى. تؤثر القصة تأثيرا بالغا وتساعد على توصيل الأفكار. تؤثر القصة نفوس الأطفال من كل ناحية من نواحي الحياة وتترك أثرا واضحا علىى الجانب العقلي القصة نوع من الأدب له جمال وقيمة ومتعة، يشغف به الصغار والكبار والجانب الاجتماعي والجانب النفسي:

1- الجانب العقلي: تعمل القصة على إكساب الطفل الكثير من المعلومات وتساعده في غرس القيم والمبادئ الخلقية السليمة التي تساهم في تربيته وتوجيهه لأن النمو العقلي يخضع لمظاهر تطور العمليات العقلية المختلفة التي تبدأ بالمستوى الحسي الحركي وتنتهي بالذكاء والانتباه والتخيل والتفكير. توسع القصة الخيال والتخيل وتخاطب العواطف والوجدان من خلال الصور الإبداعية الخلقية.

2- الجانب الاجتماعي: تحتوي القصة على اتجاهات اجتماعية، فهي تعمل على غرس القيم النبيلة عند الطفل وترسيخ القيم الفاضلة وحب الخير، فالقصة من خلال كلماتها ومضمونها تحتوي على أهداف اجتماعية تبرز للطفل القيم الحميدة وتشعره بالانتماء لمجتمعه، كما أنها تنمي العادات الإجتماعية السليمة من كرم وتعاون وحب وإيثار وتضحية وصدق ووفاء، وتكسبه مهارات التواصل مع الآخرين.

3- الجانب النفسي: للقصة دور فعال وإيجابي في النمو الانفعالي للطفل، فمن خلالها ينفس الطفل عن مشاعره المكبوتة وانفعالاته الضارة، ويخفف من حدة القلق والتوتر، وبها يدخل السرور والبهجة على نفسه ويتعلم المشاركة الوجدانية كما أنها تنمي مشاعر العطف والحنان عند الطفل من خلال التعاطف مع الضعفاء في أحداث القصة والإحساس بمعاناتهم. تساعد القصة في العلاج الطبي والنفسي للأطفال كما تستخدم الفصة كأداة مهمة في علاج الاكتئاب والاضطراب والمخاوف المرضية.

تؤثر القصة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في عقل الطفل ووجدانه. واذا كان أسلوب القصة له أثر كبير على طريقة تفكير عقل الطفل كان لازماً على المربين الاهتمام بهذا الجانب لا سيما أنه أول مدرسة يتعلم فيها الطفل. إن القصة وسيلة من الوسائل التربوية لإعداد النشئ، بل تعد من أقدم هذه الوسائل ولقد استخدمت القصة في التربية على مر العصور الإنسانية. تلعب القصة من بين فنون أدب الأطفال دوراً هاماً في حياتهم، إذ القصة هي الفن الذي يتفق وميولهم وهى الفن الذي يتصلون به منذ أن يتفتح على العالم إدراكهم، وهى الفن الذي يبنى خيالهم ويثبت مشاعر الخير والنبل في نفوسهم، ويربى قوة الخلق والإبداع عندهم، وهى تعد من اكثر صور الأدب شيوعاً في عصرنا، فضلاً عن أنها من أقدر فنون اللغة على خدمة مختلف أنشطتها في مرحلة رياض الأطفال.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

  جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

شاكر فريد حسناستوقفتني واطربتني هذه القصيدة المنشورة في صحيفة "الاتحاد"، في عددها الصادر يوم 21- 2- 2019 للشاعرة سامية ياسين شاهين بعنوان "عيون الورد"، فهي نفثة جمالية من نفثاتها الشعورية العميقة التي تبعث على الامتاع والتأمل في آن .

إنها قصيدة وجدانية عاطفية، جميلة الايقاع، متوازنة بين الأسلوب والمضمون، جمالها في النسق الانساني وترسيمها التأملي، تنفذ للوجدان وتلامس القلب دون استئذان، وتعكس روحها الشاعرية المرهفة .. تقول فيها:

عيونُ الوردِ اعذبُها حبيبُ

         اذا فاحتْ أغرّقها الرضابا

يهيم ُ العشقُ يملؤني عبيرًا

         به النعناع يمنحني الشبابا 

فذا ولدي تغازله عيونُ

           بدور الليل زيّنت القبابا

فصول الوجدِ تُشبعني عناقًا

     بها الأشواقُ خالطتِ الشرابا

وفِي قلبي سهامٌ من بعاد

      ولهفاتٌ  تُجرّعُني   الغيابا

بحور الوجد يغدقها حنين

       ولوعات تؤرقني اغترابا

فذا سندي تناجيه الغوالي

        وتستجدي مواويلا عتابا

وهمس سراجهم يروي أنيناً

     نجوم الشوق ينعشها اقترابا

جلا كل السواد عن المآقي

      على الاكوان يبعثها شهابا

سامين شاهين من عرابة البطوف قضاء عكا، حاصلة على اللقب الثاني، وتعمل مدرسة للغة العربية في بلدها . تكتب للأطفال، وتكتب الخواطر الأدبية والشعر العمودي والتفعيلي المرسل، وتبرع فيهما . صدر لها ديوانان من الشعر هما: "حوراء كحلها الحنين" و"اهازيج البراعم "، ولها مجموعة من النصوص المنشورة في أكثر من موقع وعلى صفحتها في الفيسبوك .

يغلب على نصوص سامية شاهين الصبغة الوجدانية، ولغتها رومانسية فياضة بالعاطفة، تتكئ على الالفاظ الكلاسيكية والتراثية، وصورها الشعرية جميلة، ومعانيها شفافة كالماء الزلال. ومن يتأمل هذه النصوص يتبدى له جمالها وايقاعها الهادئ في نسق الصورة على المستوى التشكيلي، وأنها تضج بالنفس الشاعري والترسيم الشعوري الدقيق لباطن الذات وعمق الاحساس .

قصائدها متماسكة، فيها توتر وانفعال، مشاعر واحاسيس، عذوبة وطلاوة، زخم دلالي، كثافة رؤيوية شعورية، تدفق انسيابي، سلاسة لغوية، وتكثيف نسقي ايحائي . وما يميزها تفاعل عناوينها وفضائها النصي، ودلالاتها المتشاوجة فيما بينها، فتأتي كأنها كتلة شعورية واحدة .

سامية شاهين تحلق في فضاءات نصوصها جماليًا وشعوريًا، وتؤكد قصائدها مذهبها الرومانسي من خلال شفافيتها المتناهية، وقدرتها على بلورة المشهد الرومانسي العاطفي المجسّد بكل صداها والقها وحسها الشفيف ونزوعها التصويري الانفعالي .

وتبدو سامية في مجمل نصوصها متوقدة الحس، مشبوبةٌ بالعواطف والمشاعر المتوهجة المتدفقة، متفائلة ومتمسكة بالأمل رغم الوجع والألم وبؤس المرحلة، يفوح العطر والشذا من بين سطورها الدافئة، وتزهر فيها كلمات الحب والفرح، وتجيد اختيار الكلمات العذبة المموسقة، وانتقاء المعاني والصور الشعرية الخلاّبة والاستعارات البلاغية .

أحيي الشاعرة سامية ياسين شاهين، متمنيًا لها دوام التوفيق والنجاح، ومزيدًا من الابداع والتألق .

  

بقلم : شاكر فريد حسن

 

706 Tolstoy1828-1910 Lev Tolstoy

اختارها وترجمها عن الإنكليزية بتصرف:

 مصدق الحبيب

 

- المرء كالكسر الرياضي، بسطه صورة المرء الحقيقية، ومقامه الصورة التي يتصورها المرء عن نفسه! فكلما ازدادت قيمة المقام كلما نقصت قيمة الكسر.

- الحب الحقيقي يقتضي ان نحب من نحب كما هم، وليس كما نريدهم ان يكونوا.

- في الحب، لا تتأمل في التسبيب المنطقي، ذلك ان الحب غالبا ما يأتي دون سبب ولا منطق.

- الحقيقة كالذهب.. لا يبدو بريقه الا بعد غسله من كل ما علق به من شوائب.

- الذين يحبون بقوة جارفة هم أنفسهم الذين يحزنون بألم شديد، وهذه الثنائية هي التي تعينهم في ادمال جروح الأسى.

- لا ينجم الملل إلا عن مجرد الرغبة في الرغبات.

- ما هو جوهري عند أصحاب الفكر الحر يتجسد في استخدام العقل دون إجحاف أو تحامل، وفي التصرف دون خوف من ان تصطدم أقوالهم وافعالهم بمصالحهم وامتيازاتهم.

- في اكتشاف الحقيقة متعة كبيرة لكن الأكثر امتاعا ونبلا هو السعي من اجل اكتشافها.

- السعادة ليست في الاحداث المُسِرّة، انما في الطريقة التي نستقبل فيها تلك الاحداث ونتعامل معها. فالسعادة اذاً تنبثق من دواخلنا وليس من خارجها.

- الخطأ لا يمحى إذا شارك في ارتكابه الجميع.

- عندما تستمر في البحث عن الكمال ستفقد القناعة لا محالة.

- أقسى ما يمكن أن تقول للآخر هو إنك على صواب وهو على خطأ.

- قد لا يتحقق النصر على الآخر حين تواجه حقده وكراهيته باللطف والتسامح لكنك بالتأكيد ستتمكن من غزو اعماقك والانتصار على نفسك.

 

رجاء بكريه(.. ولا يعجبني لأيّ سبب أن أخوض في سياستها الأدبيّة لأنّي أعتبر مسألة حشر السّياسة في معايير الأدب سابقة مهينة لاجتهادات الإبداع في العالم، فحين يُسَيّسُ الأدب بناء على مرجعيّات الطّائفة والعِرق. هويّة الشّعب خارج أو داخل الخط الأحمر أو الأخضر، وملاعب الجغرافيا الّتي تقسّمُ أشواطه وأهدافه، يفقدُ حتما بصيرته ودوائر حلمِه..). رجاء.ب

(1) أنوثة

في صغري عاديتُ كلّ من سمّاني أنثى.  لسبب ما اعتقدتُ أنّها تعني مسبّة أو وصمة عار تُدمَغ بها البنت حين تلعب مع الصّبيان، وترفض ارتداء التّنانير والفساتين. لا أذكر أنّي ارتديتُ فستانا قبل أن أقتنع تماما أنّه مصدر جمال وفتنة. قبل سنوات قليلة بدأت اهتمامي بالفساتين وبمصادر أنوثتها. لماذا؟ ربّما لأنّ المجتمع الّذي جايلتُ نساءه فهمنَ الأنوثة على نحو لا يشبه فهمي وفسّرنهُ في ألبستهنّ بطريقة تخصّ مفاهيمهنّ عن حضور النّساء في الأعراس والمناسبات الاجتماعيّة الأخرى.

ولأنّي لم أحفل بالأعراس، واعتبرتها عبئا على الوقت اتّخذتُ موقفا سلبيّا منها. لم أفهم سبب الزّواج بكلّ تجهيزاته الثّقيلة، ولماذا كي يجتمع رجل بامرأة يجب أن يعلّلوا خمسة أيّام ويقيموا ليلة للحنّاء. سهرة للعروس وأخرى للعريس والأخرى للدّخلة. وكنت أحبّذ تصريف يوم الطّرحة البيضاء على يوم الدّخلة لما فيها من تداعيات روحيّة عالية، واعتبرته كافيا لاختصار مسار العرس كاملا. أسرتني الهالة الّتي أضفتها الطّرحة البيضاء على العروس الجالسة بأدب جمّ بانتظار عريسها. ما لم أفهمه تحديدا كيف يفاجىء العريس عروسه بقبلة أو عناق، وماذا يحدث بعد القبلة حين يخلو واحدهما بالآخر. ماذا يقول لها.؟ كيف تردّ عليه؟ ماذا يفعلان وكلاهما لم يجالس الآخر على انفراد قبل تلك اللّحظة؟ تساءلتُ كثيرا، وكلّما ضجّت رأسي سألتُ خالاتي وكنّ الأقرب إليّ. قُلنَ لي يومَها يتسلّيان! قلبتُ شفتيّ استغرابا، وتخيّلتُ شكل التّسلية ماذا عساها تكون. لكنّي أذكر أنّي منذ تلك اللّحظة بدأتُ أرسمُ أفعال الشّخوص الّتي أصادفها أو أفترضها أبطالا لقصصي. بدأتُ أكتب خيالاتي فوق رؤوس النّاس. حين أقف فوق كرسيّ عال كي أتفرّجَ على لحظة التقاء العريس بعروسهِ إذ يفجّ سترات النّاسّ من حوله، فجيج ملك لمساره بين جماهير غفيرة، وهو يحرّك ذراعيه وسط لمعان أزرار بدلة سوداء يرتديها حينذاك لمرّة أولى باتّجاه ساحة البياض الّتي تحفّ عروسه بالنّجوم. وسط لمعان النّجوم تلمعُ واحدة في عينيّ فوق كرسيّي المهدّد بالانقلاب فوق سيقان من حولي، ألمعُ كلّي لدقائق مع تيّار الهواء الّذي أطير فوقه مع حكاية البطلين قبل أن أجد نفسي تحت الأقدام بسبب هياج النّاس حين يرفع العريس طرحة المرأة الّتي مزّعت لآلئ عينبها قبل أن تصل بيته، من شدّة البكاء.

فالجميع متحفّز للحركة الّتي سيفتعلها العريس ليعادي التّقاليد ولو لمرّة واحدة في حياتهِ، بضمّة، أو قبلة على طرف الشّفة أو حتّى ضربة خفيفة على الكتف يداري فيها انفعاله البالغ. شغَفَتْنِي تلك اللّحظة حدّ أنّي بدأتُ أكتبُ قصصا نزقة تخصّ فلتان مخيّلتي، حتّى عاديتها فجأة كما عاديتُ الفساتين، واعتبرتها مكرّرة ومُعادة، ويجب تجديد تجلّياتها كشرط لمشاركاتي المستقبليّة، فهي مطالبة وفورا برشّ مذاق الخصوصيّة البالغة على إخراجها بين النّاس كي تستعيد زهوّها وشعبيّتها.

لكنّ ما لا أنكر تأثيره البالغ على لمعان عينيّ دبكات الأعراس، غرت منها بلا آخر لكن بقيتُ حائرة أمامها. لماذا للنّساء دبكة تختلف عن دبكات الرّجال، ولم هذه التّفرقة؟ هل أقدام النّساء مُخربَطَة، مثلا حتّى يجري الفصل بين قفزاتها وقفزات الرّجال؟. كانت مسألة غاية في التّعقيد أن أخوض في تصوّرات لا تستقيم ومنطق الصّبا الغضّ، حين هاجمتْ رأسي الباحثة عن إجابات حتّى في مشية النّملة. المصيبة الكبرى وقعت شديدة على رأسي حين عرفتُ أنّ نساء هي جمع امرأة، وأعني المرأة الأنثى. حدث ذلك وأنا على أعتاب الثّالث ابتدائي، بدأت أتأمّل الصّبيان من حولي بكثير من الحقد والبنات بكثير من إيماءات التّحريض، وحزنتُ جدا لأنّي أبليتُ وقتا طويلا في عناء اللّعبِ مع الصّبيان الّذين يعرفون هذه الحقيقة ويخفونها عنّي،. غير أنّ اكتشاف تلك الحقيقة المقلقة لم يخفّف من وطأة عدائيّتي للأنوثة، ولو اختلف لفظُ امرأة عن كلمة نساء. إنجازي الوحيد أنّي توحّشتُ أكثر مع أترابي من الصّبيان، ولاحقا أصدقائي من الرّجال، حدّ أنّ غزل أحدهم في عينيّ كان يلحقه تعديل سريع لعبارته، لستُ "أنثى جميلة" بل "امرأة جميلة". ولا بدّ لي من الاعتراف أنّني قبل الالتحاق بقسم الفنون الجميلة، المساق التّشكيلي على وجه الخصوص لم يستهوِني الاعتراف بأنوثتي بفخر.

  فهل يبدو هذا الإنكار مصدر عُقدِنا كمُجتمع أم خللنا كشعب يفهم الحقائق افتراضيّا بعيدا عن الواقع؟ هل المسألة عُقدة أم إشكاليّة ثقافة وقيم تربويّة؟ ولماذا لا تشرح النّساء لصغار البنات ماذا تعني هذه المفردة الخطيرة الّتي هربتُ أنا وقريناتي من لعنتها، قبل أن نفهم جماليّاتها؟

(1) فساتين وجمال

اكتشافي لجماليّات الأنوثة في دراستي الأكاديميّة للفنّ التّشكيلي دفعتني لإعادة النّظر في تأمّلاتي الذوّاقة لفساتين النّساء اللّواتي يأتينَ إلى ورشات الرّسم، لكنّ تعبيري عن انخلابي لم يؤدّ بي للتألّق بفساتين دورون فرانكفورت خارج مراسم أعراس عائلتي المقرّبة. وما حدث يشبه الخيال حين قصفتني حاجة ملحّة لتغيير طبيعة ظهوري بين أصدقائي وفي المناسبات الّتي أشارك فيها. أدهشني تعلّقي الجديد بفكرة الفساتين كظاهرة حضور وأنوثة بالغة. هل كنت أعرف أنّها ستكون سببا في "التّعليم" على كتاباتي، وتنقية الأدب الّذي أكتبهَ، ثمّ فصل جيّده عن سيّئه، وقصقصةِ جماليّاتهِ؟ وعلى ضوء المسافة الّتي تمشيها العين من بوزِ الحذاء وحتّى تدويرة العنق؟ شخصيّا فضّلتُ الفساتين الضيّقة القصيرة الّتي لا تصل إلى القدمين . تقف في المنتصف لتمنح للسّاقين حريّة تشكيل خطواتها، ونثر زوايا استداراتها ، لكنّها على أيّ حال أصبحت اكتشاف القرن بالنّسبةِ إلي.  ربّما لمتُ أفكاري المسبقة حول ميزة هذه القصّات من الملابس. اكتشفت حتما أنّني أجمل إذ أرفلُ بتلك الأقمشة ذات الصّرعات الغريبة، حتّى ضربتني لعنة تأنيث ما أكتب وتأطيره في خانة لا أحبّها. كان يجب أن أخترع وسائل دفاع عن الوفاء لأكوامِ الفساتين الّتي لن أتخلّى عنها يوما مهما دربكتْ على أكتاف كلماتي نعوتُ الأنوثة وملحقاتها. لقد دخلت مفردة تأنيث ما تكتبهُ المرأة مقابل تذكير ذات المفردة حين يرسلها رجل عبر أزرار ستراتهِ اللّامعة مرحلة لم يستسغها الأدب ذاته، ورغم ذلك لم يتنازل أنصارها عن تفضيلها مذكّرة على غريمتها المؤنّثة، بسهولة أصبحت المفردتان غريمتان، حتّى في منافسات الأدب البريئة العابرة للدّول. بريئة؟ لا أعرف لأيّ مدى. مُتّفق عليها؟ لا أجيد تخمين نسبة الشّراكة بين القيّمين عليها، المنقسمين ضدّها، المتوحّدين فيها. أستطيعُ على الأقل أن أميّزَ ومنذ سنوات أنّ للاتّحاد العام للكتّاب العرب أناسهُ من فلسطين ال 48 ممّا يثير انزعاج مكوّنات عالمي الفكري حول محسوبيّات هذا النّوع من التجمّعات، وفَرقي منها لما يُؤخذ عليها في معاييرها وسياستها، ولا يعجبني لأيّ سبب أن أخوض في سياستها الأدبيّة لأنّي أعتبر مسألة حشر السّياسة في معايير الأدب سابقة مهينة لاجتهادات الإبداع في العالم، فحين يُسَيّسُ الأدب بناء على مرجعيّات الطّائفة والعِرق. هويّة الشّعب خارج أو داخل الخط الأحمر أو الأخضر، وملاعب الجغرافيا الّتي تقسّمُ أشواطه وأهدافه، يفقدُ حتما بصيرته ودوائر حلمِه. وسوف يُحالُ إلى ما يشبه الأشكال الهندسيّة وزواياها المخلوعة أو المتساقطة. عيب على الأدب أن يستظلّ بمبدأ الهويّات الّتي تقتل أصحابها بمجرّد الكشف عن نسب قبائلها، والّتي تُشرِّع مصداقيّة احتكارها المياه الإقليميّة لشواطىء الحُلُم، كلّما جاعت إلى مبادئها..

 

كتابة: رجاء بكريّة

 

703 رشيد اغباريةهذه هي المجموعة القصصية الأولى التي يصدرها الكاتب رشيد اغبارية، ابن قرية مصمص، المقيم في عروس الكرمل حيفا، الذي سبق وان صدر له مجموعة شعرية بعنوان "حلم ليلة خوف".

المجموعة صادرة عن دار النسيم للنشر، واشتملت على 27 قصة قصيرة، تتناول مواضيع متنوعة ومتباينة، وتطرح قضايا وطنية وسياسية واجتماعية وفكرية، وعناوينها مستمدة من واقعنا الفلسطيني الملوث بالاحتلال وغول الاستيطان، وبنار القهر والاضطهاد والتمييز العنصري ومصادرة الأرض وتشويه وتزييف الوعي الوطني .

إنها قصص تحكي عن الحال الفلسطيني ومعاناة الإنسان الفلسطيني الذي يحمل الهوية والجواز الاسرائيلي، وتصور حياة القهر اليومي وتناقضات الحياة التي يعيشها، إضافة إلى قصص أخرى تغوص عميقًا في عالم الخيال العلمي والفانتازيا .

لقد تحوّل رشيد وانتقل من عالم الشعر إلى عالم السرد القصصي، وعكف على تطوير أدواته وأسلوبه وسرده، وتدل قصصه بمضامينها ولغتها وأحداثها على خلفية ثقافية، ومخزون فكري، ورؤية واقعية . وما يميزه سمة الصدق والمصداقية المفعمة، التي تتجلى في أحداث وسير قصصه القصيرة . كيف لا وهو يمارس حياته مع أبناء شعبه، ويرى بأم عينيه التمييز السلطوي المسلط على أعناقهم، ويحسه على جلده .

تتفاوت قصص المجموعة من ناحية السرد والمستوى والمضمون والمونولوج الداخلي، وهذا من طبيعة الأشياء الخاضعة لقانون التطور كأي كائن حي آخر.

أما أسلوبه السردي القصصي السردي فيرضي ذوق القارئ المثقف، ولا يثقل على القارئ العادي . فهو منوّع الصور الحياتية، دافئ كالشمس، والكثير من قصصه مرصعة بالمواقف الإنسانية القريبة من الفانتازيا، ولكنها ممكنة الحدوث .

وفيما يخص الجوانب الفنية في قصص المجموعة، فلا شك أن رشيدًا أظهر مقدرة أدبية ملموسة في استخدامه وتوظيفه لوسائل التكنيك الفني الحديث في القصة القصيرة، واعتماده أسلوب الحكاية مما اتاح له التحرك والتمدد بسهولة والانتقال سريعًا إلى اكثر من لقطة أو حادثة، وافاده في تكديس الحوادث والشخوص واستغلال الحركة في الزمان والمكان . وإننا نجد حشدًا من الصور الفنية والبيانية القياسية التي تعتمد في تقنيتها على المونولوج الداخلي مرة و" التداعي الذهني " من جهة أخرى .

وهو يلجأ إلى العبارات السردية والجمل الوصفية المكثفة التي ساعدت إلى حد ما في تخفيف حدة الإطالة وابعاد الملل والارهاق عن عيون القارئ .

لقد أمتعنا رشيد اغبارية وقدّم لنا قصصًا واقعية وخيالية خفيفة الظل، اتسمت ببساطة أسلوبها، وصدق تعابيرها، وكثافة معانيها .

وبمجموعته " الغريب في شارع صهيون " يضع رشيد اغبارية خطواته الأولى وأقدامه على بساط السرد القصصي، فليواصل مشواره، والمستقبل أمامه ليثبت نفسه وحضوره في هذا المضمار، وبدوري أتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والعطاء والتألق، وله خالص التحيات .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

مادونا عسكر"من لا يحبّ لا يعرف الله، لأنّ الله محبّة"

تقول العبارات الصّوفيّة إنّ المحبّة هي آخر درجات العلم وأوّل درجات المعرفة. وبين العلم والمعرفة فرق من حيث أنّ العلم مرتبط بالعقل، وأمّا المعرفة فبالقلب. ولعلّ القدّيس يوحنّا الإنجيليّ في رسالته الأولى أراد أن يعطي تعريفاً نهائيّاً للمعرفة المرتبطة بالله المحبّة أو بقول آخر إنّ المعرفة لا تكون إلّا بالمحبّة، طريق الخلاص. ويمهّد القدّيس يوحنّا لهذا التّعريف بقوله: "أيّها الأحبّاء، لنحبّ بعضنا بعضاً، لأنّ المحبّة هي من الله، وكلّ من يحبّ فقد ولد من الله ويعرف الله". (1يوحنا 7:4) وبذلك يرسم دائرة الحبّ الإلهيّ الّتي يدور في فلكها الإنسان بل الجماعة المُحبّة. فتأتي عبارة (لنحبّ بعضنا بعضاً) مرآة تعكس الحبّ الإلهيّ (لأنّ المحبّة هي من الله). فيكون الحبّ بذلك فعلاً إلهيّاً يبلّغ الإنسان أخيه الإنسان من جهة، ويبلّغه الله من جهة أخرى. إذاً فالمعرفة لله لا يمكن أن تكون خارج معرفة الإنسان للإنسان استناداً إلى قول القدّيس يوحنّا (لنحبّ بعضنا بعضاً).  ولمّا كانت المحبّة من الله، ولمّا كانت المحبّة هي الله أتى الحبّ فعلاً إراديّاً (لنحبّ) لا شعوراً عفويّاً أو عاطفة متناقضة بل إنّه قرار واضح يتّخذه الإنسان ليعرف الله. وبهذا القرار الفاعل، أيّ المحبّة، يولد الإنسان من الله، أي أنّه يصبح شريكاً في دائرة الحبّ الإلهيّ. ومتى كان شريكاً فسيعرف الله.

ليس المراد بالمعرفة هنا المعرفة التّامّة، لأنّ إدراك الله عمليّة اكتشاف مستمرّة لتدفّق النّور والحبّ الإلهيّين. وإنّما مراد القول إنّ المعرفة المرادفة للمحبّة سبيل لمعرفة الله. وبهذا يكشف القدّيس يوحنّا عن اختبار عميق وخاصّ مفاده أنّ الله محبّة وبالمحبّة يُعرف. والمحبّة وإن كانت معرفة قلبيّة فهي لا تُلغي العقل. وإنّما هي المحبّة الّتي تشمل الكلّ. ما كتبه القدّيس يوحنّا ينمّ عن إدراك عقليّ بالغ الوعي لكنّه إدراك العقل المستنير بفعل المحبّة. كما أنّه ينمّ عن إدراك قلبيّ شديد الصّفاء بفعل الانفتاح على هذه المحبّة. وبالتّالي فالمحبّة نور يتدفّق، فإذا ما انفتح عليه الإنسان أحبَّ فَعرفَ. وكلّ معرفة خارج إطار المحبّة تبقى ناقصة ومحدودة وغير دالّة على السّبيل إلى الله. وكلّ معرفة ترتكز على العقل وحده تخلو من الطّمأنينة وتبقى معرفة مربكة لأنّها خلت من المحبّة.  بمعنى آخر، إنّ الاستدلال بالماديّات للوصول إلى أدلّة قاطعة تمكّن الإنسان من معرفة الله غير مجدية. ليس لأنّ الله غير ماديّ وحسب، وليس لأنّ الطّبيعة الإلهيّة مختلفة عن الطّبيعة الإنسانيّة فقط، بل لأنّ المحبّة تُعرف بالمحبّة. المنظور يُدرك المنظور وأمّا اللّامنظور فيُدرك باللّامنظور. واللّامنظور من الإنسان هو قلبه، أي النّفخة الإلهيّة الكامنة فيه (ونفخ فيه نسمة حياة) (تكوين 7:2). وتلك هي المعرفة القلبيّة، وهي الأنفاس الإلهيّة في الإنسان وبهذه الأنفاس يدرك الله. ويذهب القدّيس يوحنّا بتعريف المعرفة إلى أنّها رؤية الله فيقول: "الله لم ينظره أحد قط. إن أحبّ بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا، ومحبّته كمُلت فينا." (1 يوحنّا 12:4) من يحبّ يعرف الله ويراه، وبهذا نفهم سيرة حياة المُحبّين، الغرباء في العالم، المتجذّرين في وطنهم الأمّ، القلب الإلهيّ. ونعي سبب ترفّعهم عن كلّ شيء، ونظرتهم المختلفة للأمور.

المُحبّون يرون أنفسهم في السّماء، في قلب الله وعلى هذا الأساس يحيون. لقد بلغوا ما بلغوه من معرفة بالمحبّة فاستحالت حياتهم رحلة حبّ يتمدّد أفقيّاً ليملأ الأرض ويرتقي عموديّاً نحو السّماء. هم الّذين أحبّوا فعرفوا، واستناروا فأناروا، وعكسوا صورة الله مؤثّرين في العالم فكريّاً وروحيّاً. من قال إنّه يعرف الله وهو لا يُحبّ فهو لم يعرفه قط، فلا يوثق بمعرفة من لم يحبّ.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

حسيب شحادةاستوقفتْني خلال مطالعاتي الدؤوبة حِكم وأقوال وأمثال وآراء وطرائفُ كثيرة جدّا، وارتأيت أن أنشرها، علّها تعود ببعض الفائدة الفكرية والروحية، إضافة إلى ما في بعضها، على الأقلّ، من التسلية وروح الدُّعابة ومدعاة لشحذ الذهن. إذ أنّنا نعتقد أن إشاعة الثقافة الجادّة وتقديمَ كلّ جديد ومفيد وممتع، هما مَهمّة شِبه مقدّسة ملقاة عـلى كاهل كلّ مثقّف ملتزِم. كنت قد نشرت نُتَفًا من هذه الجُمل في منابرَ مختلفة على الشبكة العنكبوتية، كما أن زُهاء  عشرين حلقةً منها كانت قد أُذيعت عبرَ مِذياع صوت ابن فضلان في هلسنكي، في ركن الثقافة والفكر، في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

 

- نحن العربُ، نكتُب دون أن نقرأ.

- الجَمال يأسِر العُيون، والتَّقوى تأسِر القُلوب.

- لا تطلُبُ الفتاةُ من الدنيا إلا زوجًا، فإذا جاء طلبتْ منه كلَّ شيء.

- إنّ الجمالَ بلا فضيلة، ليس سوى زهرةٍ بلا رائحة.

- إنّ المرأةَ منَ الأمّةِ، بمنزلةِ الشُّعاعِ منَ السِّراجِ.

- في مُعْظم الأحداث التاريخيّةِ، كان المجهولُ ٱمرأة.

- إنّ الرجال تهُدّ الجبال، وإنّ النساء تهُدّ الرجال.

- لا تطعَن في ذوْق زوجتك، فقدِ اختارتْك أوّلا.

- إنّ الطائر والغابةَ، مثلُ الرجُل وزوجتِه.

- الرجُّل يُريد المرأةَ، ولو أقْعدهُ الكُساح.

- لنْ يتزوَّجَ: نصح بعضُهم أحدَ الآباءِ أن ينتظرَ، حتّى يُصبحَ ولدُه عاقلاً ثمّ يزوِّجَه، فأجاب الوالدُ: لن أتْبعَ نصيحَتَك، فإنّ ولدي إذا أصبح عاقِلا لن يتزوّج.

- مَن تزوّج بالديْن، باع أولادَه بالفائدة.

- إنّ المرأة العاقلةَ، ميراثٌ من الرَّبّ.

- ينبُع/ينبَع/ينبِع الجمالُ من مصدرَين: المرأة والطبيعة.

- في فترة الخِطبة، يتكلّمُ الشابُّ وتُصغي الفتاةُ، وعند الزواجِ تتكلّم العروسُ ويُصغي العريسُ، أمّا بعد ذلك، فيتكلّمُ الزوجُ والزوجةُ، ويُصغي الجيران.

- اللومُ جحيمُ الحياة الزوجيّة.

- أكثرُ الطُّرُق نجاعةً لتذكّر يومِ ميلاد زوجتِك، هو أنْ تنساه مرّة.

- جِهادُ المرأة، حُسنُ التبعّل لزوجِها.

- كأنّ حَوّاءَ التي زوجُها                       أدَمُ لمْ تُلَقّحْ بشخصٍ أريبْ

    قد كثُرتْ في الأرض جُهّالُنا               والعاقِلُ الحازمُ غريبْ

- أحْسنُ زوجٍ هو عالِمُ الآثار، كلَّما شاختِ الزوجة، كلَّما زاد اهتمامُ الزوجِ بها.

- شيئان يُضعِفانِ الثقةَ بين الزوجين، الكَذِب ونقْل الخُصوصيات.

- ما يجعَل الزواجَ غيرَ سعيد، ليس عدمُ الحبّ، بل عدم الصداقة.

- الزواجُ والطلاقُ: سُئل مرّةً الكاتبُ الفرنسيُّ أندريه موروا (André Maurois 1885-1967) : "لماذا يتِمُّ الطلاقُ الآنَ لأتفهِ الأسباب؟ فأجاب: لأنَّ الزواجَ يتمُّ لأتفهِ الأسباب".

- يُقال إنّ أفضلَ زواج، هو بين عمياءَ وأصمَ.

- المرأة تحبُّ ما تعتّق في الرَّجل.

- الرجل رأسُ العائلة والمرأة الرقبة، فهي تحرِّك الرأسَ كما تشاء.

- مثلكم مثلُ الرجل الذي أراد أن يُغيظ امرأتَه، فخَصى نفسَه!

- حين تخجَل المرأة، تفوح عِطرًا جميلًا، لا يُخطئه أنفُ رجُل.

- العُنوسة عند المرأة، أرهبُ من الموت.

- يكون عُمْر الرجل، بقدْر عمر المرأة التي يُحبُّها.

- الرجل القوي يعمل، والضعيف يتمنّى.

- لا تبحَث عن الجمال، لأنّك عندما تجِدُه، تكون قد شوّهت نفسَك.

- أوضوحُ الشِّعر يُفقِده جمالَه؟

- المرأةُ أهمُّ رابطة تربُِطُنا بالحياة.

- الرجلُ الشرقيُّ، يبالغ في حِرْصه على المرأة، حتى ليسجنها.

- الجمالُ، لا يستقيم إلا إذا جاوره القُبحُ، والنعيمُ لا يكمُل، إلا إذا جاوره الجَحيم.

- يُمكنُك أن تصنعَ الجَمالَ من الحجارة التي تُوضع لك عَثْرة في الطريق.

- حُدودُ لغتي، تَعني حدودَ عالمي.

- نصفُ ما أقولُه لك لا معنى له، ولكنّني أقولُه، ليتِمَّ معنى النصفِ الآخر.

- إذا أردتَ أن تعرِفَ ما يحدُث في بلدِك، فارحلْ بعيدًا عنه.

- قولٌ سديد: إملِكْ زِمامَ نفسِك حين تُزعِجُك صغائرُ الأمور، واحتفظ بقِواك لعظائمها، فما يُضنيك الجبلُ الذي تستقبلُه، بلِ الحصاةُ تكونُ في نعلِك. إنّما تنتصرُ المرأةُ بالتشبّث، لا بالكفاح ولا بالشجاعة، إنّها كالإعلانِ، تنالُ ما تريدُ بالتكرار.

- الدنيا كأسٌ، والفَلَك هو الساقي، والأجَلُ هو الشراب.

- هناك من يصنَع القِّصصَ، وهناك آخرون يحْكوها.

- نـَحْنُ فِي المُـؤَخـَّرَة، وَهَـمّـُـنـا المُـؤَخـَّرَة.

- أَيّةُ لغة يهجُرها اللسان، مصيرُها الأفولُ والنسيان.

 إنّ الإنسانَ، في حاجة إلى عامين ليتعلّمَ الكلام، وإلى ستّين عامًا ليتعلمَ الصمْت.

- الشمس حارّة كالخمرة، والقمر باردٌ كالكأس، فاسكُب لنا الشمسَ في القمر.

 - الحكي هو فرْشة الحبّ التي ينام فوقَها العشّاق.

- الأكثرية الصامتة، لا تصنَع ضجيجًا، ولكنّها تصنعُ التاريخ.

- إنَّ المنظورَ أفصحُ منَ المنقول.

- يتخفّى الإنسانُ تحت لسانه.

- إنّ الإنسانَ يفتقر ويُستعبد عندما يُسلَب اللسان.

- صحِّةُ الجسم في قلّة الطعام، وصحِّة القلب في قلّة الذُّنوب والآثام، وصِحِّةُ النفْس في قلّة الكلام.

- اللغةُ لا تُقدّم بديلًا عنِ الواقع.

- يستحيلُ أن أقول ما أعنيهِ بالضّبط.

- لا هُويّةَ بدون تعريب، ولا تعريب بدون استقلال، ولا استقلال بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون حرية.

- الوَحْدة الحقيقيّة القائمةُ بين العرب هي وَحْدةُ الألم والدموع.

- العربٌ ظاهرةٌ صوتية.

 

إعداد أ. .د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

احمد الكنانيجلال الدين الرومي كعارف صوفي لا يعتني بالزمان كثيرا، اذ لا معنى للماضي عنده ولا للمستقبل، فالماضي ماض وغد بظهر الغيب واليوم لي، وهي حالة يعيشها من ركن ذاته جانبا وتسلَق سلَم السمو، وتحرر من الذات وما يحيط بها من فوضى عارمة تفسد الاستمتاع بحلاوة الأشياء، والمثنوي حكاية تجربة رائدة يعيشها الافذاذ حال تجردهم عن ذواتهم، والرومي انسان آني يعيش اللحظة الانية، فعمق الوجود الإنساني يكمن في هذه اللحظة .

التفكير حالة فوضوية

الكفر بالفكر..والايمان بالسكون

السكون ينتج الوعي

ومنه نتاج الحكمة

فهو كالناي مسلكاَ للوحي وللنبؤات

بشنو اين نی چون شکایت می‌کند

الزمن متوقف عند الرومي فلا يوجد ماض ولا مستقبل. وفي تقسيمات الزمان يكمن سر الفوضى التي يعيشها الانسان.

تدبَر وانت جالس في هذه اللحظة الحاضرة لكنك تفكر بما ستفعله بعد حين...اذن الموجود هو المستقبل وان كانت اللحظة آنية.

من هنا يدعو الرومي الى العيش في اللحظة الانية وقطع التفكير بالمستقبل، كما يدعو الى تناسي الماضي وعدم العيش في متاهاته.

ومن هنا تُعرف حقيقة النفس، ومن خلالها تعرف حقيقة الاله، فالآلهه تصاغ من نسج المخيلات.

اله الأديان يدعو الى تفضيل بني دينه وبغض غيرهم

واله العارفين يدعو الى العشق، ولا شيء سواه

اما النظر الى الماضي ومراجعة الأخطاء والاعتراف بالخطيئة والتوبة منها فهي عند الرومي خطيئة أخرى، وحقيقة التوبة من الخطايا هي نسيانها وعدم التفكير بالرجوع اليها :

هست هشیاری ز یاد ما مضی

ماضی ومستقبلت پردهٔ خدا

آتش اندر زن بهر دو تا بکی

پر گره باشی ازین هر دو چو نی

ای خبرهات از خبرده بی‌خبر

توبهٔ تو از گناه تو بتر

ای تو از حال گذشته توبه‌جو

کی کنی توبه ازین توبه بگو

ان كان ذكر ما مضى من قبيل الانتباه

فالماضي والمستقبل كلاهما حجاب الله

فلتضرم النار في  كليهما معا ... فانت ملئ بالعقد كأنك الناي

يا من اخبارك تدل على جهلك بالمخبر

ان توبتك اقبح من الذنب

ويا باحثا عن التوبة عن حالك الماضي ...

قل لي : متى تتوب عن هذه التوبة ؟

*

تا زمین وآسمان خندان شود

عقل وروح ودیده صد چندان شود

لا تکلفنی فانی فی الفنا

کلَت افهامی فلا احصی ثنا

کل شیء قاله غیرالمفیق

ان تکلف او تصلف لا یلیق

*

من چه گویم یک رگم هشیار نیست

شرح آن یاری که او را یار نیست

شرح این هجران واین خون جگر

این زمان بگذار تا وقت دگر

قال اطعمنی فانی جائع

واعتجل فالوقت سیف قاطع

*

صوفی ابن الوقت باشد ای رفیق

نیست فردا گفتن از شرط طریق

تو مگر خود مرد صوفی نیستی

هست را از نسیه خیزد نیستی

حتى تصبح السماء والأرض ضاحكتان

حتى يكون العقل والروح والنظر مائة ضعف

لا تکلفني فانی فی الفنا ... کلَت افهامی فلا احصی ثنا

کل شیء قاله غیر المفیق ...ان تکلف او تصلف لا یلیق

ماذا أقول ؟ وليس فيَ عرق منتبه

لحبيب ليس له شبيه

شرح ذلك الهجر المدمي للقلب

دعه هذا الوقت لوقت اخر

قال اطعمنی فانی جائع ...  واعتجل فالوقت سیف قاطع

والصوفي ابن الوقت هو كذلك يا صديق

غير صادق من يقل غدا شرط الطريق

الست انت نفسك رجلا صوفيا ؟

فاعلم اذن انت لست قادما من النسيئة

حالة السكون والركون الى الآن حالة روحانية عاشها الصوفيون ويعيشها الروحانيون اليوم، واشعار الصوفية في اغلبها تعكس تلكم الحالة، رباعيات الخيام لا تخلو من الدعوة الى اللحظة الانية ونسيان الماضي وتجاهل المستقبل . لكن الخيام رغم فلسفته التشائمية الا انه من الداعين الى اغتنام اللحظة الحالية والتمتع بها لأنها المملوكة بالفعل، فالماضي ماض وغد بظهر الغيب، وكما انشدت أم كلثوم بعذوبة  ذاك البيت الذي رسمه بأتقان احمد رامي من الرباعيات :

غد بظـــهر الغـــيب والــــيوم لــى    وكم يخيب الظـن فى المقــــبل

ولســــــت بالغافـــل حـــــتى أرى     جمال دنـــــــياى ولا أجتـــــلى

فأمتلاك يومك واغتنام لحظاته هو الحل الامثل لهذه الدنيا المليئة بالبؤس والشقاء ولو ادرك القادمون اليها ما عانيناه لما أتوا :

فلاک که جز غم نفزایند دگر

ننهند بجا تا نربایند دگر

ناآمدگان اگر بدانند که ما

از دهر چه میکشیم نایند دگر

وقد اجاد الصافي النجفي في صياغة بعض ابيات الرباعيات وبذات المضمون المتقدم :

إن لم يكن حظ الفتى في دهره ..

إلا الردى ومرارة العيش الردي ..

سعد الذي لم يحيَ فيه لحظة ..

حقا وأسعد منه من لم يولد ..

من هنا يدعو الخيًام الى اغتنام فرصة اللحظة الانية والتمتع بها، فالماضي زائل وفان والمستقبل مستتر وراء ظهر الغيب لا يربح فيه رهان، والباقي هو الحال ولا شئ سواه، الوجود لا وجود له والحياة في الرباعيات لا بداية لها ولانهاية وانها تكرار واجترار .

وُجُودُ ذَا الْكَوْنِ مِنْ بَحْرِ الْخَفَاءِ بَدَا

وَسِرُّهُ لَمْ يَبِنْ يَوْماً لَدَى الأُمَمِ

كُلُّ امْرِئٍ قَالَ وَهْماً عَنْ حَقِيقَتِهِ

وَالْحَقُّ مَا فَاهَ فِيهِ وَاحِدٌ بِفَمِ

تَسَاقَطْنَا كَطَيْرٍ فِي شِبَاكٍ

تُعَانِي مِنْ أَذَى الدَّهْرِ اهْتِضَامَا

وَنَخْبِطُ فِي فَضَاءٍ لَيْسَ يَبْدُوْ لَهُ

حَدٌّ وَلَمْ نَبْلُغْ مَرَامَا

هذه شذرات لطيفة اقتطفتها من درر ما ورثناه من كنوز مولانا جلال الدين الرومي وعمر الخيام ودعوتهم لنا للعيش بسكون وهدوء دون صخب ما مضى وفوضى ما يأت، لتكون براعة استهلال للولوج رويدا رويدا في ساحل بحر المثنوي

 

احمد الكناني

 

حسين علي خضيريسلط الكاتب علي بدر في قصته (حفلة القتلة) الضوء على الحقبة الصدامية التي كانت مليئة بالتصفيات الجسدية والقتل الجماعي. فقد كان بارعاً في وصف هذه الحقبة، إذ يجعلك تعيش هذه اللحظات وتتألم في الوقت نفسه، لاسيما لمن عاش هذه الحقبة المظلمة التي بسببها عانى ما عانى البلد من ظلم وحروب مستمرة أكلت الأخضر واليابس كما يقال، وربما بعض من هذه الاجيال لا تعرف شئياً عنها او ربما سمعت او قرات  بعض الشيء عنها، والتي عبر عنها بطل علي بدر قائلاً: " حيث يتم توزيعهم على غرف الصعق الكهربائي، الشوايات، أدوات سلخ الجلد، ماكنة تكسير العظام، ومن ثم وضعهم في أكياس وتحميلها في سيارات لإلقائها في نهر او حفر عميقة في الصحراء ودفنهم بقبور جماعية "(1)، واللافتُ النظر في هذه القصة، اولاً، مسألة الموت والجمال حيث يقول بطله " كان الموت والجمال في هذا المكان متجانساً " (2)، وهنا كأنّنا بعلي بدر يُوحي للقارئ بأننا نحن جنس البشر من يتلاعب بهذا الجمال، وبإمكاننا أن نجعل منه جحيماً، لمن يخالفنا الرأي، ثانياً، ظاهرياً، يبدو هذا المكان لتسلية، إذ يقول بطلهُ: " في اليوم الاول عرفت أنه مكان لتسلية عائلات الضباط الكبار في شعبة التحريات السياسية، ولكن فيما بعد عرفت أن الطابق الأول والسرداب والكراج الداخلي هو مكان التحقيق والسجن وتنفيذ العمليات " (3)، ثالثاً، يركز الكاتب على مسألة المكان، إذ انَ الشيء المُحزن في هذا المكان هو أنَ عوائل الضباط تمارس الرقص والسباحة بالمايوهات، وبالقرب منهن في السراديب يتم سلخ جلود الناس " وفي زيارتي الأولى فهمت ان القسم السفلي هو الجحيم بعينه، حيث تشوى أجساد المشكوك فيهم وهم أحياء، ويقوم ذلك ضباط التحريات بينما عائلاتهم ترقص في الأعلى، وبناتهم بالمايوهات في برك السباحة، وزوجاتهم يأكلن الباربكيو، ويتحدثن عن الموضة (4)، اما المدعو ج.ع هو مدير شعبة التحريات، كان كل همهُ ان ينال رضا مسؤوله أو أن يحصل على منصبٍ أعلى كما نوه بطل علي بدر، تدور أحداث هذه القصة حول ج. ع وهو النموذج الصدامي الذي لا يعرف الرحمة، والذي يُمكن أن نُطلق عليه تسمية (آلة الموت المستمرة في تعذيب الآخرين)، ولكن المضحك في أمر هذه الشخصية هو أن مصيرها سيكون المصير الذي كان يعذب به الناس؛ لذلك يبدو لي أنَ علي بدر أراد ان يوجه رسالة واضحة للقارئ ان الجميع في هذه الدولة البوليسية كان تحت دائرة الاتهام او الشك، ولن ينُجو أحد اذا ما وقع في هذه الدائرة.

 

حسين علي خضير

........................

المصدر

1 - حفلة القتلة / تأليف علي بدر؛ دار ألكا - بلجيكا، الطبعة الأولى: 2018.ص35.

2 - نفس المصدر، ص 27.

3 -نفس المصدر، ص 23.

4 - نفس المصدر، ص 24.

 

699 جلال امينعاشق في بؤبؤ العينين يبتهل بصلاة الوجد

شعر حر على تفعيلة الخبب

(صلاة الوجد)

عيناكِ

صلاة الوجد.

ومحرابٌ الأنفالِ سُجودي

فردوس الحب

ونبض الخلد الموعود

العشق حين يعانق الأرواح النقية يجعلها تفترش بساط الوجد فيسمو بها إلى علياء السماء لتسكن فردوس المحبة فتشاهد كل ما حولها رائع وجميل وتتنفس عطر الحياة كي تبتهل في محراب المشاعر وتغرد بأعذب الألحان ويجعل من مدارات العيون محراب للصلاة ومن ورد الخلود سجادة لأداء نافلة الشوق وتهجد نبضات الحنين.

عيناكِ

دليلٌ حلَّ على البرهان

ودقًت

اجراس كنيسة عيسى

 تعلن في نبأ التوحيد

فَرتل في احقاب جفونك

رهبانٌ نغمَ التشهيد

أسرار العشق والعشاق تكمن دائما في أفلاك العيون فهي المنظار المرئي لخلجات القلوب وهي شاشة العرض لما يدور بداخلنا من أفكار وحوارات . ما أروع وأجمل تعبير الشاعرة هنا بوصف تلك العيون بأنها دليل جعلها تتيقن من حقيقة التوحد العشقي فكان الترتيل رهبان يردد نغم التشهيد . وبرغم أن للعيون جفون ورموش وحواجب تسترها إلا أنها في لحظات العشق تكون فضاحة ونشاهد كل شيء من خلالها .

عيناكِ

تموج  بقارب سفّانٍ

ضيّعَ  أشرِعَة التجديف

ببحرهما المسحور

فهام  يناجي بؤبؤ لحظك

في صلوات التسهيد

نظرات العين تداهم القلوب كالقارب الذي يبحر دون مجداف أو أشرعة يحاول الوصول إلى بر الأمان وهكذا الحال حين تداهمنا نظرات العيون نحاول التشبث بها لأنها طوق النجاة ومرساة الروح حين نبحر في محيطات العشق . حالة فريدة من حالات الشوق العذري تفردت بها الشاعرة بالتوظيف الدقيق والتعبير عما يحدث للعاشق من تأثير تلك النظرات ولقد راقت لي جدا جملة (بؤبؤ لحظك) وما أروعها حين أكملت وصفها بالمناجاة . نحن أمام شاعرة متميزة تعرف جيدا كيف تشاكس قلمها وتداعب حروف الهجاء فتقطف من ثمارها أجود ما تحمل أغصانها .

عيناكِ

رموش كالوتر الشادي 

وانين الناي المبحوح

بصحراءِ تناهيدي

في قلبي يعزف لي

لحن الأسحار المنشود

والنجم

تمايل في احداقك

يجذبني طوفان

في بحر الهذيان فيغرقني

كبساط من عمق البهتةِ

يحملني

لجنان العشق المحسود

وسكنت

جحيم عيونكٖ

أطلب لذةَ تعذيبي

أَوَليسَ

لهيب الاحداق الفتان

كفردوس  الخلد المرغوب

 وسكرة خمر يقطر

من عنقود الاعناب الممدود

سلسلة متواصلة ومتلاحقة كجبال الألب تحمل بين طياتها إبداع متطور وصور شعرية جديدة وكل صورة من تلك الصور لها رونقها الخاص لأنها رسمت بريشة عبقرية وألوان الطبيعة الذاخرة بزهور الفردوس . العيون تعزف ألحانها على وتر الرموش الذي يشبه الناي النابض بحلاوة الصوت والقلب يعزف لحن الأسحار المنشود الذي تشتاق وترتاح إليه الروح حالة من المد والجزر وأصوات برق ورعد تموج هنا وهناك من خلال نغم الحروف التي تأخذنا لنعايش حالة عشق نادرة . عمق فلسفي ونمط جديد للحداثة الشعرية وعناقيد من أغصان البلاغة والإتقان اللغوي .

عيناكِ

مِزاج الكافور

ونبعٌ يسقي احلامي

فنعيم الحب بوجداني

قد أنعشَ قلبي المسعودِ

آهٌ  من وجدك حبي

 هزّ عروش جلاميدي

وجهلت دعاء تعاويذي

فركعت هويتُ سجوداً

في بحر عيونك

رمت رضاك المحمود

ينتهي بنا المطاف وتصل الرحلة إلى مرافئ الفردوس وجنات النعيم الأبدي للأرواح الهائمة ومازلنا نطوف مع العيون الساحرة لنشاهد ما فعلته بالقلوب . تلك العيون صارت النبع الساقي لخمرة الشوق وصارت طلاسم السعادة والبهجة وبساتين وحدائق النعيم الأزلي للعشاق . فالوجد الذي هز العروش وجعل الأفئدة تهجر كل ما لذ وطاب من أجل لحظة عشق واحدة وجعلها تركع وتهوي لتسجد في بحر تلك العيون وتنسى وتجهل التعاويذ من أجل نيل الرضا فما أجمل وأروع ذائقة الشوق وتمتمات الحنين ودندنات الأوردة والشرايين للإحتفاء بمعشوقها بألحان الغرام السرمدية.. تحية تقدير للشاعرة المبدعة الأستاذة ليان عامر. على هذا النص البديع والراقي والمدجج بالصور الشعرية وجواهر البلاغة .

 

تحليل الناقد المصري جلال أمين

 

 

علاء الخطيبفليم روائي قصير. يحمل عنوان تبولة وباي هو جديد المخرج العراقي جعفر عبد الحميد

يناقش الفيلم التواصل الإنساني بين ثقافتين، قصة شيقة تتحدث عن المخرجة المسرحية العراقية فاتن ذات الروح المرحة التي تنتقل حديثاً إلى شقتها الجديدة وتمد جسورها بكل محبة وطيبة مع جيرانها غير عابئة باختلاف الثقافات لتنشر الدفء والفرح بينهم.

تلتقي برجل إنجليزي متقاعد يسكن بنفس العمارة. مقابل شقتها، هذا الرجل الذي تأقلم مع حياته بعد الوظيفة  فقد روّض نفسه على نمط يومي للحياة، يخروج من المنزل بموعد يومي محدد لإستنشاق الهواء، ويعود بصحبة جريدة اليوم، يتناول الشاي، يستمع للمذياع، في محاولة لقضاء الوقت والانتصار على الساعات الطويلة من الفراغ، بعد أن إنتهت حياته الوظيفية.

تنشأ بين فاتن والرحل المتقاعد علاقة إنسانية جميلة، فتذوب المسافة الكبيرة على صعيد الطِباع عند الإثنين و تبدأ الهوة بالتقلص لتصبح ربما بطول الممر بين شقة الفنانة العراقية وشقة الرجل المتقاعد.

692 فلم

في هذا الإطار الدرامي الخفيف الظل، يسعى المخرج وكاتب السيناريو الدكتور جعفر عبد الحميد الى خلق فضاء من التعايش وقبول الاخر من خلال تجسيد جانب من اليوميات التي يمر بها كل من المهاجرين وأيضاً أهل البلاد القدامى، وهم يعيشون مراحل التعرف، والرفض والقبول للآخر، والتعايش أو عدمه بين الإثنين.

العمل من بطولة الفنانة العراقية الرائدة أحلام عرب، وهو جزء من منجزها الهام في بريطانيا، من أعمال سينمائية ومسرحية، بعد أعمالها المسرحية والتلفزيونية في العراق، التي بدأت من مراحل دراستها بمعهد الفنون الجميلة ببغداد في أواسط السبعينات.

يشارك الفنانة أحلام عرب البطولة الممثل البريطاني المخضرم بوول ريدلي، الذي يمتلك تاريخاً حافلاً بالسينما والمسرح في المملكة المتحدة.

“تبولة وباي” من إنتاج أريج السلطان، المنتجة والمخرجة العراقية - البريطانية، التي لها تجربة هامة من العمل مع كبريات المؤسسات البريطانية الإعلامية، مثل الـ بي بي سي والقناة الرابعة. وكان لها مؤخراً شريطاً تسجيلياً عن شيوع الثقافة الكورية الجنوبية في العراق؛ كان قد بُثّ فيلمها الوثائقي على قناة الجزيرة الإنجليزية.

مؤلف ومخرج “تبولة وباي” هو جعفر عبدالحميد، الذي كان أخرج عام ٢٠١١ الشريط الروائي الطويل الناطق بالإنجليزية، “مسوكافيه”، من بطولة أحلام عرب. وقد عُرض “مسوكافيه” ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان “رين دانس” السينمائي بلندن، وكذلك بمهرجان الخليج السينمائي بدبي. وكان جعفر عبدالحميد قد أكمل رسالتي الماجستير والدكتوراه في بريطانيا، مختصاً في أطروحة الدكتوراه بالإقتباس الأدبي في السينما.

 

علاء الخطيب – لندن

 

شاكر فريد حسنالراحل أحمد حسين شاعر مشاكس استثنائي مميز، ومتفرد بفكره وشعره ومواقفه، ومن الاصوات الشعرية الفلسطينية الجميلة . له قصائد في غاية الشفافية والروعة والجمال. وما يميزه تجليه وتوهجه الشعري، وعنف انفعاله وحرارة العاطفة، وذراه المجازية والتعبيرية، وقوة تراكيبه ومتانة صياغته اللفظية، وأناقة الصور الفنية والمجازات والاستعارات البلاغية، وكثافة لغته الفريدة .

إنه نبي الغضب والرفض والتحدي، وشاعر المقاومة والوطن والتراب، وشاعر الحزن الجميل. أشعاره تتدفق وتنبض بالإحساس الوطني والنزعة القومية العروبية والروح الانسانية، وخياله خصب شاسع وواسع .

أحمد حسين آمن على طوال حياته بأنه يجب على القارئ الارتفاع والسمو والرقي إلى مستوى الشاعر ونصه، وليس هبوط ونزول الشاعر إلى ذائقة العامة ومستوى ثقافتهم ومعرفتهم ووعيهم الشعبي . ولذلك ظل شاعرًا نخبويًا يكتب ما يمليه عليه فكره وعقله وإحساسه وعواطفه ومزاجه وضميره الوطني.

وأحمد، كما يقول صديقه وصنوه الأديب والمثقف الراحل نواف عبد حسن في معرض حديثه عن ديوانه " زمن الخوف " : " ليس كشعراء " الاعلام " الذين استمرأوا " الطبطبة على الظهر " والابتسام لأنفسهم امام موجات الاثير، والذين يستظلون تحت لحية الشهرة، ان احمد يحزم اعصابه ويوقدها على نار الفجيعة، يتنفس المأساة  ملء الرئتين، فيروعننا في قدرته على صياغة ما يقتنصه من صور، وما يرتعش في رحم الغد، فالنبوءة مجسدة بصورة او بأخرى، في نهاية كل القصائد، والرعب بحجم الدهشة ".

ورغم مكانته الادبية البارزة تعرض المرحوم احمد حسين للتعتيم والتغييب والتهميش، نتيجة مواقفه المغايرة المختلفة النوعية والجذرية، وحوصر من قبل المؤسسة الفلسطينية الرسمية. وصدق الكاتب الفلسطيني/ الاردني موسى حوامدة بقوله : " الشهرة لم تكن هدف أحمد حسين بل كانت الحقيقة غايته ووسيلته وظلّت واضحة جليّة في كل ما يكتب ويفعل، لذا خسر وظيفته وكثر أعداؤه، وخاف من التقرّب منه كثيرون ونفر من مواقفه وحدتّه النقديّة والسياسيّة عديدون ".

أحمد حسين كان رافضًا للخطاب السياسي الفلسطيني السائد، وتجلى ذلك في كتاباته السياسية والفكرية وفي قصائده.

كان يغني بالبكاء، وبالحزن يفرح من جديد، وكانت حياته وطبيعته ثائرة متمردة، شغوفَا بخوض البحار الهائجة.

ومن جميل ما كتبه احمد حسين هذه القصيدة الهفهافة الشفافة الطلية الجميلة كالحسناء، ذات الايقاع والنغم الموسيقي والمضمون الواضح، كان قد نشرها في مجلة " البيادر " المقدسية، التي كان يصدرها الصحفي جاك خزمو، في عددها الصادر في ايلول العام 1977، ويقول فيها :

غنائي لعينيكِ يعني البكاءَ

غنائي لوجهكِ يعني السفَرْ

وجدْتكِ في الحزنِ

لا تبرحيهِ

فمنه المواعيدُ

منه السحابُ

ومنه المطرْ

ومنه الترابُ الذي صار دمعأَ

بعينيّ ...

خبّأت أين الشجرْ؟

وجدتكِ في الحزنِ

طال اللقاء ُ

ثلاثين بُعدَا

ثلاثين سبْيَا

ثلاثين عارْ

وجدتكِ بين انصرافي ووجهي :

أمامي انتظارُ

وخلفي انتظارْ

تعلّقتُ من نظرتيّ، التَفَفْتُ

على غصن لوز كشعَر امرأه

متى تُطْلقني أصرْ منكِ شيئاً

فسبحانَ وجهكِ

سبحان صدركِ

سبحانَ حِضنكِ، ما أدفأه ْ

تعلمّتِني ! كيف دار الزمانُ

فصِرتُ انا النقشُ، انتِ الحجرْ

وكنتُ كما تعلمين – المُغنّي

وكنتُ ....

ولكن لماذا تظنين أني بكيت ُ

قديمَا .. قديمَا

فهل تسبق الكلمات الصور ْ

إذن فاسمعيني، اسمعيني

غناءَ يُعرّشُ فوق الدروبِ

اذا ما تَذكرتِ صوتي ... انهمرْ

أنا الحبُّ، لن تفقديني

وفيكِ ترابٌ

وحول اريحا شجرْ!

يبقى القول، أحمد حسين ظاهرة شعرية وقريحة شاعرية ممتزجة بعاطفة حساسة قوية، وأسلوبه الرشيق الرصين يدل على اطلاع ومعرفة عميقة وذوق في اللفظ والمعنى والمبنى . والاهم في نصوصه عمق التجربة وصدق الشعور واصالة الاحساس . فسلامًا لروحه وله دفء القلب .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد الشيخاوينجد هذه المجموعة ثرية بصورها الشعرية، تؤرّخ للحظة خواء، ببصيرة تكتب أزمة الذات ومكابداتها، خارج دائرة الضوء، أي داخل حدود جغرافية السّواد، من هنا تبدأ رحلة الشاعر المغربي محمد اللغافي ، منهكا بوصايا الأمومة وتعاليمها كزاد، لسفر حياتي وإبداعي سرمدي ، يتحسس المفقود ويطارد خيوط الضوء.

بذا نهتدي إلى كون الشعر ، في الغالب، لا يفسّرُ بسوى حجم صمود الكائن ونضاله داخل دهاليز حياة صادمة بفجائعيتها وعتمتها وشحّ أعيادها.

إرسالية بنصوص شبه مغلقة، ليس يفكّ شفرتها سوى طقس الإنصات عميقا، لأصوات الهامشي والبعيد جدا.

[قالَتْ

أخْجَلُ وَالنّجومُ تَرانا

أسْدلِ السّحابَةَ وَاقْتَرِبْ

أسْدَلْتُ السّحابَةَ

فانْكَسَفْنا].

هي خطى الحرف، حين تنرسم على خرائط البحث الشاقّ عن معنى للذات، في أفق حياة موازية، سانحة لتصيّد أدنى صور الطمأنينة والخلاص.

[رَبّتْ عَلى كَتِفي يا ألله

أحْسِسْني

 بِالْاطْمِئْنانِ].

هذا الأمل القابع مشتعلا في عينيْ المشوقة، وحده وحده يهب معنى لهذه الذات المسافرة بترهّل، في جيوب الفراغ .

المشوقة في زئبقية تجلّياتها، كأنّما تضمّد المعاناة بحضور رمزي، غير مستساغ.

[هَلْ تَعْلَمينَ

ماذا

أفْعَلُ الآنَ ؟

اللّيْلُ ماطِرٌ هُنا ..

غائِمٌ مِثْلَ قَلْبي

الْفَراغُ مُكْتَظٌّ بي

 وَحْدي

في مِعْطَفيَ الطّويلِ أجْمَعٌ شَتاتَ ظِلّي

وَأصَفِّرُ

عَلى إيقاعِ خَطْوي الْمُتَرَهّل

أرْقُبُ

عَسَى أنْ يَتَدَلّى بِهُدوءٍ

بَريقُ

عَيْنَيكِ لِأطْمَئِن].

مجرّد فوقية أو تسام نرجسي، لمناطحة إسمنتية الواقع، وإبراز كم هو موقف القصيدة ممّا سواها، هشّ للغاية، وغنائي، يناغي بالعاطفة، ويعزف على أوتار القلب، وإن رصد بجبن وخجل مشهدية الكائن في رقصته المشوّهة، على جمر الآخر والحياة.

[أَعِدُكِ

لَنْ أجْرَحَ الْبابَ الْإسْمَنْتي

بأصابِعي الْهَشّةِ

لَنْ أحْدِثَ خَدْشاً

في صِباغَةِ اللّيْلِ

سأغْفو عَلى شَطِّكِ

مَع الْمَلْفوظات

 

 

هَل أُصَدّق الرّؤيا

وأذبحُ أصابعي واحِدا واحِدا

قٌرْباناً لًكِ].

هذا الليل، ليل الأحجية المنفلتة، السابح في آدميتنا، يقتضي ترتيبا وإن على سبيل الارتجال والتسلية ، لكن...بلغة وصْد باب وفتح أخرى.

[جُبِلْنا مِنْ تَعَبٍ

رَفيقَتي

تَعالي نُغْلِقُ باباً

وَنَفْتَحُ أخْرى

نَحْنُ مُجَرّدَ

قِشّة في مَهَبِّ الْحُبِّ

تَعالي نَهُشّ عَلى هَذا الْفَراغ

 يَنْفَلِقُ لَنا الْمَدى

فَتَطيرُ

مِنْ بَيْنِ أصابِعِنا فِراخُ اللّيْلِ

 وَنُعِدُّ قُهْوَتَنا

بَعْدَ

 أنْ

 نَكْنِسُ حَطْبَ الّذينَ تَنَكّروا لِعُشْبِنا الْأخْضَر].

الليل السرمدي بوصفه منصّة للحلم الذي يجود على الذات بشتى معاني الوجود والتواجد الإيجابي، علاوة على كونه متّهما هو مسروق أيضا، ما يضعنا إزاء موقف إرباكي، تدبّجه صياغة فلسفية تحاول تبرير هذا الضياع.

[كَمْ مَرّة بُعِثْتُ فيكِ

وَأعْدَمَني حُرّاسُكِ

ما عُدْتُ حَذِراً

وَلا أهابُ

حُرّاسَكِ 

طَيّعَةٌ أوْتارُكِ قيثارَتي الْحَزينَةِ

مُتَوَتِرَةٌ أصابِعي

تَدُكُّ الْأنْغامَ

تَتَمَزّقُ الْأغْنِياتُ سَريعاً

في بالوناتِ ثَلْجٍ

تَتَبَخّرُ الشّمْسُ

لِتَشْرُقَ ابْتِسامَةٌ طازَجَة

تَتَقَمّصُني مُبْهَماً

مُتَقَلّباً كَخَريفٍ تاهَ عَنْ فَصْلِهِ].

وإذن... منذ الولادة ، يسترسل الليل منفتحا على جملة من المعادلات الإنسانية الصعبة، كي يختبر وجود الكائن، وما أسرع تهشمّ المرايا الروحية ، عند عتبات الكسوف الذاكراتي في تأجيجه لمآسينا.

يكون هذا الليل، ليل البوح الممسوس بتشظيات الذات، جدّ ثقيل .

هذا الليل إذ يغزو مغلّفا بما يستعير منّا من أقنعة، ننتشي بأحلامه المخففة من أوجاع ارتطامنا بالواقع الموبوء، ونحن نتلمّظ عناقيدها على نحو برزخي، يتهجّى أبجديات غيبوبتنا المختارة، حدّ الثمالة.

الليل كمعلّم أكبر، ليس يزدان بسوى ملح الأمومة وهي تمارس على تجاربنا فعل الوصاية ، دونما بخل بمعجم تعاليم الحنو والخبرة والنضج.

هامش:

أنظر كتاب " مكتظ بك أيها الفراغ، شعر طبعة أولى2017، محمد اللغافي، ردمك.

 

احمد الشيخاوي

 

  

 

 

ضياء نافعآخر عمل ابداعي قام به دستويفسكي في حياته هو القاء خطابه عن بوشكين، عندما شارك في حفل تدشين تمثال بوشكين بموسكو في حزيران / يونيو 1880 (انظر مقالتنا بعنوان – حول خطاب دستويفسكي عن بوشكين)، ولهذا يسمّي نقاد الادب هذا الخطاب ب (وصيّة) دستويفسكي قبل رحيله الابدي، اذ حدد دستويفسكي في ذلك الخطاب كل مفاهيمه عن الادب ودوره في المجتمع، وعن قيمة بوشكين واهميته لروسيا وشعبها وتاريخ ادبها من وجهة نظره، وليس من باب الصدفة ابدا، ان هتف بعض الشباب الذين كانوا يحيطون به في تلك الاحتفالية ويستمعون اليه وهو يلقي خطابه ذاك قائلين – (ان دستويفسكي نبيّ !)، وهو التعبير المتحمس والمتطرف عند الشباب في الكثير من بقاع العالم .

 الا ان الوقائع في حياة دستويفسكي لا تشير الى انه كان يستشهد بنتاجات بوشكين او افكاره ومكانته اثناء مسيرته الابداعية او رسائله الى الآخرين، كما نرى ذلك بوضوح وصراحة عند بعض الادباء الروس الكبار مثل غوغول او تورغينيف او تولستوي ...الخ، رغم ان دستويفسكي قد تقبّل خبر مقتل بوشكين في مبارزته الشهيرة برعب وحزن شديدين، وكان عمره آنذاك 16 سنة ليس الا، وتشير بعض المصادر الروسية، الى انه اراد حتى ان يعلن الحداد مع اخوته نتيجة هذا الحدث التراجيدي بالنسبة لهم، وعندما انتقلت عائلة دستويفسكي بعد فترة قصيرة من موسكو الى بطرسبورغ للعيش هناك، فانه كان يتحدث و يرغب فعلا بزيارة تلك الغرفة، التي فارق فيها بوشكين الحياة في تلك المدينة .

 ومع ذلك كله، فان موضوعة (دستويفسكي و بوشكين) لازالت تعدّ ولحد الان واحدة من الموضوعات المثيرة والمهمة امام الباحثين في مجال تاريخ الادب الروسي من الروس ومن غير الروس ايضا، اذ لم يسبق لأحد قبل دستويفسكي ان (اكتشف!) مكانة بوشكين وقيمته واهميته في تاريخ الادب الروسي، ولم تتكرر ظاهرة (الاكتشاف) هذه بعد دستويفسكي ايضا في مسيرة الادب الروسي، وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذه الموضوعة وطرافتها، اذ نجح دستويفسكي بتقريب بوشكين (ان صحّ هذا التعبير) نحو الاتجاهات الفكرية، التي يؤمن بها دستويفسكي نفسه، بما فيها حتى محاولة اثبات ان بوشكين أقرب للنزعة السلافية من النزعة الغربية، حيث كان الصراع وطيسا في الفكر الروسي آنذاك بين النزعتين (وكان دستويفسكي طبعا الى جانب النزعة السلافية) . ومن الطريف ان نذكر هنا ما قاله غوركي مرة حول دستويفسكي وبوشكين، اذ أشار غوركي، الى ان دستويفسكي يجسّد (العبقرية الروسية المريضة) أما بوشكين فانه (عبقريتنا السليمة)، وكلمات غوركي تلخّص – بدقّة واضحة جدا - كل الموقف الفكري السوفيتي تجاه موضوعة (دستويفسكي وبوشكين)، وهو الموقف الذي استمر طوال كل الفترة السوفيتية كما هو معروف. هذا، وقد كتب أحد المعلقين حول قول غوركي ما يأتي – نعم، دستويفسكي عبقرية روسيّة مريضة، ولكنه كان يحب بوشكين بصدق واخلاص، لهذا استطاع ان يثبت ما اكتشفه في نتاجات بوشكين بانه مفكّر روسي أصيل وكبير، وانه يجسّد الفكرة الروسية والنموذج الاخلاقي للشعب الروسي كما حددت تلك (العبقرية الروسية المريضة).

 ان افكار دستويفسكي حول بوشكين (والتي جاءت في خطابه المذكور) هي الخلاصة النهائية لكل تأملاته حول الادب الروسي والشعب الروسي والفلسفة التي يجب – من وجهة نظره – ان تنطلق و تسود في الحياة الفكرية الروسية (وحقق دستويفسكي كل ذلك ارتباطا ببوشكين واستنادا اليه)، وعلى الرغم من انه انطلق من بعض الافكار التي جاءت عن بوشكين عند بعض الادباء و النقاد الروس قبله مثل بيلينسكي وغوغول (خصوصا عند غوغول، الذي يستشهد في بداية خطابه بكلماته عن بوشكين وكما يأتي – بوشكين هو ظاهرة استثنائية، ومن الممكن ايضا الوحيدة للروح الروسية، واضيف أنا من عندي - تنبؤية)، الا ان دستويفسكي استطاع في خطابه ذاك بلورة افكار جديدة ومتكاملة عن بوشكين، وان يقول كلمة جديدة بكل معنى الكلمة لم يسبقه أحد في اعلانها، ولهذا يشير الباحثون الى ان دستويفسكي (اكتشف) بوشكين، وقد أشار الاديب الروسي أكساكوف بعد ان أنهى دستويفسكي كلمته تلك الى ذلك قائلا، ان هذه الكلمة قد حددت – وبحسم – المكانة الحقيقية لبوشكين في التاريخ الروسي .

 ختاما اريد ان اتوقف هنا – وبايجاز - عند موقف شخصي طريف حدث معي مرة حول علاقة دستويفسكي وبوشكين، وذلك في الايام الاولى بعد وصولي الى جامعة باريس لاكمال دراستي العليا هناك في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، اذ كنت واقفا في ممر القسم الروسي مع مجموعة من الطلبة الفرنسيين، وكانت هناك مدرّسة سوفيتية تقف معهم ايضا، وقد سألها أحد الطلبة السؤال الآتي – من هو الكاتب الروسي الذي كتب رواية بالرسائل ؟ فقالت انها لا تعرف، وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية، ثم توجهت اليّ قائلة – هل يمكن لك ان تساهم معنا في الحديث هذا، فقلت لها مبتسما – عندما كنّا ندرس في روسيا، فاننا كنّا نوصي بعضنا ان نجيب عن اي سؤال لا نعرف الاجابة عنه بدقة، انه على الاغلب بوشكين، ولكني اود هنا ان اقول بدقة، ان دستويفسكي قد كتب رواية بالرسائل، وهي روايته القصيرة (المساكين)، ولكن هناك في مسودات بوشكين توجد ورقة تحمل عنوان - رواية في رسائل، اي ان بوشكين فعلا خطط لذلك، ولكنه لم يحقق خطته . فسألني الطالب الفرنسي – وهل كان دستويفسكي يعرف بذلك ولهذا كتب روايته تلك؟ فقلت له مبتسما – استخدم نفس جملة المدرّسة السوفيتية – لا اعرف، وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية .

 

أ. د. ضياء نافع

 

زرياب هو لقب الفنان علي بن نافع، الذي له اثر بارز ومهم في تطور المجتمع الأندلسي فنياً واجتماعياً، وقد أثرت أعماله وكل نصائحه في المجتمع الاسباني، الموصلي الذي قدم للخدمة في بلاط الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقد غنى زرياب في أحدى جلسات الخليفة وأعجب به، وجراء الحسد والمنافسة بسبب عشق الخليفة لغناء زرياب وأسلوبه الفني الراقي والرفيع تمت مطاردته من قبل حساده فهرب الى مكان بعيد وهي الأندلس.

683 زرياب

جلب زرياب الى الأندلس  ثقافة اجتماعية وفنية وذلك من خلال زيادة الأوتار في العود وترا خامسا براعة منه، كما قام بجعل مضارب العود من قوادم النسور، وكان بالإضافة الى ذلك عالما بالنجوم، واهتم بتقديم النصائح لأهل الأندلس، ومن تلك النصائح وجوب ترتيب وتمشيط شعورهم واستخدام العطور وأواني الزجاج على الموائد وطريقة تناول الطعام، وفن الطبخ، ولبس الألوان البيضاء في الصيف والألوان الداكنة في الأيام  الباردة. وذكر في فضل الأندلس "أسماء الآلات الموسيقية في اشبيلية وربما التي ادخلها زرياب، وما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب كالخيال، والكريبج، والعود، والروطة، والرباب، والقانون المؤسس، والكتيرة، والقار، والزلامي، والشقرة، والنورة، وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقة، والبوق، وان كان جميع هذا موجود في غيرها من بلاد الأندلس فانه فيها أكثر، وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه من الأندلس.

من الآثار العربية الأندلسية هي الغناء المعروف اليوم بالفلامنكو، يؤكد ذلك المستشرق الاسباني (خوليان ريبيرا) وأصبح الفالامنكو رقصة مصاحبة للغناء والتي يرقصها كل أفراد الشعب الاسباني ويستعمل فيها الصاجات الخشبية، وتعتمد الرقصة على عضلات الساقين والحركات التعبيرية ويتعلمها الأطفال من الآباء والأمهات وتشبه تقريبا رقصة (الجوبي) في الريف العراقي.

بالنسبة الى مراسيم الأعياد والمناسبات الدينية والدنيوية في المجتمع الأندلسي فلابد من الإشارة الى أن العرب المسلمين والأسبان النصارى قد اشتركوا في تقاليد الاحتفالات والمشاركة في مراسيمها مما يؤكد روح الامتزاج الحضاري والتعايش والتفاعل بين العادات والتقاليد لكلا الشعبين والديانتين، اذ قلد أهل الأندلس جيرانهم النصارى والأسبان في المشاركة بأعيادهم وأفراحهم وهذا دليل واضح على الامتزاج. ومن الأعياد الدينية عند الأسبان ميلاد السيد المسيح عليه السلام في 25 كانون الأول الليلة اللطيفة والليلة القديمة التي هي آخر ليلة في السنة الميلادية. وكلها تعرف بالنابيدادس.

 

ترجمة واعداد:

الاستاذ المساعد لقاء محمد بشير حسن

جامعة بغداد/ كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

 

ابراهيم يوسفعندما نَشْتُم العجلة يا صديقي*؟ فينبغي أن نَلعن معها الشيطان، توخيا لمزيد من الحسنات، وإمعانا في طلب التوبة والرحمة والرجاء. ولئن أطعتني ولعنت الشيطان معي، ونالتك المغفرة وعفو رب السماء؟ فكفكف دموعك وهوِّن عليك وتعال معي فاسمع للمرة الثانية، حكاية عائشة بنتُ سعدٍ بن أبي وقاص، وقد أرسلتْ مولاها "فنداً" يأتيها بنار. كان في الطريق ليلبي حاجة سيدة الدار، حينما أبصرَ قافلة تتأهبُ في رحلةٍ من المدينةِ إلى الشام.

وهكذا سار مع القافلة وعاد معها بعد عام من الغياب، ليتذكّرَ مولاته من جديد وحاجتها إلى النار! فراحَ يجري مندفعا ملهوفاً يحملُ لمولاتِه ما طلبته من الجمر منذ عام. لكنه من فرطِ سرعته تعثرَ فهوى وتبدَّدَ الجمرُ على الأرض. فنهضَ من زَلتة ممتعضاً وهو ينفضُ الرماد عن ثيابه ويلعنُ العجلة ويقول: تَبَّا لسرعتي.. لولا العجلة لما ضاعتِ النار! وهكذا يا صديقي لولا عجلة الدنيا لما توقفت المجلة؟ ولا تأخَّرَتْ حسرتُك على غياب "الآداب".

هذه حضارة مربِكة وفترة مفصلية صعبة، لمن عاشوا وعانوا وتألموا مثلنا، فالعالم يتسابق بفائض من العجلة والقوة المفرطة.. والفنتازيا أيضا. والنزاع على المكاسب والأمتيازات قائم منذ الأزل، لينال كلٌ ما يفيض عن حصته للبقاء. لكن الماضي لم يخلُ من الحب والفرح والأمل، والحاضر مقلق ومعقد، والمستقبل إلى سؤال.

وما يجري بفعل النسبيَّة والتئام الطاقة والكتلة وسرعة النور؟ فلا يدركُ من كان في مثل بساطتي ما تمخضت عنه عبقرية أينشتاين، وكيف تكون معادلة الطاقة ومواكبة الكتلة وسرعة الضوء؟ أو هي "كارثة" نيوتن "المتعصب" ممن أمعنوا في "خراب" الكون.. في حساب الفعل وردة الفعل، وقدرة الكتلة في التسارع والعزم.

حمدا لله يا مهند أن أهلي وأهلك ماتوا قبل العولمة، فلم يدركوا المحمول والنانو وخصائص سرعة الحاسوب، فأبي على لسان محمود درويش؟ كانَ من أسرةِ المحراثْ لا من سادةٍ نُجُبِ – وجدّي كان فلاحاً بلا حَسَبٍ ولا نَسَبِ"، مات مغمورا فلم يذكروا شيئا في "كتاب البلدية" عن آدميته، ولا حتى عن مآثر محراثِه ونشاطِ ثوريه.

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء؟ هكذا تحولت المعرفة إلى داء، على حساب الحسن بن هانىء طيب الله مثواه، للتحري عما خفيَ من العلل والأمراض. وهكذا تحولنا بقسوة وتصميم إلى تقنين المياه وتعليب الطعام، واكتشاف ڤيروس نقص المناعة وترقق العظام والسرطان. ثم اختزال الزمن بطائراتٍ أعدت للسفر وليست للحرب، فبلغت سرعتها أعلى من الصوت بأضعاف. "وأليكسا" الآلة العمياء تأمرها فتستجيب بسرعة الخاطر لتفعل لك ما تشاء، بدلا من السير على الأقدام والدراجة الهوائية، ومن الحبر والورق والكتابة بريش الطّير والغزَّار، والحنين إلى ساعي البريد يطرق أبوابنا، يحمل إلينا حنين المسافرين بين يديه.

هذا زمن التوتر والقسوة ومتاهة المحمول والحاسوب. وفائض من الوقت يبدده كل واحد على هواه، في حكاية "الأمير الصغير رائعة دو سانت إكزوبيري"، وعطش الأمير رائد الفضاء الآتي من كوكب آخر؟ وكيف بدا لنا يتقصّى أحوال أهل الأرض هادئا مطمئن البال مرتاح الأعصاب، وهو يمشي الهوينى في الطريق إلى الغدير، ليشرب ويعود هادئا هانئا كما جاء! فتبا يا صديقي للانجازات والمعرفة العلمية في فكر الإنكليز وعبقرية الألمان.

كتبت نصا بهذا المعنى بعد غياب  جريدة "السفير" عنوانه: عندما يقتلك الحنين..؟ نشرتِ النص مواقع عديدة، ستجده "بفضل النت" والسرعة وعجلة العصر ونيوتن وأنشتاين، وعباس بن فرناس عالم الرياضيات والفلسفة والفلك والكيمياء، ممن اشتغلوا أيضاً بالموسيقى والضرب على آلة العود، نكاية فحسب بأوروبا والأميركان.

مهما يكن الأمر يا صديقي..؟ فهذا الكائن البشري المنكود، سيصحو عقله يوما ويندم على ما ارتكبت يداه، لينبذ التسلط والأذى، ويحطم بنفسه آلة السرعة وأدوات الحرب والموت. وهكذا تبدأ رحلة بناء الإنسان على أساس أسلم وأمتن. ولئن كانت النتيجة على خلاف ما نرجو أو نتكهن..؟ فتكون إرادة الباري عزَّ وجلّ هي السبب.

بالعودة إلى "الآداب" وصلب المقصود من موضوع المقال؟ فالدكتور سهيل إدريس أحسن الله إليه وطيَّب مثواه، وهو المؤسس الأول لمجلة - ودار الآدآب.. كان قد درس الشريعة وتخرَّج شيخا بعمامة ولحية وقفطان.

لكنه سرعان ما تخلى عن زيِّه الديني، لينصرف إلى الحيّ اللاتيني، ويتابع دراسته العليا بالقرب من "البانتيون وحديقة اللوكسنبورغ وجان فالجان"، وينال الدكتورا في الأدب العربي من السربون إحدى أعرق الجامعات. وفي هذا الحي ومن غرفة فندق تطل على "مقبرة العظماء" ظهرت حكايتي: "على كرسي لويس الرابع عشر".

هكذا استوعب الرجل الفكر الغربي عن طريق القراءة والترجمة والتفاعل مع المحيط، ليرفد جيلا كاملا بفيض من الثقافة والمعرفة المشهودة. وحسنا فعل عندما لجأ إلى الآداب والترجمة، وتخلى عن المشيخة والتبشير بالموت وعذاب القبر، ونأى بنا عن الرايات الحزينة الخفَّاقة فوق المساجد، لا ترتاح ولو يوما واحدا في العام.

ومجلة الآداب لم تتردد يوما، في نشر نتاج ألمع الكتاب والشعراء على مساحة "الوطن" العربي من المحيط إلى الخليج، ممن يثيرون الضحك بصوت يخدش الآذان وهم ينادون ذات يوم: بترول العرب للعرب..! أولئك المفكرون من الكتاب والشعراء، ممن واجهوا في بلدانهم الاضطهاد، والتعسف والتنكيل بفعل نواياهم وحسب.

لكن هذه الدار الثقافية العريقة توقفت للأسف، بعد مجالدة مستحيلة بفعل الخسائر المالية، الناتجة عن تراجع عدد مشتري الصحف الرافد المالي الوحيد، بالإضافة إلى حظرها من الدخول إلى كثير من بلدان الجوار، دون أن تترك فرصة التدخل لمن أبدوا رغبة بالمساعدة في التمويل، ممن أرادوها ربما فرصة مناسبة لمصالحهم.

"وخطـطنا في نــقى الرَّملِ * فلم تحفظِ الريحُ ولا الرملُ وعَى". هكذا توقفت "الآداب" عن الصدور حالها حال "السفير".. إحدى ضحايا فترة تحوّل العصر نحو متاهة  بلا حدود. وهكذا طوت برمشة عين في رأس السنة عهدا من النضال المجيد، فانتهى أمرها وأقفلت أبوابها ولتخبز بالأفراح في الأردن وسائر الديار العامرة.

فسماح إدريس تولى الإشراف على "مِحْرَدِ" الآداب، وقد رأيته مرة أو مرتين يظهر على إحدى وسائل الأعلام، وطلال سلمان أطفأ النور وأغلق أبواب "السفير"، وراح يناكد الزمن "ويتسكع مشرداً" "على الطريق".

ولو عدت معي إلى بهيَّة وبدايات السينما المصريّة، وكيف ضاع العمر يا ولدي في متاهة العمر الأخير، وشهدتَ ما شهدتُه في مراهقتي على الشاشات؟ وما سمعتُه من القارئة وسوء الطالع في الفنجان..؟

لسمعتني بفعل الحسرة على الماضي، أردد ما علق في ذاكرتي المنهَكة: "غنِّ وقولْ عالنّاي.. عيشة الغريب الزّاي.."!؟ من بقايا فيلم مغرق في القدم. شاهدته على أطراف الماضي البعيد، ولعله كان في عالم اليوم سخيفا لا يستحق الاهتمام؟ لكنه لا زال حيّاً في وعيِ عبر طيات الزمن، بفعل حاسات الجسد ونشاط الخيال والروح. لا سيما وأنت الناقد السينمائي وصاحب الخيال العلمي الخصيب. ولو أنني لا أتذكر تفاصيل الفيلم أو مراميه؟ إلاّ أنه يتحدث عن انتفاضة ورعشة الحب الأخير. ذكريات تدور في فلك الخيبة والمرارة وحزن القلب العميق.

دارة دوري فينا.. ضلي دوري فينا، تينسوا أساميهن.. وننسى أسامينا. لا علامة فارقة للوجع كالنقطة والفاصلة أنهي بها رسالتي إليك.. لكنها نقلة البيَّات البالغة في الرِّقة والشجن، لا تدانيها كل الفواصل والحدود.

ولا أدري والله يا صديقي، من أين تأتيني هذه الدموع المستنفَرة البغيَّة، لتنال مني وتقهرني..؟ غادرتْ كل القوافل، ولا زلتُ أنتظر"رحلة إبن فطومة" في محطة علم الغيب، نحو دار الأمان محطتي ومأواي الأخير.

 

إبراهيم يوسف - لبنان

......................

* في التعقيب على: لماذا اختفت "الآداب" المنشور.. في موقع السنابل

للأخ الصديق مهند النابلسي

"تعا تا نتخبّى من دربِ الأعمارْ

وإذا هنِّي كبروا ونحنا بقينا صغارْ

وسألونا وين كنتوا .. وليش ما كبرتوا أنتو .. منقلن نسينا

واللي نادى الناس .. تيكبروا الناس .. راح و نسي ينادينا"

https://www.youtube.com/watch?v=rTts79RsEBE

 

ليس غريبا ان تسمع ان فلانا عاقا لوالديه فذلك يندرج تحت بند عقوق الوالدين وتلك باتت ظاهرة وللاسف يعاني منها المجتمع، بل الاغرب ان تسمع ان ابا عاقا لاولاده وتلك كارثة لايحمد عقباها..

نعم هذه الحقيقة المرة التي اتت ا’كلها مؤخرا تحت اي نوع من المسميات، فقد تعدد العقوق واتخذ اشكالا مختلفة، فمن الاباء من يترك زوجته الحامل غير آبهٍ بالمولود البرئ الذي سياتي الى هذه الحياة ولايهمه ان كان ذكرا او انثى او ماذا سيكون اسمه..

ومن الاباء من يترك اطفاله الصغار ويهاجر الى بلاد العم سام حيث الخضرة والماء والوجه الحسن والخدمات غير مكترث ماذا سياكل الصغار!ماذا سيشربون!مالذي ستفعله زوجته بغيابه خصوصا ان كانت ربة بيت في ظل ظروف قاسية تعيش عبئا على اهلها الفقراء اصلا او من ذوي الدخل المحدود من الذين بالكاد يدبرون امرهم او بوجود زوجات اخوانها اللائي اعتدن العيش بطريقة ما، فتجد هذه الزوجة تحمل اعباءًا تنوء الجبال لحملها لالشئ سوى انها وجدت نفسها مسؤولة عن اطفال بلا معيل لاحول ولاقوة لهم، وبحكم تربيتها تستبسل هذه الام لتوفر لقمة العيش لصغارها مضحيّة بكل شئ راحتها، سعادتها، كرامتها تزاول اي مهنة خياطة، عاملة، طباخة، او انها تقوم بالطبخ حسب الطلب وفي احسن حالاتها اذاكانت موظفة فالامر اهون، فيما يلهو الاب ويلعب باحضان الطبيعة مؤسسا حياة اخرى بعيدا عن الضحايا الذين تركهم بلا ماوى دون ان يرف له جفن، واب اخر تجده قد انزل اطفاله الى سوق العمل ليبيعوا مختلف الاشياءاكياس نايلون(علاكة) مناديل ورقية في التقاطعات بين العجلات والشاحنات الكبيرة تحت وطأة الخطر والزجر والنهر ليحصلوا على قوت يومهم الذي سينتهي بعد عناء طويل بعد ان ياخذ الاب منهم المال بحجة انه مسؤول ويصرف على بيته وهو نائم في فراشه او جالس بكرسيه امام باب المنزل يطالع هذا وذاك او يقضي وقته باحد المقاهي منتظرا الصغار الذين منعهم من المدرسة ليعملوا بدله في ورشات الحدادة او النجارة اوبدفع العربات اواي نوع من الاعمال المضنية وقد دفع العديد من الاطفال حياتهم ثمن ذلك اما بالتغرير بهم اوخطفهم اوالمتاجرة باعضاءهم البشرية او الانجراف بطرق غير مشروعة، كل ذلك بسبب تخلي او عدم وعي ومسؤولية الاباء عن اداء مهامهم فهؤلاء هم بحق اباء عاقون..

 

مريم لطفي