يسري عبد الغنيفرجيل شاعر روماني شهير، نظم ذات مرة قصيدة موجهة إلى صديقه إسينيوس بوليو، تنبأ فيها بمولد طفل سيكون له شأن عظيم في إدخال عهد جديد من السلام والازدهار في ربوع العالم، ولما كانت تلك القصيدة قد نظمت قبل ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) بحوالي أربعين سنة، فإن المسيحيين الأوائل اعتبروا فرجيل رجلاً متنبئًا، لأنه تمكن من التنبؤ بميلاد السيد المسيح .

وقد زاد من هذه الشهرة أن والدة فرجيل وكانت تدعى ماجيا، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية ماجوس، ومعناها الساحر أو الساحرة، أما اليوم فلا يظن أحد أن فرجيل كان ساحرًا، إلا أن شهرته كواحد من أعظم شعراء أللاتينية قد زادت ونمت .

فرجيل الذي اعتبره الشاعر الايطالي / دانتي صاحب (الكوميديا الإلهية)، آخر عظماء الشعر الوثنيين، وقد اختاره دليلاً في كتابه (الجحيم والمطهر)، عندما قام بالرحلة التي تخيلها إلى العالم الآخر، وبالطبع لم يكن من الممكن اصطحاب فرجيل إلى الجنة لأنه لم يعمد أو لم يدخل الديانة المسيحية!!!.

ولد بابليوس فرجيليوس مارو، يوم 15 من أكتوبر عام 70 ق . م، وهي قرية صغيرة قريبة من مانتوا التي تقع في وادي نهر ألبو في شمال إيطاليا، كان والده مزارعًا بسيطًا، وقد عاش فرجيل في الريف الإيطالي حتى الثانية عشرة من عمره، فنشأ شديد الحب للريف، وقد ظهر أثر ذلك جليًا فيما بعد في الكثير من أشعاره التي تغنى فيها بجمال المناظر الريفية .

وبدأ فرجيل دراسته في كريمونا، وعندما بلغ سن السادسة عشرة أرسل إلى ميلانو، فمكث بها عامًا ثم انتقل إلى روما، حيث التحق بإحدى مدارس أدب اللغة، وبجوار ذلك درس الطب والفلك، كما أنه حاول أن يعمل في مهنة المحاماة، ولكن من الواضح أن هذه المهنة لم تكن تناسب طبيعته التي كانت تتميز بالخجل وغرابة الأطوار، والواقع أنه لم يظهر في المحكمة سوى مرة واحدة، ويبدو أنه خسر القضية التي كان يترافع فيها، فكان ذلك سببًا في أنه غير خططه وعاد إلى مسقط رأسه شاعرًا بالخيبة والمرارة .

لم تكن حالة شاعرنا الصحية تتحمل الإرهاق، ولهذا نجد أنه لم يشترك في الحياة العامة، سواء كجندي أو كسياسي، ومع ذلك فإن الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين أغسطس و بروتس، على أثر مقتل يوليوس قيصر، كانت سببًا في إلحاق الأذى به، ذلك أن أغسطس أراد أن يكافئ  جنوده المخلصين، فأمر بمصادرة بعض الأراضي في منطقتي كريمونا و مانتوا ووزعها عليهم، وكانت مزرعة فرجيل من بينها، فصودرت ظلمًا وعدوانًا وطرد هو وأسرته منها، وعلى ذلك اتجه مرة ثانية إلى روما، ولكنه في هذه المرة كان أسعد حظًا من سابقتها .

كانت العاصمة روما تمر بفترة سلام وازدهار، وكان الإمبراطور أغسطس، تدليلاً منه على إحلال السلام، قد أمر بإغلاق أبواب معبد جانوس، التي لم تكن تفتح إلا في حالة الحرب، كما أن النمو التجاري قد أضفى على المدينة المزيد من الثراء، فازدهرت الآداب والعلوم والفنون، وأقيمت أقواس النصر، وشقت القنوات، وشيدت المسارح التي لا يزال الكثير منها باقيًا إلى يومنا هذا .

وكان مايكناس، أحد نبلاء الرومان في ذلك الوقت، مشهورًا برعاية الشعراء والفنانين، ومن بينهم هوراس الشاعر الروماني الأشهر، وقد أصبح مايكناس وأغسطس راعيين لفرجيل، ومنذ ذلك الوقت أخذ فرجيل يقسم وقته بين روما ونابولي، وأصبح شاعر العهد الجديد الذي كان الإمبراطور / أغسطس قد شرع في إقامته .

لقد كان فرجيل يستلهم أشعاره بصفة خاصة من الريف، وكانت باكورة أعماله ديوانه عن الزراعة، ومجموعة أشعاره الرعوية، وفيها يصف الحياة الآمنة في الريف، كما يصف مختلف أنواع الزراعة، وقد نظم تلك القصائد بناءًا على اقتراح أغسطس، الذي كان يرغب في تنمية حب الريف في قلوب الرومان، الذين جعلهم الثراء يحتقرون أعمال الفلاحة الشاقة، وقد استغرق فرجيل في نظم هذه الأشعار وتنقيحها قرابة سبع سنوات، فقد كان يقرض الشعر بتؤدة، فيكتب أبيات في الصباح، ويقضي باقي اليوم في صقلها وتصحيحها وتجويدها .

وقد أمضى فرجيل السنوات العشرة الأخيرة من حياته في تأليف أشهر أعماله وهي (الإنياذة)، التي حيى فيها تاريخ الرومان وعظمتهم، من خلال أسطورة آينياس القائد الطروادي، الذي يقال أنه كان مؤسس الشعب الروماني أو الجد الأكبر للرومان، وقد أصبحت الإنياذة مصدر جميع المعارف للشعب الروماني، بل يعتبرها البعض من كتب التنبؤات، وقد كان الرومان يعتقدون أن الصفحة التي يفتح عندها الكتاب بطريقة عشوائية أو عن طريق المصادفة، تشتمل على النبأ المرتقب، والنصيحة المنشودة .

حل المرض بفرجيل، كان ذلك خلال رحلة يقوم بها للشرق، كان يأمل من خلالها أن يتم ملحمة الإنياذة، وفي أثناء رحلة العودة اشتد عليه المرض، وما أن وصل إلى برنديزي، التي كانت لا تزال ميناء إيطاليا الرئيسية لليونان، حتى شعر بدنو أجله، وكان يحمل معه مخطوطات الإنياذة التي كانت لا تزال في حاجة للمراجعة والتصحيح والصقل .

وقد آثر الشاعر فرجيل ألا تنشر إحدى مؤلفاته بالحالة التي كان يعتبرها غير كاملة، فأوصى بأن تحرق الإنياذة بعد وفاته .

كانت وفاة فرجيل في العشرين من شهر سبتمبر عام 19 ق . م بالقرب من نابولي على طريق أصبح اليوم مغمورًا بمياه البحر، وقد أمر الإمبراطور /  أغسطس بعدم تنفيذ وصية الشاعر فرجيل، والتي طالب فيها بحرق الإنياذة، وبذلك احتفظ لنا بإحدى روائع الشعر في جميع العصور .

وعلى قبر فرجيل توجد بعض أبيات من الشعر يقال أن فرجيل نفسه هو الذي كتبها، وضمنها ملخصًا لتاريخ حياته وأعماله: " لقد ولدت في مانتوا، ومت في كالابريا، والآن تحتضني نابولي "، ويقول أيضًا: " لقد قلت الشعر في الرعاة، وفي الزراعة، وفي الأبطال " .

وتحتفظ المتاحف الإيطالية بمجموعة رسومات معبرة، نجد فيها فرجيل وهو يقرأ على مايكيناس بعض الأشعار الرعوية، ونرى أيضًا الإمبراطور / أغسطس يحول بأوامره دون حرق مخطوطات الإنياذة مخالفًا بذلك وصية فرجيل .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ضياء نافعمجلة (روسكايا  ليتيراتورا) (الادب الروسي) الروسية تصدر منذ عام 1958 ولحد الان، اي ان عمرها في هذا العام (2020) قد بلغ (62) سنة باكملها، ولم تتوقف طوال هذه الفترة عن الصدور، وهي واحدة من المجلات المعتمدة علميا في مجال الادب الروسي وتاريخه . يصدر المجلة معهد الادب الروسي في بطرسبورغ (والذي يسمى ايضا بيت بوشكين) التابع لاكاديمية العلوم الروسية، وهذا ما يميّزها عن المجلات الادبية الاخرى، التي تصدر في روسيا، اذ انها المجلة الوحيدة ذات الصفتين – الصفة الاكاديمية الصرفة باعتبارها لسان حال معهد الادب الروسي في اكاديمية العلوم الروسية، وثانيا - الصفة الجماهيرية الواسعة الانتشار بين القراء في آن واحد.

المجلة فصلية، اي تصدر اربع مرات في السنة، ولهذا فانها (لا تلهث!) وراء الاحداث السريعة في الحياة الثقافية مثل المجلات الادبية الشهرية، وهي صفة واضحة المعالم على صفحاتها، صفة جعلتها مجلة اكاديمية متأنية جدا وبكل معنى الكلمة، رغم انها تواظب على (التزاحم) مع المجلات الادبية الروسية الاخرى اربع مرّات سنويا، وهي سمة تفتقدها المجلات الاكاديمية عادة، التي غالبا ما تكون محصورة باوساط المتخصصين ليس الا، اذ ان هذه المجلات لا تصدر بشكل فصلي، وانما تكون سنوية في الغالب او نصف سنوية في احسن الاحوال، وهي مجلات (شبه محنّطة) كما يسميها البعض، ورغم ان هذه التسمية – من وجهة نظرنا - متطرفة جدا وغير موضوعية جدا و قاسية و حتى لئيمة الى حد ما، الا ان تلك المجلات فعلا لا تمتلك جمهورها الواسع من القراء واقعيا، وانما تستخدم لاغراض الترقيات العلمية بالاساس للعاملين في الاوساط الاكاديمية، ولا تتعدى حدود تلك المؤسسات واللجان المختصة بتلك الترقيات في هذه المؤسسات . وباختصار، فان مجلة (الادب الروسي) تتضمن فعلا السمتين (وكما أشرنا اعلاه)، السمة الاكاديمية البحتة، والسمة الآخرى الخاصة بالمجلات التي ينتظرها القراء للتمتع بها والاستفادة منها، وليس من باب الصدفة ابدا، ان هذه المجلة تتفاخر باشتراك جامعات ومكتبات عامة بها من(34) بلدا في العالم خارج روسيا، حيث توجد في جامعاتها اقسام علمية خاصة بدراسة  الادب الروسي ومتابعته، وعدد الاشتراكات هذه يستحق الفخر والاعتزاز  فعلا .

تتناول المجلة كل مراحل الادب الروسي قاطبة بالدراسة والتحليل ابتداء من تراثه الشفاهي وعبر الادب الروسي القديم وصولا الى القرن الثامن عشر، ثم تألق هذا الادب ونضوجه في القرن التاسع عشر وحتى يومنا الحالي في القرن الحادي والعشرين، اي انها مجلة شاملة  لدراسة الادب الروسي باكمله، ويذكرني نهج هذه المجلة ببرنامج دراستنا للادب الروسي في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، اذ اننا درسنا ايضا الادب الروسي الشفاهي (الفلكلور) اولا، ثم الادب الروسي القديم وصولا الى ادب القرن الثامن عشر، ثم تتوقف المناهج بتفصيل اكثر عند دراسة ادب القرن التاسع عشر، الذي يقسم الى قسمين، يدرس القسم الاول ادباء النصف الاول من القرن، ويتناول القسم الثاني ادباء النصف الثاني، ثم ادب القرن العشرين والذي يقسم ايضا الى قبل ثورة اكتوبر وبعدها، ولازال هذا النهج الاكاديمي العلمي سائدا رغم كل التغيّرات الجذرية المعروفة التي حدثت في مسيرة روسيا .

  أصدر معهد الادب الروسي في اكاديمية العلوم الروسية اليكترونيا كل اعداد هذه المجلة منذ صدورها عام 1958 ولحد عام 2017، وهو عمل علمي هائل يعزز عملية البحث العلمي في مجال الادب الروسي وتاريخه الطويل، ويجعل هذه الاعداد بمتناول الجميع، وقد اطلعت عليه وادهشني فعلا، وكم كنت اتمنى – وانا أقرأ محتويات تلك المجلة الغنيّة ببحوثها الشاملة العميقة – ان أجد يوما اعمالا مماثلة لاصداراتنا ومجلاتنا، اذ ان كل المحاولات التي لدينا لحد الان في هذا المجال مبتورة او مشوشة، لانها محاولات فردية بشكل او بآخر، ولم تخضع لضوابط صارمة ودقيقة من قبل مؤسسات علمية رصينة، والحديث عن ضياع تراثنا الفكري وجهود المؤلفين العراقيين الذين ساهموا في تلك المجلات يثير الشجون طبعا .

اختتم مقالتي عن مجلة الادب الروسي بالاشارة، الى ان المجلة طوال هذا الستين سنة واكثر من مسيرتها كانت برئاسة تحرير اربع اشخاص فقط لا غير، وكل رؤساء التحرير هؤلاء كانوا من العلماء المتميّزين في مجال اختصاصهم، وهو علم اللغة الروسية وآدابها (الفيلولوجيا الروسية)، وهم من الحاصلين طبعا على اعلى الشهادات العلمية في اختصاصهم واعضاء في اكاديمية العلوم الروسية، وكانت هناك دائما في هيئة التحرير مجموعة واسعة من الباحثين الموهوبين المتخصصين، الذين يحملون ايضا شهادات علمية رفيعة، ويعملون في مجال تخصصهم العلمي الدقيق حصرا .  

تحية اعجاب واحترام وتقدير لمجلة روسكايا ليتيراتورا (الادب الروسي) وهيئة تحريرها ولمعهد الادب الروسي (بيت بوشكين) في اكاديمية العلوم الروسية، الذي يصدرها منذ عام  1958 ولحد الان.

 

أ.د. ضياء نافع

 

يسري عبد الغني"إن غاية طموحي كان في إخراج الفلسفة من الخزائن والمكتبات، والمدارس والكليات، حتى تغشى المنتديات والأندية، ومناضد الشاي، وتتسرب إلى المقاهي"

(أديسون)

عن حرية الكتابة والصحافة:

نالت إنجلترا في عام 1695 م حرية الصحافة والنشر، ولم تصحب ذلك الحدث إثارة كبيرة، بل إن أحدًا لم يبلغ به السرور لذلك مبلغًا كبيرًا آنذاك، لكنه حدث في وقت مبكر جدًا، قبل أن يتم في معظم دول أوربا .

ففي عام 1663 م، بعد أن استعاد شارل الثاني عرش إنجلترا بثلاث سنوات، أقر البرلمان الإنجليزي ما أطلق عليه اسم (مرسوم الرخص)، الذي يقضي بأن يتم إصدار ترخيص رسمي من إدارة النشر في لندن، قبل إمكان طبع أي عمل مكتوب، وهذا في حالة ما إذا كان يتضمن نقدًا موجهًا للحكومة، ويتولى ضابط خاص اسمه (رقيب الطباعة)، العمل على إيقاف كل المطبوعات غير القانونية، أو التي لم تنل ترخيصًا، ووفقًا للسلطة المخولة له يمكن أن يأمر بتدمير المطابع التي أصدرتها .

وكان يتم تجديد مرسوم الرخص هذا من آن لآخر عن طريق البرلمان الإنجليزي، وفي كل مناسبة تحدد فترة من الوقت يسري فيها مفعوله، لكن البرلمان لم يجدده عام 1695 م، ولم يكن ذلك لأن الأعضاء يؤمنون بوجوب حرية الصحافة والنشر، ولكن لأن الرقباء كانوا يزاولون عملهم بسوء بالغ وجهل مطبق، ويتخذون من أنفسهم أضحوكة، لذلك لم يعد من اللازم استخراج ترخيص للكتب، وأصبح في الإمكان طبع أي شيء .

ولكن ثغرة ما كانت هناك، وثغرة كبيرة، فبالرغم من أن الحكومة لم تعد رقيبًا على الكتب، إلا أنها تستطيع أن تقاضي المؤلفين لكتابتهم قذفًا مثيرًا للقلاقل ومهددًا للأمن العام، ويكاد كل ما يوجه للحكومة من نقض أن يعتبر قذفًا مثيرًا للقلاقل، ومن ثم يمكن للمرء أن يظن بأن النشر ظل مقيدًا كما كان من قبل، لكن الأمر كذلك، فقضايا القذف في ساحات المحاكم الإنجليزية، كانت كثيرًا ما تزيد من ذيوع أو شهرة النقاط أو الموضوعات التي يعتمد عليها الكاتب الناقد في نقده، أكثر مما لو أهمل الأمر، لذلك فإن الحكومة لم تكن تلجأ إلى القضاء إلا كل  حين .

ونتج عن ذلك أن سيلاً متدفقًا من الكتيبات السياسية انهال بعد عام 1695 م، وكانت العامة تتلقفها بلهفة بالغة وتطالعها باهتمام كبير، لكن هذه الكتيبات ما كانت لتستهوي المرء قراءتها اليوم، لولا أن العديد منها في الواقع كان بقلم رجلين على جانب من العبقرية الأدبية، هما: جونا ثان سويفت، دانييل ديفو .

جوناثان سويفت صاحب (رحلات جليفر):

ولد سويفت في مدينة دبلن الأيرلندية سنة 1667 م، فتلقى العلم في مدرسة كيلكيني، وفي ترينيتي كولدج (كلية الثالوث) في دبلن، ولم يحصل على الشهادة إلا بصعوبة بالغة، فقد نشبت يبنه وبين إدارة الكلية مشاجرات عديدة، وفي عام 1689 م، جاء إلى إنجلترا ليحاول الحصول على وظيفة في الكنيسة، لكنه وجد ذلك من الصعوبة بمكان.

ولقد قضى سويفت معظم حياته إما في مدينة دبلن، وإما على مقربة من العاصمة الإنجليزية لندن، وفي عام 1713 م، أصبح الكاهن المسئول عن كاثدرائية القديس / باتريك في دبلن، ولقى حتفه في لندن سنة 1745 م، بعد مرض طويل ترك أثره على عقله .

وسويفت واحد من أعظم من كتب نثرًا باللغة الإنجليزية على الإطلاق، فجمله بسيطة سلسة مركزة، لكن قوتها هائلة، وهي أحسن ما تكون عندما يهاجم شيئًا ما، أو إنسانًا ما، الأمر الذي اعتاده، وكان سويفت مشمئزًا من الجنس البشري كله، وبالرغم من أن في مقدوره أن يكون مخلصًا كل الإخلاص لأصدقائه، وكان شأنه شأن دانييل ديفو أو ديفيو في استخدام سلاح السخرية غالبًا في كتابته، أي أنه بدلاً من أنه يعبر عما يريده مباشرة، يبدي عكسه، ولكن بأسلوب يبدو مضحكًا .

وفي كتاب سويفت (رحلات جليفر) الذي نعرفه منذ نعومة أظفارنا، ثمة مثل على ذلك، حيث يصف سويفت على لسان جليفر، المقيم في أرض تقطنها خيل على جانب من الذكاء، يصف بفخر الوسائل الرائعة التي اخترعها الإنسان للقتال في الحروب، ولقتل أقرانه، والنتيجة بالنسبة للقارئ أنه يجعل الحرب تبدو رهيبة، كما يبدو الإنسان دنيئًا خسيسًا لاشتراكه فيها، وإليك مثلاً آخر موجودًا في كتيب اسمه " اقتراح متواضع لمنع أطفال الفقراء من أن يكونوا عبئًا على آبائهم وعلى البلاد !!": "لقد أكد لي أمريكي بالغ العلم من معارفي في لندن، أن الطفل الصغير المعافى المنشأ تنشئة حسنة، يصبح عند بلوغه السنة الأولى من عمره طعامًا شهيًا، وغذاءً صحيًا كاملاً، سواء أكان مسبكًا، أو مشويًا، أو مطهوًا، أو مسلوقًا، ولا ريب لدينا أنه يصلح كذلك لتقديمه مفرومًا، أو محمرًا، أو يخني متبلاً .. وأنا أسلم جدلاً بأن هذا الغذاء سيكون نادرًا إلى حد ما، ولذلك فهو صالح لأصحاب الأراضي الذين ـ كما التهموا من قبل معظم الآباء ـ لا بد أن يكون لهم نفس الوصف بالنسبة للأطفال".

وينمي سويفت هذا الأسلوب بمهارة وحرفية شديدة، ولا بد أنها كانت ضربة قاسمة لبعض الأنانيين الجشعين المستغلين من أغنياء تلك الأيام .

دانييل ديفو صاحب (روبنسون كروزو):

أما دانييل ديفو المولود عام 1660 م، فكان ابنًا لصانع شمع من دهون الحيوان، اسمه / جيمس فو، لكن دانييل آمن بأن وقع اسمه سيكون أفضل لو وضع أمامه " دي "، التي تدل على الارستقراطية، وتزوج دانييل وكانت له أسرة كبيرة وهو فقير لا دخل له، وعليه فقد حاول إعالة أسرته عن طريق الكتابة، ولقد واصل الكتابة في شتى الموضوعات الغريبة، لكنه كان يملك الموهبة الرائعة، التي تمكنه من إحساس القارئ عندما يصف له شيئًا ما، بأنه كان هناك يشاهد المنظر.

وقد كتب ديفو مثلاً "يوميات عن عام الطاعون"، أعلن فيها أنه وصف لشاهد عيان من لندن عام 1665 م، ويكاد يستحيل على المرء أن يصدق، وهو يقرأ هذا الكتاب أن مؤلفه لم يشهد الكوارث التي وصفها وصفًا واقعيًا حيًا، لكن ديفو كان في الخامسة من سني عمره فحسب، في عام الطاعون !! .

واستخدم ديفو السخرية مثل سويفت، لكنه كان يستخدمها أكثر منه، ففي عام 1702 م، كتب كتيبًا سماه "أقصر السبل مع المنشقين على الكنيسة"، نصح فيه بشنق كل من لم يشترك في كنيسة إنجلترا، أو يتم إيداعه السجن على الفور! .

ولقد كان في الواقع يستخدم أسلوب المحاكاة الساخرة لغلاة المؤلفين، التي كانت أراؤهم شديدة القرب من تلك، لكن معظم قراءه الذين أحبوه أخذوه على محمل الجد، ولما اكتشفوا أن الأمر كله خدعة، حكموا عليه بالوقوف في الشهرة (آلة خشبية يتم فيها إدخال يد المجرم ورأسه للتشهير به وسط الناس)، وكان يحسب أن أهالي لندن سيعاملونه بالطريقة المعتادة، ويرشقونه بالبيض الفاسد، لكنهم كانوا كرماء فرشقوه بالزهور !! .

من المقهى يعلن العصر الكلاسيكي:

كان ديفو وسويفت أعظم صحفيين في عصرهما، ولقد ازداد اليوم شهرة لكونهما مؤلفين أول روايتين إنجليزيتين عظيمتين (روبنسون كروزو)، و(رحلات جليفر)، وقراءة هاتين الروايتين فيهما من المتعة ما كان لهما منذ أكثر من 290 عامًا، وكان الإنجاز الرئيسي لديفو وسويفت هو كتابة النثر الإنجليزي واضحًا مباشرًا، يمكن لأعضاء الطبقة المتوسطة تفهمه بسهولة ويسر، ففي القرن التاسع عشر، كان النثر الإنجليزي بلغة المثقفين الأكثر تقعرًا، مليئًا بالاقتباسات التقليدية من التراث، وباللمحات العلمية والفلسفية الصعبة، ويرجع الفضل في الأسلوب الجديد السهل في الكتابة، أكثر ما يرجع، إلى أثر المقاهي التي ازدهرت خلال حكم الملكة آن، حيث نقرأ أن هذه المقاهي في نهاية القرن السابع عشر كانت تعد مراكز مألوفة للحوار السياسي والفكري والأدبي، وكانت الصحف والكتيبات توزع هناك، أو تعلق ليقرأها الجميع .

هذا، ولقد توطدت هذه المقاييس الأدبية الجديدة البسيطة في أواخر القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر في المقاهي، لتغطي ما يعرف باسم العصر الأغسطي في الأدب الإنجليزي، وهو يسمى أيضًا (العصر الكلاسيكي)، أو (عصر المنطق)، لأن العقيدة سادت بأنه لا بد لكل كتابة، شعرًا كانت أو نثرًا، أن تحذو حذو ما كان للكتاب اللاتين القدماء من أسلوب سلس سهل، وكانت كل هذه الأفكار تناقش في المقاهي التي هي بمثابة منتديات ثقافية للجميع .

وكان الشاعر الكبير، والمسرحي، والناقد / جون درا يدين (1631 م ـ 1700 م) أبًا للمقاهي الأدبية، فربما أمضى أمسياته في (مقهى ويل)، يبث أفكاره عن الأدب لشبان مثل (أديسون) و (ستيل)، الذين قدر لهما أخيرًا نشر المعرفة في مجلات مثل: (سبكتاتور) و(تاتلر)، وقد روي عن إديسون قوله: " إن غاية طموحي كان في إخراج الفلسفة من الخزائن والمكتبات، والمدارس والكليات، حتى تغشى المنتديات والأندية، ومناضد الشاي، وتتسرب إلى المقاهي " .

وبموت درا يدين عام 1700 م، احتل أديسون منصب الحكم في التذوق الأدبي في مقهى ويل أولاً، وأخيرًا في مقهى باتون .

كان أدب ذلك العصر محببًا بهيجًا، وقد كانت الطبقات العليا والوسطى قانعة بالحياة، وغاية آمالها أن تصبح الحياة أكثر راحة .

وخلال حكم كل من الملكين: جورج الأول، وجورج الثاني، كان رجال الأدب والفكر والثقافة على جانب من السلطة والقوة كبيرين في المحيطين السياسي والاجتماعي، فالسياسيون القديرون، مثل: جودولفين، وهارلي، بولينجبروك، يستخدمون الكتاب لعرض الحجج السياسية على الجماهير، ولقد استخدم كل من ديفو وسويفت في هذا السبيل .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني 

 

كانت اللقيا اشبه بالكنز المطمور أو كما سُمّيت الاندلس "الفردوس المفقود" بعد الهزيمة،وتسليم مفاتيح الفردوس الى ملكة وملك اسبانيا والكنز مخطط مدينة سامراء وقصر العامّة أو الخلافة في سُر من رأى التي تعد قصور الاندلس وعمرانها، نسخة أو صورة ثانية من قصور سامراء والمتوكلية المطلّة على مسافة 30 كيلومتراً على ساحل دجلة شمالي بغداد، بناها المتوكل هرباً من المؤمرات التي كانت تحاك ضد الخلافة أو خلافته في بغداد.

لا نعلم لما يدعوننا للبكاء على الاندلس، ولايدعونا للبكاء على نسختها الأصلية في سامراء! وعندما نقارن بين قصور وحدائق وأسواق وجوامع ومكتبات الاندلس، نجدها عامرة، تؤشر لهويتها العربية والإسلامية من بعيد، ويؤمها ملايين السواح من مختلف دول العالم،ويقفوا مبهورين لجمال وعمارة الحضارة العربية والإسلامية في الاندلس أو "الفردوس المفقود" وهذه تسمية مجازية مضللة، لأنها موجودة وشاخصة ومزدهرة، ومن اكثر المناطق السياحية في العالم استقطاباً للسياح .

أمّا نسختها الأصلية في سامراء، فهي حقاً تدعو للرثاء والبكاء، لتحولها الى انقاض وخرائب ممتدة على طول 30 كليومتراً على شواطىء دجلة، فيها مدينة الخلافة وفيها قصر الحكم أو الخلافة، ويسمى قصر العامّة ومدينة الى جانبها، يشقها شارع وأسواق والدكاكين والصناعات الحرفية، وكلّ ما تحتاجه الاسواق العامرة بالبضائع والنشاطات المالية والتجارية، وبعد توسع المدينة الجديدة، بُنيت الى الشمال منها مدينة ثانية، سمّيت بأسم مؤسسها "المتوكلية"، تصفها مصادر التاريخ كالتالي : « كان يمتد في وسط المدينة من الشمال الى الجنوب شارع عظيم " شارع السريجة" وعلى امتداد هذا الشارع مواضع الرطابين .. فيها طرق متشعبة فيها الغرف والحوانيت للرقيق، ثم مجلس الشرطة والحبس، ومنازل الناس والأسواق وسائر البياعات والصناعات" .

: ويصفها البحتري لجمالها ونورها

أرى المتوكلية وقد تعالت

محاسنها واكملت التماما

قصور كالكواكب لامعات

يكدن يضئن للساري الظلاما

وتعد مساحة دار العامة من المعجزات المعمارية، حيثُ يصل والمدينة الى نحو مليون متر مربع،وتشير التنقيبات الى إن القصر بُني على هضبة ارتفاعها 17 متراً عن مستوى السهل،وواجهة القصر مطلة على دجلة، ما يذكّرنا بقصر الزهراء في الاندلس الذي بُني هو الآخر على مساحة شاسعة خضراء ورابية ترتفع على مستوى السهول الخضراء المحيطه به، وتوجد تفاصيل وافية عن العمران بهذه المدينة من ضمنها مساحات الشوارع طولاً وعرضاً الى الابعاد القياسية لجدران القصور والأسواق والمكتبات وقاعات الاحتفالات، ومراكز الحكم وسواها، بحيث يمكن عمل مخططات كاملة عن المدينة والعمران فيها، إضافة الى مساحتها الحقيقية، خاصة بعد توسعها، وبدء بناء المتوكلية الى جانب قصر الحكم أو قصر العامّة كما يطلق عليه، قبل أن تهمل المتوكلية، ويعود مركز الخلافة من سامراء الى بغداد مجدداً

هذا العمران يمثلُ قمة ما وصلت أليه العمارة المدنية العربية والإسلامية أيام المتوكل، ومن قبله أبوجعفر المنصور الذي بنى بغداد وجعلها عاصمة للخلافة،وتدرّس العمارة والاركولوجيا العربية اليوم في معهديّ غرناطة ومدريد في اسبانيا باللغة العربية الى الآن، وتشير أو تؤكد الوقائع سرقة بريطانيا إبان احتلالها للعراق حتى الآجر الذي بُني فيه مدخل بيت العامّة وهو عباره عن ثلاثة أبواب  اثنان جانبيتان ووسطى أكبر حجماً منهما.

كانت البعثة البريطانية أول بعثة اجنبية تبدأ باستكشاف الموقع العام 1921 في سامراء، تلتها بعام بعثة المانية، وقد يكون من حسن دوافع السرقات الآثارية مفيدة احيانا، خاصة في بلدان تكثر فيها الاضطرابات السياسية كالعراق، منذ ما قبل الخلافة العباسية الى الآن، وتحفظ في دول اكثر استقراراً كبريطانيا والمانيا، وهذا لا يعني التنازل عنها، فبامكان العراق المطالبة باسترجاعها متى شاء، باعتبارها جزءا من تاريخة وحضاراته القديمة .

مثل هذه الدعوات للبكاء على الفردوس المفقود «الاندلس» باطلة لآن الفردوس الأصلي بسامراء عبارة عن اطلالٍ وخرائب، لا يلتفت اليها احد عدا بعثات التنقيب الاجنبية، ولم يدر بخلد احد من الحكّام أن يعيد بناء المتوكلية في سامراء وقصورها وحدائقها وأسواقها ومكتباتها، لتكون شاهداً على ما وصلت ألية العمارة العربية والاسلامية كالاندلس الآن التي يؤمها ملايين السياح سنوياً من محتلف دول العالم.

 فأيهما نبكي؟ الاندلس المزدهرة أم اطلال وخرائب سامراء أو سُر من رأى أو الفردوس الأصل الذي بُنيت الاندلس على صورته ؟أننا مولعون بالبكاء على الاطلال منذ العصر الجاهلي،والمعلّقات التي تبدأ بالبكاء على الاطلال بدلاً عن إعادة بنائها، كشواخصٍ تاريخية عن حضارة أو حضارات ممتدة في ازمان سحيقة، تستحق التوقف عندها وتأملها بفرح وتباهٍ، لأنها تدل على ماض عريق، يستحق ان يفخر به أي عربي، لا أن يبكي على اطلاله وخرائبه، كما نفعل اليوم، كلما مرّ ذكر الاندلس والحضارة الاندلسية التي بناها العرب والمسلمون، وشكّلت الأساس المتين للحضارة الاسبانية بشكلٍ خاص، والاوروبية عموماً .

وما زالت الاندلس حاضرة تبعث البهجة في قلوب السكان والسياح، إمّا سُر من رأى فأنها تبعث على الحزن والحسرة لما لحقها من خرابٍ، دون ان تمتد أليها يد العناية، لتعيد لها رونقها وحدائقها وقصورها ومكتباتها وأسواقها كالاندلس الآن التي تعد من اكثر مدن العالم جذباً للسياح من مختلف دول العالم، ومن المفيد ان نقرأ ما قاله احد المنقبين عن سامراء والمتوكلية وتعليقه على الموقع وخرائبه بالقول : " إنّ الأسباب الدفينة التي حملتني على التأثر الى هذا الحد بآثار سامراء ومبانيها، هي تلك السنوات القليلة التي قضيتها بين اطلالها ساعياً في الكشف عن تلك الكنوز الثمينة لتلك المباني الخالدة، ورسم مخططاتها، فكان اعجابي بها وتفهمي لها يزداد كلما زاد ترددي عليها.. ففي كل مرة كنت اكتشف فيها جمالاً مدهشاً، وعظمة عالية "،ويعقب بصدق على ما رأه من سرقات وتخريب طال هذه الآثار القيمة والتاريخية الخالدة : " قاتل الله الجهل والايدي الاثيمة التي امتدت الى هذه الكنوز وحرمتنا بل حرمت العالم من التمتع بها والابتهاج بمنظرها"

 وهذه الحضارة بطبيعة الحال غير خاصة بالعرب، فقد ساهم فيها المسلمون شرقاً وغرباً،وتعد جزءاً من تاريخهم وحضارتهم التي يحق لهم ان يفخروا بها على الدوام،لا أن يبكوا على خرائبها بعد أن اهملوها منذ ذلك الحين الى الآن،

ولكن هل إن أسم عصر "الانوار" الاوروبي اخذ اسمه من قصيدة البحتري الشهيرة عن المتوكلية أو سُر من رأى أو من الحضارة الاندلسية  التي دائماً ما تقرن بالأقمار والأنوار  في الاشعار والمرويات، والأخيرة منها شفاهية ومنها مدونة .. لا نعلم؟! ولكن احياء التاريخ الحضاري والعمراني بعيد ومنزه عن السياسة والمذهبية أو الطائفية، أو حتى التعصب،لانهُ تاريخ مشترك لجميع العرب والمسلمين .

 

قيس العذاري

 

 

 

إلى طارق أبوفراس

أحن ليومٍ أجدني فيه لأجدنا في نصٍ فارغٍ أو نقطةٍ بنهاية السطر، ولكن الكتابة، لها السخط يا طارق، هي كالمرآة اللولبية أو كسرابٍ أجده بجادة معشور–الأهواز في طريقي إليك، هكذا الكتابة، تبتعد كلّما اقتربنا منها، وتقترب كلما ابتعدنا عنها، فهل شبعنا من الكتابة أو كتبنا حد الاشباع من فرط الكسل؟ فهل تحن مثلي؟

يقولون لي كأني أتسابق مع الموت، فهل دخلت سباق الموت مثلي؟ لا شك أنني كنتُ في سباقٍ مع الموت شتائين وصيفين في مضمار الرصاص والشاحنات والمرتفعات يا صديقي، فهل يوجعك الموت –كما أوجعني– لأني قد قُتلتُ قبل الآن، قُتلتُ فنجوتُ من الموتِ ولم أنجُ من الحياة، فالحياة تتشبث بي بمخالبها ومعاولها وأنيابها، كأنها لاتريد لي الذهاب ولا تريد لنصّي أن ينتهي، ولقد رأيت الموت موجعًا فانتقمت منه بالكتابة للوصول إلى التجرّد، فقيل: لمَ تكتُب؟ قلتُ: لأني سأموت! ولكن الكتابة لبست قناع جلادٍ يجلدني بغية التجلد للوصول إلى التجرّد، فهو النقي ابن النقي! فهل تحب النقاء؟!

لطالما قلتَ أن للأهواز وجهان، وجهٌ في أبوحميضة وآخرٌ في استراليا، ولكن الغياب أو الفراق أو المسافات تحول بينهما، ابتكر تعبيرًا لهذا، واصنع لغتك بنفسك، وتمدد على رمال استراليا في أبوحميضة أو في بحر معشور ليكون المجاز أقرب مما هو عليه. لا أتذكر يومًا تحدثت فيه عن "فراس" كما لم ألتقي بـ"فراسٍ" لأحدثه عنك، ولكنك تبدأ بالحديث اذا سُئِلتَ ووجدت لشرح الحكاية الحزينة سبيلا، الحكاية التي تحول بين وجهي أبوحميضة، لكن هل نسيت أنك تخدر الوجع بالوجع وتقول في النهاية: "سيكبر وسألقاه"، ألم تقل؟! 

لو كان فراس في الكورة بدل أستراليا أو كانت الكورة بلدةً في استراليا لا تعرف الدبابات ولا العصف والقصف والدوشيكا ولا الحصار والدمار، ولا تعرف الجهل المقدسِ والعلمِ المدنّس واغتيال القلوب، المهم أن تكون في أستراليا وأن لا تعرف معنى الرصاص ولا صرخة أم القتيلِ ظلمًا، المهم أن لا يسمع فراس بكل هذا، لجلست معه على "جسر المقاومة" في مدخل الكورة الأسترالية قرب المدرسة ومحطة الوقود ومحطة الغاز حيث لا قاعدة نظامية ولا أنابيب نفط، حيث "البردية" تنمو دون أن تحترق لتعانق الصفصاف، ولقلت له: "أما لآخر هذا الفراق والغياب من آخر"؟*

يمر الانسان بحوادث كثرة، والعاقل من يتخلص من الأوهام، فأن تصعد لهاويتك متسلقًا أمتارًا لتهوي بعظامك وأعضائك أمرٌ صعبٌ جدًا، فالموت بتلك الصيغة المرعبة، أو ذلك التعريف الموحش والكئيب، لن يقتلك فحسب، بل سيقتل كل من ذكرك ذات يوم، وإن لم يحالفك الحظ ولم تمت فإنه من سوء حظك، حينها ستكون ميتتك الرابعة أو الخامسة و"ستحيا ميتةً أخرى"** لتعلم أننا لا نكتب إلا وتموت خلايا فينا بعد كل جملة أو تعبير.

أولسنا إلّا كتبةً للحنين أو ترجمانًا للوجع؟

 

ضياء كاظم عتيقي–الأهواز

12 أغسطس 2020

.....................................

* جملة لا أدري أين قرأتها فقمت بالتغيير فيها

** من قصيدة "لي حكمة المحكوم بالإعدام" لمحمود درويش

 

صالح الطائيلم يكن مشروع قصيدة وطن مجرد مشروع تقليدي خال من الإبداع والتجديد والابتكار، فهو ملحمة شعرية من نوع خاص لا سابق له في العالم كله وفي التاريخ كله، فعلى حد علمي لا توجد هناك قصيدة اشترك ببنائها 600 شاعر اختير من بينهم أكثرهم إجادة فبلغ عددهم 139 شاعرا وبلغ عدد ابياتها 371 بيتا على نسق واحد ووزن واحد وقافية واحدة وموضوع واحد وقوة واحدة.

ولم يكن موضوعها سرا خفيا؛ فقد تولى الفيسبوك الترويج لها، وتولت القنوات الفضائية بما فيها قناة العراقية الفضائية الحديث عنها، وتولى ندرة نادرة من الإعلاميين ومنهم الأستاذ راضي المترفي الكتابة عنها وعن خبر صدورها وفكرتها، ونشر ذلك في بوابة الصحفيين الكبرى، كذلك الناقدة والكاتبة سامية البحري من الجمهورية التونسية التي كتبت عنها عدة مرات وتابعت ولادتها بحرص فضلا عن الشاعر حميد شغيدل.

وفوق هذا وذاك صدرت القصيدة بكتاب، صدر في طبعته الأولى عن دار الوطن في المملكة المغربية، وصدر في طبعته الثانية تزامنا مع تلك الطبعة عن دار المتن في بغداد ليكون حاضرا في شارع المتنبي، ولكي لا يبقى عذر لمن قد يتحجج منهم بعدم اطلاعه على الكتاب.

وببادرة قد يستحي البعض من ذكرها:

ـ طلبنا شخصيا من بعض النقاد أن يكتبوا عن المشروع وأرسلنا لهم نسخا (PDF) من الكتاب، ولم يردوا مجرد رد على طلبنا.

ـ طلبنا من أخينا وأستاذنا الكبير الدكتور حسين سرمك حسن سادن موقع الناقد العراقي أن يتواصل مع النقاد في موقعه ويحثهم على الكتابة عن الموضوع، ولم نلق استجابة تذكر.

وأخيرا ـ في أقل من القليل ـ رداً لجميل سبق وأن قدمناه للبعض من الذين كتبنا عن منجزهم؛ وانصياعا لقاعدة (شيلني وأشيلك)، ولاسيما أولئك الذين أراهم دائما يكتبون ويكتبون بلا انقطاع عن قصيدة نثر لهذه الشاعرة المغمورة أو مقطوعة لا تقبل التجنيس لتلك الفتاة المطمورة، ولكنهم لم يعيروا هذا المشروع البنائي الكبير اهتماما ولو بالتصريح عنه في صفحاتهم.

أما اتحاد الأدباء العراقيين الذي يضم العشرات ممن يحملون صفة (ناقد) فهم كما هو عهدهم (هنبقة) يرعون السمين في أرض الوفرة ويرعون الضعيف في عنت الصحراء وأكداس الرمال.

أيها النقاد العراقيون والعرب:

ـ إن مجرد نشر خارطة الوطن العربي على غلاف كتاب القصيدة في وقت الفرقة والتشتت يعتبر تحديا غير مسبوق.

ـ ومجرد الدعوة لوحدة الأمة في زمن الكراهية والبغضاء يعتبر سباحة خطيرة جدا ضد التيار قد تودي بصاحبها.

ـ ومجرد اشتراك شعراء عرب من بعض البلدان العربية ذات النظم الشمولية في كتابة القصيدة تحديا لحكوماتهم يعتبر تحديا للسلطة في كل مكان قد يعرضهم إلى ما لا تحمد عقباه.

ـ ومجرد اشتراك هذا العدد الكبير والمبارك من الشعراء في كتابة قصيدة نصرة للعراق في وقت وقفت فيه أنظمة وأحزاب ومنظمات ودول ضد نهضة وصحوة ووحدة الشعب العراقي البطل يعتبر عملا بطوليا يستحق الإشادة والتقدير، وأن تخلده الأقلام الشريفة.

لكن كل هذا لم يشفع لمشروع قصيدة وطن لدى حملة رتبة (ناقد)، بل ربما أبعده أكثر وأكثر عن أقلام النقاد الذين يكتب كل منهم لغايات في نفوس (اليعاقيب) ليس  بينها غاية وطن.

تحية بحجم السماء للوطن.

تحية بحجم السماء لشهداء الوطن

تحية بحجم السماء لقصيدة وطن ولشعراء قصيدة وطن

تحية بحجم السماء لكل من دعم مشروع قصيدة وطن

 

صالح الطائي

 

لمحات ومشاهد تسجيلية عن العراق وانتفاضة تشرين

كادت انتفاضة تشرين ان تتوقف بسبب كورونا وحظر التجول، ولكنها تعود بين حين واخر كلما يخفف حظر التجول الى ساحة التحرير ومدن وسط وجنوب العراق . ولكنها اعطت دفقا للعاطلين للتعيين او السعي للحصول على اعمال وتعويضات باءت بالفشل ولكنها مستمرة وسميويه ..

1

حين خرجت في الصباح ، وجدت الطيور غير عابئة، بعضها تنقي ريشها  ليكن اكثر لمعانا مع اشعة الشمس الخفيفة في الصباح، وبعضها تنظر الى الافق غير مبالية لا تعنيها الشوارع الفارغة والمحلات المغلقة  والمقاهي الفارغة من الرواد والزبائن الذين دائما ما تزدحم بهم الارصفة والمظلات وارصفة الشوارع المتفرعة بكل الاتجاهات .

كم تمنى الانسان ان يكون طائرا يحلق في فضاءات بعيدة عن الضوضاء والفوضى .واصبحت اكثر فهما لماذا يصر بعض البشر على احلام مستحيلة لا تتحقق مطلقا .

حلق ابعد من المسافة التي يمكن ان تحمل الطائر بعيدا عن بؤر كورونا او النفايات والاوساخ التي يخلفها البشر في كل مكان يرتادونه على الارصفة وامام المحلات المغلقة قسرا ان مروا بها والثرثرات وما تحمله من مداهنات ليست عفوية وبريئة . عالم لم يكن ليقبل به طائر حر يمكنه ان يذهب بعيدا عن كل ما يعكر صفوه وينظف جناحيه في اعلى نقطة يمكن ان يصل اليها عاليا فوق سطح الارض .

الارض التي لوثها البشر بجنونهم ونهمهم الازلي .

هل كورونا من صنع البشر؟ قد يكون ضاق ذرعا بجنون من يحلم بالطيران بدون اجنحة وقوادم وقوائم يمكن ان تحط على الارض بهدوء وتلامسها بلين بدغدغات كايقاعات خافتة نسمعها ونراها بالحركة وايماءات الطيور .  

يعجز عنها الحالمون . كورونا التي لا نراها ونعرف بانها قد تكون كامنة او مختبة قربنا

او خلفنا او امامنا او في اي مكان لا يخطر لنا على بال

تترصد

المارقين وغير المارقين

في كل مكان .

...

الطائر حرٌ .

الطائر لا يخاف كورونا ، ولا يخاف كوفيد19

مطمئن في الشوارع شبه الفارغة والارصفة المقفرة او باعلى البنايات العالية او على اسطح المنازل التي ما زالت نائمة .

2

تلاشت الحركة بساحة التحرير سوى خيم المعتصمين الملونة التي تضفي على الساحة حيوية متجددة منذ ان دخل حظر التجول الساحة ليصل الى اطراف بغداد ويتمدد الى مدن الشمال والجنوب ويفرض نفسه على الجميع سوى فراشات بيضاء متعبة تتنقل هنا وهناك .

شارع امانة بغداد مقفر هو الاخر، تسرح فيه الطيور الاليفة دون ان تشعر بالاستفزاز، تحلق على مسافات واطئة لا تميز من بعيد ان كانت تلامس الارض اثناء طيرانها ام تعاند بأجنحتها وترتفع عن الارض مسافة  قليلة وتكاد تلامسها .

لكنها مطمئنة لا تشعر بالخوف كأن الشوارع والساحات افرغت لها وحدها فتعدو فيها وتطير وتمارس فرحا لا يعرفه الانسان .

وتصدر عنها حركات واصوات واشارات تشبه حركات واصوات واشارات العشاق حين يكونوا بعيدا عن العيون المتلصصة والحاسدة، تضمر الكراهية للحياة والشباب ..

بدون عقد او خوف .

الطيور المرحة، تخاف وتنجفل من البشر، مجرد ان يقتربوا منها،

لا تخاف من كورونا او وباء كوفيد19 ومن الفيروسات والاوبئة .

3

تختفي في الليل وتعود في الصباح الباكر، قبل ان نستفيق من النوم

الى طقوسها في الشوارع وامام المقاهي المغلقة وفي الساحات الفارغة .

*** 

قيس ال ابراهيم العذاري

 

شاكر فريد حسنبعد أن حفرت اسمها على صخرة الإبداع في مجال الشعر والنثر، وأثبتت حضورها في المشهد الأدبي والثقافي الفلسطيني، وبعد أن حقق ديوانها الشعري الأول " أحلام السنابل " نجاحًا باهرًا واهتمامًا نقديًا واسعًا، اتجهت المربية الكاتبة والشاعرة د. روز يوسف شعبان، التي تشغل مديرة مدرسة في بلدتها طرعان بالجليل، إلى جانب كتابة الشعر، نحو الكتابة للطفل، انطلاقًا من إيمانها برسالة الأدب الإنساني الهادف ودوره في عملية التنشئة وتطوير ذهن الطفل وتحسين ذائقته، وحرصًا على مستقبله.

وكانت د. روز اتحفتنا في زمن الكورونا بعدد من قصص الأطفال، التي لقيت تجاوب واستحسان القراء، لما تحمله هذه القصص من معاني إنسانية وقيم تربوية وصبغة وطنية، مزجت من خلالها العاطفي والوطني والإنساني والتربوي والقيمي.

ويلمس قارئ هذه القصص أنها تجارب قصصية ناجحة وناضجة واعية، من حيث فنيتها ومضمونها/ فكرتها وأسلوبها المشوق، ولغتها البسيطة السلسة الواضحة القريبة إلى وعي وثقافة الطفل، والمستوحاة من واقع وعالم الطفولة.

وروز في هذه القصص تقدم للطفل أهم القيم التربوية، وتجعل منه عضوًا ناجحًا ونافعًا لمجتمعه في المستقبل، وتعزز فيه شعور الثقة بالنفس وروح الانتماء وحب العلم والغطاء والايجابية في التفكير والتمسك بالفضيلة والقيم الأخلاقية والتسامح.

روز شعبان تمتلك أدوات الكتابة، وتتمتع بتجربة حياتية غنية، وكونها قريبة جدًا من عالم ونفسية الأطفال في المدرسة، يجعلها قادرة على التوصيف والتصوير بدقة متناهية، وتتسم كتابتها للطفل بالعمق والجمالية والبعد الفني.

إنني إذ أشد على يدي الصديقة الشاعرة والكاتبة د. روز يوسف شعبان، وأتمنى لها مواصلة مشوارها الأدبي في مجال الشعر والكتابة للطفل، ومزيدًا من التطور والعطاء والتألق.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

احمد عزت سليمصور لكثير من الفتيات الصغيرات يقفن في استوديو للباليه في الهواء الطلق.. فتيات من العائلات في الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو يأخذون درسًا في نا بونتا دوس بيسوالتى تعنى على رؤوس الأصابع، بتتنانير وردية ورقصات باليه كمبادرة الباليه التي تديرها TuanyNascimento.. راقصة باليه من الأحياء الفقيرة نفسها للنهوض بهن، ترى ناسيمنتو أن الباليه وسيلة لاحتضان أجسادهن وبناء الثقة.. فإنها تعتقد أن الجمال والقوة متشابكتان..

في نيويورك، هناك مجموعة أزياء تسمى Vaquera تقوم بتثبيت عروض منصة العرض في الأماكن المتداعية ذات الإضاءة القاسية وبدون بريق.. كان من الممكن أن تتراكم الجبيرة قبالة القطار F بعد ليلة بلا نوم..مع شعرهنالمدلل.. تبدو بشرتهم وكأنها تحتوي على لمعان رقيق من الأوساخ طوال الليل.. إنهم يدوسون على المدرج / المنصة.. يمكن تفسير المشي على أنه غضب أو متلعثم أو مجرد مخلفات صغيرة تعبر عن الواقع .

ترتدي عارضات الأزياء الأرجلية فساتين الأميرة التي تتدلى من الأكتاف مع كل جاذبية ستارة الحمام.. تمشي النماذج ذات المظهر الأنثوي بسرعة كبيرة مع وضع منحني وتعبير قاتم.. بدلاً من إطالة الساقين وخلق صورة ظلية للساعة الرملية، تجعل الملابس الأرجل تبدو متعرجة وذات جذعًا سميكًا.. تعد Vaquera من بين العديد من الشركات التي تستدعي الصب في الشوارع، والتي تقوم في الأساس بسحب شخصيات الكرة الفردية من الشارع ووضعها على المدرج - وهي تعلن بشكل أساسي أنها جميلة.

في باريس، كان المصمم جون جاليانو، مثل عدد لا يحصى من المصممين الآخرين، يطمس الجنس.. لقد فعل ذلك بطريقة مبالغ فيها وعدوانية، أي أنه بدلاً من السعي إلى صنع فستان أو تنورة تناسب خطوط اللياقة البدنية الذكورية، قام ببساطة بلف ذلك الجسم بفستان.. والنتيجة ليست ثوبًا يهدف ظاهريًا إلى جعل الأفراد يبدون في أفضل حالاتهم.. إنه بيان حول افتراضاتنا العنيدة حول الجنس والملابس والجمال الجسدي..

يحضر كل من FláviaCarvalho و Júlia Maria Vecchi حفلة في ساو باولو مخصصة للتنوع بجميع أشكاله.. وبحسب كارفالهو، فإن الحركة الإيجابية الجسم في البرازيل، مدفوعة بالشبكات الاجتماعية، تشجع الناس على "العيش في أجسادهم بحرية".

منذ وقت ليس ببعيد، نشر خط الملابس Universal Standard حملة إعلانية تضم امرأة ترتدي مقاسًا أمريكيًا 24. ظهرت في ملابسها القصيرة وزوج من الجوارب البيضاء.. كانت الإضاءة مسطحة، وشعرها مجعد قليلاً، وفخذيها مضخمتين مع السيلوليت.. لم يكن هناك شيء سحري أو يتعذر الوصول إليه بشأن الصورة.. لقد كانت واقعية مبالغ فيها - على عكس ملاك فيكتوريا سيكريت..  لقد أصبح يتم تخريب كل فكرة مقبولة عن الجمال.. هذا هو الوضع الطبيعي الجديد وهو صادم.. قد يجادل البعض أنه قبيح إلى حد ما..

بقدر ما يقول الناس أنهم يريدون الشمول والمظهر العادي - ما يسمى بالناس الحقيقيين - لا يزال العديد من المستهلكين مستآين من أن هذا، هذا هو ما يمرر الجمال.. إنهم ينظرون إلى امرأة يبلغ وزنها 200 رطل، وبعد إعطاء إيماءة سريعة لثقتها، يشعرون بالقلق من صحتها - على الرغم من أنهم لم يروا سجلاتها الطبية أبدًا.. هذه محادثة أكثر مهذبة من تلك التي تجادل ضد إعلان جمالها.. لكن مجرد حقيقة أن هذا النموذج العالمي القياسي في دائرة الضوء في ملابسها الداخلية - تمامًا كما كانت ملائكة فيكتوريا سيكريت وامرأة مايدن فورم جيلًا قبل ذلك - هو عمل احتجاج سياسي.. لا يتعلق الأمر بالرغبة في أن تكون (Pin-up model ) كنموذج للعرض الشعبى غير الرسمى لفتاة قد تضع صورها بأزيائها على الحائط وإحتجاجا على الواقع.. بل يريد تأييد حق الشخص في الوجود بدون حكم سلبي..فى مواجهة  مجتمع، لم يعترف بحقها في أن تكون ببساطة.. لكن على الأقل، يمنحها عالم الجمال هذا منصة لتدافع عنها..  وكجوان أى جونسون، التي بدأت حياتها المهنية في عرض الأزياء في الستينيات من عمرها، تقف صورة لها في مدينة نيويورك.. ظهرت على المدارج وفي الإعلانات المطبوعة للعلامات التجارية بما في ذلك Fenty و Eileen Fisher و Tommy Hilfiger. كانت الحملات الإعلانية بشكل خاص مجال النماذج الشبابية.   ولم يكن هذا ليس مجرد مطلب تقدمه نساء كاملات الشكل والجمال.. بل إصرار النساء الأكبر سنا على الحفاظ على مكانتهن في الثقافة.. وكما تطالب النساء السود بالسماح لهن بالوقوف في دائرة الضوء بشعرهن الطبيعي وبينما يضرب ضوء الشمس وجهها وفى مواجهة التحدىالإجتماعى لهن.. وليصير الجمال هو الصواب السياسي والتنوير الثقافي والعدالة الاجتماعية فى مواجهة التمييز العنصرى بالإضطهاد السياسى والإجتماعى .

 

 أحمد عزت سليم

 

 

محسن الاكرمينارموا أسلحة جهلكم وعنادكم (الخاوي) وانسحبوا فرادى وجماعات وتحصنوا ولو بالتباعد الاجتماعي وتيمم الأيدي بالمطهرات... لا تعلنوا القتال العلني على فيروس (كورونا) فالعدو تجبر وأعلن حرب الفتك " في ساحة لا تنتهي... في ليلة لا تنتهي... في دولة لا تحترم الحجر الصحي". فالحرب على الحاكم المستبد (كوفيد 19) لن تربح بالتراخي والاستهتار و تبادل القبل والبكاء على الأطلال واقتسام معلومات أعداد الإصابات اليومية مساء، فكلنا مسؤولون دولة زشعبا...

ارموا أفكاركم البالية والكاسدة من عرف التاريخ ومعشبة (الدفلة)، وانتظروا اللقاح الروسي (سبوتنيك)، وأعلنوا بعده التطهر بلا ماء دافق، فلا إثم ولا حرج عليكم في تطعيمكم باستخدام فيروس (ميت) من جيل (كورونا) المستجد وبجينات روسية، ومن صنع حفدة لينين المشاغبين.

لن ألعن الروس ولا اليابانيين ولا أمريكا عدوة الشعوب... بل قد ألعن سياسة التراخي و(التبرهيش) البشري بيننا واستغلال الحرية غير المسؤولة ... ألعن أن حساباتنا الافتراضية باءت بالفشل ولا زلنا ندفع بمتتالية (رأس النعامة) إلى الأمام في القرارات غير الرزينة... لن ألعن علوم الغرب في البحث عن مصل الإنقاذ والربح المادي، بل سألعن جهل البحث العلمي الوطني ، وسوء تدبير الأزمة وانتظار أعداد المبني للمجهول من المصابين والمخالطين، فالشعب بات كله من المخالطين الأوفياء للوباء  ولو بالرضاعة... لن ألعن شيطان علوم الغرب فهو يفكر في الربح،   و حقق قدم السبق في إمكانية إنقاذ شعوب الكون ... لن ألعن الغرب في تموقعه الجغرافي فهو قد ينصب الفخاخ لنا جميعا، و قد يصنع الجبيرة للتطبيب...

 اليوم سألعن شيطان (كوفيد 19) المغربي الذي استقوى من جهلنا، ومن تراخينا المفرط في الغباء والبؤس الفقير، استقوى من ضعف اقتصادنا غير المهيكل، استقوى علينا حين أحس أن موارد صندوق (كورونا) استنفذت خزائنها، وبتنا نساوي بين (باحمرون) و(كرورنا) في مروره على أجساد الشعب برمته، وحرية التشافي في المنازل...  

 

محسن الأكرمين.

 

معراج احمد الندويسقطت من حديقة الشعر الهندي زهرة جميلة، إذ تؤفي اليوم الشاعر الأردي الشهير راحت إندوري وترك غيابه حزنا شديدا وفراغا كبيرا في الأوساط الأدبية والفكرية. رحم الله الشاعر الذي عاش في حب وطنه وتغنى به في شعره الخالد، رحم الله الشاعر الذي قال بما شاء قلبه وحبه لوطنه وأعرب اخلاصه ووفاه نحوه وتحدث عن عصره وعن مجتمعه وعن أمته، وقد فاضت في هذا الحديث قريحة الشاعر واتفجرت المعاني والحقائق التي كان الشاعر يغالبها ويمسك بزمامها، رحم الله الشاعر الذي قال إن أرض الهند هي أرض المحبة والسلام، الهند هي أرض الحب والغرام، فكان شعره في حب وطنه من أبلغ أشعاره وأقواها، وكان حشاشة نفسه، وعصارة عمله وتجاربه، وكان تصويرا لعصره وتعبيرا عن عواطفه.

هذا الشاعر الذي كان يتلطف في إثارة العواطف الخامدة والقرائح الجامدة، كان ينتقل الناس بشعره من عالم تسيطر عليه الآلام والهموم ومصائب الحياة وأعباءها كأنما يصعد إلى السماء تسيطر عليها العواطف والأشواق، وتهب فيها النفحات الوجدانية، فيشعرون بخفة الروح وسرور القلب ويدركون بلذة الحياة وخفتها، فيصبح ما كان جحيما نعيما، وما كان ثقيلا خفيفا.

إن طبيعة الهنود طبيعة الحب والغرام، وأن لغتهم لغة الغزل والهيام، لقد أظهر الشعراء الهنود بالشعر والتعبير فيه عن حبهم وأشواقهم، ولم يزل الشعر بريد القلب وأساس الحب والعاطفة. إن الحب يمثل موضوعا رئيسيا في شعر راحت إندروني كما يسود هذا الموضوع الشعر الإنساني منذ أقدم العصور.

إن راحت إندوري يمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الأدبي الأردي، ولقد احتل راحت إندوري مكانا فريدا في تاريخ الهند الحديث، عاش الشاعر كل حياته مؤمنا بالانسان والحب والجمال وكرس كل جهده ونشاطه الفكري لخير الانسان وانتج فكره النير كل القيم من أجل الإنسانية. وكان يؤمن بأن كلمة الله العليا ورسالته البشرية لن تدرك حق الإدراك إلا حين تسود الحرية وتتحقق العدالة الاجتماعية.

هذا الشاعر عندما كان يخاطب الناس بشعره فلا يتلفظ بكلمات، وإنما يقطف نجوم السماء ويطلقها عصافير ملونة ترفرف أجنحتها الجميلة في حديقة الشعر وتحلق في فضاء الإبداع الفسيح. هذا الشاعر عندما يخاطب الناس بشعره، فلا يتلو الشعر كالشعراء المطربين، وإنما يعلي من شأنه ويقدمه فاتحا ومغامرا ومناضلا في مجال الدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية.

مات هذا الشاعر اليوم قبل المغرب، غير أن شعره لا يموت أبدا وينير الطريق للأجيال القادمة. نحبه ونحب إبداعه ونرى في تجربته تميزا واختلافا، نجد في شعره الصدق والبساطة ونبهر على قدرته الفائقة على ملامسته الحقيقة وملامسة مشاعر الملتقين.

رأى الشاعر أن الأخوة والمحبة والسلام والمساواة التي تسمو الإنسان وترفعه إلى مستوى بناء حياة يسودها الحب والخير والعدل. تدعو الأخوة إلى الاجتماع على الحب ونسيان الفوارق العرقية والاجتماعية، ونبذ الحروب والصراعات والتطاحن والعيش في عالم يسوده الأمن والسلام. لذا يقول: نقول أعدائنا بأننا نحبكم من أعماق قلوبنا، ونحن الهنود، والهند أرض الحب والغرام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية،كولكاتا - الهند

 

 

عهود عدنان نايلةهناكَ ألف قدّاسٍ وألف حينَ تطرقُ الأجراسُ في القلبِ.. بكلّ ما يؤتى من وجعٍ ومن رباطِ الألم.. القدّاسُ: حيّ على الفرح، والنّفسُ هائمةٌ ما بينَ هتُافَين سماويّين في الحكاية! تنتفضُ الرّوحُ لامذبوحةٌ ولا حيّةٌ ولا استثنائيةٌ.. عاديّةٌ ينتابها بعض الضّحك أقصد البكاء... لا تستطيعُ الرجوع ولايشدّها للأمام أيّ منفى.. منأى.. لا يهمّ.. تسقطُ مسلّةُ القلبِ تحتَ خيمةٍ يهزّها ضحك وليدٍ.. اللعنة أقصد البكاء.. لكنها لا تنكسر!

صوتُ الحصارِ الدّاخليّ لا يؤثركَ على قطيعِ الأمنيات التي تجرّها بعشوائيّةٍ نحو الحقلِ وتسقطها إيقاعًا لا شرقيًّا ولا غربيًّا ولاحولَ ولا قوةَ له بك أبو بلغتكَ التي تخفُّ بكَ ضحكًا بل بكاءً ولا تتركُ لك حتى ظلّكَ تحت شجرةِ سدرٍ يتفيّأُ أبناؤكَ رؤياكَ تحته.. أقصد تحتها.. أنت تتقيّأُ الأملَ حينَ يخونك حاضركَ زاهدًا بهويّتكَ ماضيًا فيما يجب عليه أن يمضي.. مغرورقًا في الضّحكِ.. اللعنة ثانيةً أقصد البكاء..

مرّةٌ أنتِ أيّتها الحكمةُ.. غوايتك.. طريقكِ.. غيّكِ.. ذروة علاقتي بك لا تشبه شيئًا ! أليس لديكِ من الوقت من تخطّين به صكَّ حرّيتي منك أو عبوديّةٌ قسريةٌ تقحمينها فيَّ وأمضي؟ يفوتكِ خريفٌ.. خريفٌ آخر.. خُرُفٌ كثيرةٌ تتدحرجُ ككرةِ طفلٍ نحو الشّارع المعبّدِ المرصوفِ بمارّةٍ يمرّونَ ولا يمرّون... يمشونَ ولا يعبرون.. يعلقونَ في تيهٍ مستبدٍ ولا يقطعُ تلكَ الفصولِ في تدحرجها شتاءٌ أو ربيعٌ أو نبيذٌ معتّقٌ بالضّحكِ... ألف لعنةٍ – أقصد البكاء ! البكاءُ حدَّ البكاء.. البكاء حدّ الاستثناء.. البكاءُ حدّ الطّبيعة.. البكاءُ حدَّ الهياكل.. البكاءُ حدّ المساجد.. البكاءُ حدّ ظلّ الله في الأرض.. البكاءُ ضحكًا حدَّ الضّحك بكاءً.. وتنتهي الحكايةُ هنا؟!

فلسطينُ: بيّاراتُ البرتقالِ تختارُ مقهى على أبوابِ واشنطن العتيقة!

بغدادُ: فرقةٌ من الأزيديات تنتعلُ بواقي الكتب التي أحرقها المغول لتؤدي (الرقصة الأخيرةَ) في اسطنبول ولا تنتظرُ أحدًا على ليسرجها باللازورد على باب البحر !

صنعاءُ القديمة: يشدُّ الجامعُ الكبيرُ رحلَ صلاتهِ إلى سفينةٍ حربيّةٍ في نيويورك إثرَ ضياعِ بندقيّةٍ فضيّةٍ مرصّعةٍ بالعقيق كانَ التّحقيقُ قد أغلقَ دونَ معرفةِ الفاعل.. الذي رجحت المملكةُ أنّهُ كانَ طفلاً قتلهُ (القاتُ) لاستهتارِ والدهِ المدمنِ في رميِه أمامه قبل أن يذبح على عربون وطنٍ.. لا ينهار !

القاهرةُ: 6-يوليو/ شجرةُ السّيدة مريم تمَّ اعتقالها في روما.. وفي المرافعةِ ترفضُ الدّفاعَ.. تنحني لهيئة المحلفين: لستم في عداد الأحياء.. ولا الأموات... شكرًا للحياة!

دمشقُ: الشّهيّةُ البهيّةُ... الرّسولةُ المُختارةُ.. الغزالةُ.. حشيشةُ القلبِ.. الهاويةُ والمرتقى.. القصيدةُ والكتاب... يا قلبُ خذني... يا قلبُ عِدْني.. ياقلبُ.. الأمويٌّ دارَ أوبرا فدراليّة في موسكو... آآآآآآآآآآآآآآآآآهٍ يا قلبُ مُت! يا قلبُ ماذا أقولُ حينَ أُسألُ عن اسمي؟ عن قبلتي.. وعن زمرةِ دمي؟

ليتها وقفت الحكاية.. بكاء.. ليتها لم تبدأ.. ضحك... ليتني لا أسمعُ هتافًا ولا أنينًا ولا أمل !

***

عهود عدنان نايلة

الأردن / الإمارات

 

التغير الحقيقي يبدأ من هناك

النص: سوران محمد

القراءة: روس أستن


 من سيعرف؟

 كان الجميع سعداء:

طبيب التوليد،

طاقم التمريض

والوالدين…

لكن المولود الجديد

سرعان ما بدء بالبكاء!

***

قراءة ناقدة:

يتناول الشاعر هنا في هذا النص القصير موضوع الانطولوجيا، ويثير الأسئلة بدءا من العنوان ومن أجل الوصول إلی بر الأمان والطمأنينة الروحية، فقد تحير فئة كبيرة من الفلاسفة والنابغون علی مر العصور من سر الحياة والوجود، وهنا يبحث الشاعر مع القراء عن السعادة الحقيقية والخلود، إذ أن الحياة الفانية ذات وجهين زائلين؛ السعادة والتعاسة، وکما يقول المثل الإنجليزي: لحم رجل سم لرجل آخر.

one man’s meat is another man’s poison

صحيح يمكن أن يُفرح المولود الجديد الأبوين وأفراد العائلة، وكما نعرف فإن الإنجاب هو سنة الحياة ودوامة دورة الحياة وإعمار الأرض، لكن هل ما وصل إليه الأمور علی کوکبنا يعتبر إصلاحا وإعمارا؟ ثم من  يعرف ماذا سيكون مصير المولود الجديد مستقبلا، ولو وجهنا سـٶالا جادا لأنفسنا وبدأنا به و قلنا: هلا فكرنا بالطريقة المثلی للتربية وبناء غد مشرق للأجيال القادمة ومستقبل بلداننا؟ أم أن العفوية والاعتباطية سيدة الموقف في حياة الأفراد والمجتمعات؟ وبناء علی  الرد العملي سنجني الثمار المختلفة.

وفي السطر الختام يشعر القاريء المتمعن بأن هنالك جواب غامض  لكل ما سبق، ويشوبه شيء من الحذر والشكوك، ألا وهو رد الفعل الفطري للجنين المولود، علی الأقل و من المنظور الأدبي المجازي نصل لاختيارين؛ هل يعتبر هذا البكاء بكاء السعادة أم الحزن؟ وهكذا يصوغ الشاعر المعان من الأمور اليومية ويجدد أدواته من خلالها کي يغذي بها القصيدة ويكتب البقاء لها بعکس تيار الزوال السريع للموجودات.

 خلاصة ما قد سلف، ستظهر الجوانب الخفية لخطاب النص والتي لم تقال مباشرة، الا و هي التذكرة بمقولة كونفوشيوس: بدلا من ان تلعن الظلام من الافضل أن توقد شمعة .

it's better to light a candle than to curse the darkness

فبالرغم من قصر المقطع الشعري الا انه ينير لنا الاستراتيجية الامثل اذا نود القيام بالتغير الحقيقي، وهي تحتاج الی روح المثابرة والصبر بالعمل الجاد والصحيح علی تربية و توجيه المواليد الجدد وتهيئتهم بشکل مناسب للمستقبل، فيکونوا علی قدر المسٶلية المنوطة علی عاتق کل فرد في المجتمعات المتحضرة، فلو ان کل مرحلة من المآسي أثرت سلبا علی جزء من أنسانية هذا الجيل والذي سبقه، لكننا سنتمكن من تعويض ما فات ببناء جيل جديد متفاءل و منتج، ولا يتم هذا الا بنبذ روح الانانية فينا والتفكير بالاجيال المستقبل.

النص بالانجليزية:

 Who Knows?

All were happy:

The obstetrician

Nurses

Parent…

but the new born baby

started to cry!

المصدر:

  poemhunter.com/poem/who-knows-82

 

 

شاكر فريد حسنبيروت، هذه المدينة الفينيقية الجميلة الغافية على شاطئ المتوسط، التي تتمتع بمناخها ونضارتها وبهائها، فقالوا عنها عروس الشرق، وباريس العرب، ومدينة الفكر والثقافة، وتفاحة للبحر، ونرجسة الرخام والكثير الكثير من الأوصاف والنعوت.

وتغنى ببيروت الشعراء اللبنانيين والعرب، وغنت لها حناجر أساطين العرب عشقًا وولهًا " يا ست الكل "، وكانت على الدوام مصدر وحي وإلهام للشعراء والمبدعين على مرِّ الزمان.  

وقد حرك الانفجار المروع الأخير، والكارثة التي حلت بها في الأسبوع الماضي، المشاعر والأحاسيس، وولدت القصائد والأشعار التي تعبر عن حزنها والوقوف مع شعبها وحبها حتى درجة العشق لهذه المدينة التي تعج بالحياة وبالدماء والدخان.

وكان شاعرنا الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش قد أتحفنا في بدايات العام 1981 بقصيدته الرائعة عن بيروت، التي نشرها في مجلة " الكرمل "، وهذه القصيدة أسست علاقة حب بيننا وبين بيروت، وصار الكثير منا ممن لم يزوروها يعشقونها ويتمنون زيارتها، وبفعل هذا الشغف حفظوا مقاطع من هذه القصيدة عن ظهر قلب، وانشدوا معه :

 بيروتُ خيمتُنا .. بيروتُ نَجْمتُنا

ونافذةٌ تطلٌّ على رصاص البحرِ

 يسرقنا جميعاً شارعٌ ومُوَشَّحٌ  

بيروتُ شكل الظلِّ  

أجملُ من قصيدتها وأسهلُ من كلام الناس  

تُغرينا بألف بدايةٍ مفتوحة وبأبجدياتٍ جديدة:

 بيروتُ خيمتُنا الوحيدة  

بيروتُ نجمتُنا الوحيدة

أما الشاعر السوري، شاعر الحبّ والمرأة نزار قباني، فقد كتب ونظم فيها العديد من القصائد، وخصص لها ديوان شعر بعنوان " إلى بيروت الانثى مع حبي "، وكم أحببننا بيروت من خلال هذا الديوان الذي زادنا شوقًا لها.

بيروت ستبقى ملهمة الشعراء والمبدعين في الحاضر والمستقبل كما الماضي، وستظل ترنيمة الحزن والفرح والأغنية والقصيدة والانشودة والاهزوجة والسمفونية العذبة في دفاتر الحب والنجوم وأسفار العشق، وكما في كل مرة سوف تضمد وتلعق جراحها وتنهض كطائر الفينيق من تحت الركام وتواصل العناق. ولنردد مع فيروز:

لبيروت من قلبي سلامٌ لبيروت 

وقبلٌ للبحر والبيوت 

لصخرةٍ كأنها وجه بحارٍ قديمِ

هي من روح الشعب خمرٌ

هي من عرقِهِ خبزٌ وياسمين 

فكيف صار طعمها طعم نارٍ 

ودخانِ.

***

بقلم : شاكر فريد حسن 

 

 

شاكر فريد حسناليوم الذكرى الثانية عشرة لشاعر القضية والوطن والشعب والإنسانية محمود درويش.

محمود درويش الصوت الشعري الجميل الأنيق، الذي علمّنا كيف يكون الشعر بسيطًا مثل الريح، عميقًا كالبحر، القصيدة التي لا تنتهي، الجدارية الباقية، والحضور في الغياب.

محمود درويش الذي هتف في الستينيات " سجل أنا عربي " و "انقذونا من هذا الحب القاسي"، وعاشق الوطن والزيتون، الذي ناجى أمه كثيرًا وكان يحن لخبزها وقهوتها المهيلة ومناقيشها لذيذة الطعم.

محمود درويش المحب للحياة، وصاحب المقولة والسمفونية الرائعة والنشيد البديع " على هذه الأرض ما يستحق الحياة ".

محمود درويش يوليسيز الفلسطيني العائد إلى الجزء المتاح من أرض الوطن، الذي انفجر غضبًا في خضم الانتفاضة الفلسطينية الماجدة أن أرحلوا عن أرضنا وانصرفوا.

محمود درويش زهرة اللوتس والنرجس وأثر الفراشات، المعطر بالقصائد والمعابد وطهر التراب، والمطر الذي انهمر على أرضنا السمراء شعرًا ووجعًا، وتراتيل عشق، وأغاني متبتلة بالروح الوطنية والوجد والحزن الفلسطيني وحنين العودة.

فيا أجمل العاشقين، نحبُّكَ في موتكَ كما أحببناك في حياتك، ونشتاق لك، وحين يجتاحنا ويعصف بنا الحنين نعود إلى مجاميعك الشعرية ننهل منها ما طاب ولذ من كلام. 

محمود درويش .. في ذكراكَ نجدد حُبُّنا لك، ولروحكَ السلام أيُّها العابق كزهر اللوز وأكثر في كل زمان ومكان.

 

بقلم : شاكر فريد حسن 

 

كاظم الموسويمن اول لحظات الانفجار، واول الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام ومن اول الأخبار دهشنا وفجعناوتالمنا وحزنا وبكينا وصرخنا مثل كل أبناء بيروت، مثل كل صاحب ضمير انساني، مثل كل انسانحقيقي.. وعلى عجل تبادلنا اغنية فيروز، من قلبي سلام لبيروت، وانتشرت باختلاف الفيديوهات،بصورتها الأصلية أو بصور ما حصل، ووزعت قصيدة محمود درويش عن بيروت، بيروت تفاحة، بيروتخيمتنا الاخيرة، بيروت نجمتنا الاخيرة، وتم ارسال رسم ناجي العلي، حنظلة يقدم وردة من كوة مفتوحةفي جدار لعروس، اسمها بيروت، صباح الخير يا بيروت.. وانتشرت اغنية ماجدة الرومي، وقصيدة نزارقباني؛

يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ

قومي من تحتِ الرَدمِ، كزهرةِ لوزٍ في نيسانْ

قومي من حُزنكِ

إنَّ الثورةَ تولدُ من رحمِ الأحزانْ

وتذكر بعضنا قصائد نزار قباني العديدة الاخرى عن بيروت، ومنها:

ليس للحب ببيروت خرائط..

لا ولا للعشق في صدري خرائط..

فابحثي عن شقة يطمرها الرمل ..

ابحثي عن فندق لا يسأل العشاق عن أسمائهم..

سهريني في السراديب التي ليس بها ..

غير مغن وبيان..

قرري أنت إلى أين ..

فإن الحب في بيروت مثل الله في كل مكان

وانتشرت قصيدة محمد مهدي الجواهري، التي كتبها قبل قرن تقريبا، وله قصائد كثيرة عنها وبمناسبات اخرى؛

جللٌ مصابُك يا بيروت يبكينا ...

يا أخت بغداد ما يؤذيك يؤذينا

ماذا أصابك يا بيروت دامية ..

والموت يخطف أهليك وأهلينا

داران من قزّ يا بيروت إن لنا ...

لا شك تسكنُ بعضيها شياطـينا

عضّي على الجرح يا بغداد صابرةً ...

بيروت تعرفُ ما فيها وما فينا

بيروتُ تعرفُ من بالروعِ يفجعنا ...

علم اليقين وكأس الموت يسقينا

وتسابقت الوسوم/ الهاشتاغات عن بيروت، تضامنا وتالما ومشاركة ودعوة ومحاولة الترابط بين الكارثةواخواتها، وبين المأساة والامها، وبين التاريخ وتداعيات المحنة الجديدة.

مع الصور المذهلة لما حصل للمرفأ، ومع تذكر ما شابه في فترات قريبة في سورية أو في العراقوافغانستان واليمن وليبيا، من تجريب أسلحة الإمبريالية ومتخادميها في هذه البلدان. ومعها وكأنهاتعيد التذكر ايضا، الذكرى الخامسة والسبعون لجريمة هيروشيما وناغاساكي، والمنظر الذي يستعيدصورته من خمس وسبعين عاما، فاي مصادفة هذه؟.

ألف تاكيشو ايتو كتابه عن " هيروشيما ونغاساكي ..مأساة القنبلة  الذرية"، وترجمه الى العربية اكيراكويانو، وكتب في مقدمته العاطفية عن مشاهد الموت في المكان، " ولكني تعلمت من موتكم، اهميةالحياة، وقبح الحرب، والوضع الشيطاني للأسلحة النووية، ولا سبيل لنا في العيش في ظل العصرالنووي إلا بمقاومتنا له. وتكاد تكون هذه  هي طريقة الحياة الوحيدة لجميع شعوب العالم. لقد كتبالفرنسي لويس أراغون في " اغنية جامعة ستراسبورغ": التدريس هو بعث الامل في النفوس، والدراسةترصيع لصدورنا بالكرم. وختم تاكيشو مقدمته: أن الحياة هي صبر، أن الحياة هي خلق، أن الحياة هيحب قبل كل شيء.

بعد مرور فجاءة الفاجعة، الصدمة الأولى تبدأ الحقيقة المرة، ما بعدها، ورغمها فإن مايجري الان حولالمرفا وشوارع بيروت وكل العالم الإنساني يعطي صورة متفائلة، هذه الجموع من الشباب من كل لبنان،وفي هذه الظروف القاسية يسهمون في قيامة بيروت، يعيدون بهجتها ورونقها وطلتها على البحر كماكانت أو ارادت، ويشمرون السواعد بالامل كما يرون التسابق في ارسال ما يمكن إرساله من دعمومساعدة ورد جميل، لا ينكر لبيروت، ولا يوقف ما يحاول بعض ممن فقدوا وعيهم وانكسرت شهامتهمعزم هذا الذي يعمل ليعيد البناء والحياة.. ورغم كل هذا ومع كل هذا يصح القول: الدنيا مازالت بخير.

ورد الى بيروت، ورد اليكم ايها الشامخون بها، ورد الى الشهداء والجرحى، ورد الى العوائل والبيوت،ورد الى الصامدين والصابرين، ورد الى السيف الذي لن ينحني، وعيونه لك يا بيروت..

 

كاظم الموسوي

 

 

 

ماهر عبد المحسنأذكر منذ عدة سنوات أنى تقدمت ببحث إلى إحدى المسابقات الثقافية، وكان الموضوع حول كتابات عميد الأدب العربي طه حسين. وقد اخترت وقتها مجموعته القصصية "المعذبون في الأرض"، وقدمت قراءة نقدية أزعم أنها كانت جديدة، اعتمدت فيها على فكرة "كسر الإيهام" أو ما يُعرف ب "سقوط الحائط الرابع" في المسرح الملحمي لدى بريخت، وكانت استشهاداتى كلها من داخل النص نفسه، التي جاءت مؤكدة لفرضيتي، ومعبّرة عن فكرتي حول أسلوب طه حسين السردي، السابق لعصره، و المعاصر للنظريات الأدبية والنقدية العالمية، في الآن نفسه، في ذلك الوقت.

والمفارقة أن جاءت نتيجة المسابقة متعارضة وإشكالية، ما أدى إلى إلغاء القيمة المادية للجائزة، والاكتفاء بتقديم شهادات تقدير للفائزين، وذلك لأن أحد المحكّمين، وكان دكتور عصمت نصار، قد منحني المركز الثالث والأخير ضمن الفائزين، بينما منحني المحكّم الثاني، وكان ناقداً أدبياً من خارج المؤسسة الأكاديمية، المركز الأول.

و أذكر أنه بعد انتهاء المسابقة اتصلت بدكتور عصمت، وهو من الأساتذة الكبار الذين تربطني بهم علاقات طيبة، وسألته عن سبب منحه لي المركز الأخير، أجابني بأنه لم يفعل ذلك لمستوى العمل وقيمته فى ذاته، وإنما لأنه لا تتوافر فيه المعايير العلمية المعتمدة في تحكيم الأبحاث العلمية الأكاديمية، وأن منظمي المسابقة أخبروه بأن التحكيم ينبغي أن يكون وفقاً للمعايير الأكاديمية لا معايير الكتابة الحرة. وعندما تواصلت مع الناقد، غير الأكاديمي، الكبير، وسألته عن سبب منحه لي المركز الأول، أجابني بأنه "أحب البحث". ومنذ ذلك الوقت، قررت التخلي، ولو نسبياً، عن الكتابة الأكاديمية، التي مارستها لأكثر من خمس وعشرين عاماً ماضية، والتركيز على الكتابة الحرة، فليس هناك، في رأيي، من جائزة يمكن أن يحصل عليها الكاتب أغلى من حب القارئ لما يكتب. ولعل في ذلك يكمن سر نجاح كتّاب مثل زكى نجيب محمود، مصطفى محمود، أنيس منصور، أحمد خالد توفيق.

وأهم ما يميز الكتابة الحرة أنها كتابة منطلقة، تمنح كاتبها مساحة كبيرة من الحرية، بحيث يتحرك كيفما يشاء دون الالتزام بقواعد أو معايير معدّة سلفاً سوى الصدق والرغبة في تقديم الجديد. وهي، بهذا المعنى، تذكّرني بكل ما يتصف بالحرية من قبيل: المصارعة الحرة والأعمال الحرة والشعر الحر، ويمكنك أن تشعر بالفارق إذا ما أجريت مقارنة بسيطة بين هذه المجالات ونظيرتها. فمما لاشك فيه أننا ننجذب أكثر عند مشاهدة مباريات المصارعة الحرة  عنه عند مشاهدة المصارعة الرومانية، فالرومانية تأتى فى سياق مسابقات رسمية لها قواعد وأصول تقلل كثيراً من عناصر الجذب والمتعة والإثارة التي تحققها المصارعة الحرة. غير أن ما يؤخذ على هذه الأخيرة أنها تفتقر إلى الصدق، لأنها تعتمد على نوع من التواطؤ أو الاتفاق بين المنظّمين لهذه المباريات بحيث تأتى المباراة أشبه بالعرض المسرحي أو عروض السيرك، وفى كل الأحوال يكون عنصر التمثيل أو الإيهام بالواقع هو السمة المميزة لهذه المباريات المثيرة، بالرغم من توافر عنصر التجديد فيها. وهذا خلافاً للمصارعة الرومانية التي تتميز بالصدق دون التجديد.

وربما كانت الأعمال الحرة هي الأكثر قرباً من نموذج الكتابة الحرة. فإذا كانت ظروف العمل بالوظيفة العامة، خاصة تدنّي العائد المادي والأدبي، تدفع العامل إلى التكاسل، والتظاهر بالعمل وبذل الجهد على غير الحقيقة، ما يجعله عازفاً عن الرغبة في الإبداع وتقديم الجديد، فإن ظروف العمل الحر، خاصة ارتفاع العائد المادي والأدبي، تدفع العامل إلى الصدق في الأداء، والرغبة فى التجديد، خاصة أن الأعمال الحرة تنطوي على قدر كبير من المغامرة التي تجلب المخاطرة، وكلها أمور لا تخلو من إثارة وتشويق.

غير أن الأعمال الحرة تختلف عن الكتابة في كونها لا تأخذ شكل العرض، ولا تستهدف  جمهوراً، بالرغم من أن رجل الأعمال الناجح يكون، فى الغالب، محطاً لأنظار الجميع، و نموذجاً تسعى الغالبية، الراغبة فى النجاح وتحقيق الثراء المادي، إلى السير على خطاه. وفى هذا السياق، يأتي الشعر الحر ليعالج هذا القصور، فالشعر هو، في المقام الأول، لون من الكتابة، والشعر الحر تحديداً، هو لون من الكتابة المتمردة ، الخارجة على تقاليد الشعر العمودي الذى يلتزم الوزن والقافية الواحدة. غير أن أهم ما يميز هذا اللون من الكتابة إنما هو شعرية الكتابة، أى الإيقاع الخاص للغة الشعر، سواء أكان إيقاعاً خارجياً، مثل الشعر التقليدي، أو داخلياً، مثل قصيدة النثر.

والحقيقة أن هذه الأخيرة، هي الأقدر على تفسير السحر الخاص الذى تتمتع به الكتابة الحرة عموماً. فقصيدة النثر هي، في التحليل الأخير، كتابة نثرية، غير أنها تحمل روح الشعر. وفي كل الأحوال لا يمكننا أن نخلع الصفة الشعرية علي كل كتابة نثرية تتشبه بالشعر، لكننا فقط نفسر جاذبية الكتابة الحرة بكونها تستلهم روح الشعر، من خلال إيقاع خاص يضمن لها وحدتها، وينجح في اختراق قلب وعقل المتلقي. وفى هذا المعنى، أذكر أن دكتور سعيد توفيق كتب في مقدمة ترجمته لكتاب "تجلى الجميل" للفيلسوف الألماني المعاصر هانز جورج جادامر، أن كتابات جادامر لا تحمي نفسها من النقد. وهذه مسألة في غاية الأهمية، لأن مقالات جادامر فى هذا الكتاب كان لها إيقاع خاص، إيقاع يتسم بالنزعة الإنسانية التي تشعرك أنه يخاطب القارئ العام، لا الباحث المتخصص فحسب. هذا بالرغم من أنه كان منظّراً أكاديمياً من الطراز الأول.

وإذا أردنا أن نبحث عن مصدر الإيقاع فى الكتابة الحرة، فسنجد أنه ينبع من عمق الفكرة وبساطة التناول، فما يميزها في هذا الصدد، إنما هو اعتمادها على نفسها، وخبرة كاتبها الذاتية، الثقافية والحياتية، فلا تحتشد بالمراجع، ولا تتكئ كثيراً على أقوال الآخرين، إلا إذا جاءت هذه المراجع وتلك الأقوال كجزء من الخبرة الذاتية والمخزون المعرفي للكاتب. لذلك تعتمد هذه الكتابة على الذاكرة أكثر مما تعتمد على المراجع المكتوبة، وهو ما يحقق لها إيقاعاً سريعاً ومتدفقاً، وما يضمن لها أن تصل إلى عقل ووجدان المتلقي بسهولة ويسر. إضافةً إلى أنها تبرز شخصية الكاتب، وتمكّن القارئ من التعرف على أفكاره وقناعاته الحقيقية.

وعلى مستوى اللغة والأسلوب تبتعد الكتابة الحرة عن اللغة الاصطلاحية، قدر الإمكان، ولا تتورع عن أن تستخدم كلمات تقليدية أو مستهلكة مادامت هذه الكلمات هي الأكثر تعبيراً عن الفكرة، وفى ذات الوقت ليس هناك ما يمنع من استخدام كلمات وتعبيرات جديدة للسبب نفسه. فالمعيار هو القدرة على توصيل الفكرة من أقصر الطرق، الأمر الذى يجعل للوضوح الأولوية على الغموض، وللبساطة الأولوية على التعقيد.

 كما أن الكتابة الحرة، لا تعرف التمييز بين أسلوب علمي وآخر أدبي، وإنما تعتمد منطقة أسلوبية تقع بين الواقع والخيال، لأنها تستهدف الكشف عما هو إنساني فى كل الموضوعات، وتعمل على تحرير الكاتب والقارئ على السواء من وهم الموضوعية، و أساطير المعارف النهائية والحقائق المطلقة. فالكتابة الحرة تقدم اقتراحات، و زوايا جديدة للنظر، ولأنها حرة فربما تفتقد إلى شيء من الدقة العلمية، لكنها، بفضل الخيال، تمتلك روح المغامرة، ما يجعلها قادرة على كسر المألوف، و إحداث الدهشة التي تحرك العلم والفلسفة الأدب.

وفى كل الأحوال ينبغي أن ندرك أن ليس ثمة كتابة أفضل وكتابة أسوأ، في سياق العمل الجاد، لكن هناك ميدان لكل كتابة، وكل ميدان له أصوله وقواعده المتعارف عليها لدى المنتمين إلى هذا الميدان. وبهذا المعنى تظل للكتابة الأكاديمية أهميتها وميدانها الذى تعمل فيه، وكذلك تظل للكتابة الحرة أهميتها وميدانها الذى تعمل فيه، غير أن الكتابة الحرة تتميز عن الكتابة الأكاديمية فى كونها يمكن أن تكون جسراً تعبر من خلاله الأفكار الأكاديمية إلى القارئ غير المتخصص، ما يحقق لها الذيوع والانتشار، ولعل في ذلك يكمن السبب في أن بعض الأكاديميين يعمد إلى إعادة طرح أفكاره الأكاديمية فى الصحف والمجلات غير المتخصصة، بأسلوب الكتابة الحرة، حتى يضمن لها درجة أعلى من المقروئية. لكن يظل التحدى الأكبر في قدرة الأكاديمي على نقل الإيقاع الحر الذى تتمتع به الكتابة الحرة إلى الكتابة الأكاديمية نفسها.

 

د. ماهر عبد المحسن

 

 

احمد عزت سليمالمواقف تتغير.. لكن عالم الموضة لا يزال غير مرتاح مع النساء الكبيرات - مهما كانت مشهورة أو غنية.. بغض النظر عن مدى جمال وجههن.. إن الارتقاء بهن إلى مكانة أيقونية هو عقبة نفسية معقدة لحكام الجمال.. إنهم بحاجة إلى فتاة كإيلان الأنيقة في رموز جمالهم والمرونة ... يحتاجون إلى خطوط طويلة وحواف حادة.. إنهم بحاجة إلى النساء اللواتي يمكن أن يتناسب مع أحجام العينات الرائعة ...

ولكن بدلاً من العمل في فراغ، فإنهم يعملون الآن في بيئة إعلامية مجتمعية جديدة.. لقد لاحظ الناس العاديون ما إذا كان المصممون لديهم مجموعة متنوعة من النماذج، وإذا لم يكن لديهم، يمكن للنقاد التعبير عن غضبهم على وسائل التواصل الاجتماعي ويمكن لجيش غاضب من النفوس المتشابهة التفكير أن يرتفع ويطلب التغيير.. سهلت الوسائط الرقمية على القصص حول النماذج الهزيلة وفقدان الشهية أن تصل إلى عامة الناس، ولدى الجمهور الآن طريقة للعار والضغط على صناعة الأزياء للتوقف عن توظيف هؤلاء النساء النحيفات... أصبح موقع Fashion Spot المكان النهائي للموضة المهووسة بما في ذلك مراجعات منصات العرض، وأسلوب المشاهير والأزياء، واتجاهات الموضة والجمال، والمصممين، والنماذج على الويب وكهيئة رقابة على التنوع، حيث يصدر بانتظام تقارير عن الانهيار الديموغرافي على منصات العرض ... كم عدد نماذج اللون؟ كم عدد النساء زائدات الحجم؟ كم منهن متحولون جنسيًا؟ كم عدد النماذج القديمة؟

قد يعتقد المرء أنه مع تقدم العمر في المصممين، سيبدأن في إبراز المسنات في عملهن ... لكن النساء في الموضة جزء من نفس عبادة الشباب التي ابتكروها .... هم البوتوكس والنظام الغذائي. يقسمون بالطعام الخام و SoulCycle وهي شركة لياقة بدنية مقرها مدينة نيويورك تقدم دروسًا في تمرينات ركوب الدراجات في الأماكن المغلقة ومنذ تأسيسها في عام 2006 ... كم مرة ترى مصمم سمين؟ شخص ذو شعر رمادي؟ لا يزال المصممون يستخدمون عبارة " السيدة العجوز " لوصف الملابس غير الجذابة ... الفستان " الرعوي " هو ثوب غير جذاب أو قديم ... اللغة تجعل التحيز واضحًا ,,. لكن النساء اليوم لا يأخذن الأمر بالطبع ... ثاروا ... إن جعل كلمة " قديم " مرادفة لميزة " غير جذابة " لن تكون ببساطة قائمة ....

ولقد دفع انتشار العلامات التجارية الفاخرة في الصين وأمريكا اللاتينية وأفريقيا المصممين إلى التفكير في أفضل طريقة للتسويق لهؤلاء المستهلكين مع تجنب حقول الألغام الثقافية ... لقد اضطروا إلى التنقل في تفتيح البشرة في أجزاء من أفريقيا، وثقافة لوليتا اللطيفة المضحكة في اليابان، والهوس بجراحة الجفن المزدوج في دول شرق آسيا، والتحيزات المسبقة للملونة، في كل مكان تقريبًا ... يحتاج الجمال المثالي إلى تعريف جديد ... من سيقوم بفرزها؟ وماذا سيكون التعريف؟ ...

في الغرب، تشارك وسائل الإعلام القديمة الآن نفوذها مع وسائل الإعلام الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وجيل جديد من الكتاب والمحررين الذين بلغوا سن الرشد في عالم متعدد الثقافات أكثر بكثير - عالم لديه نظرة أكثر مرونة للجنس ... جيل الألفية الجديدة، أولئك الذين ولدوا بين عامي 1981 و 1996، لا يميلون إلى الاندماج في الثقافة السائدة، بل إلى الوقوف بفخر بعيدًا عنها ... يتم كتابة التعريف الجديد للجمال من قبل جيل الصور الشخصية : ـــ الأشخاص الذين هم نجوم الغلاف لسردهم الخاص .

لا يتم تعريف الجمال الجديد من خلال تسريحات الشعر أو شكل الجسم، حسب العمر أو لون البشرة ... أصبح الجمال أقل مسألة جمالية وأكثر عن الوعي الذاتي، والتبجح الشخصي، والشخصية ... يتعلق الأمر بالأذرع المحفورة والرموش الصناعية والجبهة غير المبطنة ... ولكن يتم تعريفه أيضًا من خلال البطون المستديرة والشعر الفضي اللامع والعيوب الدنيوية ... الجمال هو جيل الألفية الذى يتجول في المدينة في " طماق " وهو لباس نسوي ضيق ومثير تلبسه النساء الغربيات من أجل لفت الإنتباه وقد كان سابقا لباسا داخليا إلا أنه في السنوات الأخيرة قد انتشر بقوة الآن وأصبحت تخرج به الفتيات وأصبح موضة عالمية وهناك من الرجال من يلبسه في الٍأونة الاخيرة، وأصبح أعلى محصول، ومع بطنها البارز على حزام خصرها .. وكما شاب يسبح على مدرج يرتدي حذاء فوق الركبة وسراويل قصيرة للرعي ...

 

مستشار التحرير:  أحمد عزت سليم

 

وداد فرحانقال لي ولدي ذات يوم: "عناقك يشعرني بنبضك في قلبي". لعنة كورونا أفقدتنا عناق الأحبة، وتمكنت منا وأجلستنا أمامهم، والقلب يرف كجنح عصفور محب للقاء عصفورته.. 

سلوكيات إنسانية مستجدة، حتى في نوع المشاعر ونبض القلب.

هل أن وقفة صمت أمام من تحب تعادل مصافحة الكوع الذي يشبه لقاء في متنزه؟..

تحول بارد من القبلات إلى النظرات، وحركات إيمائية صماء، بعيدة عن القلب والوجدان..

أؤمن أن العناق وجدان المحبة والنبض حب وحياة..

أحيانا يفقد الكلام معناه، وربما تكون النظرات مواساة، لكن العناق يمطر الروح بلهفة الشوق..

كورونا آفة، إضافة إلى أنها أوقفت كثيرا من المرافق الحياتية في بقاع المعمورة، جففت منابع الحياة بطريقة وبأخرى، وكل يوم تستجد بما يبعد الأحبة أكثر وأكثر..

عودتنا الحياة على فقد من نحب في غفلة، وها هي تفقدنا كل المشاعر والوجدانيات من حولنا..

عجلة الحياة تدور وتدور معها الرحى.. ويبقى الشوق إلى عناق الأحبة هو الأبدي!.

 

وداد فرحان- سيدني

 

صادق السامرائيالضرورة: الحاجة .

الضرر: الأذى، الخسارة، الشدة.

إذا تساءلنا هل نحتاج الشعر؟

فالجواب ربما سيكون بنعم، والبعض ينفي الحاجة للشعر، خصوصا في الزمن الذي فقدت فيه الكلمة قيمتها ودورها في الحياة الفكرية والثقافية، وتميعت اللغات وراحت البشرية تلهث وراء لغة تجمعها، وتضعها في وعاء التواصل الإجتماعي الذي يسعى لضمها.

وعندما نتساءل هل نحتاج الموسيقى والرياضة والغناء والمباريات والألعاب والفنون بأنواعها، سيكون الجواب إنها موجودة معنا منذ الأزل وستبقى ترافقنا إلى الأبد، فهي جزء من لوحة الحياة أو بانروما وجودنا الأرضي.

وكل ما فينا وحولنا فيه منفعة وضرر، ويمكن إستعماله في الموضعين، وكأي مخترع أو مبتكر، يكون الإبداع متحركا بإتجاهين متعارضين، فقد يضرنا وينفعنا في ذات الوقت.

والشعر كغيره، قد يضر وينفع، فهو ضرر وضرورة في آن واحد.

يكون ضررا عندما يغرق في السلبية والبكائية وتسويغ الأحزان والرثائيات وتمرير الأضاليل،  والإمعان بالتداعيات وتبرير الإنحرافات، وتفريغ النفس من قدرات التحدي والمنازلة والتسلح بالتفاؤل والأمل.

فهل أضرّنا الشعر؟

ما كتبناه على مدى ما يقرب من عقدين، لم يساهم في بناء الرؤية الفكرية والثقافية الحضارية المعاصرة، وطغت على معظمه المشاعر السلبية، فهو رثائي بكائي مشحون بالندب وجلد الذات وما يتصل بها، وما قدم صورة مشرقة تمنج النفس الوطنية القدرة على المنازلة والتحدي والإصرار والإيمان بالتحقق والنماء.

فربما يمكن القول أن للشعر ضرورة قليلة وضرر كبير، فما أوجدت المرحلة الصعبة شعرا يستوعبها وينطلق بها إلى آفاق التحقق الوطني والإنساني الأعظم.

وقراءة لما يُنشر في أية صحيفة أو موقع، يشير بجلاء إلى أننا لا نزال معتقلين في الرثاء والفخر والنرجسية الفتاكة والغزل، والكلام السريالي الهروبي الذي يخشى المواجهة والتصدي، بل أن الميل نحو ما لا يمت إلى الواقع بصلة ذات قيمة تأثيرية وتثويرية قد تنامى واستفحل.

فهل عندنا شعر بالمعنى الحضاري والمعرفي للشعر، أم أننا نستنسخ ونقلد الآخرين، ونستهين بقدراتنا وما عندنا من جمان الشعر الذي لا نستوعبه ولا ندرك ما يعنيه؟!!

وهل أبدعنا أم إتّبعنا؟!!

وأرجو أن لا يغضب الشعراء!!

 

د. صادق السامرائي