حسام محي الدينإستطاع "سالم بخشي" الروائي العراقي المتألّق في روايته "إنانا ونبّاش القبور" الصادرة عن دار ضفاف في بغداد عام  2018  أن يضعنا على منصّةِ معاناته المجتمعية العفوية، التي تتأتّى من مأساوية المشهد العراقي بين الحرب والموت والظلم والتهجير، في حيرة الرؤيا الوجودية النابعة من أسئلة المصير الانساني التي تحضر في تاريخ كل أمة من الامم، والتي تقدم لنا المعادل الموضوعي لذلك الواقع الذي لا يفتأ يطارد شخصياته في ذواتهم المتشظية بين مشاعر مختلفة من حب الولد والزوج الى حب الوطن والارض، إلى اظهار وحشية الحكام في فترات محددة، وهو – أي الكاتب – في كل ذلك لا يحاولُ اخفاء شخصيته وموقفه الروائي بشكل تام، وانما يظهر بين الحين والآخر كراوٍ عليم داخل كَوْنِ القصّ في اللحظة التي لا تعود الحاجة ماسّة الى سرد الشخصية الروائية بعد أن تستنفد ما يجب ان تقوله . وبمعنى آخر فإن تبادلاً لوظيفة الراوي العليم تنتقل بين مشاهد الرواية بين الكاتب وشخصياته كل على حِدَة، بسلاسة ابداعية لا يكادُ يحسُّ معها القارىء بتبدُّل ضمير الغائب (الكاتب)  بضمير المتكلم (الشخصية) وذلك لانغماسه في تقصي التفاصيل المتسلسلة مع تصاعد الحدث الروائي . واذا ما اشتعلت الرواية بالصور الرمزية بين إنانا والشيطان والخضر وغيرهم والتي تحاول التعبيرعن دلالات مأساوية الواقع العراقي في فترة ما،  فإن  تقنيات الرواية الجديدة قد حضرت بقوة في بِنى النص السردي، فمن ثبات المكان وتماهي الازمنة، الى الانحرافات السردية المتكررة، الى حلقات سردية متداخلة، فضلاً عن كسر النمط الكلاسيكي لصورة البطل الروائي المعروفة، حيث جعل الكاتب شخصيات روايته متساوين في البطولة، ولكلٍّ منهم دوره المؤثر في مجريات احداثها، بما يخدم غاياته الفنية، ويجسدُ كينونة تلك الغاية أصدق تجسيد . وغير ذلك فإن "سالم بخشي" لمس معاناة الانسان العراقي بمطاردته تفاصيل حياته اليومية المُرهقة، والامساك بتلابيبها وتوليفها في سردية طرية العود أطلقها بعدئذٍ إلينا - الى المتلقي او الجمهور – مقتفياً سمات تاريخ المجتمع العراقي عبر سنواتٍ طويلة سابقة ولاحقة لروايته بحيث تصلح لأن تتكلم بإسم العراقي المؤمن الصالح المسالم المقهور في كل حين ومكان من تاريخ العراق الحديث . فمن "رغد" التي تعاني في دفن أبيها، الى الأم (أم حكيم) التي مات أبناؤها وحفيدها في تفجير انتحاري، كما واستشهد زوجها في حرب 1973، الى " ام ثامر " التي ايضاً توفي ولدها، إلى حادثة جسر الكاظم التي أيضاً راح ضحيتها المئات من الشهداء، كان كلُّ ذلك التاريخ والحاضر - وربما لاحقاً المستقبل - المأساوي من الموت سائداً في ثنايا النص السردي للكاتب، الذي كان صوت المعاناة لذلك المواطن العراقي المطحون معنوياً وعضوياً  تحت عباءة الانظمة او السياسات التي تتوالى على التحكم بالبلاد والعباد، والذي - أي الكاتب - نجح  في ايصال موقف وجودي متقدم مما يعتري العالم من حوله .  إنّ قراءةً نقدية وافية لرواية " إنانا ونباش القبور " في عُجالة، لا تحيط بمجملِ سماتها الروائية في اسئلة الدِّين والمحبة والحرب والموت ولكنها بالتأكيد أرضية صلبة لتأسيس وانطلاق إرادة الوصول الى تحديد المصير الانساني والاجابة عن أسئلته التي تُطرح في كل مكان وزمان عبر التاريخ .

 

حسام محيي الدين  / لبنان

 

تعتبر مكتبة الأسكوريال مقصداً لكثير من الباحثين، لاحتوائها على ثروة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. وقد بلغت مخطوطاتها نحو عشر آلاف بلغات متعددة. منها حوالي ألفين باللغة العربية. وهو أكبر عدد تضمنته المكتبات في إسبانيا. وليس هذا كل ما تجمّع في أقبية الاسكوريال من المخطوطات العربية مؤخراً حتى اليوم، فبعد بناء الاسكوريال جمعت بعض المخطوطات من القواعد الأندلسية واستمر هذا الجمع حتى أضيفت إليه سنة 1612م ثلاثة آلاف مخطوطة، وبذلك بلغ عدد المخطوطات العربية وحدها في قصر الأسكوريال نحو عشرة آلاف مخطوطة، ولكن سنة 1671م شب حريق أكل أكثر هذه المخطوطات ولم يفلت منها غير ألفين هي المتبقية اليوم.

لقد كانت المخطوطات العربية التي احتوتها مكتبة الاوسكوريال هي صورة ناطقة عن عظمة الحضارة العربية في القرون الوسطى ودليل على دور العرب في الحضارة النسانية .

من هنا لابد من وقفة تامل في قصة المخطوط العربي في اسبانيا وضرورة العناية بالمخطوطات العربية في كل مكان لدراستها والاهتمام بها لما لها من اهمية في تاريخ التراث العربي وتوضيح ابعاد الحضارة العربية . وفي الاندلس ارتبط الكتاب العربي بوجود العرب والقائمين على الحضارة العربية هناك ولكنه لم يخرج بخروجهم وبقى رغم كل الظروف التي مرت .

حيث ان الوجود العربي في اسبانيا استمر لاكثر من ثمانية قرون فان سقوط غرناطة لم يكن نهاية الوجود البشري العربي ولا نهاية التاثير العلمي والثقافي والحضاري العربي في اسبانيا .

قد بدأت قصة المخطوط العربي في الاندلس منذ الفتح العربي مع نهاية القرن الاول الهجري واستقرت باستقرار العرب حتى غدت الاندلس مركزا جديدا من مراكز الفكر والحضارة في تلك الحقبة من الزمن واصبحت قرطبة وغرناطة وطليطلة في حركتها العلمية الثقافية ندا لبغداد ودمشق والفسطاط على ان التفاعل الحضاري والتبادل بينهما كان يسير بشكل منظم، فكانت الرحلات من الاندلس الى المشرق وبالعكس مستمرة، وكانت الصلات التجارية والثقافية متشابكة ومبيرة، ومن خلال هذه العلاقات ولثناء الرحلات انتقل الكتاب العربي وتقاربت المعارف، ومن يتطلع الى نمو الثقافة العربية في الاندلس وخلال فترة زمنية قصيرة يدرك سرعة انتقال الكتاب العربي والجهود الكبيرة التي بذلت في استنساخ المخطوطات التي ظهرت في المشرق العربي، بل ان جهود الامراء العرب في قرطبة كانت كبيرة باتجاه بناء صرح حضاري في الاندلس من خلال:-

اولا:- تشجيع حركة التاليف والترجمة والبحث.

ثانيا:- تشجيع العلماء في المشرق العربي للانتقال الى الاندلس ورعاية اهل العلم والفن للاسراع في هجرة العلماء والمبدعين اللى الاندلس.

ثالثا:- نقل الكتاب العربي واستنساخ المخطوطات العربية التي تصدر في المشرق العربي.

وقد ادى هذا كله الى نشاط ثقافي شامل، ساعد في شيوع الكتاب العربي وانتشاره في دور العلم و المساجد التي كانت جامعات حقيقية . وقد كان عصر الحكم المستنصر عصرا ذهبيا في الاندلس حيث انشئت دور خاصة للاستنساخ فقد جاء في كتاب " المعجب في تلخيص اخبار العرب " لعبد الواحد المراكشي نقلا من كتاب عن اخبار قرطبة (كان بالربض الشرقي من قرطبة) (أي الضاحية الشرقية  -  مئة وسبعون امرأة، كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي ...) هذا في ناحية من نواحي قرطبة فكيف بجميع اطراف الاندلس.

كما كان لحكم المستنصر 250- 266 هجري (961- 976 م) عمالا مكلفون باستنساخ الكتب القديمة ام الحديثة في كل من بغداد ودمشق والاسكندرية، ومن قصص اهتمامة بالكتب انه سمع بتاليف الصفهاني كتابه (الاغاني) فارسل اليه الف دينار من الذهب فبعث الاصفهاني بنسخة من كتابه قبل اخراجه الى العراق .

ان كتابات الباحثين والمستشرقين امثال الدوميلي وتوماس ارنولد وجاك ريسلر تؤكد ان الكتب والمخطوطات العربية في اسبانيا هي اساس بدء النهضة في اوربا كما انها النتاج الحضاري العربي الممتد من بغداد الى قرطبة .

واعتبر قصر الاوسكوريال من اعظم الصروح الملكية في اوربا في ذلك الوقت، فقد اهتم الملك فيليب الثاني شخصيا بببانئه عام 1557م وامر بتزويده بكل زخرفة متميزة ومواد البناء من رخام واحجار واخشاب واهتم بالمكتبة التي احتلت الجناح الايمن من القصر والتي اشتملت ليس فقط على الكتب والمخطوطات المهمه بل الرسوم والتحف النفيسة وكان الملك فليب قد اصدر امرا بايداع أي مخطوطة او كتاب يعثر عليه في جميع انحاء اسبانيا الى هذه المكتبة غير ان عدد الكتب والمخطوطات العربية خصوصا قد زادت بشكل مفاجئ حين استولت سفن الملك فيليب الثالث سنه 1612 م على المنطقة الساحلية من المغرب مابين اسفي واغادير حيث تم الاستيلاء على مكتبة مولاي زيدان سلطان المغرب والتي كانت تظم اكثر من ثلاثة الاف مجلد نفيس.

هذا وان الهجرة المعاكسة من الندلس الى بلاد المغرب العربي حيث حمل المهاجرون ماتيسر لهم من الكتب والمخطوطات تؤكد ان التراث الاندلسي قد تشتت بسبب تلك الهجرة وبسبب التعصب ومارافق مطاردة العرب من حملات احراق الكتب والمخطوطات العربية في ساحات المدن الكبرى كغرناطة وقرطبة واشبليا وطليطلة وغيرها .

وفي عام 1671 م حيث شب حريق هائل في قصر الاسكوريال التهم الكثير من الكتب ولم يبق من المخطوطات والمتب العربية الا ما يقدر بثلاثة  الاف كتاب ومخطوطة.

 

ا. م. هديل عادل كمال

 

ضياء نافعقال صاحبي، انك لم ترسم صورة تفصيلية ومتكاملة عن مجلة (قضايا الادب) الروسية في مقالتك عن هذه المجلة المهمة (انظر مقالتنا بعنوان – عن مجلة قضايا الادب الروسية)، وان المعلومات التي جاءت في تلك المقالة كانت نظرية بحتة و تخطيطية فقط ان صح التعبير، وان هذه المعلومات غير كافية لتعريف القراء العرب تفصيليا وتطبيقيا بمجلة ادبية تمتلك اهميتها وتاريخها في مسيرة روسيا منذ ان كانت سوفيتية، ثم استمرّت (المجلة) بالصدور في ظل نظام روسيا الجديد ولازالت تصدر لحد الان . وأضاف صاحبي قائلا، ان تلك المقالة واقعيا - (يتيمة!) بالعربية، اذ لا توجد مصادر عربية كثيرة وكافية تتناول الصحافة الروسية و اصداراتها بشكل عام ولا تتناول ايضا تلك المجلة بشكل خاص، ولهذا فان تلك المقالة جاءت (مبتورة! كما قال صاحبي) وتحتاج الى اضافات تفصيلية و توسيع الجانب التطبيقي والعملي فيها . قلت له، ان المصادر العربية في كل المواضيع الروسية تقريبا غير كافية بشكل عام، وان هذه المهمة الواسعة الآفاق تقع على عاتق الجانبين الروسي والعربي في مجملها النهائي، وبالذات على التعاون بين الدولة الروسية والدول العربية في المجالات الرسمية والشعبية، وانها قضية كبيرة جدا لأنها تتطلب وضع الخطط المسبقة وتوزيع ادوار المساهمة من كل جانب ومسؤولياته المحددة، و لا يستطيع شخص واحد او حتى عدة اشخاص ان ينجزوا هذه المهمة مهما حاولوا ومهما كانت امكانياتهم وطاقاتهم . أتفق صاحبي معي في هذا الرأي، لكنه أضاف، انه كان يمكن لي ان اورد - مع ذلك - امثلة محددة مما تنشره تلك المجلة من بحوث ومقالات وتعليقات وملاحظات ...الخ كي تكون عند القارئ صورة محددة وامثلة ملموسة عن مضامين تلك المجلة . ضحكت أنا، وقلت له، انني أشرفت على اطروحتين في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد، واحدة عن الادب الروسي في مجلة الاقلام العراقية، والثانية عن الادب الروسي في مجلة الثقافة الاجنبية العراقية (انظر مقالتنا بعنوان – اطاريح الماجستير التي أشرفت عليها)، وكم كنت أتمنى – بعد الانتهاء من عملنا ذاك - ان يصدر في العراق فهرس متكامل (فهرس ليس الا) يتضمن اشارة الى عناوين كل المقالات حول الادب الروسي في تلك المجلتين فقط، ومع ذلك لم نستطع تحقيق هذه (الامنية!) رغم انجازنا الاطروحتين بنجاح في حينها، فكيف تريد يا صاحبي العزيز ان أعطيك امثلة عن المقالات والبحوث وغيرها في مجلة (قضايا الادب) الروسية، والتي تصدر منذ اكثر من ستين سنة في روسيا دون انقطاع ؟ اقتنع صاحبي طبعا بما قلته بشكل عام، لكنه – مع ذلك – أخذ (ينغبش) كما نقول بلهجتنا العراقية، و سألني، هل استخدمت مواد هذه المجلة في مقالاتك عن الادب الروسي مثلا؟ وكيف؟ واين؟ فقلت له نعم طبعا، لكني لا استطيع الان الاشارة الى التفاصيل بالضبط، وان ذلك يقتضي مراجعة شاملة ودقيقة لمقالاتي، رغم اني استطيع الان ان اضرب مثلا لاهمية المجلات الادبية الروسية بشكل عام، والمثل هو مقالة لي بعنوان – تولستوي والتولستويون، والتي اخذتها في حينها من مجلة (نوفي مير)، واردت ان اترجمها كاملة من تلك المجلة لاهميتها واصالتها، اذ انها كانت تتناول مفهوم (التولستوية) في روسيا وانتشارها في بعض الدول الاخرى، اي المفهوم العالمي لنظرية تولستوي الفلسفية وكيف انعكست هذه النظرية في التطبيق العالمي، ولكن ظروفي آنذاك لم تسمح لي بذلك مع الاسف، ولهذا اضطررت ان اعطي خلاصة وافية لتلك المقالة ليس الا، ومع ذلك، فقد استقبلها القراء بايجابية، بل ان مجموعة من طلبتي (الذين عشقوا اختصاصهم بعد تخرجهم !) لاموني، لان هذا الموضوع المهم لم يكن ضمن مفردات مادة تاريخ الادب الروسي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد عندما كنت اقوم بتدريس تلك المادة في القسم المذكور آنذاك .

ختاما، ومن اجل الا (يزعل !) صاحبي وربما بعض القراء الاعزاء، قررت – مع ذلك – ان ارفق في نهاية هذه التفصيلات (الصغيرة!) عن تلك المجلة (الكبيرة!) نماذج لعناوين مقالات مختارة ومنتقاة من العدد السادس لعام 2018 من عمرها (المديد!)، نماذج لمقالات ارى انها ربما تستحق الترجمة الى العربية، او في الاقل، تستحق الاطلاع والتأمّل، او تستحق التفكير العميق حول مختلف جوانبها، او تستحق طبعا جمعها وترجمتها واصدارها بكتاب خاص يضم مقالات مختارة من مجلة (قضايا الادب)، و يضاف الى المكتبة العربية في الادب الروسي، ليكون واحدا من المصادر العربية المهمة للقراء العرب وللباحثين العرب ايضا في مجال الادب الروسي، وهذه العناوين هي:

 1 - تورغينيف في مرآة علم الثقافة المعاصر

2- اصدارات (قصائد في النثر) لتورغينيف في فرنسا اثناء حياته .

(كان عام 2018 سنة الاحتفال بالذكرى 200 لميلاد تورغينيف)

3 – ترجمة جديدة مع هوامش ل (كلمة عن فوج ايغور) (وهي ملحمة صادرة في القرن الثاني عشر باللغة الروسية القديمة، وتعدّ واحدة من بدايات الادب الروسي . (وبالمناسبة فقد ترجمها الى العربية في حينها المترجم العراقي خميس حرج نشمي - انظر مقالتنا الرابعة بعنوان المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي)

4– اوسيب ماندلشتام بين كييف.. ولينينغراد.. (1927 – 1929) . المصادر الحقيقية لشعر ماندلشتام ونثره .

5 – بين كافيرين و بونين .

6 – الجسر كرمز..في رواية الجريمة والعقاب .

هل تريدون المزيد ؟ 

 

  أ.د. ضياء نافع

 

نور الدين صمودعرفنا في بداية تكويننا الثقافي والعلمي اسم العالم الموسوعي الكبير فؤاد أفرام البستاني عن طريق سلسلة "الروائع" التي كان يُعَرِّفُ فيها بالشعراء والكتاب والعلماء والأدباء العرب من الجاهلية إلى العصر الحديث، ثم عرفته بعد ذلك عن كثب في الجامعة اللبنانية ببيروت، عندما كان رئيسا لها، وكانت له، إلى جانب رئاسته للجامعة، محاضرات ودروس يلقيها على طلبته، ولم يكن يتقيد فيها بموضوعها الأساسي بل كان يتوسع فيها توسعا محمودا غير محدود يفتح فيها أقواسا تفضي إلى أقواس، وقد بقي منها في الذاكرة الشيء الكثير في شتى المواضيع الخارجة من عناوينها الأساسية، من ذلك أنه تعرض (ذات محاضرة) إلى (البهائية) تعرضا علميا لا يمكن أن يجده، من يريد أن يعرفه، في كتب الأعلام ولا في دوائر المعارف.

لقد فتح أستاذنا البستاني قوسا - عن هذه النِّحلة أو الدين الذي يستقر مناصروه في يافا من أرض فلسطين - تعرَّضَ فيه تعرُّضا طريفا إلى زعيمها (عبد البهاء أو البهاء الأبهى)، وما زلتُ أذكر أنه قد قال عنه، (إن جبران خليل جبران كان سبب شهرته في أمريكا، وذلك أن جبران رسمه رسما جميلا، فتعلقت به كثير من النساء الأمريكيات واعتنقن دعوته أو ما دعاه دينا)،

ولعل هذه الكلمة من أستاذنا البستاني لم تكن لِتعلقَ بذاكرتي لو لم أكن قد عرفتُ قبل ذلك في تونس بعضا من أتباعه المناصرين الذين يصطادون من يرون فيهم استعدادا للتجاوب معهم، وكان لهم مناوؤون يقفون ضد دعواهم بالمرصاد، وقد تعرفت في بداية خمسينيات القرن العشرين على اثنين (أخ وأخته) قدما من مصر، وكانت لي صلة بواحد من أتباع البهائية لإشرافه على حصة أدبية كان يذيع فيها ما يصله من محاولات(الأدباء الهواة) بالإذاعة التونسية عندما كنت في بداية الطريق، ثم توطدت علاقتي به بعد ذلك وعرفته معرفة ثقافية، ورغم ذلك فإنه، للحقيقة والتاريخ، أشهد أنه لم يحدثني عن هذا المذهب، ولم يحاول جذبي إلى البهائية، وقد صار لي صديقا، عندما أصبحت معروفا في عالم الأدب.

لقد مرت على ملاحظة البستاني المتعلقة برسم جبران الذي كان سببا في شهرة زعيم البهائية عقود عديدة، ظلت خلالها تقفز إلى ذاكرتي، إلى أن تحققت من صحتها عندما أقرأتُ رسالة كتبها جبران إلى صديقته الأمريكية (ماري هسكل) نشرت ترجمتها في كتاب (من وحي رسائل جبران المجموعة الأولى اختارها وترجمها بتصرف إميل خليل بيدس) وهي مؤرخة في 19 نيسان (أفريل) 1912.

ومن خلالها نفهم أن جبران قد نام ليلة ذلك اليوم مهموما تحت كابوس من جراء ما حل بسفينة "تيتانيك" التي غاصت في البحر قُبيل كتابة تلك الرسالة بخمسة أيام، واستفاق على ذلك الكابوس الذي سماه المترجم ضاغوطا.

وهذه هي الرسالة بتارخ 19 نيسان "أفريل" 1912 (قبيل الفجر، داعب جفني الوسنُ. الهواء متشرِّبٌ برائحة المأساة. "التيتانيك" التي غاصت في اليَمِّ بما تحمله من بشر..نغّصني الفِكرُ، ورمضتني الكارثة – هؤلاء الأبرياء – ذرفتُ الدمع الهتون.

نهضت في السادسة وضاغوط الكارثة لا يفارقني..ولكن الاغتسال بالماء البارد، ثم فنجان القهوة فرّجا عن مخنقي).

وانتقل جبران إلى الحديث عن رسم عبد البهاء، فذكر الوقت الذي بدأ فيه رسمه والوقت الذي انتهى فيه منه، وإلى الحاضرين والحاضرات بصفة خاصة، وذكر الانطباع الذي خلفه رسمه في نفس صاحبه ونفوس أتباعه وفي نفس جبران أيضا فقال:

(في السابعة والنصف كنت مع عبد البهاء، رئيس البهائيين في بلاد فارس.

في الثامنة بدأنا العمل. وتوافد الناس وجُلّهم من النساء. جلسوا خاشعين ينظرون بعيونٍ لا تَطْرِفُ.

في التاسعة اكتمل الرسم وابتسم عبد البهاء. ما هي إلا كفتحة عينٍ وغمْضتِها حتى أقبل عليَّ الحاضرون باندفاع عجيب، هذا يهنِّئُني، وهذا يشد على يدي – كأنني أسديتُ لكل واحد خدمة – وهذا يقول: معجزة! هبط الوحْيُ عليك! وذاك يقول: اكتشفتَ روحَ المعلم! كلٌّ قال كلمته..وقال هو باللسان العربي: "الذي يعمل مع الروح لا يفشل، فيكَ قوَّةٌ مستمَدّةٌ من الله!" واستدرَك: "الأنبياء والشعراء يرتوون من نور الله!" وتبسّم ثانية – وكانت في بسمته قصة عاصفة، قصة سوريا وبلاد العرب وبلاد فارس.

أتباعه أحبّوا الرسم لأنه صورة كالأصل..وأنا أحببته لأنه تعبير عن الناحية الأفضل مني.

جفوني ثقيلة، الكرى أثقلها. أتكفيني ساعاتٌ ثلاث؟ أنام فيها وأستعيد القوة المبددة؟!  "خليل")

ومن خلال هذه الرسالة تأكدت أن أستاذنا البستاني قد كان على علم بهذا الرسم الذي رسمه جبران لعبد البهاء، وأن ما قاله لنا صحيح، أما أنه كان سببا في شهرته فهذا يحتاج إلى ما يؤكده.

وقد كتب جبران رسالة أخرى إلى ماري هسكل في 16 أياّر(ماي) 1912 أي بعد أقل من شهر من الرسالة السابقة، تحدث فيها مرة أخرى عن عبد البهاء فقال: (عاد عبد البهاء إلى نيويورك منذ أيام قليلة. أقامت له لجنة السلام النسائية حفلة كبرى في فندق أستور، تكلم عدد من الخطباء، وكان السلامُ موضوعَ الحديث الذي هطلت به الألسنُ. السلام...السلام... السلام الدولي..العالَمي. شيء مملٌّ، إعادة متعبة، بلا طعم، بلا نكهة، السلام... السلام... ترديد وإعادة.. جرس على وتيرة واحدة. السلام منية الدهور، والدنيا أصغر من أن تبلغ الوطر. أنا أقول: ليكنْ هناك حربٌ! ليستعرِ الأوارُ! ليقتتل أبناء الوطن إلى أن تُسفكَ آخرُ قطرة من الدّم الملوّث! لماذا يهجس الإنسان بالسلام وهو محروم من راحة النفس في نظام يستحق الزوال، بلْهَ محكوم عليه بالزوال). "خليل"

وهي رسالة تستحق التأمل والتمعُّن والتحليل، نفهم منها أن جبران لم يكن متأثرا بما يَدَّعيه البهاء وأتباعه في أمريكا خاصة، ويبدو أن أتباعه كانوا مبهورين بهيأته ومظهره وأُبَّهَتِهِ وببهجته وبالرسم الذي وضعه له جبران أكثر من إعجابهم بما يدعو إليه من نِحلة، وأما دعوته إلى السلام فهو شعار خلاب يجلب الجميع، لكن الكلام الذي كانوا يرددونه في ذلك الاحتفال، كان اجترارا باردا غير مقنع أو مؤثِّر.

وقد أبدى جبران في رسالته رأيا غريبا حول الحرب والسلام يحتاج إلى نقد ومناقشة وَرَدٍّ وتساؤل لمعرفة أسبابه ودواعيه.

 

أ . د: نورالدين  صمود

 

سوف عبيدالقصيدة الأخيرة: بادئ ذي بدء نقرأ عنوان القصيدة وهو ـ القصيدة الأخيرة ـ والقراءة تحتمل أكثر من معنى فيحتمل أن يكون المقصود أن الشّاعر يعرض علينا آخر ماكتب من القصائد ومن الممكن أيضا أن تكون بمعنى أنّها خاتمة القصائد لديه.. إنها على كل حال تبدأ بداية غريبة عجيبة فلكتابة هذه القصيدة يطلب الشاعر عشرين يدًا وورقةً على مدى الغابة الاِستوائية لأنها قصيدة اِستثنائية لا تقدر يدٌ واحدةٌ على كتابتها ولا ورقةٌ عادية أن تتّسع لها ناهيك عن قلم عاديّ ليكتبها فلابدّ للشاعر إذن من قلم بحجم نخلة أمّا الحبر فإنّ محبرة عادية ليس بوسعها أن تكون كافية لكلمات هذه القصيدة لذلك يطلب الشّاعر أن يغمس ذلك القلم الكبير في مِداد غزير لا يمكن أن يكون إلا من بئر .

فيا عجبا لهذه القصيدة التي لا تقدر على نسخها إلا عشرون يدًا ولا يَسَعُ نَصَّها إلا ورقةٌ بمساحة غابة اِستوائية ولا يمكن كتابتُها إلا بقلم كالنّخلة طولا أمّا حبرُها فهو من مَعين بئر فالمحبرة لا تفي بكتابة نصّها .

أريدُ ليْ عشرين يدًا

 وورقة ً باتساع ِ غابة ٍ اسـتوائـية 

 وقـَلما ً بحجم ِ نخلة

مع بئر ٍ من حبر ٍ أسود  ..

ـ 2 ـ

القصيدة الأخيرة ليحي السماوي قصيدة ليست كالقصائد فهي تتحدث عن الفقراء والأطفال والأمّهات وعن تجّار الحروب وعن السّاسة والقرويّات والشّعارات بتعابير جديدة صادمة ومن خلال أوصاف مُغايرة لما تعوّدنا عليه من مفردات مستعملة في سِجِلّات لا تخطر على بال القارئ إنّه تعبير صادم ومزعج يريد الشّاعر من خلاله إحداث الزّلزال القوّي وإيقاع الشّرخ الكبير في المتقبّل للقصيدة لعلّ الشّاعر يبلّغ الهَوْل العظيم الذي أصابه والاِشمئزاز الذي صار يشعر به في وطنه حيث يقول:

فأنا أريدُ

 أن أكتبَ قصيدتي الأخيرة َ..

 عن فقراء يُزاحمون الكلاب َ

 على ما تجود به ِ

  براميل ُ نِفايات ِ المطاعم  ..

 عن أطفال ٍ استبدلوا آنية َ الشـَحاذة ِ

 بالدُمى   ..

وصناديقَ صبغ ِ الأحذية ِ

بالدفاتر المدرسية ِ..

عن الأمهات اللواتي جفـَّتْ أثداؤهنَّ

فخلطن الحليبَ بالنشـَأ  ..

عن تجّار الحروب

الذين  يخلطون الطحينَ بنشارة ِ الخشب  ..

والتبغَ بروثِ البقر ِ..

عن الساسة الذين تخّشـَّبوا

لفرط تشبُّث ِ" عجيزاتهم " بكرسيِّ السلطة

متسببينَ

 في إصابة الوطن بالبواسير ..

عن القرويات يبحثن في الحقول عن الروثِ والبَعْـر ِ

للمواقد الطينية ِ

 في وطن ٍ يطفو فوق بحيرة  نفط ..

 عن الشّعارات التي اتـَّـسختْ منها الجدران ..

ـ 3 ـ

فاجعةٌ هذه القصيدة حينًا ومؤلمة حينًا وتثير السّخط أحيانا وتبعث على الاِشمئزاز بل القَرف أيضا فقد كشفت الوجه البائس والتّعيس للأوضاع التي يعيشها الإنسان العربي الذي إلى أيّ حدّ يمكن أن نطلق عليه صفة الإنسان وهو يعيش ولا يحيا أو يحيا ولا يعيش...؟؟؟

الشّاعر رافض بل مشاكس وهو غير منسجم مع المتعارف عليه في سلوكيّات النّاس وحتّى في ممارسات مختلف الشّعراء المتهالكين على المنابر والموائد وتظلّ الحريّة هي الطموح والحلم لدى الشّاعر يحي السماوي الذي لا يمارسها إلا في الكتابة :

إليَّ .. إليَّ بأدوات الكتابة

 لأكتب قصيدتي الأخيرة َ

 فأقرأها  لا من على منبر في مسجد

أو مائدة في حانة ..

إنما

من على قمة جبل نفايات الحروب ..

 فأنا لا أمارسُ حريَّـتي إلآ على الورق ..

ـ 4 ـ

فاجعٌ هذا الزّمن بما فيه من ظلم وألم واِنخرام للقيم الإنسانية حتّى صار الوطن قبرا والقبر وطنا...وتلك قمّة المأساة حيث تنتهي القصيدة بخاتمة مفزعة :

ورجائي ـ لو متُّ :

 أن تتركوا عينيَّ مفتوحتين على اتساعهما ..

فأنا أريدُ أن أعرفَ

 أيهما أكثر ظلاما :

 قبري ؟

 أم

 الوطن ؟

ـ 5 ـ

القصيدة الأخيرة للشّاعر يحي السّماوي  قصيدة صادمة دمّرت أسس الجمالية الشعرية المعروفة وأبدعت جمالية أخرى هي جمالية الغرابة بل نقول ـ الاِشمئزاز ـ لكنه اِشمئزاز بديع !

سُوف عبيد ـ تونس

   https://www.soufabid.com/

.........................

 

القصيدة الأخيرة

يحيى السماوي

*

أريدُ ليْ عشرين يدا ً..

وورقة ً باتساع ِ غابة ٍ اسـتوائـية  ..

وقـَلما ً بحجم ِ نخلة

مع بئر ٍ من حبر ٍ أسود  ..

فأنا أريدُ

أن أكتبَ قصيدتي الأخيرة َ..

عن فقراء يُزاحمون الكلاب َ

على ما تجود به ِ

براميل ُ نِفايات ِ المطاعم  ..

عن أطفال ٍ استبدلوا آنية َ الشـَحاذة ِ

بالدُمى   ..

وصناديقَ صبغ ِ الأحذية ِ

بالدفاتر المدرسية ِ..

عن الأمهات اللواتي جفـَّتْ أثداؤهنَّ

فخلطن الحليبَ بالنشـَأ  ..

عن تجّار الحروب

الذين  يخلطون الطحينَ بنشارة ِ الخشب  ..

والتبغَ بروثِ البقر ِ..

عن الساسة الذين تخّشـَّبوا

لفرط تشبُّث ِ" عجيزاتهم " بكرسيِّ السلطة

متسببينَ

في إصابة الوطن بالبواسير ..

عن القرويات يبحثن في الحقول عن الروثِ والبَعْـر ِ

للمواقد الطينية ِ

في وطن ٍ يطفو فوق بحيرة  نفط ..

عن الشعارات التي اتـَّـسختْ منها الجدران ..

إليَّ .. إليَّ بأدوات الكتابة

لأكتب قصيدتي الأخيرة َ

فأقرأها  لا من على منبر في مسجد

أو مائدة في حانة ..

إنما

من على قمة جبل نفايات الحروب ..

فأنا لا أمارسُ حريَّـتي إلآ على الورق ..

ورجائي ـ لو متُّ :

أن تتركوا عينيَّ مفتوحتين على اتساعهما ..

فأنا أريدُ أن أعرفَ

أيهما أكثر ظلاما :

قبري ؟

أم

الوطن ؟

 

 

شاكر فريد حسنيعتبر الكاتب المبدع والناقد الفلسطيني” شاكر فريد حسن”، من الأسماء النقدية، التي احتلت موقعا متميزا في المشهد الأدبي والثقافي العربي، بفعل خصوصية النص النقدي الذي يكتبه، وبفضل حضوره الجميل المتميز، في الساحة المحلية و العربية، في مختلف الفضاءات الأدبية و الثقافية .

كتب الناقد والكاتب”  شاكر فريد حسن” في مجالات متعددة من فنون الكتابة، كتب  المقالة والتعليق والتحليل السياسي والنقد الأدبي، والبحث التاريخي والثقافي والفكر الفلسفي، والمعالجات الاجتماعية والأدبية، والتراجم والخواطر الشعرية والنثرية، فلقيت كتاباته أصداء ايجابية طيبة من مختلف الأجيال والأذواق،  في  داخل فلسطين المحتلة وخارجها .

الناقد الكبير ” شاكر فريد حسن ” يتمتع بذوق سليم، فهو عُدَّة الناقد ووسيلته الأولى فإليه يرجع “ إدراك جمال الأدب والشعور بما فيه من نقص، وإليه نلجأ في تعليل ذلك وتفسيره وبه نستعين في اقتراح أحسن الوسائل لتحقيق الخواص الأدبية المؤثرة  “.. كما أنه ناقد منظم، منتبه الذهن مرن التفكير، يبعث فينا شعوراً بجمال الأدب .

بإيجاز تتوافر في كتابات الأستاذ ” شاكر فريد حسن ” كل صفات الناقد المتميز، الثقافة والذوق والخبرة والدربة والتمرس،إلى جانب أنه يتمتع  بنقاء ضمير الناقد الأدبي  المحايد .

“شاكر فريد حسن” كاتب وناقد وشاعر فلسطيني، من قرية مصمص شمال فلسطين، درس المرحلة الابتدائية في مدارسها وأكمل دراسته الثانوية في كفر قرع، لم يكمل دراسته الجامعية نتيجة لظروف اقتصادية صعبة .

شاكر فريد رجل عصامي شق طريقه في الحياة بكل عزيمة وقوة ومضاء، متكئا على إرادة لا تلين، وروح لا تعرف اليأس ولا الكلل .

قال في سيرته الذاتية:  “شغفت بالكلمة، وعشقت القراءة ولغة الضاد منذ الصغر، وتثقفت على نفسي، فقرأت مئات الكتب في جميع المجالات الأدبية والفلسفية والاجتماعية والتراثية والنفسية ”

بدأت انطلاقة الكاتب والناقد شاكر فريد الواسعة في عالم الصحافة في المناطق الفلسطينية بعد عام 1967م، وأخذ ينشر كتاباته في صحف الضفة  الغربية “القدس ” و ”الشعب ” و ”الفجر” وفي المجلات والدوريات الثقافية والأدبية التي كانت تصدر آنذاك، كالفجر الأدبي والبيادر الأدبي والكاتب والشراع والعهد والعودة والحصاد، ومن ثم في صحف “الأيام” و” الحياة الجديدة”.

بعد أن قدمنا إيجازاً عن حياة ودور الأستاذ ” شاكر فريد حسن ” في إثراء الحياة النقدية الفلسطينية  والعربية .. ستناول فيما يلي لوناً أخر من نشاطه الإبداعي  .. خاصة في مجال الشعر ..

عندما تقرأ نصا شعرياً من نصوص الشاعر(شاكر فريد حسن ) تبحر في عوالم ساحرة من الجمال والجلال، فتجد تشكيلات الجمال السردي، بأبعاده  الإنسانية والذاتية والوطنية  .

في قصيدة ( منحازون ) يعلن الشاعر انحيازه للوطن الفلسطيني، الذي حلم دائما به يكبر ويتغير ويتجدد ويتحرر ..منحازون لوديانه وسهوله وناسه، لفقرائه للطبقة الكادحة من عماله وفلاحيه ..  لأغانيه الشعبية، لتراثه ومفكريه ومُصّلِحيّه .

نحن منحازون لهذا الوطن

لترابه وأشجاره … لوديانه وسهوله

منحازون لناسه … فقرائه وجياعه

منحازون لفكرهم الطبقي

منحازون للتراث لكنعان وعنات

وجفرا  وزريف الطول  والدلعونا

منحازون لرسالة الغفران …..وفكر النهضة والتنوير

في قصيدة (أبجدية الشعر) يرى الشاعر أن للشعر رسالة وظيفة، ويطالب  الأدباء والشعراء بالالتزام بقضايا الإنسان والانحياز للفقراء، ومشاركة الناس همومهم الاجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية، والوقوف بحزم لمواجهة ما يتطلّبه ذلك ..وكل شعر يخرج عن دائرة الالتزام.. فلا نكهة ولا طعم أو لون له، فالشاعر كما يتضح من قصائده، يؤكد انتماءه للطبقة العاملة .

قصائدنا بلا نكهة  … ولا رائحة ولا لون  …وبلا طعم

ان لم تكن هادفة  … وإذا  لم تنحاز للفقراء

وتنتصر للإنسان …وتحمل في ثناياها

شذا الورد  …وعبق التوليب

وحب الوطن  …والأرض

يحمل الشاعر “شاكر فريد حسن ”  حملة شعواء عنيفة  في قصيدة ” صرخة بلد “على  الخونة الذين تاجروا بقضايا الوطن والإنسان، الذين خانوا العهد فسرقوا الحب من صدور الشباب والنساء والشيوخ، ونهبوا خلسة ورقصوا على جراح الوطن،  لن نغفر لكم خيانتكم  ولن نسامحكم .. وسنحاسبكم حساباً عسيرا .. فيقول :

آه منكم ..ومن غدركم يا ….من وثقت بكم

لكن رقصتم على جراحي …وقتلتموني من وراء ستار

سرقتم الحب من …صدور الشباب

والفرح من عيون النساء

وسلبتم النصر من قلوب الشيوخ والأطفال

من الوريد إلى الوريد

لن أسامحكم ..ولن اغفر لكم خيانتكم الكبرى

ويختتم قصيدة “صرخة بلد ” بتحية الشرفاء الأحرار من أبناء الوطن، لكم أيها الشرفاء الحسنى والخير والغبطة والسعادة، كما يؤكد الشاعر على بقائه على العهد، محبا للوطن مقاوماً للاستسلام والتفريط .. فهو قصيدة غاضبة … في وجه الأعاصير العاتية .

وطوبى للشرفاء منكم ..وسأبقى على العهد

حكاية حب ..وقصيدة لا تنتهي

قصيدة غاضبة …قصيدة غاضبة

إذا كان الشاعر ( شاكر فريد حسن ) يبدو ثائراً ومتمردا مهموماً وحازماً في قصائده الوطنية التي أشرنا إليها سابقاً، معلناً انحيازه لبسطاء الشعب وفقرائه، لا يعرف المداهنة  والاستسلام والزيف…. فإننا نراه في قصائده الغزلية والوجدانية رقيقاً .. ناعم العبارة، تتسم  لغته بالشفافية المنمقة وبالتوهج العاطفي و الإحساس الصادق … ويتجلى ذلك بكل وضوح في قصيدة “ كان حلمي أن امتلكك ”  يستقصي فيها كل الاحتمالات الواردة في مسألة الحب، فيستهل الشاعر قصيدته ببيان ما يتمناه من  امتلك الحبيبة التي ستأتي لمحراب حبه متعبدة عاشقة ومعانقة، و ويبين مفهومه للحب، فالحب كالندى كالمطر كالفكرة،  ثم يضيف أنه عاجز عن تفسير هذا الحب، الذي يستثير في النفس المتناقضات، ويتساءل هل ستعذبينني باسم الحب ؟ وأنا الذي بحثت عنك كثيراً، حتى وقعت في حبك، فكتبتك بدمي على وجه الشمس، وفي سجل العشاق .

كان حلمي أن امتلكك

وأن تأتيني متعبدة في محراب

العشق …تحاصرينني …وتعانقيني

فأرتل مع البلابل والسنونو …أحبك …أحبك …أحبك

فالحب يا حبيبتي ..كالندى كالمطر كالفكرة

لا يعرف الحدود ….إنه درب الفرح

وعنوان السعادة .. أترى تحبيني كما أحبك

ام ستعذبينني باسم الحب… وكما يقولون لذة الحب في عذابه

وأنا الذي بحثت عنك طويلًا …في ليالي الشتاء الباردة

وراء الغيوم والسحب السوداء ..حتى وقعت في مصيدة حبك

فكتبتك بدم أوردتي …على وجه الشمس …وفي مدونة العشاق

يدمج ” شاكر فريد حسن ” في قصيدته الرائعة  (علمتني العشق) المثقلة بالمشاعر الإنسانية الوجدانية بين حب الحبيبة، وحب الوطن المسلوب .. فالوطن محبوب وإن سرقوه واحتلوه، نلاحظ هنا التماهي بين حب الوطن والحبيبة .. وهذا ديدن الشعراء الفلسطينيين . و في هذا المقام نذكر ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش :-  “أكتب عن الحب الذي ولد في وسط قضية فيحمل ملامحها وهمومها ويصبح جزءا منها”. لنقرأ معاً قصيدة الشاعر شاكر فريد حسن .

اسمك حبيبتي أعذب لحن ونشيد

كم تبهرني ابتسامتك .. ورقتك وجمال عينيك ..وبحة صوتك

وكم يدهشني عطرك فواح العبق

فقد علمتني كيف ..يكون العشق والوله

وأحببتك حبين ..حب الروح…وحب الجسد

وأحار بين رقتين .. فأغفو على ضفاف نهديك

وأحس برقة عود الرمان .. النابت في قانا الجليل

فأهمس في أذنيك:  آه يا وطني المسلوب

ما أجملك وان احتلوك ..وسرقوك مني

مجمل القول يتميز الأستاذ (شاكر فريد حسن) كناقد  برشاقة اللغة ولديه القدرة على بناء مفردات لغوية خاصة به، كما يتميز بالتفكير المنطقي للوصول للحقائق المرجوة من النقد، إلى جانب ذلك فهو ناقد مطلع واسع الثقافة، منفتح على الأفكار الجديدة .

وشاكر فريد حسن شاعر منتم وملتزم فكريا للطبقة العاملة .. يعبر عن همومها وتطلعاتها وآمالها، فهو شاعر يمزج بين حب الحبيبة والوطن .. لكل الود والاحترام لهذا الرجل  العصامي الملتزم .. ننتظر منه المزيد من العطاء والإبداع .

 

هاشم خليل عبد الغني – الأردن

....................

* الصورة الكاتب شاكر فريد حسن

 

 

أراني كحادي العيس أحدو صورا تسكن خاطري، تميل بي وأميل بها، تهمّ بي وأهمّ بها أكثر، فأصير كراعٍ تسوقه الإبل وتغني له كي يتبعها فيطرب لصوتها غير آبه لما سيقوله عنه معشر الرعاة إن وجدوه على حالته هذه أو لما ستقوله الإبل التي تسوقه حيث تشاء. هل تتحدث الإبل مع بعضها؟ هل يتغامزون ويضحكون على بعضهم أو يذكرون حاديهم بما يكره أو بما يحب؟ هم " أمم أمثالكم " ولكنا لا نصدق هذا القول وننتظر عالما أشقرا كي يبرهن على صدق القول أو كذبه بتجربة يطيق فهمَها عقلُ المتكبر، فما لا يفهمه عقله لا وجود له.

الإبل أكثر حياءً من كثير من البشر

ذات ليلة في مدينة تنام مبكرا وبعد وجبة عشاء تناولها الرجل مع حبيبته وابنته وذاك الواسع العينين طويل الرموش الذي يكره من كل قلبه ضرورة أن تكون ساكنا لا متحركا في مطعم يتوسط مركز المدينة، تسلل الى سمعه نغم فطرب له فتبعه، في الطريق اليه قفزت أمامه صورة لوالديه ينظران اليه مبتسمَين، ورأى أخرى لفتاة تعشق ممارسة الرياضة وتستطيع أن تعطيك تقريرا مفصلا عن كل مطاعم بغداد، ثم اُخرى لصاحبة القطط ، الكل كانوا مبتسمين، حتى القطة العرجاء المؤدبة كانت مبتسمة، تظن صاحبة القطط أنّ هناك ما يربطها بالقطة العرجاء ولكن الرجل لا يرى رابطا الا الذي يسكن مخيلتها ولا وجود له على أرض الواقع. كان مصدرُ النغم عازفَ كيتار طلب الرجل منه أن يعيد عزف ما انتهى منه لتوه، ففعل مبتسما فاكرمه بمبلغ من المال لم يتعوده ذلك العازف فاجتهد كثيرا ليرضي الرجل وعائلته، لم يشأ ذلك المستمتع بصور خياله الممزوجة بليلته الجميلة أنْ يعرف اسما لتلك الموسيقى إذ تذكر أنّ لذة الفعل الأول لا تكرار لها، فقرر الاستمتاع بلحظته مع ضحكات أميرته الصغيرة ونظرات واسع العينين طويل الرموش.

الفاعل واحد والقابِل مختلف، والقابل هو مستقبِل الفعل. تسمع الكلامَ ويسمعه غيرك في الوقت نفسه، تذوب أنت ولسان حال غيرك " ماذا قال آنفا ".

أمِنْ تَذَكـرِ جـيــرانٍ بـذي سَــلَـمِ   مَـزَجْت دمعــاً جـرى من مُقـلةٍ بــدمِ

أمْ هـبّـت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ   وأومضَ البرقُ في الظلماء مِن إضَمِ

يقول سيث ستيفنز دايفدوتز مؤلف كتاب " الكل يكذب " الصادر بالإنكليزية بأن الكذب ظاهرة يومية بل أنّ الانسان يكذب حتى على نفسه  دون أنْ يشعر ولكنه يميل لقول الصدق لمحركات البحث  الموجودة على الانترنت مثل كوكل وياهو وغيرها، وبرهن على كلامه من خلال مراجعة مليارات من المعلومات المخزونة في محركات البحث تلك، تنبأ المؤلف بفوز دونالد ترامب بسباق الرئاسة الأمريكية قبل سنتين من انتخابه رئيسا، وتحدث عن تجارب مثيرة لا حصر لها عن طريق تحليل المعلومات التي يدخلها الناس في محركات البحث وربطها بإحصائيات عن أمور شتى فتوصل الى علاقة راسخة بينهما. قد لا يقول أحدهم ما يريد قوله في استطلاعات الرأي ولكنه يعترف بأعمق اسراره الى موقع كوكل مثلا. ويقول الكاتب أيضا بأنّ مواقع الكترونية كثيرة كالفيس بوك مثلا تجري علينا تجارب يومية دون أنْ نشعر قد يصل عددها الى الالف يوميا في حين أنّ التجارب التي تقوم بها شركات الادوية العالمية مجتمعة لا يتعدى عددها بضع مئات سنويا. انها مسألة وقت فقط لتستطيع المواقع الالكترونية معرفتنا ومن ثم التحكم بنا مستقبلا شئنا أم أبينا.

إنّ تطبيقات ومواقع الانترنت المجانية التي نستخدمها يوميا تعتبر مستخدميها سلعة وفئران تجارب وتحدث الكاتب عن بعض السيناريوهات السوداء إذا ما استخدمت تلك المعرفة استخداما سيئا.

قد يقول أحدهم، ما الفائدة من ذكر ذلك مثلا في بلد يصدر النفط والأموال والعقول ويستورد كل شيء حتى الخضراوات والفواكه ومنتجات الالبان والبقول؟ لا أدري.

مَنْ أراد أنْ تكونَ كلمتُه من رأسه فلتكنْ لقمتُه من فأسه، ونظام الدولة أفضل الفؤوس، فالفأس يبني ما تصدّع، ويحرث الأرض ويزرع، يخيف العدو ويردع، فإنْ تجرّأ فيده يقطع. هل رأيت محتلا يعطي فأسا؟ فيصير البلد بلا عصا لمن عصى، ويطفو على سطحه كلُّ عاصٍ لجرأته على الباطل كما الزيت يعلو الماء فيظن المرء أنّ الإناء كله زيت. وهنا أقول: أنّ مقارنة مجتمع بلا نظام بآخر بنظام متجذر فيه لعقود طويلة لا تصح أبدا، ومن غير المعقول أن تمدح مواطني دولة بنظام أصيل وتذم آخرين بلا نظام، فالنظام هو المحرك للمجتمعات، كافل لحرياتها وحام لحقوقها ومانع لكل ما يعيق حركتها، وبغيابه تتعود العين على الفوضى فتألفها فتصير عادة، ورغم ذلك كله ترى فئة في أرقى المجتمعات تستغل أدنى فرصة لتعلو فوق الماء كالزيت، فانقطاع الكهرباء في دولة متقدمة أو حصول أحداث شغب لسبب ما كفيل بإحداث الفوضى لوقت معين ريثما يستطيع نظام الدولة السيطرة عليها ليعيد المجتمع الى حركته الطبيعية. الأجدى أن نذم أنظمة لا يحلو لها الا زعزعة أنظمتنا كأنها تفطمنا كالوليد لنعيش بقية حياتنا في حالة من الفوضى الخلاقة.

بداية الكبر والحقد من الشهوة، ورسوخ الشهوة من العادة، ومن صار آكلا للطين فكل من يحول بينه وبين الطين يصير عدوا. قالها مولانا جلال الدين قبل قرون. 

لمّـا كان الله قد وهب لعصا العدل فمـاً لتأكل الحصى وحبال سحرة فرعون التي خُـيّـل للناس من سحرهم أنها تسعى، اعلمْ أنّ كلَّ من أراد كسر تلك العصا استحق الضرب بها.

" ما تلك بيمينك يا موسى " هل من المعقول أنْ تسأل أحدا يحمل عصا عن ماهية ما يحمله؟ هنا أراد الحق أنْ يؤنس عبده ويتودد له، كأحدنا - ولله المثل الأعلى - يسأل طفلا يحمل دمية عما بيده ليزيل ما علق بالطفل من خوف أو رهبة، ولو أجاب موسى قائلا عصا وسكت لكان ذلك من سوء الأدب في حضرة جلال الله، فأراد أن يستأنس بربه فاسترسل " هي عصاي" فلا داع للضمير هي ولا داع للياء بعد عصا، وزاد الكليم " أتوكأُ عليها وأهشّ بها على غنمي" ثم أنهى كلامه أدبا لكيلا يكون مكثرا " ولي فيها مآرب اُخرى "، ولكن موسى عندما أكثر الكلام مع العبد الصالح كان الجواب " هذا فراق بيني وبينك ".

وهنا أقول:

يا مَنْ تفتشُ في القرآن عن خطأٍ   إنّ المعانيَ قد ضاقت بها الكَـلِـمُ

لا أحد، حين يحكي، يحكي كل شيء.

كَـثُـرَ الكلام وقلّت الأفعال وكُسرت العصا ولا ظلّ للفأس يحمينا من صيف المحتل، وهذا عين مراد من خاف وعد الله في سورة الإسراء ولا احسب أنّ من ظل يردد حجج المحتل البالية الا مكشوف عورة لا يستطيع سترها.

عندما يُعتصر القلب ينزف، ونزيفه هذا يعتمد على ما تشبع به القلب أولا، يقول عاشق المعنى بعد أن صار قلبه مرآةً تعكس النور خمرا يشربه أهل الطريق المعبد بالألم الى أعتاب الجميل، أنّ المفتاح هو الإحسان. كيف؟ قالها المظلوم بسخرية لا تكاد تغطي على ملامح قلبه. فأجاب العاشق: الإحسان أن تحسن حركتك في الكون، فكل حركة أدت خيرا فهي عبادة، فالبناء عبادة والتعليم عبادة واحترام النظام عبادة، والضرب على يد الباغي عبادة، وحفظ هيبة الدولة عبادة، و بناء جيش عقيدته حب الوطن عبادة، والحرص على اقتصاد الدولة وحسن التخطيط لمستقبلها عبادة، محاربة الجشع والفساد عبادة، وأفضل العبادة عبادة القلب لا الجوارح، لذلك كان الإحسان شرطا للنصر، فعندما تبلغ القلوب الحناجر، وترى دينَ الله كلٌ به يتاجر، مِن افّـاقٍ وحاسدٍ وسارق وفاجر، فهذا من سوء حركتنا - عبادتنا - في الكون ، فزَهدَ الناس في دين الله فصارت شوكة الذين جعلهم الله " أكثر نفيرا"  قوية، أي أكثر عددا ومالا واعلى صوتا.

ثم زاد ذلك الثمل بالمعنى: نسارع لاستنكار قتل مصلين في مسجد سكن مشرق الشمس، ونشجب ونستنكر أفعال دولة سكنت مغربها على الدوام، نلوم الزمان والمكان والحال والأحوال والمبتدأ والخبر والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، نلوم من يقصفون عربا ويسبون عربا ويحتلون عربا، نلوم حتى دواب الأرض ولا نلوم تلك الأمارة بالسوء وهي تقتلنا قبل أعدائنا، ننام ورائحة الحرام من اجسادنا قد وصلت السماء السابعة ونستغرب أنّ دعاءنا لا يجاب. الله طيب لا يقبل الا طيبا وعبادتكم تفوح منها رائحة البصل.

وخالف النفسَ والشيطانَ واعصِهما   وإنْ هما مَـحّـصـاك النُّـصحَ فاتّـهـمِ

مـولاي صـلّ وسـلــّم دائـمـا أبــــدا   على حـبـيـبـكَ خيـرِ الخـلقِ كـلّـهــمِ

يـا رب صـلّ علـى مـحمـدٍ وعـلـى    ساداتــنــا آلــــه وصَحــبــه الكِــرَمِ

يقول ابن سينا: لما غلا ثمني، عَــدِمت المشتري.

لا يكتب الحُرّ الا انتصارا للجمال، كملك عرشه من حجر ما ضرته عروش من القشَ تخاف الماء والنار. متى خافت الصخرة أكوام القش؟

 

د. تميم امجد توفيق

 

ضياء نافععاش الكساندر سرغييفيتش غريبويديف 34 سنة (1795 – 1829)، وعاش الكساندر سرغييفيتش بوشكين 38 سنة (1799 – 1837) (كلاهما – وياللغرابة - بنفس الاسم واسم الاب !!!)، اي ان غريبويديف كان اكبر من بوشكين اربع سنوات فقط عندما كانا على قيد الحياة، و ليست هذه الفترة كبيرة بين الاثنين، رغم انها انعكست في بداية مسيرة حياتهما بشكل واضح المعالم، اذ لم يشارك بوشكين في الحرب الفرنسية – الروسية (عندما هجم نابليون على روسيا عام 1812)، فقد كان عمر بوشكين آنذاك 13 سنة ليس الاّ، اما غريبويديف فقد تطوع للمشاركة في الحرب، ولكن كلاهما ذهبا بعدئذ للعمل في وزارة الخارجية الروسية . اصبح غريبويديف سفيرا لروسيا في طهران وهناك قتله المتطرفون الاسلاميون عام 1829(انظر مقالتنا بعنوان – تمثال غريبويديف في طهران اولا، ثم في موسكو ثانيا)، اما بوشكين فلم يكن ياخذ بنظر الاعتبار عمله في الخارجية، لكنه اصبح مع ذلك (سفيرا في روسيا وفي العالم !) للادب الروسي كما كتب أحد الباحثين الروس وهو يحاول المقارنة بينهما ، وتم قتل بوشكين ايضا في مبارزة مع اللاجئ دانتيس عام 1837 . اتهمتهما الحكومة الروسية بعد حركة الديسمبريين 1825 بالانتماء الى تلك الحركة، وحقّقت معهما (جرى حتى استدعاء غريبويديف واحتجازه رهن التحقيق لفترة طويلة)، ولكن لم تثبت الحكومة اي شئ ضدهما، وألغت بعدئذ كل الاجراءآت ضدهما بالنسبة لهذه القضية.

لاحظ الباحثون، ان بطل مسرحية غريبويديف الشعرية (ذو العقل يشقى، وهي النتاج المركزي له) كان بعمر بوشكين، وان بطل رواية بوشكين الشعرية (يفغيني اونيغين، وهي النتاج المركزي له ايضا) كان بعمر غريبويديف، ومن المؤكد ان ذلك جاء بمحض الصدفة ليس الا، الا ان ذلك – مع هذا – اصبح موضوعا للتأمل لدى الباحثين الروس الذين يدرسون موضوع المقارنة بين الاديبين وفي كل المجالات المتنوعة وبالتفصيل، اذ أشار بعضهم، الى ان بوشكين اراد ان يكون بطله في روايته الشعرية تلك (انضج منه، اي من بوشكين نفسه)، وان غريبويديف اراد ان يكون بطله في مسرحيته الشعرية (اصغر منه، اي من غريبويديف نفسه). لكن كل نقاط التشابه والتباين في هذه الدراسات الادبية المقارنة (وما أكثرها طبعا) بين الاثنين لم تؤثر على المحصلة الاخيرة والنهائية، و التي جعلت الباحثين الروس يسمون غريبويديف (مولير روسيا)، ويسمون بوشكين (شكسبير روسيا)، وهناك دراسات واسعة وعميقة بالروسية حول دور غريبويديف و دور بوشكين في تاريخ المسرح الروسي ومسيرته وتطوره.

لقد كانت العلاقات بين غريبويديف وبوشكين علاقة الند للند، بل ان غريبويدف كان يبدو بعض الاحيان حتى أكثر سطوعا من بوشكين بموقعه المتميّز (والذي كان يتقدّم في ذلك الموقع الوظيفي بوضوح) في وزارة الخارجية الروسية، ومعرفته للعديد من اللغات (منها لغتنا العربية قليلا، انظر مقالتنا بعنوان غريبويديف والمتنبي)، رغم ان بوشكين أصبح طبعا في تلك الفترة واحدا من أكبر الاسماء وابرزها في دنيا الادب الروسي شعرا ونثرا ومسرحا وصحافة . ومع كل هذا، فان بوشكين وغريبويديف لم يصبحا صديقين قريبين، رغم انهما كانا يعرفان بعضهما البعض والتقيا عدة مرات معا، ولكن عندما قتلوا غريبويديف في طهران، فان بوشكين كان من ضمن المستقبلين لجثمانه في القوقاز، وقد كتب بوشكين عن ذلك في كتابه (رحلة الى ارضروم) (الذي ترجمه الزميل عبد الله حبه عن الروسية قبل فترة وجيزة وصدر عن دار المدى في بغداد )، وتحدّث بوشكين في ذلك الكتاب عن تاريخ تعارفه بغريبويديف وطبيعة علاقاته معه.

النقطة الاساسية في موضوعة بوشكين وغريبويدف، والتي يركز عليها الباحثون الروس عندما يتناولونها في بحوثهم (وهم على حق)، هي الآراء التي طرحها بوشكين حول مسرحية غريبويدف (ذو العقل يشقى)، هذه الآراء التنبؤية بكل معنى الكلمة، والتي توقع بوشكين فيها ان تتحول الكثير من مقاطع تلك المسرحية الى حكم وامثال روسيّة، وهذا ماتم فعلا . آراء بوشكين حول مسرحية غريبويديف جاءت في عدة رسائل شخصية كتبها بوشكين لاصدقائه ومنهم بيستوجيف وفيازمسكي في اواسط العشرينات من القرن التاسع عشر، وقد دخلت هذه الرسائل باعتبارها وثائق في مؤلفات بوشكين الكاملة، وكذلك تم نشرها في كتاب بعنوان – (بوشكين عن الادب)، وهو كتاب يضم كل المقالات والملاحظات التي كتبها بوشكين حول الادب والادباء .

موضوعة بوشكين وغريبويديف لازالت مطروحة وحيوية في تاريخ الادب الروسي وفي مسيرة دراسات الادب المقارن (في اطار الادب الروسي نفسه)، ولكن هذه الموضوعة بعيدة عن قضايا الادب الروسي في العالم العربي، اذ لا يعرف القارئ العربي لحد الان النتاج المركزي لغريبويديف – (ذو العقل يشقى)، وبالتالي لا يعرف طبعا اهمية هذا الكاتب وقيمته في مسيرة الادب الروسي كما يجب، اذ لم يتجاسر اي مترجم عربي على ترجمة تلك المسرحية الشعرية لحد الان حسب علمنا المتواضع . دعونا نأمل ان نرى هذه المسرحية الشعرية بالعربية يوما ما ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

اسماء محمد مصطفىالرد بالكلمات على حاقد او حاسد مضيعة للوقت. الإنجازات خيرُ رد. *****

بيننا، مَن تجربته فيها وجع كبير وجمال كبير أيضاً، كل دمعة فيها حكاية، كل حكاية فيها درس إنساني، كل درس يجعله حين ينظر الى نفسه عبر مرآة الروح لايرى الوجع بمقدار ما يرى الجمال الذي اكتشفه واستطاع أن يصل اليه او ينميه أكثر مروراً على جسر المعاناة والحرمان والأذى، وقد لايكون للجسر نهاية، كذلك قوة الروح والعقل والجمال ليست لها نهاية .

*****

لستَ بخير، لكنك بخير !!

حين يجعلك الألم شخصاً أفضل، ذلك مؤشر بأنك على مستوى عالٍ من النضج .. تؤذيك الحياة فتقابلها بعطاء قد يخفف من آلام الآخرين .

*****

لاتحن ِ رأسك لهزات الزمن . انظر الى الشجرة المسنة تعاند الريح وتواصل شموخها في السماء ورسوخها في الأرض بالرغم من شظايا خريفها .

*****

لاتقسُ في حكمك على قلب لم يبلغ سن الرشد أمامك، فهو قد يتعمد التصرف بطيش، طمعاً بوصايتك .

*****

منذ طفولتك ظلمتك الدنيا كثيرا وحرمتك من أمور وأشياء كثيرة، من بينها أبسط حقوقك، ولطالما شعرنا بدمعتك المتوارية وراء هيبتك، لكن هذه الحياة مثلما حرمتك، منحتك حب بناتك وأولادك واحفادك وكل من يعرفك، زرعتِ الحب وحصدته حباً، تتحولين الى محاربة شرسة حين يحاول آخرون إيذاءنا، صحيح يقلقنا حرصك المفرط، لكننا ورثنا عنك روح المحارب الشرس .. وتلك القوة التي تجعلنا نتصدى للرياح العاتية ونعاندها حتى ننتصر ونحقق مانريد .. وقفتِ معنا جميعا، ومعي كنت خير سند في محنتي ونوبات مرضي وأحطتِ طفلتي برعايتك عند غيابي .. شكرا لأنك أمي .

*****

كل مصدر او شكل او صيغة او وسيلة من وسائل الإتصالات الثقافية يثري بلاشك، المشاهدة والاستماع تثريان الفكر لكن بدرجة أقل من القراءة، فهما لاتغذيان لغة المشاهد او المستمع كما تغذي القراءة لغة القارئ كتابة وتحدثاً، فعل القراءة أقوى تأثيراً في لغة الكتابة او التعبير عن الفكرة، لأن التركيز على اللغة في القراءة أقوى من المشاهدة، كما أن القراءة تمنحك فرصة أكبر للتخيل والتأمل، ذلك أن بإمكانك أن تتوقف عند سطر ما لتتأمل ماقرأت، ولكن المشاهدة ترسخ المعلومة في الذاكرة أكثر لأنها مرتبطة بصورة إلاّ أنها سريعة فلاتمنحك فرصة التأمل وتفحص اللغة بمقدار ما يمنحه الكتاب . مثال على ذلك : رواية تقرؤها وفيلم مأخوذ عن الرواية، الرواية الكتاب تقدم لك أحداثاً في لغة تركز عليها بقراءتها فتتأمل وتتخيل وتستنتج، أما الرواية الفيلم فهي أحداث مصورة وحوارات (لغة) لكن الاستفادة اللغوية من الحوارات تكون أقل مما في الكتاب، كما أنّ الفيلم لايمنحك فرصة كفاية لتفكر، وإلاَ تسبب التفكير بقطع في المتابعة .

*****

عادة تحوم القطط حول القمامة في البيوت بحثا عن طعام لها، ويقوم الناس بطردها حفاظا على النظافة .. ولكن، من الجميل واللطيف أن تضع بعض الطعام الزائد عن حاجتك مما تستسيغه القطط والكلاب والطيور قرب عتبة بيتك او على سطحه كي تشبع جوعها، وتكون بذلك قد عملت خيرا .افعل ذلك يومياً او بين وقت وآخر وستشعر بالراحة لأنك تساعد هذه الحيوانات المسكينة الضعيفة .

 

أسماء محمد مصطفى

 

حسام محي الدينيرتدي المسرح العربي حلّة متجددة كلما تقادمت الأيام، ويندفعُ مؤزّراً بشخصيات مسرحية هامة في التأليف والاخراج والتمثيل كرؤية فنية واعية موائمة لطبيعة المناخ السياسي والاجتماعي القائم والذي تدور حوله بالضرورة نتاجات المسرح الحالي . وهذا جِدُّ مُجْدٍ بعدَ المراحل التاريخية التي قطعها المسرح العربي منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى يومنا، بل بالتحديد منذ منتصف ذلك القرن حيث ظهرت ملامح هوية عربية مسرحية انطلقت من لبنان مع المسرحي والمؤلف المخضرم اللبناني " مارون النقاش (1817 – 1855) الذي استغل مهنته كتاجر وجاب في اوروبا وبالتحديد ايطاليا مطلعاً على الفن المسرحي فيها عياناً ومتأثراً به لا شكّ،وهو ما تجسد لدى عودته الى لبنان في المسرحية الشعرية العربية الاولى التي ألفها ومثلها النقاش في بيته في بيروت عام 1848  بعنوان " البخيل " التي حاكى فيها مسرحية موليير الشهيــــــــــرة "L avare  " والتي بدَتْ فيها موهبته الحقة تلتها اعمال اخرى، تأثر فيها بالمسرح الغربي ولكنه ألبسها الزي العربي لغةً ومواءمةً مع الذوق العام وقتذاك . بعد وفاة مارون النقاش اقتصر النشاط المسرحي في لبنان  على حفلات المدارس والارساليات والمعاهد العلمية في لبنان فانتقل النشاط المسرحي الى مصر، وسافر اليها سليم النقاش ابن أخ مارون وغيره من ابناء وطنه كيوسف الخياط، وسليمان القرداحي واسكندر فرح (الذي كان الشيخ سلامة حجازي أحد اعضاء جوقته المصرية حيناً من الدهر)، الذين ألفوا الفرق المسرحية وقدموا عروضاً كثيرة جلّها في القاهرة لحقهم ايضاً من لبنان فرح انطون الذي كان ناقداً ومسرحياً في آن معاً، إلى جورج أبيض اللبناني ايضاً الذي ارسله الخديوي آنذاك الى فرنسا للتعلم ونقل الفن المسرحي الى مصر وهو ما حصل فعلاً فكان جورج أبيض كما يقول الدكتور علي الراعي " أول ممثل عربي يتلقى فنون التمثيل بطريقة علمية على يد فنان فرنسي كبير هو : سليفان " . أما النصوص التي اعتمدت آنذاك فهي في غالبيتها المترجمة عن الفرنسية، مع بعض النصوص التي تناولت التاريخ العربي، ولكنها جميعها انصبت على الجانب الاخلاقي التربوي في تمجيد الامة وابطالها والتعلق بمآثرها .

بعد هذا العرض الوجيز الذي افتتحناه بمارون النقاش الذي ولد المسرح على يديه في لبنان والذي اعتمد النص الادبي كأساس في نجاح اللحظة المسرحية في حينه، لا بد من الانتقال الى " أحمد ابو خليل القباني " (1833 – 1903) في سوريا الذي بدأ نشاطه بعد سنوات من وفاة النقاش وطرْقِه باب المسرح العربي، فقدّم في دمشق العام 1871  مسرحية " الشيخ وضاح ومصباح وقوت الارواح " ثم عرض مسرحيات اخرى عديدة  قبل ان ينتقل ايضاً الى مصر لمتابعة نشاطه المسرحي هناك مع فرقته المسرحية الخاصة ، دون اعتماد وتفضيل النص الادبي كالنقاش،  بل مؤثراً الغناء والرقص لانجاح المسرحية في مواقفها التي طغت عليها الكوميديا بشكل عام، فضلاً عن القصص  والسير الشعبية وبعض النصوص التي اقتبسها عن الاتراك، وهو وان جاء مسرحه  اضعف نصّاً من نصوص النقاش الا أنه فتح الطريق امام العمل المسرحي الشعبي  الساخر والناقد رقصاً وانشاداً وموسيقى ولم يتأخر في اللحاق بنشاط المسرحيين اللبنانيين الذين سبقوه الى ارض الكنانة عارضين ما في جعبتهم الفنية المسرحية على الملأ .

ويبقى الى النقاش والقباني  المُبدع " يعقوب صنوع " (1839 – 1912 ) المصري المولد والمنشأ الذي تهيّأت له الظروف فسافر الى اوروبا وعاين المسرح كنظيره النقاش سابقاً، ثم عاد الى مصر وقام بتأسيس فرقة مسرحية كأقرانه الذين سبقوه وعاصروه، وعرض اعماله التي وصل عددها الى اثنتين وثلاثين مسرحية، معتمداً فيها الاوبريت لأول مرة، ولكنه اصطدم بعد نشاط كبير  بالخديوي الذي اعتبر بعض مسرحياته ضد السلطة وقتذاك، فتوقف نشاطه وانتقل الى باريس وتوفي فيها بعد ان عاش فيها سنوات طويلة ناشطاً ادبياً وسياسيا.

إنّ الرواد الثلاثة مارون النقاش وابو خليل القباني ويعقوب صنوع هم وبشبه اجماع الباحثين الثالـــــــوث أو " الترويكا " العربية المُبدعة التي قام عليها المسرح العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر، فشكلوا بالتوازي زمنياً ومكانياً وفكرياً تأصيل وريادة الفكرة المسرحية العربية الحديثة : الأول في مسرحه الجاد المؤسس على النص الادبي، والثاني في مسرحه النقدي الشعبي الكوميدي، والثالث في مسرحه الاوبرالي الغنائي . وهي انماط  ثلاثة وان تأثرت بالفكرة الغربية للمسرح وبالنصوص المقتبسة الى حد كبير من ابداعات الفرنسيين والايطاليين وغيرهم الا انها رسّختْ أسُس اكتمال فن ادبي لا يزال يشكل الوجه الحضاري للتاريخ العربي في الادب والدراما، دون اغفال توالي العمل المسرحي الخالص تأليفاً وتجسيداً فيما بعد مع تطور مراحل التاريخ المسرحي العربي حتى اليوم،  ودون التغاضي عن النشاط المسرحي العربي العام بعد ذلك والذي نشأ وتطور في البلدان العربية الاخرى ولكن بعد عقود طويلة من ولادته في مصر وسوريا ولبنان .

 

حسام محيي الدين / لبنان

 

 

عقيل العبودالفن كما يبدو، مَثَلُهُ كمثل الثوب، تتبدل ألوانه كما صورته وشكله بتبدل أصحابه ايضا.

لذلك مقارنة، والمسرح كنموذج، بين فن البارحة، وفن اليوم، نجد ان القياس باطل، كونه مع الفارق لا يصح.

وفن المسرح بناء، مزاج، وشعور، وذوق، وأخلاق، وجمهور، وخشبة.

نعم فهو قضية شعوب ومجتمعات، بل وقضية امم وسياسات، فهو روح وخلق بفتح الخاء، وخلق بضمها.

 فهو اقصد المسرح تحديدا، المفتاح الى الرقي والخلود، هو ارقى مفردة من مفردات علم الجمال، بكل فروعه، فهو النحت، والرسم، والموسيقى، والغناء، والديكور، والتصميم.

ولذلك تراه يدخل في الوجدان، والشعور، لذلك يطيب لي تسميته بعلم الخلق، والاخلاق، بل هو علم الفضيلة بذاتها عندما يحقق أهدافه الإنسانية، وهو الإبداع والجمال بذاته. 

والعبارة الشهيرة التي قيلت بحقه، ما زالت بغض النظر عن قائلها حية الى هذا اليوم في الاذهان والوجدان- (أعطني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا مثقفا).

فالشعوب هي التي تصنع الحياة، ولذلك القارئ لمسرح أسخيلوس يدرك انه كان قد بقي خالدا، لإنه اختار لغة الجمهور بجانب لغة الفنان.

 نعم المسرح يصنع الحضارات، فهو فن الصوت، وفن اللون، وفن الحياة.

وبغداد كما لا يخفى، حتى في ظل سلطة الطغاة بقيت خالدة في عمقها المسرحي.

بقي قاسم محمد، وخليل شوقي، وبقيت ناهدة الرماح التي فقدت بصرها لحظة ادائها المسرحي ذات يوم، بقيت مؤسسة السينما والمسرح مع شذى سالم ومع مسرحيات بغداد الازل بين الجد والهزل، ومع مسرح الستين كرسي، وجميع الفنانين الذين ادوا رسالتهم منذ ذاك الحين خالدين لا تسع ذكراهم هذه الصفحة البسيطة من المقال هذا.

ولكن بعد ان تبدلت الألوان، واستبيحت لغة الذائقة وأنتهكت حرمة هذه المقولة من مقولات الإبداع المقدس، أقول يا حسرتاه على الفن الخائب والردئ، يا حسرة على ما يسمى بفن هذا الزمان....

 

عقيل العبود

 

ضياء نافعقضايا الادب هي ترجمة لتسمية هذه المجلة الروسية الشهيرة، وهناك من يترجمها – شؤون الادب، وهناك من يترجمها – مسائل الادب، وربما توجد ترجمات اخرى لتلك التسمية، وكل هذه الترجمات صحيحة طبعا، وكلها جاءت نتيجة لان المترجم العربي (والقارئ العربي طبعا) لا يستسيغ (وهو على حق) ان يسمّي هذه المجلة على وفق تسميتها الروسية وهي – (فابروسي ليتيراتوري)، كما نسمّي الصحف والمجلات الاجنبية المعروفة بلغاتها الاصلية، مثل (برافدا) بالروسية او (فيغارو) بالفرنسية او (نيويورك تايمز) بالانكليزية، وهناك عشرات الامثلة الاخرى طبعا في هذا المجال وبمختلف لغات العالم ...، اي ان بعض تسميات هذه الصحف والمجلات لا تتلائم مع لغتنا العربية وتبدو ثقيلة ومعقدة جدا في لفظها وكتابتها (وبالتالي لا يتقّبلها القارئ العربي)، ولهذا نضطر ان نطلق عليها ترجمة التسمية، ومنها هذه المجلة الروسية، التي نريد ان نتحدث عنها قليلا هنا في مقالتنا هذه .

مجلة (قضايا الادب) الروسية واحدة من المجلات المهمة والرئيسية  في روسيا، وقد  تأسست عام 1957 في الاتحاد السوفيتي في مرحلة استقرّت تسميتها في التاريخ السوفيتي ب (ذوبان الجليد)، وهي مرحلة معروفة بعد وفاة ستالين وبداية انحسار ظاهرة (عبادة الفرد) المرتبطة به وكل الشرور التي حدثت نتيجة لها. استمرت المجلة بالصدور منذ ذلك التاريخ و لحد الان . لقد كان الهدف من تأسيسها هو اصدار مجلة علمية تتناول النقد الادبي وعلم الادب وتكون خاصة للباحثين في هذا المجال العلمي اولا، وتكون في نفس الوقت مجلة عامة لكل القراء المهتمين بذلك (وهي مهمة ليست بسيطة كما يعرف المتخصصون باصدار المجلات)، ولهذا السبب تم تكليف اتحاد الادباء السوفيت ومعهد غوركي للادب العالمي معا للاشراف عليها، وقد نجحت المجلة فعلا بتحقيق هذا الهدف .  كانت هذه المجلة تصدر شهريا في الاتحاد السوفيتي، الا انها في الوقت الحاضر تصدر مرة كل شهرين، اي بمعدل ستة اعداد سنويا، وباشراف مؤسسة (النقد الادبي)، وهي منظمة اجتماعية متخصصة يطلقون عليها تسمية (الصندوق الاجتماعي)، اي انها مؤسسة تمتلك استقلاليتها المالية.

تتناول مجلة (قضايا الادب) مواضيع ترتبط بالنقد الادبي وعلم الادب بشكل عام، ولهذا، يجد القارئ على صفحاتها مقالات تبحث في نظرية الادب، و دراسات علمية معمقة في تاريخ الادب الروسي والعالمي (مع التاكيد على بعض المناطق والشعوب المختلفة التي تسكن في اطار الدولة الروسية الاتحادية والمتعددة القوميات)، وقضايا و شؤون الابداع الشفهي الشعبي، و حاولت (خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) كذلك ان تنشر وثائق خاصة بالادب الروسي، كانت في عداد الممنوعات في ذلك العهد، والتي كانت محفوظة سابقا في ارشيفات خاصة لا يمكن الوصول اليها بسهولة، ويعد نشر هذه الوثائق في تلك المجلة مسألة معتمدة وصحيحة، اذ انها تخضع قبل نشرها لتمحيص دقيق خارج نطاق الضجيج الاعلامي والاثارة، ويتم ذلك باشراف باحثين متخصصين وبمستوى علمي رفيع .

تعاني كل المجلات الورقية في الوقت الحاضر – كما هو معروف - من أزمة عالمية كبيرة، ولا تعتبر مجلة (قضايا الادب) طبعا خارج نطاق هذه الازمة، وهكذا أخذت تصدر ست مرات سنويا كما أشرنا في أعلاه بعد ان كانت شهرية، واصبح عدد اصدار نسخها في حدود (2500) نسخة فقط، وهو عدد صغير جدا بالنسبة لدولة مثل روسيا الاتحادية، والتي يبلغ عدد سكانها اكثر من(140) مليون نسمة، ويتم توزيع اصداراتها على مئات المكتبات العامة في مدن روسيا العديدة وجامعاتها ومؤسساتها العلمية والبحثية الكثيرة، لكن هذه المجلة المحكّمة علميا، والتي لازالت محتفظة باهميتها العلمية على مستوى الاكايميات والجامعات والمؤسسات العلمية المرموقة في روسيا، والتي يسعى الباحثون العلميون لنشر بحوثهم ونتائجها على صفحاتها، استطاعت (هذه المجلة) ان تعوض عن كل ذلك، اذ استطاعت الدخول في (المكتبة الالكترونية العلمية) باللغة الروسية، وكذلك في (النظام الاعلامي - التحليلي الوطني) الروسي الشامل، وهكذا يمكن للقراء والمتابعين لها ان يطلعوا على صفحاتها، وبهذه الطريقة  احتفظت بمكانتها العلمية المتميّزة في مسيرة المجتمع ةالروسي رغم تلك الازمة العالمية للمجلات الورقية، وهو حلّ لجأت اليه الكثير من الاصدارات في العالم طبعا، وينسجم مع التقدم العلمي في مسيرة الانسان .

تحية لمجلة (قضايا الادب) الروسية والتي تصدر دون انقطاع طوال اكثر من ستين سنة، وتحية لدورها العلمي الرائد في دراسة النقد الادبي وعلم الادب .

 

أ. د. ضياء نافع   

 

نجيب طلالتغير المصطلح (المرسح: المسرح) بعدما عمَّر ردحا من الزمان شرق وغرب العالم العربي؛ ولم يتغير اليوم العالمي للمصطلح؛ وإن تغيرت الأحوال وتعاقب التطورات؛ ولا زال المسرح العربي يعاني أزمته؛ وإن يبدو في حقب سابقة لم يكن المسرح العربي يعرف ما معنى الأزمة ، مثلما يعرفها  الآن. وبالتالي فكل مسرحي في الوطن العربي من المحيط للخليج؛ يفسر مفهوم الأزمة؛ حسب ما يراه أو مقتنع به . فهل فعلا يعيش مسرحنا العربي الآن أزمة؟ أزمة في النصوص/ قاعات عروض/ قلة النفقات والمصاريف / انعدام جمهور/ غياب السوق الفنية للترويج/..../ كل هذا يتردد باستمرار؛ وإن لم يكن هو عمق الأزمة؛ التي هي  نتيجة لخلل كامن بين نتوءات النسيج المسرحي؛ ربما كنتيجة لغياب سياسة / ثقافية /مسرحية أوانعدام تخطيط  محكم بين المسرحيين والمسؤولين في اتخاذ القرارات أو لأسباب أخرى عديدة قد تخرج عن سيطرة . ارتباطا بتموقفات غامضة هي في حاجة إلى تفسير. وفي تقديري لاعلاقة لها بانعدام مناخ الديمقراطية وتضييق مساحات الحرية  وما شابه ذلك. مادام المسرح  في روحه؛ روح المقاومة في عز الشدائد والأزمات؛ لأن [ديونيزوس] ولادته تمت في مرحلتين؛ واستطاع [زيوس] إنقاذ ه كجنين لاكتمال نموه؛ بعدما سقط من بطن أمه [سيملي] وقاوم في رشده لعنة [هيرا] التي لاحقته بالجنون؛ بعدما حوله [زيوس] إلى جَديٍّ لتمويه [هيرا] فيما بعد استطاع [ديونيزوس/ باخوس] أن يحرر (الباخانيين) من سجون ( إسبراطا) ويسلط الحمق على [ليكورغ] الذي اعتقلهم؛ باعتباره حاكم منطقة (تراس) وأخ ملك ( إسبراطا ) ومشرع لقوانينها. وهكذا راح [ديونيزوس] ينشر تعاليمه في رحلة تراجيدية كل بلد يمر به، قبل أن يصعد إلى الأولمب لكي يستقبل من طرف الآلهة بعد أن استعاد كامل حقوقه. وأمسى رمزا للقوة والحيوية.

إذن؛ ففي اليوم العالمي للمرسح / المسرح؛ الذي يعد يوما غيرعادي ولا معتاد في حياة المسرحيين غربا وشرقا؛ و فرصة من الواضح جداً؛ ليست للتباكي والتشكي !بل يوما لإحياء روح [ديونيزوس] الذي يسري في عروق كل فنان/ مبدع/ مسرحي/ [قح] وليس [مزيفا] كعملة [إبليس] أو ذهنية [هيرا] وبالتالي فالاستذكار لتجديد طاقة الإشتغال في مجال إبداعي/ فني/ ثقافي/ ولاسيما أن المبدع / الفنان القح؛ دائما يسعى لتطوير عطائه وحضوره والبحَث عن إضافة نوعية  في مجاله . من أجل الحفاظ على شموخ شخصيته وعزة نفسها ومؤمنا وواثقاً من رسالته الفنية / الجمالية / الفكرية : التي يُؤْمِن بها من أجل إسعاد الإنسان وتفعيل إنسانيته؛ كمكون فلسفي في علائقه وإبداعاته وتصوراته ، وترسيخها في الكينونة البشرية والمجتمعية؛ عبر القنوات التي تبيح التأثير والتأثر والتواصل والتفاعل؛بكل صدق وإخلاص .و بلا مساومات وبلا مقابل . لأن الفنان المبدع: ذاك المؤْمِن برسالة فنية سامية؛ سواء أكانت قولا مجسدا في الأوراق والبحوث؛ أم فعلا في السلوك والممارسة الإبداعية؛ هو القدوة؛ مهما اختلفنا عن مفهومها ! والمدافع عن التعبير الحُرِّ خارج المُؤسسات الرسمية إن أمكن. إذ بين القول والفعل، لا مناص من تجْسيد حقيقي لقضايا الإنسان وهموم المواطن، وبالتالي فالمسرح العربي لا يعيش أزمة بقدر ما يعيش الآن صدمة حضارية؛ نتيجة التحولات والتطور التكنولوجي والتقني وآليات الإشتغال التواصلية والتفاعلية التي فرضت نفسها في عوالم الفعل المسرحي وغيره؛ هذا لم يستوعبه لحد اللحظة أغلب المسرحيين؛ فالملاحظ لحد الآن؛ لازال جل المبدعين يهابون ولا يتعاملون مع الشبكة العنكبوتية (الأنترنت) قراءة /كتابة /تعبيرا. وهذا لوحده يحتاج لدراسات اجتماعية/ إبيستمولوجية؛ لكي يفهم الجميع أننا نعيش صدمة حضارية كشعور؟

طبعا لا نغيب الحالة الراهنة التي عليها الوضع العربي؛ من رعب وذعر(ذاك) الناجم عن التهديد الخطير للمصالح والأهداف الجوهرية الخاصة بالمسرحيين العرب الحالية والمستقبلية؛ لكن هنالك حركية إبداعية وتظاهرات مسرحية ولقاءات متعددة المستويات؛ وهذا مثبت ومدون في عدة مواقع ثقافية / مسرحية ومجلات وصحف عربية .هنا لا يهُم قيمتها وتقييمها؛ لأن هذا موكول في زمانية الفعل التظاهري. فالأهم هاهنا : أن اليوم العالمي للمسرح مناسبة جديرة؛ بوقفة تأملية في كيفية إعادة روح الإبداع على ضوء مستجدات عصرنا ؟ فمثلا أغاني (هيب هوب) فرضت نفسها وإيقاعها؛ جعلت من أغاني الرواد بمثابة أغاني صفراء ! هكذا نؤمن؛ بواقع الحال. دونما تفريط في تراثنا وعطاء رجالاتنا . إذ  واقع الحال الذي فرض نفسه ، يمكن أن يتم تقييمه في هذا اليوم؛ وبسيط للغاية. وهكذا من خلال لقاءات مفتوحة وجلسات إعلامية عبر محطات عربية وتفعيل وسائط التواصل الاجتماعي؛ فكريا؛ وتحاوريا بعيدا عن النوستالجية ووضع أو تدوين تفاهات وتلصيق صور توحي بنرجسية مطبوعة بالفراغ القبلي والبعدي. لنؤمن أنه يوم للمصارحة ومطارحة الإشكاليات التي تعترض الممارسة المسرحية في راهنها ومستقبلها؟ وبالتالي فالفنان المسرحي اليوم في أمس الاحتياج إلى إعادة تحديد مفهوم المسرح وأليات اشتغاله ، وتسديد النظر إلى منزلته في العالم وقيمته بين المكونات المجتمعية.

فالوضع العربي يتشكل من جديد؛ في مخاض الفوضى والانتفاضات والحروب التي فرضت نفسها في سياق التحولات العمرانية والتاريخية ... وإن أثرت على الأغلب الأعم بويلاتها وأحداثها التي  انعكست ، على البسطاء والمحتاجين؛ فرغم لون الدماء التي تهرق هنا وهناك ومشاهد الجثث المتناثرة بين الأزقة والدروب والأبنية المنهارة؛بقنابل طائشة ورصاص مدمر لإنسانية الإنسان ولحضارة عربية !!  في غمار حروب طائفية وعشائرية وزعامتيه؛ هنا هل المسرحي العربي؛ يحمل مشروع توظيف ما وقع ويقع من دمار وخراب  ومواجهة قوى الإرهاب في كثير من بلدان المنطقة ، بمنظور متجدد له من الحداثة ما يلائم؛ وليس بمنظور عقود الستينيات والسبعينيات من (ق، م) لأن عجلة الزمان تتطور وبشكل سريع جدا؛ وهذا التطور كشف بكل تلقائية أن المسرح العربي خارج المنافسة الدولية والعالمية ، ولم يعد قادرًا على استقطاب الجماهير وإمتاعهم ! لأن متلقي زمن – الميديا- ووسائل التواصل الإجتماعي؛ ليس هو جمهور العقود السالفة؛ التي كانت القومية والعروبية أرضية استقطابه؛ بل هنالك قناعات وتصورات إبداعية بديلة للتعبير عن مخاوف المواطن العربي ومشاكله وهمومه وثوراته التي فرضها الربيع العربي... تلك قضايا هي  تختلف عما هو سائد الآن في مسارحنا العربية .

والمسرح  بحكم حيويته وتفاعله الروحي والفيزيولوجي؛ مهمته الأساس، تفعيل كيميائية التحولات  التي فرضت نفسها على الكل. ولا خيار أن يكون [ديونيزوس] محطة ليست للعود الأبدي؛ بقدرما هو عود لفهم الآتي باعتبار – ديونيزوس – في اليوم العالمي للمسرح : رمز للحياة الأبدية.

تلك الحياة الكامنة في زمن التكنولوجيا؛ وإعادة وضع المسرح في إطاره الذي يقتضي إيقاظ الهمم؛ وقطع السبل عمن يستغل الظروف؛ ويلعب لعبة الوجه والقناع؛بدهاء لا يتصوره العقل ولا الإحْساس حتى، على ظهر المسرح ! ويمارسون حكاية دموع التماسيح ! إذ يستفيدون جهة اليمين وما تحته؛ ويشتكون وينوحون جهة اليسار وما فوقه؛ في غفلة التيه الذي يعرفه أغلب المسرحيين؛ المتشبعين بالمصالحة بينهم وبين ذواتهم؛ ومتشبثين بروحانية [ديونيزوس] .

 

نجيب طلال

 

 

معراج احمد الندويالحداثة: حركة أدبية تتحرك مع الحياة في تغيرها الدائم. استمدت هذه الحركة مضمونها الفكري والثورة على الماضي والحاضر في كل شيئ والقضاء على كل قديم والتمرد على الأخلاق والقيم والمعتقدات من الوجودية وكذلك أخذت الغموض والابهام من الرمزية. وفي الحداثة الشعرية تعبير عن روح العصر بأبعاده وأحداثه وقضاياه تعبيرا حضاريا مما يعكس تغلغل الشاعر في عصره وارتباطه بالحياة من حوله ارتباطا عضويا وجوهريا. دخلت الحداثة في الشعر العربي بعد الحرب العالمية الثانية عندما نشأت الدعوة إلى تطوير أوزان الشعر وقوافيه بما عرف بحركة الشعر الحر. ثم ظهرت حركة جديدة تدعو إلى فلسفة الشعر العربي ليجد له مكانا في صورة الشعر العلمية المتطور.

الشعر عند العرب فن قديم يعرفونه حق المعرفة. وكانوا ينظمون الشعر منذ عصر يرجع إلى ما قبل الإسلام بفترة طويلة. وتعرف هذه الفترة في تاريخ الأدب العربي بالعصر الجاهلي. وهؤلاء كانوا يقرضون الشعر بسليقتهم وطبيعتهم. وهكذا كان الحال عند الشعراء العرب عبر عصور الأدب العربي لا يتطور الشعر العربي آنذاك مثل تطوره في عصر النهضة.

السمات البارزة لحركة الحداثة:

- الغموض: اتخذ الحداثيون العرب الغموض والابهام شعارهم في انتاجاتهم الأدبية. وقد أطلق دعاة الحداثة مقولتهم شهيرة: "ينبغي أن يكون للنص الأدبي من المعاني بعدد قرائه" وتوجد هناك احتمالات عديدة لمعان كثيرة للنص الواحد. وقال الآخر "الشعر الذي يفهم ليس بشعر" إن سبب الغموض في كتابات الحداثيين هو سقوط الغرض وعدم التزامهم بمعاني الكلمات الموضوعة لها في المعاجم، واهمال عناصر الربط في الجملة والخروج على قواعد النحو والتركيب اللغوية. ولم يكتف الحداثيون على ارتياد هذه الطرق الملتية توصلا إلى الغموض بل ذهب أدونيس إلى استخدام الأرقام والمثلثاث والمربعات والأشكال الهندسة المختلفة في قصائده. وتوسع أصحابه في هذا الاستخدام في كثير من بلدان العرب.

- نبذ التراث: بدأ الحداثيون انتهاك حرمة التراث بوصف اللغة العربية الفصحى بأوصاف تنم عن كرههم لها. فوصفوها تارة بلغة متعجرفة وتارة بلغة دينية ثم ثاروا ثورة على قواعد اللغة العربية، فنادوا بتحطيم دلالات الكلمات وتغيير قواعد اللغة. ولم يكتف الحداثيون بالهجوم على قواعد اللغة العربية باسم الحرية في الإبداع بل بدأوا يهاجمون المعتقدات الإسلامية والرموز الدينية بكل وضوح وصراحة. وخلاصة القول أن الحداثة في الشعر العربي الحديث أعلنت الثورة على الدين والتاريخ وعلى الماضي والتراث وعلى اللغة والأخلاق. 

- حرية التفكير في البحث والتعبير: اتفق روادها بأنه لاحداثة بدون حرية وحددوا طبيعة تلك الحرية التي جعلوها شرطا للتنوير والحداثة بأنها "حرية العقل والتفكيرمن سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل. فهي ترفض القديم والعقائد والشرائع، وما يصدرعنها من قيم وأخلاق وتسعى إلى إنشاء فلسفات جديدة بدلا عنها، وقوانين وضعية وقيم وتعاليم بشرية تقوم على أنقاض القديم.

الموضوعات الهامة في الحداثة الشعرية:‏

إذا كانت الحداثة العربية تعني الارتباط بالبيئة من جهة والارتباط بالحداثة في العالم من جهة‏ أخرى. فإن موضوعاتها المدن والحب والزمن والموت. وهذه الموضوعات التي تميزت بها حركة الحداثة العربية من الحركات الأخرى.‏

1- المدينة:‏ إن العلاقات بين الشاعروالمدينة قديمة جدا. ذهب فيها الشعراء مذاهب شتى في المقابلة بين البداوة والحضارة. احتلت المدينة في الشعر العربي المعاصر مكانة بارزة التي ترتبط فيه بين الإنسان والمدينة، أما الأسباب الثقافية فقد بدأت مع بدايات الحركة الرومانسية التي اهتمت بوصف الطبيعة وكان شعراء هذه المدرسة يؤمنون بالوحي والإلهام والألم والعذاب.‏ وغدت العلاقة بين الشاعروالمدينة. إن معظم شعراء الحداثة من أصل ريفي فاصطدموا بالمدينة وصدمت أمانيهم فوصفوا المدينة وبالغوا في إبراز عيوبها، ولو اختلفت آرائهم باختلاف تجاربهم وثقافتهم.

2- الحب:‏ حاول الشعراء في معظم موضوعاتهم الخروج من الجزئي إلى النسبي المتغير إلى الكلي المطلق الثابت ليهربوا من عالم الفناء إلى عالم البقاء. فخلفوا مدناً مثالية لا جوع فيها ولا ظلم، وأوهموا أنفسهم بأن الإنسان لا ينتهي بالموت. وإن الصراع الذي يعيش فيه الحالمون بين المثال والواقع، جعلهم يرسمون العالم الذي يصبون إليه أسطورياً، لا يعرف التغير، ولا يطاله الزمان، فكان الثور المجنح وإرم ذات العماد وغيرهم. ثم خلق الخيال الشعبي تجاوزاً بين الإنسان وحوريات البحر اللواتي يحتفظن بجمالهن، وزواجاً بين إنسان وامرأة من نساء الجن، وهذا مستحيل للخروج من عالم التحول إلى عالم الثبات.‏ وتعد الحركة الرومانسية في القضايا التي تتناول موضوعات المرأة والحب. انتقلت من عالمها المادي إلى المثالي ومن الجزئي إلى الكلي، ومن النسبي إلى المطلق ومن التحول إلى الثبات.

3- الزمن:‏ شغل موضوع الزمن الإنسان منذ أن بدأ يفكرعن وجوده، وقد أخذ الإنسان الأول يراقب الحياة من حولـه، فلكل من ولد عمر محدد. فيولد الإنسان ثم ينشأ ثم يصبح شابا ثم يميل إلى الشيخوخة وفي الأخير يموت. ثم أخذ يراقب دورات الفصول وتعاقب الليل والنهار وأمثالها، فكانت مشكلته الكبرى في مواجهة مصيره. ولما ابتدأ الإنسان يتأمل في الطبيعة وجد أن الحياة تختلف من كائن لآخر، فدائرة الحركة متغيرة، وهناك دائرة الحركة الثابتة أو المغلقة. وفي عصر الفلسفة تم الاتفاق على وجود عالمين: عالم الثبات وهو خارج على الزمان وعالم التغير وهو عالم زمني.

4- الموت والحياة:‏ وإن كل حياة يكمن الموت في جوفها. ادركنا أن الموت في الحياة والحياة في الموت، وليست المشكلة في كليهما، ولكن أن الإنسان هو وحده الذي يفكرعن الموت، ولذلك فإن القلق يساوره إذا تذكر الموت أو إذا أحل الموت بقريب له أو بصديق. والإنسان له طموحات كبيرة وأحلام كثيرة كان يعيش معها ويفكر عنها دائما. فإن موضوع الموت يتجلى في النواح على الفقيد وتعدد مآثره، بذلك يكون الموت في المذهب الكلاسيكي موضوعاً مستقلاً بذاته. وإذا كانت الحداثة تعني الموت المؤلف وقيام سلطة النص بديلاً من سلطة المبدع. فإن موضوع الموت يوجد عند الرومانسيين والحداثيين.‏

إن تطور حركة الحداثة جاءت مع تأسيس تجمع شعر في لبنان والذي قاده يوسف الخال رفقة عدد من الشعراء ذوي أصل سوري على رأسهم أدونيس الذي يعتبر من الأعمدة الأساسية في الحركة. فقد أعلن هذا التجمع عن تأسيس مجلة فصلية موجهة بصورة حصرية لخدمة قضية الشعر والدفاع عنها وحملت المجلة "شعر" التي صدر عددها الأول في كانون الثاني سنة 1957م. يعد يوسف الخال رائد الحداثة الأول في العالم العربي. إن الحداثة ليست في مجملها سيئة كما أيضا ليست في مجملها حسنة. فقد قدمت المفيد للغة والشعر كما قدمت مفهومات دخيلة للشعر كالرمزية والغموض وغيرها. إن الحداثة في الشعر العربي الحديث التي يعتبرها البعض نسخة طبقا لأصلها في الشعر الغربي، وعلى هذا الأساس هذا يذهبون إلى أن الحداثة ما هي إلا كغيرها من المذاهب الفكرية والتيارات الأدبية التي سبقتها إلى البيئة العربية كالواقعية والرمزية والرومانسية والوجدانية. فالحداثة هي زهرة جديدة في بستان التراث تريد أن تزرع وردة غربية اللون والرائحة في بستان الشعر العربي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

سوف عبيدتظل رسائل كبار الأدباء حافلة بمعلومات تاريخية مهمّة إضافة إلى أنها تشتمل على أبعاد فنية عديدة بحيث تصبح الرسالة وثيقة في غاية من الأهمية بالنسبة لنصوص الأديب نفسه، لِمَا فيها من إضافات أو شرح لمسيرته، و كذلك لِما يتوفّر فيها من معلومات خاصة حول شخصية المُرسَل إليه، أو أن تلك الرسائل تتعلق بجوانب دقيقة من المرحلة التاريخية أو السّياق العام الذي كتبت فيه وقد تضمنت ـ المجموعة الكاملة ـ للأديب ميخائيل نعيمة الصادرة عن دار العلم للملايين ـ ببيروت ـسنة 1964 في المجلد الثامن منها عديد الرسائل التي كتبها إلى أدباء و مريدين كثيرين من بلدان مختلفة في العالم من بينهم بعض التونسيين من الأدباء مثل محجوب بن ميلاد ـ وأبي القاسم كَرُّو ـ وناجية ثامر وغيرهم.

وقد وردت في بعض رسائل ميخائيل نعيمة إلى محجوب بن ميلاد معلومات حول المنهج الفكري لكل من الأديبين إضافة إلى تفاصيل حول نشر كتبهما و مقالاتهما، وقد أشارت الرسائل إلى بعض الملابسات التاريخية القريبة منهما ممّا يجعلها ذات قيمة وثائقية إضافة إلى قيمتها الأدبية والفكرية الأخرى.

فمن أهمّ ما ورد فيها من الناحية الوثائقية معلومات حول بعض الكتب لدى الأديبين من حيث التأليف والنّشر بالإضافة إلى معلومات حول سفرهما إلى الهند ولبنان والعراق وتونس بل إنّ هذه الرّسائل تتضمن

كذلك بعض التفاصيل اليوميّة والنواحي العائلية الخاصّة لدى الأديبين

أمّا من النّواحي الأدبية والفكرية فإنّ هذه الرسائل تؤكد على مبدأ التسامح والدعوة إلى مبدإ التجديدلدى ميخائيل نعيمة ومبدأ العقلانية لدى محجوب بن ميلاد وهي تشير إلى بعض الوقائع السياسية التيحدثت في تونس ولبنان في مطلع سنوات الستينيات من القرن العشرين.

فلهذه الرسائل إذن أهمية كبرى لاِحتوائها على معلومات شاملة ومختلفة ودقيقة ومُهمة وحتىشخصية وهي ـ أخيرا ـ تمثل درسا ثمينا نتعلم منه كيف أن الأديب الحقيقي مهما علا شأنه فإنه يظل ملتزما إزاء قرائه وأحبائه فيرد على رسائلهم مهما كانت منزلة أصحابها، حتى أن فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره  وهو ابن عمّ لي هو السيد الحيب عبيد بادر بمراسلته،فإننا نرى ميخائيل نعيمة يردّ عليه بكل اِحترام و تشجيع مثلما سنكتشف ذلكفي رسالة لم تنشر ضمن هذه ـ المجموعة الكاملة ـ من رسائل ميخائيل نعيمة وهذه صورة من الرّسالة مع نصها الحرفي.

783 رسالة ميخائيل نعيمة

ميخائيل نعيمة

بسكنتا - لبنان – 26/06/1961

عزيزي الحبيب عبيد

كان لرسالتك اللّطيفة أجمل الوقع في نفسي ولم تكن أقلّ وقعا منها وقفتك بباب الفندق في تونس عندما غادرناه إلى المطار صباح العشرين من هذا الشّهر وفي يدك نسخة من كتابي "لقاء" وقد جئت تطلب توقيعي عليها.

لكم وددت يا صديقي الفتيّ لو كان لي أن أتحدّث إليك وإلى الكثير من الشبّان التونسيين أمثالك لا من على منبر المسرح البلدّي بل على شاطئ البحر أو في بستان من الزّيتون أو في سفح "بوقرنين" أو في أيّ مكان يطيب فيه الحديث فيجري طلقاعفويا ودونما أقل كلفة.

إنّ ما لمسته في الشباب التونسي من تحفّز وتفتيح وشوق إلى المعرفة التي تحملنا إلى آفاق أجمل وأرحب من آفاقنا الحالية ممّا أدخل السّرور إلى نفسي بل إنّه عزّز إيماني لا بمستقبل تونس وحدها بل بمستقبل العالم بأسره.

وعليك السّلام وإليك أحنّ التحيات من المخلص

ميخائيل نعيمة

***

سُوف عبيد

 

بكر السباتينوهي قصيدة مدهشة، ترتدي حلة الربيع بثوبه القشيب، وبألوانه وتكويناته وصوره المتداخلة في سياق المعنى الذي تتهامس من حوله الأسئلة، والمتناغم في حركته الانسيابية كأنها أنامل ملحن تحرض المغني على الغناء في استلاب وتماهي، بمرافقة موسيقى كونية سرمدية قادمة من الأزل.. حيث تتراقص ظلال المعنى في بحيرة من ضوْء، فتتشكل على إيقاع كل ذلك تكوينات الدهشة في عقل المتلقي، حيث تنسجم الحكمة والوعي مع عبق الزهور وعطرها المفعم بصدق العاطفة وسلامة النوايا وجوهر المحبة وعدالة السماء بما في القصيدة من بهجة، فرح، هديل، ترانيم ووعي منفتح على الآخر إذْ تفضي بمكونات الإنسان وصفاء روحه ونقاء سريرته إلى السماء الحافلة بالقيم السامية والألوان والموسيقى..

أعجبتني القصيدة بكل ما تتمتع به من حكمة وألحان كامنة وخلفية داكنة اللون عميقة ومنثورة بصرياً بالمجرات والنجوم والأفكار والأحلام.. فقد نسجتها الشاعرة من ظل وضوء ومعنى وجمال..

***

تقول الشاعرة مريم الصيفي في كامل قصيدتها المنشورة على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يوم الأربعاء الموافق

٢٠ آذار ٢٠١٩ بعنوان للشعر روح:

"ويبسمُ الشعرُ ألحانًا على وتري

إذا تراءى ربيعُ الكونِ في الشجرِ

وتزدهي خُصُلاتُ الليلِ مشرقةً

إذ لاحَ لي أفُقُ الآمالِ في السَّحَرِ

وتشرقُ الشمسُ إبداعًا تُؤَوِّلُهُ

حروفُ نبضٍ سرتْ في خافقٍ نضِرِ

تموسقتْ ملءَ عزفٍ ناعمٍ ودنَتْ

تمضي على رسْلِها في بهجةِ النَّظرِ

فالشعرُ روحٌ تدلَّتْ من سماءِ رؤىً

فاضتْ سنىً من بهاءٍ وارفٍ عطِرِ

وأورقتْ نغَماتٍ في القلوبِ شدتْ

لحنًا شجِيّ.. وراقَ الحسُّ في السَّمَرِ

فأولمَ الليلُ نجماتٍ بِأفْقِ مَدَىً

تراقصتْ تحضُنُ اللهفاتِ في القَمَرِ

فقلتُ يا شعرُ غرِّدْ لحنَ أغنيَةٍ

تُملي رحيقًا بحرفٍ مُزهِرٍ أثِرِ

والأَمْ جراحَ قلوبٍ حافها وجَعٌ

وامسحْ دموعًا على وجْناتِ مُنْكَسِرِ

للشعرِ دمعُ إذا القلبُ الحزينُ بكى

تدفَّقتْ منهُ موجاتٌ بلا نُذُرِ

ترقرقتْ من عُيونٍ لا نصيرَ لها

فكمْ بكتْ يعتريها حُزْنُ مُنفَطِرِ

كبا جوادُ حياةٍ شاءَها قدَرٌ

تبعثرتـ مِثْلَ قطْراتٍ من المطرِ

ما صادفَتْ تربَةً راقت لها وطنًا

فجفَّ عودٌ، وغاضَ الماءُ في الكَدَرِ

وكمْ تمنَّتْ رفيفًا ملءَ أجنِحةٍ

حتى يُحَلِّقَ فيها حِسُّ منتصِرِ

ويندهَ الصَّوتُ مِلْءَ الكونِ فرحتُهُ

تزيدُ من وهجِهِ بهجاتُ مفتَخِرِ

إذا زها. الكونُ والآمالُ مشرِقَةٌ

وما تمنَّتْهُ أضحى باهيَ الصُّوَرِ

رفَّ الجناحُ على غيماتِ فرحتِهِ

وطارَ في أفُقِ يجلو مدى البصَرِ

يا شعرُ فيك انبثاقُ الروحِ ترسُمُهُ

حروفُ ومضٍ دنتْ من فسحةِ القَدَرِ

فكن لها غابةً من خضرةٍ ينعتْ

يزفُّها أملٌ يدنو لمنتظِرِ

كنْ وارفَ الظِّلِّ واسكنْ في دواخلنا

ليستظلَّ محبَّاتٍ بنو البِشْرِ

ويسطعَ النورُ في كونٍ يُلملِمُنا

على حروفِ سلامٍ باهرِ الأثَرِ "

 

بقلم بكر السباتين

 

کما يطرح الناقد (تودوروف) رأيه حول القصائد الاخيرة لآرثر رامبو بأنە آخر مدى يمكن أن يصل اليه الشعر. وبالتالي " فإن أكبر موقف ثناء عليها هو ان يخرس الناقد أمامها تماما... فلا مجال لتحليلها ولا لدراستها. انها تقف على حدود الغموض المطلق أو اللافهم".

اذا کما يعجز اللغة احيانا التعبير عن بعض المواقف والتجارب والنتاجات  الادبية، کحلم نراه ولا يکون بوسعنا التعبير عنه، فان هنالك في الجانب الاخر من  المشهد الشعري قصائد لاتحتمل التأٶيل لبساطة لغتها وسهولة تقنيتها، بحيث يختلط احيانا حدود اللغة الدارجة واللغة الشعرية في تلك القصائد، فعلينا ان نسأل انفسنا أين نلمس التغير والاختلاف والتجديد في تلك القصائد؟

هل اسسنا جسرا بين الشعر والعلوم الانسانية الاخری؟ علی سبيل المثال هل سألنا انفسنا أين تکمن العلاقة بين الهندسة والشعر؟ اليس البناء يحتاج الی تخطيط ثم التنفيذ بحفر الاساس واقامة الدعامات ثم الهيکل الداخلي والخارجي؟ فلماذا يتعامل بعضنا هكذا ببساطة شديدة مع هذا العالم الشائك العلوي؟ في حين نستطيع قراءة مسيرة ومستوی الشعوب من خلال قصائدهم ومضامينها واساليبها المستعملة فيها.

حسب نظري ومما يتعلق بعالم الشعر ليس هنالك المبتدئين والمحترفين، لعلكم قرأتم بعض القصائد الجيدة لشعراء کتبوها في سن مبکرة ، وبمرورو الزمن تراجعوا عن کتابة نص جميل ومٶثر، وکل ما ينشرونە حاليا يکون تحت ظل اللقب الذي اکتسبوه سابقا والا مابقی لديهم أي ابداع وتجديد (مع تقديري للکل)، أنا عندي تفسيري الخاص لهذه الحالة، لعل کثير من الناس ما انتبهوا اليه الا وهو: " حينما زال السبب الذي جعلهم شاعرا جيدا وقد مضی، فسينتهي دورهم کشاعر جيد، علی سبيل المثال عندما يمتزج معاناة کالـ (الحرمان) و(الاضطهاد)/ بلغة خاصة وصادقة+ روح کفٶة ، نحصل علی شعر مٶثر وجيد، لکنه بأنتهاء الظلم والحرمان قد يختفي شاعرية هذا الشخص، الا نادرا ما نری شاعرا يکتب بنفس الوتيرة والجودة العالية مقارنة بنتاجاته السابقة ويستمر عليها، لذا علی القاريء ان لا يتکأ علی عامل العمر أثناء قراءاتهم، صحيح ان التجارب المختلفة والمعرفة العميقة تصقلان الاسلوب والتقنية عند الشاعر، لکن عامل العمر لوحده ليس لە تأثير کبير علی خلق نص متميز.

تعتبر البلاغة ومن بين فنونها الايجاز من اهم وسائل ترقية مستوی الشعر الی الحد المطلوب، لذا نری ونقرأ ان شعراء اليابانيين کيف يتبعون سياسة الاقتصاد اللغوي في صياغة قصائدهم، فتخيل لو کان بمقدورك التعبير في مقطع ما بکلمتين فالکلمة الثالثة تکون حشوا وزيادة، کما ان ابعاد حظ النفس وذاتية الشاعر حد الامکان من نتاج شعري ما سيجعله اكثر موضوعيا وقربا من القاريء العصري، وربما سيطرح القاريء هنا سٶالا مهما في هذا الصدد وعلی هذا الموضوع، بأن يقول هل علينا تجنب ضمير المخاطب أو التجارب والحظ الذاتي کليا من الشعر کي يکون شعرا جيدا؟ بالتأكيد لاء، لکن لو استطاع الشاعر وبقدراته الشعرية  الخاصة ان يجعل من نفسه ذاتا موضوعيا، حينها تشاركه القاريء عالمه ونظراته المتنوعة لأنه سيکون هنالك نقاط مشترکة بينهما وجسرا يربطهما بالبعض.

کما ان من  بين الاخطاء الذي نقع فيە احيانا في تعاملنا وقرارنا علی نص شعري  ما هوالاکتفاء بالمقياس الذوقي اثناء اصدار الحکم، وهذا لا يکفي بالتأكيد، فربما يضلنا ويبعدنا هذا الاجحاف في اصابة الهدف بشکل صحيح، لذا علينا استعمال القوة العقلية نوعا ما ثم الاستماع الی الاستجابة الروحية واخيرا الاستعانة بالمعرفة الشعرية، وفي النهاية ليس القاريء بحاکم يحکم علی نص ما، لکننا کانسان ذو طوابع مختلفة  نفضل ونکره، وهذا الاختلاف سيعطي للحياة  جمالها وهارمونيتها.

و اخيرا يمکننا ان نتعلم مما توصل اليه مسيرة الشعر عالميا ونقول ان تحرير الشعر من الوزن والقافية والقالب الكلاسيکي کان من متطلبات العصر حيث يخلق للشاعر لغة جديدة ويعطيه حرية زائدة کي يبدع ويغوص في المضمون والموضوع مستفيدا من کل المدارس الشعرية الحديثة وبتقنية ذات جودة عالية، وهكذا لا يکبله الشکل بقيوده الصارمة، لکن ليس القصد من هذا التحرر السذاجة والسطحية في التعامل مع الشعر وعدم الالمام  بالبحث عن الجديد والتعب والتمهل والمراجعة الزائدة للنتاجات قبل نشرها.

 

سوران محمد

 

نجية مصطفى الاحمديفي ديوانه "أبتسم للغابة"

كصوفي خاشع في رقصة عشق إلاهي، يصغي الشاعر "عبد الجواد الخنيفي" في ديوانه "أبتسم للغابة" لموسيقى الكون ولغته الموحدة وهو ينتظر ألوان الطيف والصباحات على الشرفات ويحاول أن يقبض على خيوط الطفولة وذكريات قصية مرت به ومر بها

بحرف باذخ شامخ الجرح يبتسم الشاعر ابتسامة الألم والأمل وهو يتساءل من أين يبدأ النهار ويقتفي أثر بورخيس في الحديقة، ويُسائل الطريق التي نسيت أبناءها دون رد أو ذكرى ،والذئاب عما تريده من نظرات الميتين.

حاله حال العاشقين يحمل النهر داخله،يصادق الليل ،يناجي الغيمة والنجمات ،البحر والعصافير، الصحراء والغجر ويحدث المرايا عن أسراره وأسرارها.

ولأن الشاعر يتذكر ولا ينسى، فهو لم ينس الوردة المذعورة على رأس الجبل ، وتوق الطائر السجين لسماء بلا قفص، ولا المدينة الزرقاء التي تسكنه بساحة حمامها والقصبة، ولا وصايا الجدة ولا معاطف الأصدقاء.

بعين القلب والروح يقبض الشاعر على حكمة الأعماق وفصاحة الصمت، وبلغة أنيقة سلسة و صور موغلة في الجمال يسلب منك الدهشة ويستدرجك إلى نهره ثم يترك لك مهمة البحث عن مجراه والضفاف

 

بقلم الشاعرة المغربية

نجية الأحمدي

 

نايف عبوشنزل القرآن الكريم باللغة العربية،كما هو معروف، (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون). ولذلك كان العرب الاقحاح الذين عايشوا نزوله، يفهمون أساليب خطابه، ومرادات نصوصه، دون الحاجة إلى تأول، او تعسف في لي نصوصه .

ولما كان القرآن الكريم كتابا منزلا من عند الله تعالى، بلسان عربي مبين، إلى قوم هم أهل فصاحة هذا اللسان، وبيانه، فلم يكونوا بحاجة إلى من يفسره لهم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي تنزل عليه هذا القرآن، لم يفسره أو يؤوله، وإنما اكتفى بتبليغه لهم بلسانهم العربي المبين، كما نزل عليه، إذ أنهم كانوا بسليقتهم، يتفاعلون مع نصوصه، ويتذقون بلاغتها المعجزة، ويعون دلالتها، ويفهمون مراداتها بسلاسة، سواء آمنوا بها، أم تنكروا لها .

ولذلك فإن القارئ باستخدامه اللسانية التي نزل بها النص القرآني، يمكنه أن يتعرف على ما يقوله النص ذاته، بمعنى أن على القارئ أن يتأول النص من داخل النص، حيث يفسر بعضه بعضا، وهذا يعني أن اقتدار لغة القارئ في فهمه لمراد بنية النص بدقة، هي التي تحدد ما يتجلى لقارئها من معاني، وما تنفتح عليه من دلالات متصلة بالنص عضويًّا، وبالتالي فلا علاقة لها بمتبنيات تصورات القارئ الذاتية.

ومن هنا جاء القرآن الكريم، ميسرا، في القراءة، ويسرا في الاستيعاب، على قدر إستطاعة قارئه في التأمل، واجتهاده في التدبر، وتمكنه من إتقان اللغة، (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، لاسيما وأن غالبية الناس هم من غير الفقهاء وليسوا من العلماء،وهم يتشبثون باليسير، للتعبير عن إيمانهم، وإنتمائهم لهدي القرآن في الدين،لاسيما وأن الكثير من الناس يطمئن للإيمان بقلبه،باعتباره وعاءه، وقد لا يحتاج الى أن يشغل عقله فيما يؤمن به بتنطعات فلسفية لا لزوم لها .ومن هنا نجد أنه لا حاجة إلى تأويليات فلسفية، ومماحكات عقلية، تزعزع إيمان القلب الفطري، ولا تؤدي إلا إلى التشويش، والضياع.

ولأن القرآن الكريم يسر، كما أراده الله تعالى له أن يكون، فإن أي دعوة لقراءات تأويلية لنصوصه، تحت ذريعة مماشاة المناهج الحداثوية، أو بحجة مجاراة الضرورة الفلسفية، إنما تعقد فهمه، وتخرجه من سعة فضاء دائرة التفاعل الإنساني العام، إلى ضيق حيز النخب الفلسفية، التي بتماديها المنفلت، قد تستولد مماحكات، وتصورات مشوشة، لا طائل من ورائها، لاسيما وأن أفق عقل الإنسان محدود بمداركه الحسية، وقدراته المعرفية، ومن ثم فإنه ليس بمستطاعه، وإن تفلسف، أن يدرك ما يقع من أمور خارج حدود تلك القدرات .

 

نايف عبوش

 

معراج احمد الندوييحتفل العالم في كل بقاعه بـ"اليوم العالمي للشعر" الذي أعلنته منظمة اليونسكو الداعمة لقيم السلام عام 1999م بهدف تعزيز توجهاتها الهادفة إلى خلق تفاهم وتعايش سلمي بين الثقافات وإقامة روابط حضارية بين الشعوب والدول على أساس المحبة والأخوة والسلام. وقد أَقرَّت هذه المنظمة بهذا التاريخ بهدف دعم التنوع اللغوي. 

يشكل الشعر وسيلة من وسائل التعبير عن المشاعر منذ القدم، تنقل من الشعر الشفهي إلى المكتوب بعد ظهور الكتابة، لينتهي بدواوين خلدت الشعراء وجعلتهم أحياء في قلوب محبيهم رغم مرور قرون على وفاتهم ومغادرتهم هذا العالم، لذلك يبقى اليوم العالمي للشعر مناسبة لتقدير الشعراء وتكريمهم واستعراض إنجازاتهم وقصائدهم ودواوينهم. فالشعر نافذة تطل على تنوع البشرية الذي يأسر القلوب ويخلب الألباب، لأن الشعر يجمع قلوباً ترتعش بالحياة وتنبض بها، وهو الكائن الشعوري الذي نعيش به، يتسلل إلى الزوايا المظلمة في الحياة الإنسانية ويشعل القبس الذي ينير الحياة ويعطيها المعنى ويفرد الروح بالمحبة على وسع الكون.

وإن من أهداف إحياء يوم عالمي للشعر أيضا هو تعزيز الاحترام المتبادل والتلاحم الاجتماعي الرامي إلى المحبة والسلام. فالاحتفال باليوم العالمي للشعر، احتفاء بالتنوع اللغوي والثقافي سيدفع إلىفرصة حقيقية لنشر ثقافة التسامح والأمن والسلام في شتى ربوع العالم، لأن الشعر هو رحلة الإنسان والحياة، باعتباره الكائن الأقرب إلى مشاعر الأفراد ومطالبهم وآمالهم، والمجسد لأحلام الشعوب، والمعبر عن أسمى أشكال روحانياتهم، وهو الذي يمد الشعوب بالشجاعة من أجل تغيير العالم والمناداة بالمساواة بين الجنسين واحترام الهويات الثقافية والعرقية.

ومنذ إعلانها سنة 1999م عن إقرار21 مارس يوما عالميا للشعر، تنوه منظمة "اليونسكو" بقيمة الشعر كرمز لإبداع العقل البشري بحيث تشيد بهؤلاء الذين لا يملكون سوى أقلامهم وألسنتهم للتعبير عن أفكارهم وآرائهم وخواطرهم.

ومن أهداف للاحتفال باليوم العالمي للشعر:

قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) من تحديد يوم عالمي للاحتفال بالشعر لتحقيق الأهداف التالية:

- دعم التنوع اللغوي من خلال التعبير الشعري، وتقديم قصائد باللغات المهددة بالانقراض كي يمكن الاستماع إليها في المجتمعات المختلفة بالتالي المحافظة على هذه اللغات من الانقراض.

- تشجيع العودة إلى التقليد الشفهي في الأمسيات الشعرية، من خلال تعليم الناس والموهوبون بالشعر كيفية إلقاء الشعر كي يعبرون حقيقة عن مضمون القصائد التي يُلقونها.

- توعية المؤسسات والمدارس والجامعات بأهمية الاحتفال باليوم العالمي للشعر.

- تعزيز تدريس الشعر، لاستعادة الحوار بين الشعر والفنون الأخرى مثل المسرح والرقص والموسيقى والرسم.

- دعم دور النشر الصغيرة وخلق صورة جذابة للشعر في وسائل الإعلام، بحيث لم يعد من الممكن اعتبار فن الشعر شكل قديم من أشكال الفن، لكنه واحد من الفنون التي لا يمكن الاستغناء عنها.

فالشعر هو إحساس يجب أن يحس به الآخر، ليصير نوعا من الحلقة، التي يتصل طرفاها حينما يتمكن الشاعر من إيصال الإحساس إلى المتلقي. يؤمن  الشاعر بقدرته على تغيير العالم من خلال الفن الذي لا ينسلخ عن الواقع. الشعر يعبر عن الحياة كما يحسها الإنسان من خلال وجدانه. ومن أهم الوظيفة للشعر هو التعبير عن الجوانب الوجدانية من نفس الإنسان. والشاعر ينظر إلى المجتمع البشري من خلال نافذة وجوده ويرصده ما تدور فيه من روابط وصلات ويتوكف ما تسوده من عادات وتحكم عليه من أفكار وآراء، ثم ينفعل ويتأثر بما يميله عليه المجتمع فتجيش في خلده مشاعر وعواطف تعكسها قريحته بكل شفافية ويحوكه وجدانه المتدفق. يحاول الشاعر من خلال قوة كلماتة وسلاسة أبياتة الشعرية التي تعكس مقدرة فريدة على تطويع المعاني والكلمات لخدمة المعني والاحساس والتعبير عن مشاعر مكنونة تجاة الوطن الارض والانسان. 

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند