حيدر حسين سويريكنت قد تحدثتُ مع مدير أحدى القنوات الفضائية العراقية الكبيرة، حول تأسيس شركة إنتاج سينمائي، وفق خطة جيدة تعرف ما يرغب بهِ الجمهور العراقي، كذلك يمكنها تطوير المجتمع العراقي وخلق رؤية جديدة تنهض بالواقع الاجتماعي والامني والسياسي؛ لكنهُ أبدى تخوفهُ من الخسارة المالية، وبالرغم من كوني قدمت لهُ البراهين على عدم الخسارة، بل تكاد الخسارة تكون معدومة وإن لم يوجد ربح، وأن ثمة أفلام ذات إنتاج بسيط حققت جوائز وإيرادات فائقة؛ لكنهُ مع ذلك أصر على خوفهِ ورفض.

قرأت إعلاناً اليوم عن عرض الفيلم السينمائي"روزبة" الذي يحكي قصة الصحابي الجليل سلمان المحمدي"الفارسي" رضي الله عنه، وذلك على صالة المسرح الوطني، خلال الفترة من السبت 18/5 ولغاية 28 من نفس الشهر، وهو من إنتاج العتية العباسية(ولا أدري ما علاقة العتبة في الانتاج السينمائي)! بادرت إلى السؤال عن سعر بطاقة الدخول، فعلمتُ أن سعر بطاقة الدخول(10000دينار) عشرة آلاف دينار.

قبل بدأ عرض الفيلم أريد أن أُخبر المنتج بأن فيلمك خاسرٌ مالياً، وأن الحضور سيكون قليلاً إن لم نقل نادراً، وذلك لعدة أسباب:

1- من خلال معرفتنا بسيرة الصحابي الجليل نستطيع تحديد جمهورهُ، فجمهورهُ هم الفقراء، فمن أين للفقراء أن يقدروا على شراء تذكرة الدخول (10000دينار)!؟ كان من الأجدر جعل سعر التذكرة (1000دينار) ألف دينارٍ فقط، وعندها بدل أن يأتي الشخص مفرداً، سيأتي هو وعائلتهُ، فتكونوا قد أوصلتم رسالتكم من جهة، وربحتم مالياً من جهةٍ أُخرى.

2- وقت العرض غير مناسب (شهر رمضان)، فالناس في رمضان تتجه الى المسلسلات والبرامج الترفيهية، بمعنى أنها تتجه للشاشة الصغيرة (التلفاز)، وإذا فضلت الخروج من المنزل فهي تذهب للمتنزهات وألعاب الاطفال والمطاعم، كذلك يتزامن وقت العرض مع الامتحانات النهائية للدراسة الابتدائية والمتوسطة، وكان يجب عرض الفيلم في(شهر محرم) بالتحديد، وذلك لأن الاتجاه وخصوصاً في بغداد يكون حسينياً صرفاً.

3- جمهور بغداد (أغلبه) بدأ ينفر من كل ما هو ديني، فكان من الاجدر عرض الفيلم في المحافظات ذات الطابع الديني، وعمل إعلان جيد في القنوات الفضائية، لوحات إعلانات الشارع (الثابتة والإلكترونية المتحركة) ليعلم الجمهور بعرض الفيلم.

هذه أهم الملاحظات التي أحببت أن أقولها لمنتج الفيلم (وفقه الله)، كما أتمنى لهُ النجاح من كل قلبي؛ لكن يعصرني الألم أن لا تتبنى شركة مختصة بالأنتاج السينمائي مثل هكذا أفلام أو غيرها من الأفلام، وإلا فما شأن العتبة العباسية في إنتاج الأفلام؟ وهل سنتوقع منها إنتاج فيلماً يحاكي مجتماعتنا الحالية بعيداً عن النزعة الدينية؟

بقي شئ...

نملك كل مقومات العمل السينمائي في العراق، فلماذا لا يتجاسر أحدكم لإنشاء شركة إنتاج سينمائي؟

 

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

 

ابراهيم يوسففي التعقيب على "دموع الصناديد" للصديقة الكريمة  شهربان معدي من الجليل

حينما تعجزُ قدرتنا عن مساعدةِ الآخرينْ

ليتجاوزوا محنتَهم..؟

فمن العيب والحرام أن نحملَ عليهم

 ونهدرَ ما بقيَ من كرامتِهم

*

فلا يجوزُ "للقويّ".. مهما كانتِ الدواعي

 أن يشهِّرَ بمعاناةِ وخيبة المهزومينْ

لا سيّما عندما لا يكونُ القويُّ من المتضرّرينْ

*

من يدري..؟ ربما لو عشنا ظروفَهم

لكُنّا من عدادِ هؤلاء الضحايا المُعَانِيْنْ

*

هذا ما تعلمتُه من الدَّرسِ الأخير

في صفِّ الصحبة الرَّصينة المُقَدَّرة

وشهامة المترفعين.. المحترمين

 *

بِعْ أقراط أختي الصغيرة

وأرسل إليّ نقوداً يا أبي

لأشتري محبرة

 فحياتي عبودية وانتظار

*

أعِدْ إليَّ طفولتي يا أبي

 وضحكاتي القديمة

 على شجرة الكرز وصندلي المعلق

 في عريشة العنب

 لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري

محمد الماغوط

***

في زمن المساواة "والوتس آپ، والسوشي"، وعطر تاهيتي والمثليّة وعريِ النساء، وفي عصر "البرغر" ومُكَيِّفات الهواء..؟ لا زال  صاحب عربة "الكاز" يجرها بغلٌ عجوز، يطلق منفاخ بوقه وهو يجوب أحياء الحارة، فلا يجد لنفسه قلة من الزبائن. لكنه لم يقطع الأمل بعد.. ولا يصدِّق مع شهادتِه على العصر..؟ أنّ الدنيا تغيَّرت وتحولت حضارة الكاز إلى طائرات نفاثة تجاوزت في سرعتها الصوت. فلا المشاة ولا الراكبون على دوابهم بعد اليوم سيبلغون جنة الفردوس. 

هكذا؛ لم يسلِّمْ أبو جعفر أن "بابور الكاز"، انقرض وتقاعد من مسؤولية الطبخ وانتهت صلاحيته من زمان، حينما أوكل أمره إلى الغاز والكهرباء "والميكروويڤ".. وطاقة الشمس. لكن؛ ما زال يراوده الأمل والحنين إلى الماضي، فلم يتوقف عن التجول بعد، وعن إطلاق بوقه معلنا عن قدومه كل صباح، دون أن أتوقف بدوري عن الإحساس بالخيبة والحسرة على انقضاء الرجاء من الكاز والعودة إلى الوراء، بينما الزمن كالطائرات النفاثة، لا يتراجع أبداً ولا يعود إلى الخلف.

والزّمن أيضا يكاد يتجاوز واقع المحمول والحاسوب، "والفاهيتا" وغزل البنات.. وتوليد الجراثيم وعلم الحياة، وكل ما تمخض عنه الفكر البشري الخلاق. هذا الإله الإنساني القادر على هيأة الله ومثاله! لا ندري متى يتحول نشاطه إلى آفاق جديدة ولا نعرف أين ومتى وكيف؟ وهل سيصل المخلص المنتظر ويعفينا من مسؤولية التفكير؟ أم يأتي يوم على أطراف الزمن الآتي من بعيد، ويمكن معه أن نستعيد فيه موتانا إلى الحياة..؟ أم تتواصل متاهة الزمن المقبل والتقدير المستحيل؟.

في عيادة العيون تبسمتْ لي الممرضة الشابة، وأنا أترك للطبيب بطاقة معايدة لمناسبة رأس السنة، فأقرأ حيرة وتردُّداً في عينيها الناعستين، وأبدي لها أسفي حينما لم أرسل البطاقة بالوتس آب، لأنني لا زلت لا أقتني الهاتف المحمول.

أما طشاري رواية التِّيه والشتات والشعور الإنساني العميق. للكاتبة العراقية إنعام كجة جي، وفيها يتمزق شمل العائلات بعد الغزو الأميركي للعراق. وحينما يعصف الحنين بقلبِ جدَّةٍ لاجئة في كندا، لكي تزور قبر زوجها في بغداد..؟ يبتكر لها حفيدها "اسكندر" مقبرة إلكترونية، ويخصص لكل فرد من موتى السلالة المبعثرة في قارات الأرض قبرًا خاصًا به.

ثم يخصص موقعا للمقبرة على شبكة الأنترنت، ويعلِّم جدَّته الطبيبة العجوز كيف تحرِّك "الماوس" لتدخل إلى المقبرة، وتزور قبر جده كلما داهمها الحنين. ويعلمها أيضا كيف تعتني بالقبر، وتغرس بجانبه ما تشاء من النبات، وتروي تربته لئلاّ تذبل الرياحين، وكيف تغيِّر مواقع القبور لحميمية الجوار!؟ وطفل النت المنكود لم يتعلَّم ولا يدري بعد أن قيمة الإنسان الحقيقية، أن يموت في وطنه وأن يحتضنه ويحنو عليه تراب أرضه، ليدفن بين من سبقه من أهله وعشيرته وبنيه.

وهكذا أيضا يا صديقتي التي تدرك جيدا معنى ما أقول، تبقى نكبة الأفراد أقل إيلاما من "طشاري"، وشتات الشعوب ومحنة انتماء البشر في سائر جنبات هذا الكوكب المنكود. فإن كان محمد الماغوط "لا يضع ملاءة سوداء على شارات المرور ويناديها يا أمي، ولا يرسم على علب التبغ الفارغة أشجارا وأزهارا ورياضا وأطفالا سعداء ويناديهم يا وطني"!؟ فكيف لفكر الطفل العنكبوتيّ المنحوس، أن يبتكر مقبرة لجدته على النت، لتزور ضريح جده كلما استبد بها الحنين.!؟

في فترة التحول التِّقَني بين جيلين مختلفين من الطائرات، ونحن مهددون بالصرف من الشركة حيث مارست عملا آلويا، وكان كل ما تعلمناه على الطائرات القديمة لم يعد يجدي أو ينفع في شيء. ورافق شعورنا هذا كثير من خيبات الأمل، كالتهديد بالصرف تعسفا، ومرارة ما بلغناه من سوء الأحوال، وما يترتب من الانعكاسات السلبية على وضعنا العام.

فترة النوم من أسوأ وأصعب الأوقات التي كانت تمعن في تهديدي وإحباطي، وأنا أرى في نومي حافلة النقل الجماعية، التي كانت تقلنا من محطات التجمع إلى الشركة، أنها تجاوزتني وأسرعتْ بالابتعاد عني، وأنا أعدو وراءها ملهوفا مقطوع الأنفاس والعرق يتصبب مني، لأتعلق بالحافلة لكي تقلني إلى عملي، فلا يضيع مستقبل أولادي في المدارس والجامعات.

الاتصالات الوسيلة الحديثة وما يواكبها؟ قتلت سعادة الطفل الذي كُنتُه، وحرمتني المشي حافيا في البراري والحقول. تلك هي ضريبة الآلة نسددها من أرواحنا ودموعنا. لتبقى العودة إلى الماضي لا تخلو من بعض البلسم يداوي.. ولا يشفي.

ولئن كان الشتات قاسيا تنوء بحمله القلوب..؟ وكانت الزينة وكل مصابيح شهر الصوم في رمضان تضيء الشوارع. لكنها لم تعد كافية لتبهج قلبي الحزين..؟ فتعالي بنا إلى استراحة النفوس المنهكة تلطِّف من حدَّتها فيروز؛ عندما يؤرقها السفر والغياب الطويل، ليفيض بها الحنين ويضنيها السكوت عن طرح السؤال. فيروز الروح الخالصة والجسد الطاهر، قربان السيد المسيح عشية الآلام، ونعمة السماء على الأرض، تنقذ نفوسنا من الظلمة والضياع ونوازع الوجع العظيم.

غَرَّبِ جِنَاحُوْ غَرْبِي     وْدَمْعِ السَّفَرْ عَ جْنَاحُوْ

وَصَّيْتَكْ رُوْحِ لْحُبِّي        وْقُلُّو يِسْعِدْ صَبَاحُوْ

مَعْ ضَوِّ الشّمْسْ بُكْرَا     قَلِّي بْشُوْفِكْ عَ الْمَيِّة

خَوْفِي لَ الشَّمْسْ تِسْهَا  وْتِنْسَى تِطْلَعْ صُبْحِيَّة

https://www.youtube.com/watch?v=ENPZqba6ZIc

وهكذا تبقى مقالة شهربان مليئة بلماحة الكاتبة المثقفة المدركة، وسيدة الأسرة الواعية المتفانية في خدمة من يحيط بها، وهي تحوِّلُ الداء إلى دواء في مقاربة وعبقرية الحسن بن هانىء، أحسن الله إليه وطيّب مثواه.

 

إبراهيم يوسف - لبنان

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – حافظ على الطرق الجديدة والاصدقاء القدامى.

التعليق – تؤكد الكثير من امثال الشعوب على الاصدقاء القدامى، منها مثل روسي يقول ان الصديق القديم افضل من صديقين جديدين، ولكن الشئ الطريف والغريب في المثل الصربي هو الربط مع الطرق الجديدة ... . 

*****

الترجمة الحرفية - الامانة أثمن من النقود.

التعليق – مثل انساني نبيل تتناوله أمثال الشعوب و المجتمعات كافة، والامانة بالنسبة لشعوبنا العربية – (اصدق الصدق..) .

*****

الترجمة الحرفية – اختفاء القرية افضل من اختفاء التقاليد.

التعليق – يبين هذا المثل رسوخ التقاليد والحفاظ عليها والالتزام بها عند الصرب، ويمكن فعلا لاي شخص ان يلاحظ ذلك حتى عند الاختلاط البسيط معهم، ومع ذلك، فان بنية هذا المثل متطرفة وقاسية، وربما تعكس هذه البنية وضعية محددة في تاريخهم.

****

الترجمة الحرفية – أي أب، أي ابن.

التعليق – ونحن نقول ايضا، الولد على سر ابيه.

*****

الترجمة الحرفية – اذا تقدر ان تقضم، لا تعرض اسنانك.

التعليق – مثل طريف في معناه المباشر و(غير المباشر ايضا !!)، اذ ان صفة التباهي ومدح النفس مذمومة عند الانسان في المجتمعات الانسانية كافة . الصورة الفنية في هذا المثل تعكس فعلا المعنى الدقيق والساخر الذي اراد المثل ان يقوله في ذم التباهي وشجبه .

*****

الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تجلس عند النيران ولا تفوح منك رائحة الدخان .

التعليق – مثل طريف جدا يتناول تأثير الظواهر المحيطة بالانسان على خصائص ذلك الانسان وسماته، وهو موضوع ينعكس في امثال الكثير من الشعوب . الصورة الفنية في هذا المثل الصربي مبتكرة وغير اعتيادية فعلا.

*****

الترجمة الحرفية – اينما ستذهب، ستعود الى البيت في كل الاحوال .

التعليق – يذكّر هذا المثل من حيث المعنى بقصيدة أبي تمام الخالدة، والتي ذهبت مثلا –

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى // ما الحب الا للحبيب الاول

كم منزل في الارض يألفه الفتى // وحنينه ابدا لاول منزل.

 المثل العربي أجمل، لكن المثل الصربي أكثر سعة و شمولية.

*****

الترجمة الحرفية – لا تطلق العنان للسان في الاحتفالات وفي الحديث، ولا للقلب في الغضب.

التعليق – اللسان عدو الانسان كما يقول المثل العربي الشهير، ولهذا تحثّ امثالنا للحد من اطلاق العنان للسان، وكذلك تدعو امثالنا لكبح الغضب، ولكن الطرافة في هذا المثل الصربي تكمن في توحيد هذين الظاهرتين معا .

*****

الترحمة الحرفية – من الصعب ايجاد الانسان الحقيقي، لكن من السهل التعرّف عليه.

التعليق – يلخّص هذا المثل حقيقة ساطعة فعلا من حقائق الحياة الانسانية.

*****

الترجمة الحرفية – عندما تكذب، اكذب هكذا، وكأنما انت نفسك تصدق ذلك.

التعليق – هذه (نصيحة !) مهمة للكذابين في كل زمان ومكان، وربما يمكن لهذه (النصيحة الثمينة!) ان تقلل من كذب الكذابين هؤلاء (وما أكثرهم حولنا !) . معنى المثل عميق بلا شك، وبنيتة ساخرة جدا،

*****

الترجمة الحرفية – الانسان يريد ان يكون أفضل من الآخرين، لكن أسوأ من ابنه.

التعليق – كل اب يريد لابنه ان يكون متميّزا وناجحا، ولكن طرافة هذا المثل تكمن في الربط بين وضع الاب مقارنة مع ابنه، اذ ان الاب يريد ان يكون الاسوأ.

 

أ.د. ضياء نافع

 

ابراهيم مشارةغدونا لذي الأفلاك لعبة لاعـــب

أقول مقالا لست فيه بكــــــــاذب

على نطع هذا الكون قد لعبت بنا

وعدنا لصندوق الفنا بالتعاقــــب

عمر بن إبراهيم الخيام

 

إذا كان المعري في الشعر العربي هو "شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء" ذلك أنه ضمن شعره آراءه الفلسفية في الحياة وخلاصة تأملاته وقراءاته في الفكر الفلسفي وقد جمع ذلك كله في  "اللزوميات"، فحق لشاعر نيسابور وعالمها عمر الخيام أن يدعى شاعر العلماء وعالم الشعراء، فقد جمع بين  العلم الدقيق والفن الأصيل وزاوج بين التأمل في العدد والتأمل في الوجود، فجاء في شعره كما جاء في علمه فرادة إبداع وأصالة فكر وصدق فراسة وحرارة وجدان، وحق  لزبدة إبداعه الشعري المعروفة بـ "الرباعيات" أن تنال مرتبة الخلود ومرتبة العالمية، ذلك أنها خير ما أبدعته فارس من الشعر الجامع بين عمق الفكرة وجمال العبارة وصدق الشعور وحق لعمر الخيام أن يستوي بين شعراء فارس شاعرا فذا من كبار شعراء الإنسانية وأن تكون رباعياته زادا فكريا وجماليا وإنسانيا خير ما تهديه فارس إلى العالم .

وحياة الخيام غامضة لا نعرف عنها الكثير وأول شك ينتاب الباحث هو تحديد تاريخ ميلاده وقد تضاربت الروايات في ذلك ومن المرجح أنه ولد في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وقد عاش في زمن السلاجقة

وهو عصر تميز بالإحن والدسائس والاغتيالات،وأما لقب الخيام الذي اشتهر به فقيل أن والده كان صانع خيام، ولقد عرف الخيام منذ حداثة عهده بالألمعية والذكاء، فحفظ القرآن الكريم وأتقن علوم اللغة والدين وآنس من نفسه الميل إلى الرياضيات والفلك فأبدع فيهما وبهما طار ذكره في البلاد الإسلامية وقربه الملوك والرؤساء وكان السلطان ملك شاه السلجوقي ينزله منزلة الندماء والخاقان شمس الملوك ببخارى يعظمه ويجلسه معه على سريره، وأما أصدقاؤه في شبابه فهما "نظام الملك"

و"حسن الصباح" الداعية الفاطمي الذي فر إلى "ألموت" وهي قلعة أسس فيها حكم" الإسماعيليين" الذين قضى عليهم "هولاكو" عام 1256 م ولما استوزر " نظام الملك " جعل لصديقه عمر عشرة آلاف دينارا من دخل نيسابور إجلالا لمقامه وتقديرا لعلمه، ووفاء لميثاق الصداقة بينهما ، ثم اغتيل نظام الملك وانقطع دخل الخيام وقدحت العامة في دينه ورمته بالزندقة فلزم التقية، واختلف مؤرخو زمانه في عقيدته وسيرته قال فيه البيهقي:   " أنه تلو ابن سينا في أجزاء علوم الحكمة وعرفه بالإمام وحجة الحق غير أنه أضاف أنه كان سيء الخلق ضيق العطن وكان يتخلل بخلال من ذهب، أما ابن الأثير في الكامل فذكر أنه أحد المنجمين عملوا الرصد للسلطان ملك شاه السلجوقي سنة  467 هـ وقال عنه القفطي في تاريخ حكماء الإسلام :" إمام خراسان وعلامة الزمان يعلم علم يونان، ويحث على طلب الواحد الديان، بتطهير الحركات البدنية لتنزيه النفس الإنسانية" وأما وفاة الخيام فمنهم من يجعلها سنة 515 هـ الموافق لـ1121 م ومنهم من يجعلها سنة 526هـ الموافق لـ 1132 م ومن مآثر الخيام العلمية " شرح ما يشكل من هندسة إقليدس" و"مقالة في الجبر والمقابلة" ، إضافة إلى أرصاده وأزياجه الفلكية.

وقد قامت شهرة الخيام على الرباعيات وهي تلك المقطوعات الشعرية المقسمة إلى أربعة أبيات ضمنها فلسفته في الوجود والملاحظ في الرباعيات هو اتفاق البيت الأول والثاني والرابع  في الروي واستقلال البيت الثالث برويه وهو ما يشبه كثيرا الدوبيت الرباعي الفارسي الأصل.

ولئن اختلف نقاد الأدب ودارسو حياة الخيام في صحة نسبة الرباعيات إليه أو بعضها، فمن قائل أنها ليست لعمر الخيام الرياضي، وإنما لشاعر آخر بهذا الاسم، إلى ناقد آخر يزعم أن بعضها تصح نسبتها إليه، وبعضها الآخر مدسوس عليه خصوصا ما تعلق بالإشارة إلى الغيب والقدر والإيمان والبعث، وقد تعمد كثيرون تشويه صورة الخيام غيرة وحسدا فنظموا شعرا ونسبوه إليه حتى تثور عليه العامة وينتهي أمره إلى الحاكم الذي سيأمر بقتله رميا بالزندقة، وفي أدبنا نظير لذلك، فالمعري دس عليه الكثيرون شعرا لم يقله يثور فيه على الأديان بل يسفهها وينتقد الرسل ويشكك في عالم الغيب غير أن المعري برئ من ذلك ، ومن قائل أن كثيرا من محبي الخيام والمتحمسين له كلما وجدوا شعرا على شاكلة الرباعيات وخفي عليهم قائله نسبوه إليه عن حسن نية.

ولاشك أن استقصاء الأمر صعب وتتبع مسارب التاريخ المظلمة في ظل غياب الوثائق التاريخية التي تنير حلكاته يجعل من الأمر شبه مستحيل !

ولقد رأى نقاد الأدب عندنا وشعراؤنا المحدثون الرأي الأول أي صحة نسبة بعض الرباعيات إلى الخيام وإنكار البعض الآخر وتحمسوا لها تحمسا منقطع النظير، والحق أن الرباعيات تحفة فنية وكنز أدبي حقيق بالخلود وحقيق بالعالمية لأن مضمونها إنساني، على الرغم من تأخر اكتشاف ذلك ولسكوت فيتزجرالد Scott Fitzgerald  الإنجليزي دالة على الخيام فهو الذي اكتشفها ودرسها وتحمس لها وترجمها إلى الإنجليزية فأحدثت دويا كبيرا تجاوز إنجلترا إلى أروبا وأمريكا ، بل أسس فيتزجرالد ناديا في لندن سماه " نادي الخيام " ضم كل محبي الخيام وشعره ، ولم يكتف بذلك بل سافر إلى مسقط رأس الخيام وزار قبره وأحضر معه زهرة من الزهور الحافة من حول القبر وغرسها في ناديه بلندن حتى تنفحهم  بأريج الشاعر وأريج رباعياته ، ودعك من الأسطورة التي روج لها الكثيرون من محبي الخيام والتي تزعم أن الخيام تنبأ في حياته بنمو نوع معين من الزهور حول قبره ، وهذا اللون من القصص نعرف المغزى منه، فالشخصية التاريخية يخلق محبوها أساطير حولها حتى يستلوا مشاعر الإعجاب من الناس ويخلقوا هالة من القداسة لأن النفس المحبة تنزع إلى أن تشاركها الأنفس مشاعرها ، غير أن الناقد الحصيف لا يفوته ذلك ،وباكتشاف فيتزجرالد للخيام وترجمته لرباعياته تنبه أدباؤنا ونقادنا إلى قيمة الرباعيات ومضمونها الإنساني وغناها الشعوري وقيمها الفنية والجمالية وتحمسوا لنقلها إلى لغة الضاد ومنهم من عربها عن الإنجليزية كمحمد السباعي ومنهم من عربها عن الفارسية كالشاعر المصري أحمد رامي الذي سافر إلى باريس لدراسة اللغة الفارسية عامين منقبا وباحثا في الأدب الفارسي ورباعيات الخيام تحديدا ، وعقب عودته عين أمينا بدار الكتب المصرية وكان قد تهيأ له زاد أدبي فأسقط كثيرا من الرباعيات وعرب ما وثق أنه تصح نسبته إلى الخيام وقد شاعت هذه الترجمة بعد أن غنت أم كلثوم بعضا منها .

وربما كان في ترجمة رامي بعض التصرف غير أنه سعى جهده حتى لا يتقول على الخيام ما لم يقله وأن يخرج عن روح الرباعيات ساعيا جهده في ذات الوقت أن تكون الرباعيات في العربية تحفة بيانية وإنسانية وغير السباعي ورامي من الذين ترجموا الرباعيات الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي وأحمد الصافي النجفي وقد عرباها عن الفارسية، ووديع البستاني والشاعر البحريني إبراهيم العريض الذي توفي حديثا وقد عرباها عن الإنجليزية ، وليست هذه هي كل الترجمات إنما المشهور منها وستبقى بسحرها ومضمونها الإنساني وحيرتها الوجودية مصدر إغراء للأدباء العرب على مر الأجيال وكر الدهور بنقلها كرة أخرى إلى العربية إمعانا في الدقة  والقرب من روحها وروح مبتكرها .

فرباعيات الخيام إذا ترنيمة حزينة تنعى إلينا زوال الإنسان وهيمنة الزمن وقهره للموجودات وانقلاب لحظات المتعة شقوة وهيمنة الزمن وقهره للموجودات وانقلاب لحظات الإنسان مجرد ذكرى شأن الجذوة تشع نارا ونورا ثم تخبو رمادا والإنسان لا حول له ولا قوة أمام هذا القهر الكوني المتجلي في الموت الذي يطال بسيفه الإنسان ثمرة الوجود ومكمن العبقرية وسر الحياة ومستودع المشاعر فيغدو ذلك الكائن رهين اللحد والدود والظلام الأبدي كأن لم يكن بالأمس ذلك الشاعر أو العالم أو الحاكم أو الفقيه أو الثري الذي ملأ الأسماع والأبصار، وتغدو لحظات صفوه

وأنسه مجرد ذكرى، فما الذي ينقذ الإنسان من هذا المأزق الوجودي؟ لا شيء غير طلب النشوة التي تهيؤها الخمرة والبهجة التي ينشرها مجلس أنس وذلك عزاؤه وذريعته إلى تناسي فجيعة الموت مادام ليس في الإمكان تفادي قبضته . قال الخيام (من ترجمة إبراهيم العريض من المتقارب):

فهات حبيبي لي الكأس هــــات

سأنسى لــــــها كـل ماض وآت

غــدا ويح نفسي غدا قد أعــود

وأعرقهم في البلى من لداتــي

ويقول أيضا:

أفق يا نديم استهل الصبـــــاح

و باكر صبوحك نخب الملاح

فمكثك بين الندامى قليــــــــــل

ولا رجعة لك بعد الـــــــرواح

وليست فجيعة الزوال مشاعر حوم حولها الخيام لوحده فطرفة بن العبد الشاعر الجاهلي الذي قتل في سن السادسة والعشرين تناول ذلك في

شعره :

ألا أيهذا الزاجري أن أحضر الوغى

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ؟

فإن كــنت لا تستــطيع دفــع منيتـي

فـــدعني أبــادرها بما مـــلكت يدي

ويقول كذلك :

لعمرك إن الموت ما أخـــطأ الفتى

لكـــالطول المرخى وثنياه باليــــــد

متى مــــا يشــأ يومـــا يقده لحتـــفه

ومــن يــك في حبل المنية ينـــــــقد

غير أن الخيام يمتاز عن طرفة وغيره ممن تناولوا فجيعة الرحيل بإبداع معمار فني ضمنه فلسفته الوجودية من المقطع الأول إلى المقطع الأخير دون أن ينصرف إلى أشياء أخرى أو يتناقض مع نفسه وذلك هو امتيازه الكبير.

وللخمرة حضور قوي في الرباعيات بل هي محورها الأساسي أليست مهوى القلوب ومطلب الأنفس الشاعرة وملجأ المعذبين يتوسلون بها عرائس الشعر علها تجود عليهم بآيات العبقرية بل حتى المتصوفة وهم رهط من الناس انقطع إلى العبادة والتأمل والمجاهدة طلبا للعرفان وقد عرف هذا الرهط بالتقوى وقيام الليل وما ذاقوا خمرة في حياتهم قط، لم يجدوا غير الكرمة  والخمرة والكأس يكنون بها عن الحب الإلهي والانتشاء به، متناسين دنياهم منقطعين عن العالم متوحدين في الأباطح والقلل،ألم يقل ابن الفارض مكنيا بالخمرة عن الحب الإلهي:

شربنا على ذكر الحبيب مدامـــــــة

سكرنا بها من قبل أن تخلق الكـــرم

صفاء ولا مــاء ولطف ولا هـــــــوا

ونـور ولا نــــار وروح ولا جسم !

وقــالوا شربت الإثم كلا وإنمـــــــــا

شربت التي في تركها عندي الإثــم !

أما خمرة الخيام فهي بنت الكروم وقعيدة الدنان، هي خمرة حقيقية وليست مجازية هي سلوى الراحل وعزاؤه وذريعته إلى النسيان بها تقر عينه وتنتشي نفسه، ويسكن رأسه فلا جرم أن يطلبها ملحا في طلبها قبل ساعة الرحيل:

سيحيا لحبك قلبي  المــــــــعنى

لـجورك مادام وعدك مــــــــــنا

لطرفك يسقي مع الخمر خـــمرا

فـيبدع  فــــــــــــــنا وأبدع فـــنا

ثم يضيف:

فـــــجدد  مع الكأس عهد غرامك

وحــــــــل مرارتها بابتسامــــــك

وعجل فجوقة هذي الطــــــــــيور

قد لا تطيل الطواف بجامــــــــــك

وأما المقاطع التي تغنت بها سيدة الغناء العربي وكوكب الشرق الراحلة السيدة أم كلثوم ومن ترجمة صديق عمرها الشاعر الكبير أحمد رامي فمن البيت الأول يبدأ حديث الخمرة والزوال غير أن أم كلثوم وصاحبة العصمة كما كانت تدعى، والتي كانت تتمنع عن الغناء في مكان تدور فيه الصهباء وهي المعروفة بعفافها وتقواها وحرصها على أداء الصلاة، وقد تميزت عن جل المغنيين في زمنها بثقافة أدبية عريقة، وذوق فني عالي غذته بقراءة دواوين فحول الشعراء وأمهات كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد وخزانة الأدب وغيرها من كتب الأدب، ولم تشأ أن تذكر الخمرة فيما تغنت به من شعر الخيام فغيرت كلمة" الحان" إلى كلمة "الغيب" وعدلت عن كلمة "الطلى" إلى "المنى" فغنته وفقا لسلوكها وشخصيتها .

قال الخيام من ترجمة رامي من بحر السريع كما تغنت به أم كلثوم:

سمعت صوتا هاتفا في الســــــحر

نادى من الغيب غفاة البشــــــــــر

هبوا املأوا  كــأس ا لمنى قبل أن

تفعم كأس العـــــــــــمر كف القدر

 

وأما ترجمة العريض عن النص الإنجليزي لهذا المقطع بالذات فجاءت هكذا (من المتقارب):

لقد صاح بي هاتف في السبات

أفيقوا لرشف الطلى ياغفـــــــاة

فما حقق العـــــمر مثل الحباب

ولا جدد العمر مثل الســــــــــقاة

وبين المقطعين اختلاف في إصابة المعنى الذي أراده الخيام والراجح أن رامي الأقرب إلى إصابة المعنى باعتباره عربه عن الفارسية رأسا، غير أن هذا يخلق إشكالية في الأدب تذهب حد اتهام الترجمة بالخيانة أي خيانة النص الأصلي والخروج عن معانيه الدقيقة وذلك راجع لاختلاف روح اللغة المترجم عنها والمترجم إليها، وقد كان الجاحظ يرى أن الشعر لا يترجم بهذا المعنى !

لقد كان الخيام إذا عقلا باحثا في علة الوجود ونفسا لا تركن إلى يقين، وأراد أن يتجاوز في فهمه للوجود النصوص الدينية معتمدا على تفكيره الحر وثقافته الفلسفية التي استمدها من الفكر اليوناني وربما الهندي وهو من الذين يحق عليهم قول أبي الطيب :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

وفي الرباعيات إشارة إلى مكابدة المعرفة وجحيم الشك والمجاهدة في سبيل اليقين لولا أن العمر لا يفي بذلك (من السريع):

أحس في النفس دبيب الفــــــــــــناء

ولـــــــــم أجن من العيش إلا الشقاء

يا حسرتا إن حان حيني ولم يتـــــح

لعقلي حل لـــــــــــــــــغز القضاء

وهو في شعره يسمح لعقله بأن يوغل في التفكير في مسائل الغيب وتقليب الأمر على وجوهه كمجيء الإنسان إلى الدنيا اضطرارا والغاية منه، لكن التفكير لا ينتهي بالشاعر إلى يقين:

قال الخيام( من ترجمة رامي من السريع):

لـــــبست ثوب العيش لم أستــــــــــشر

وحــرت فيه بــــين شتى الفــــــــــــكر

وسوف أنضو الثوب عني يوما ولــــم

أدرك لـماذا جئت، أين الـــــــــــــمفر؟

فليطلب الشاعر شيئا من العزاء في حضرة الكأس، ألا إن لحظات النشوة بدل من خلود فما أغلاها من بدل والخمرة تثير في النفس قابليات صوفية، فقد نص وليم جيمس على أن قوة الكحول راجعة بلا شك إلى قدرته على إثارة القابليات الصوفية وهي ذلك المد من الطوفان الذي ينبثق من الدفء الداخلي والنشاط الحي وهي مستعصية في أوقات الصحو لارتباطها بالمتطلبات والشكوك والانطباعات الذاتية وقوة الكحول تأتي من قدرته على شل هذه الديدان الماصة للحيوية، تاركة الحرارة الحيوية لتتجمع وتشكل نوعا من الخزان الداخلي الذي هو في مضمونه تركيز للطاقات للوصول إلى لحظة "الذاتية الداخلية" .

والخيام الشاعر كما يحتفي بالخمرة يحتفي بالجمال ذلك أن قدرة الخمرة في إحداث التركيز تتيح للشاعر طرح كل همومه وأحزانه ووساوسه والتأمل في الجمال والإحساس به وتذوقه في الطبيعة والإنسان، وقد عشق الخيام الفتاة" نسرين" والتي اقتبست من الزهر اسمه وشذاه وجماله لولا أن عصفت بها ريح المنون في مقتبل العمر فأورثت الشاعر حسرة وعمقت فيه الإحساس بجبروت القدر وقهره وعدم استجابته لرغائب النفس وأحلامها، وفي أحضان الجمال يسهو الشاعر قليلا عن لوعة الفناء ومن ترجمة العريض من (المتقارب) يقول الشاعر :

ويا ليت شعري أ تلك الزهــور

عرائس نعمى جلتها الســـتور

فمن قبلة الشمس هذا الحـــياء

ومن لؤلؤ الطل ذاك السرور؟

وجوهر الجمال هو النزوع إليه وتعشقه تعشق الفراش للنور والهيام به لأن في الحب سلوى عن زوال الموجود:

قال الخيام من ترجمة رامي (من السريع):

أولى بــهذا القلب أن يخــــــفقا

وفي ضـــرام العشق أن يحرقا

مــا أضيع اليوم الذي مــــربي

من غير أن أهوى وأن أعشقا !

وفي الرباعيات ظاهرة لا يمكن إغفالها تتعلق بنقد الناس والتنديد بالنفاق وتعلق الناس بالمظاهر مهملين الجوهر، ويبدو أن الشاعر عانى من ألسنة الناس وخاصة عوامهم كما عانى من مطاردة الفقهاء له الذين ربما رموه بالمروق عن الدين والفسق والعربدة، ولذا صب الخيام جام غضبه على هؤلاء الناس متهما إياهم بالنفاق، واقرأ ذلك كله في هذين البيتين من ترجمة جميل صدقي الزهاوي( من الخفيف):

قال شيخ لــمومس أنت سكرى

كل آن بصاحب لك وجـــــــــد

قال إني حـــــــقا كما قلت لكن

أنت حقا كما للناس تــــــــبدو؟

ومع تصريح الشاعر بطلب المتعة والنشوة تناسيا لأوصاب الوجود وجحيم الشك وعذاب الفكر وسلاطة ألسنة الناس ظل في عقله الباطن يحمل تبعة الإحساس بالذنب وهو المسلم الذي يتلو من القرآن آيات تنص على حرمة الخمر واعتبارها من الموبقات، وعن العذاب الذي أعده الله لمتعاطيها إن لم يكفوا عنها،غير أن الشاعر سيجازف بطلبها إلى آخر رمق من حياته معتمدا على إيمانه بالله وبوحدانيته وعلى فعله المعروف وإحسانه إلى الفقراء ليسلم من النقمة وفوق ذلك كله ملتمسا عفو الله الذي أوصى عباده أن لا يسرفوا على أنفسهم لأن الله يغفر الذنوب جميعا.

قال الخيام من ترجمة مصطفى وهبي التل( من الطويل):

إلــــــــهي قل لي من خلا من خطيئة

وكيف ترى عاش البرئ من الذنب ؟

إذا كنـت تــــجزي الذنب بمـــــــــثله

فـمـــا الــفـرق بـيـنـك وبـيـني يا ربي؟

فليسع الشاعر إلى الحان طالبا لحظات الصفو مع ندمائه، ملتمسا السعادة من دنان بنت الحان وليشفع له إيمانه بالله ووحدانيته، كما قال من ترجمة العريض (من المتقارب):

لئن قمت في البعث صفر اليدين

وعطــــــــل سفري من كل زين

فيشـــفع لـــي أنـــني لم أكــــــن

لأشرك بالله طرفة  عيـــــــــــــن

وذلك ما حدا بالشاعر إلى اختتام رباعياته بتلك الأبيات التي تنم عن حرارة إيمانية وتسليم بوحدانية الله وأمل في عفوه متوسمة عطفه ورحمته:

يا عـــــالم الأسرار علم اليقين

يا كاشف الضر عن البائسين

فئنا إلى ظلك فــــــــاقبل عن

عـــبــــادك تــــوبة التـــائبين

وهي عودة إلى شاطئ الإيمان بعد التيه في أقيانوس التفكير وفيافي التأمل والبحران وما يلقى صاحبه من مكابدة ومجاهدة وعذاب نفسي كبير ولربما استعان الشاعر بيقين الرياضيات على شكوك الإنسانيات ولربما أعطته نتائج الرياضيات بعض الراحة والعزاء فأوغل في هذا العلم إيغالا منقطع النظير فتوصل إلى نتائج قيدت باسمه كحل معادلة من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وطبق الرياضة على الفلك ذلك  العلم الذي يعني في لاوعيه المطلق والسامي والعالم الحر بلا حدود وهي مفاهيم يتعشقها الخيام، وله في الفلك بحوث جديرة بالإعجاب والتقدير، ولربما استعان الشاعر بالخمرة كما يرى وليم جيمس حتى يصل إلى مرتبة الذاتية الداخلية ويشل في نفسه وعقله كل الديدان الماصة للحيوية فيندغم بنشوة الخمرة في الوجود فتصبح الذات والموضوع واحدا، خاصة إذا رأى الإنسان أن المعرفة لا تنتهي بالإنسان إلى معرفة كل ما يجهله لأن العمر ذاته قصير ألم يقل المتنبي ذات مرة:

ومن تفكر في الدنيا ومهجــــته

أقامه الفكر بين العجز والتعب !

ومن ثمة يغدو الإحساس بالوجود وبمحاولة الاندغام فيه ومعالجته بالذوق خير ما يسعف المتأمل إذا استعصى عليه تحويل الوجود إلى موضوع يشبعه بحثا ودرسا واستقصاء .

كذلك كان الخيام في علمه وفي شعره وفي سيرة حياته عقلا جبارا لايني يفكر ويدرس ويستقصي، وقلبا إنسانيا رقيقا انطوى على أنبل المشاعر، ونفسا إنسانية كذلك رهيفة نأت عن النفاق والأنانية والكذب والحسد والشره وهي من أرذل الصفات التي ندد الخيام بها.

ولقد أهدى إلينا فتى نيسابور" الرباعيات" وهي في رأينا أجود آثاره وأجل أعماله، ذلك أن العلم الرياضي والفلكي اللذين مارسهما الشاعر تجاوزهما العلم الحديث ولم تعد لهما من قيمة- اللهم إلا تتبع تاريخيهما وآلية تطوريهما - ولقد أهدى إلينا شعراؤنا وأدباؤنا رباعيات الخيام في حلة عربية قشيبة فكانت في العربية كما كانت في الفارسية آية من آيات البيان والفكر والشعور .

 

ابراهيم مشارة

 

محمد صالح الجبوريالإذاعة من وسائل الإعلام التي تعتمد على حاسة السمع، فهي وسيلةبسيطة في نقل الأخبار والبرامج المنوعة، وساهمت في توعية الناس وارشادهم، والإذاعة العراقية تأسست رسميا عام 1936 م، في العهد الملكي، اسسها الملك غازي رحمه الله، وهي من اقدم الاذاعات في الشرق الاوسط، وعرف المذياع في ذلك الزمان، و يوضع المذياع في المقهى، ويتابع الناس الاخبار والبرامج التي تقدمها الإذاعة، ويجلس في المقهى ادباء ومثقفين وسياسيين يناقشون مواضيع سياسية واقتصادية تخص البلاد، وتأثير الحروب والاوضاع العالمية على البلاد، ولم يمتلك المذياع الا الاغنياء وكبار الموظفين، بسبب إرتفاع سعره، و المقهى يعد في ذلك الزمان مكانأ للراحة ومنتدى ثقافي، تطالع الناس فيه الصحف والمجلات، ولكل مقهى رواده، واشتهرت المقاهي في بغداد، الزهاوي، حسن عجمي، البيروتي، المميز، البرلمان، البرازيلية، ابراهيم عرب، الشابندر، وغيرها، وفي الأرياف يوجد في كل قرية مذياع، يجتمع الناس في مكان خاص بهم يتابعون البرامج الإذاعية، السياسية والأخبار والاغاني، و المحاضرات التي يلقيها مصطفى جواد، فؤاد جميل، حمدي الاعظمي، عبد المنعم الكاظمي، الملا عبود الكرخي، والاذاعة لهادور في تثقيف الناس، وارشادهم في القضايا الوطنية والقومية وساهمت في الثورات التي حصلت في البلاد العربية، ويحتفظ الكثير من الناس بذكريات جميلة عن الإذاعة، المذياع تطورت صناعته في دقته وحجمه، لا زالت الذاكرة تحتفظ ببرامج واغاني كانت تبثها الإذاعة، في زمن كانت الوسيلة المفضلة، وكانت هناك اذاعات منوعة اذاعة البي بي سي، صوت امريكا، الشرق الاوسط، القاهرة، صوت العرب، عمان، الكويت، كنا نتابع الإذاعة، ويدركنا النوم، وننسى اطفاء الراديو ويبقى يعمل حتى الصباح، ونحن في نوم عميق، واحلام سعيدة، أيام جميلة خلت بذكرياتها وبساطتها، وطيبة أهلها.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

ضياء نافعالترجمة الحرفية – عندما يقوم الرب بتوزيع السعادة، فانه لا يسأل ابن من انت.

التعليق – صورة فنية جميلة جدا في هذا المثل الصربي، اذ انها تعكس المفاهيم الشعبية الراسخة عند مختلف الناس وعبر كل العصور حول مصدر السعادة اولا، وان السعادة هذه، ثانيا، عندما تكون صادرة عن العادل المطلق، فانها لا تخضع ابدا للاحكام الطبقية الظالمة في المجتمع الانساني .

***

الترجمة الحرفية – ليس وراء المائدة، وانما في السجن تفهم، من هم الاصدقاء الحقيقيون لك.

التعليق – الصديق وقت الضيق كما يقول المثل العربي الشهير، ويتكرر نفس المعنى عند معظم الشعوب وبصيغ مختلفة ومتنوعة، والصيغة الصربية طريفة حقا، فالسجن هو (وقت الضيق) فعلا وبلا ادنى شك. 

***

الترجمة الحرفية – اذا كنت جسرا، فكل واحد يقدر ان يعبر فوقه.

التعليق – دعوة دقيقة وصريحة لضرورة بلورة الملامح والسمات الشخصية عند كل انسان، كي لا يكون (معبرا) ليس الا للآخرين. مثل تربوي عميق بصيغة تطبيقية طريفة وذكيّة ومفهومة للجميع .

***

الترجمة الحرفية – الاكثر ثقلا هو الكيس الفارغ.

التعليق – هل تذكرون القول الخالد في تراثنا عن الذي (حمل الحديد والصخر ولم يجد اثقل من الدين!) ؟ . المثل الصربي رمزي وفلسفي ويتضمن صورة فنية مثيرة وجميلة.

***

الترجمة الحرفية – العلم هو ثمرة حلوة ذات جذر مرّ.

التعليق – طبعا، لان العلم يتطلب جهودا هائلة و(مريرة !) للوصول الى ثمرته (الحلوة!) . مثل جميل وذكي، ومعناه العام موجود باشكال مختلفة عند الكثير من الشعوب الاخرى، بما فيها طبعا شعوبنا العربية .

***

الترجمة الحرفية – خذ تحية للشيطان، اذا هو يقول الحقيقة.

التعليق – مثل يمجّد الحقيقة بغض النظر عن مصدرها، وفي هذا الجانب فانّه مثل رائع، ولكنه من جانب آخر غير واقعي تماما، اذ كيف يمكن للشيطان ان يقول الحقيقة ؟ ورغم ذلك، فان المثل طريف بشكل عام .

***

الترجمة الحرفية – الشكوى والبكاء لذاك الذي يقدر ان يساعد.

التعليق – مثل صحيح جدا، ولهذا نحن نقول – الشكوى لغير الله مذلة.

***

الترجمة الحرفية – الانهار العميقة تجري بهدوء.

التعليق – مثل عالمي عند الكثير من الشعوب، فالضجيج والادّعات العنترية تصاحب دائما الناس الفارغين والتافهين (وما اكثرهم في مجتمعاتنا مع الاسف) . هل تذكرون بيت الشعر العربي الجميل والذكي والخالد، الذي ذهب مثلا، عن السنابل المليئات اللواتي (ينحنين تواضعا) وعن السنابل الفارغات وكيف ان (رؤوسهن شوامخ!)؟

 

أ. د. ضياء نافع

 

سردار محمد سعيدمعرفتي بالقاصة السوريّة الرائعة فاديا ليست شخصية، بل ادبية بحتة من خلال متابعتي لنصوصها الجميلة،والحق أقول انها تسحرني، وأشعر أن النقد لم يفها حقها، وآمل يوماً أن تكون تحت أضوائه.

الذي رأيته من محاوربارزة في نصوص فاديا هي:

1 الإيروسية 2 الرموز التراثية 3 الصور الخلابة:

ولنأت على المحور الأول

انقسم المجتمع الأبوي في نظرته لإيروسية فاديا إلى فئتين، فئة أولى من الذكور الذين تصدوا لها ونعتوها بكلمات بذيئة، وأيدهم النساء القانعات بسلطة الذكورة، وفئة أخرى من الذكور يبدون اعجابهم بكلمات مديح وثناء ليس إلا، لا تسمن ولا تغني يقابلهم إناث صامتات ولعله الخوف من المجتمع الذكوري " أب، أخ، زوج، حبيب خطيب ..." .

لم أجد كاتبة حديثة سوى فاديا تكتب بالصراحة الواقعية وكاتبة عراقية واحدة علمية أكثر مما هي أدبية اسمها السيدة د .ماجدة غضبان وعرفت أنها لاقت من الذكوريين الكثير من المعارضة بل والبذاءة .

وهنا بعض الأمثلة من سرديات فاديا وأرجو قراءتها بتمعن كأدب راق وليس ككلام مثير للشهوات:

من مقامة الحب والكراهية

كان ياما كان في قديم الزمان وسالف العصروالآوان، رجل يعشق النسوان، ويلاحق كعب الغزال، ويدور حول الردف، يصرعه النهد، ويدميه الخصر أينما كان .

ومن قصة رشة عطر

... أمضى ساعة في الحمام، ثم ركض إلى غرفة النوم ليبدأ الشخير المموسق .. أنهيت أعمالي ولحقت به .جلست على طرف السرير، أزحت الغطاء عنه، يا للجسد الذهبي،يا للصدر العريض ! ما هذه العضلات المفتولة، زحفت نحوه ما هذا البهاء المحجوب عني ... إستلقيت قربه، شممت رائحته المميزة، شعره الأجعد، ذقنه الأشقر، يا للجاذبية، اللتصقت به، ما الذي اتعبه لدسرجة لم يحس بأصابعي تحرث صدره، وكتفيه وبطنه ؟ كم اختبأت تحت هذه الظلال  ؟ .

2 الرموز التراثية والحيوانية

وظفت فاديا الرموز التراثية نوظيفاً دقيقاً ورائعاً كل في محله وليس للذكر فقط،فكل رمزضمن سياق حدث معين،منسجماً وممتزجاً معه وغير ناشز .

سأكتفي بذكر الرموز وأهمها:  

هبل، عشتار، بلقيس، زليخا،المجدلية، شهرزاد، شهريار، الحمامة، الذئب،الديك، الأفعى .   

3 الصور الجميلة

ومن رواية لها عنوانها السيرة الحمودية هذه الصورة:

صرخت بأعلى صوتك : لقد لسعتني الأفعى يا أهل النخوة. ثم أغمي عليك .. كان صوتك هادراً، مرعداً توزع في أرجاء القرية كزوبعة بحرية بدأت دوائرها تتسع حتى ثمددت فوق البيوت والأحراش عبر صوتك الهادر، فغطت المرج بكامله.. ترك الرجال ما بأيديهم،زحفوا عبر الحقول والممرات الضيقة .

لايمكن حصر نتاجات وسرد فاديا في مقالة صغيرة كهذي،ولذلك كانت دعوتي للنقاد، وبالنسبة لي فأنا أقر بحبي وعشقي لسرد فاديا وحكاياتها .

 

سردار محمد سعيد

 

جابر السودانيشكلت البيئة العراقية بحميمية مشاهدها اليومية وصورها الجمالية المختلفة الرؤى، مدادا معرفيا متواصلا، استقت منه الشاعرة المغتربة نادية المحمداوي جل مفردات وأسباب صناعة منجزها الإبداعي الناجح.

الحنين الدائم للمنابت الأولى في العراق صار هوية دائمة سكنت ضمير الشاعرة نادية المحمداوي وجعلتها تشاكس الرضوخ لمفهوم التغرّب ومقولاته القاسية التي انكسر أمام إغرائها الطاغي الكثير من أدباء المهجر.

لم تخضع لضغط المنفى أو لمقولات الانسلاخ عن الجذور الأولى للفهم الحياتي والشعري، ولم تنسى إن قريحتها الشعرية هي بنت البيئة لم يخالطها خطوٌ هجين. استقت من أجوائها كل مفردات منجزها الإبداعي رغم إنها اختارت وطنا آخر دُفعت إليه دفعا مؤلما . 

الناقد المتخصص حين يطالع قصائد نادية المحمداوي ويتعقب مسار الفكرة لديها وهي تنمو تصاعديا منذ أول النص حتى خاتمته، يجدها ملتصقة حد التماهي بوطنها الأول، ولا مجال لمساومة حنينها للعراق بترف الحياة في المهجر، لذلك كانت مفرداتها الشعرية رغم تصاعديتها الموازية لتصاعد الفكرة لا تكفي لسد حاجتها في التعبير عن الشجن الذي يجتاح جميع نصوصها، فتلجا إلى استعارات اصطلاحية لسد النقص في عجز اللغة، وقلما نجد نصا بين تلك النصوص يشذ عن قاعدة تفوق الإحساس على قدرة اللغة.

الحنين في قصيدة طائر الفلامنكو لا يحتاج إلى تقصي:

(أنت الآن على قاب ألف ميل

وما زال يستبيحني كل يوم صداك.

مثلما استباح قديما طفولتي) 

في المقطع أعلاه تجاوزت نادية عجز اللغة بذكاء وكرست البعد المكاني كمصطلح تعبيري لوصف ما يعتريها ثم عاودت في نفس القصيد مرة أخرى إلى استخدام البعد الزماني لنفس لسبب أعلاه

(تعال أدنو مني.

منذُ أول العمرِ وأنا بعيدةٌ عنكَ

وروحي تحومُ في مداركَ.

نجمةً تشاكسُ الأفول)

في قصيدة طائر الفلامنكو أقرنت نادية المحمداوي الزمان بالمكان فأنتجت زخما تعبيريا جعل القصيدة تستوعب طاقة إضافية قادرة على وصف الشجن المعتمل في نفسها بسهولة.

 

جابر السوداني

 

عبير خالد يحيىتردّدت كثيرًا قبل أكتب هذا المقال عن جائزة البوكر العربية لهذا العام، وكنت قبلًا – ولا أزال- لا أهتم بشأن الجوائز الأدبية، خصوصًا بعد أن اطلعت على قصة قصيرة كانت فائزة بجائزة الطيب صالح قبل أربع سنوات تقريبًا، حيث كانت قصة قصيرة دون المستوى بشكل ملحوظ، مع كم هائل من الأخطاء النحوية والإملائية في نص قصير نسبيًّا، وأقولها صراحة، هناك الكثير من الاعتبارات الخفية التي تؤخذ بنظر الاعتبار في هذه الجوائز، فعميد الأدب العربي نجيب محفوظ لم ينل جائزة نوبل عن أفضل أعماله، نالها عن (أولاد حارتنا) ولم تكن أعظم أعماله، بل كانت رواية مدعاة للجدل في وقتها وما تزال، وليست هي الشاهد على عبقرية هذا الأديب التي ما زالت إلى الآن مثار إعجاب وانبهار، لكن ما دفعني هذه المرة إلى تناول هذا الموضوع هو الجدل الذي أثير حول استحقاق هذه الجائزة لهذا العام، ست روايات وصلت إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة، هي" بريد الليل" للكاتبة اللبنانية هدى بركات، "شمس بيضاء باردة" للكاتبة الأردنية كفى الزعبي، "الوصايا" للكاتب المصري عادل عصمت، " صيف مع العدو" للكاتبة السورية شهلا العجيلي، " النبيذة" للكاتبة العراقية إنعام كجه جي، ورواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب المغربي محمد المعزوز.

هناك ثلاث كاتبات كن قد سبق لهن الوصول للقائمة القصيرة لهذه الجائزة، وهن إنعام كجه جي، وشهلا العجيلي، أما هدى بركات فكانت وصلت للقائمة الطويلة عام 2013

تكوّنت لجنة التحكيم لهذا العام من:

- شرف الدين ماجدولين (رئيس اللجنة) أكاديمي وناقد مغربي مختص في الجماليات والسرديات اللفظية والبصرية والدراسات المقارنة.

- فوزية أبو خالد: شاعرة وكاتبة وأكاديمية وباحثة سعودية في القضايا الاجتماعية والسياسية.

- زليخة أبو ريشة: شاعرة وكاتبة عمود وباحثة وناشطة في قضايا المرأة وحقوق الإنسان من الأردن.

- لطيف زيتوني أكاديمي وناقد لبناني مختص بالسرديات

- وتشانغ هونغ يي: أكاديمية ومترجمة وباحثة صينية.

صدمني جدًّا أن يكون في لجنة التحكيم شاعرات تم التعريف بهن بصفة (شاعرة) بالدرجة الأولى! حتى ليظن أننا في جائزة للشعر وليس للسرد، بالإضافة إلى المترجمة الصينية التي لم أعرف ماذا يمكن أن يكون دورها في لجنة تحكيم مسابقة أدبية عربية! حتى لو كانت باحثة في الأدب العربي فهي قد قُدّمت كمترجمة وأكاديمية وباحثة صينية. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل تكفي هذه اللجنة بعدد أعضائها الذي لا يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة لتحكيم جائزة أدبية كبيرة بحجم جائزة البوكر؟

لفتني وزاد من استغرابي وجعلني أفتح فمي على آخره ما قاله رئيس اللجنة وهو يحدد المعايير التي اعتمدتها اللجنة لاختيار الرواية الفائزة، قال بالحرف: "لا توجد في نهاية المطاف معايير ثابتة لاختيار النصوص الروائية الجيدة من النصوص غير الجيدة، نحن نضع معايير كلجنة تحكيم لأنفسنا، ولهذا تختلف صيغ التحكيم من لجنة إلى لجنة، ولهذا قد تنتصر لجنة إلى اختيارات قد لا تنتصر لها لجنة أخرى، نحنا كان أمامنا مشهد روائي متنوع، وكان من الضروري لنا أن نختار نصوصًا تقنع شرائح مختلفة من القرّاء، نحن لا نقدم رواية للأكاديميين _ ولو أننا أكاديميين _ لكن نقدم رواية يستطيع أن يقرأها كل الناس وأن تمتّعهم وأن تقنعهم، هذا الشرط كان شرط أساسي أن تكون الرواية ممتعة في نهاية الأمر".

وهنا أقف وقفة طويلة، كيف تقام جائزة أدبية عربية كبيرة دون أن يكون لها معايير؟! هذا يحيلها وبشكل سافر إلى المزاجية، لا أقول الانطباعية لأنني أشك بأنها انطباعية بريئة، ولم أظلمها إن قلت مزاجية، لأنني نحّيتها عن الشللية والاعتبارات الخفية، والغريب أن من يقول هذا الكلام أكاديمي، أفلم يجدوا في مدارسهم الأكاديمية الكثيرة معيارًا واحدًا يمكن أن يعادل كفة المزاجية؟!على الأقل العمل بالمعاير السبعة للنص المعروفة بشكل عالمي في الأدب، أومعاير هاليدي أو المعايير المفصلية للنص الروائي الموازي....!؟

ثم ما هذه الديكتاتورية التي يمارسونها على القرّاء بتقديمهم نصوصًا روائية أمتعتهم هم وأقنعتهم هم؟! القرّاء وضعوا ثقتهم بكم على اعتبار علمكم النقدي والأكاديمي، وليس على ذائقتكم (الشعرية) أو البحثية ( السياسية والاجتماعية) أو علومكم الترجمية، على أساس اختصاصكم في الجماليات والسرديات اللفظية والبصرية ( وقد خلت منها الرواية الفائزة / بريد الليل/ ) الرواية التي ضجّت بالكثير من الألفاظ والتراكيب الخارجة عن علم الجمال والأدب!

يضيف رئيس اللجنة قائلًا:

"المسألة الثانية هي في كتابتنا الروائية أننا يجب أن نتجاوز شيء اسمه موضوع جديد، نحن أمام صنعة روائية قد تستطيع أن تجد لها اختراقًا أسلوبيًّا ضمن موضوع مرمي على الطرق، الكل يكتب عن الحرب، الكل يكتب عن الذاكرة، الكل يكتب عن التاريخ، والكل يكتب عن خيبة الأمل، حتى التقنيات، تقنيات كتابة الرسائل هي تقنية شائعة في الصنعة الروائية، لكن الصيغة التي قدم بها النص هي صيغة شديدة الاتقان وصيغة مقنعة وصيغة جذابة بالنسبة لهذا النص الذي كان من الممكن أن يكون طويلًا جدًّا لكنه هُذِّب ونُقِّح- كما أفترض_ عشرات المرات كي يقدم بهذا الشكل" .

في هذا الكلام أتوافق معه، لا موضوع جديد، ولا أحداث جديدة، وإنما هي أحداث مكرّرة على اعتبار أن الحياة طويلة والأحداث فيها لا تتجاوز بضع وثلاثون حدث على أبعد تقدير، وأيضًا التقنيات، مع أن هناك تقنيات معاصرة لكنها باتت معروفة، وعليها تقاس حرفنة الكاتب، بالاعتماد على مقدرته على استخدامها أولًا، وحسن توظيفها بما يخدم النص ثانيًا، بالنسبة لتقنية الرسائل، والرسائل تعتبر من أهم المصادر التي تعطي صورة واضحة عن الأحوال التاريخية والسياسية في الفترة التي وضعت فيها الرسائل، وتظهر التغيرات في الجوانب المختلفة على مرّ العصور، ويطلق لفظ الرسالة على ما ينشئه الكاتب من نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويوجهه إلى شخص آخر، أو هي مخاطبة كتابية يوجهها شخص لآخر في موضوع أو مواضيع لا يمكن حصرها، تتوزع بين إبداء مشاعر وجدانية أو عاطفية، أو ما يدخل ضمن اللياقات الاجتماعية، وللرسالة عناصر كثيرة ينبغي مراعاتها – حتى وإن كان الكاتب يستخدمها كأداة أو تقنية في عمله الروائي، حتى لا يفقد خاصية الإقناع- أهم هذه العناصر :

- العنوان الجغرافي وهو ما أغفلته الكاتبة، حتى أنها في إحدى الرسائل جعلتنا في لبس بين كندا أو فرنسا او لبنان.

- ذكر اسم المرسل إليه كاملًا، لم نشهد أي اسم، فقط اللقب ( أبي ، أخي ، أمي...)

- مقدمة الرسالة : تقديم مختصر وعام لموضوع الرسالة

- موضوع الرسالة: وهو الجزء الأهم الذي يحمل الموضوع والفكرة الرئيسية التي تمت من أجلها الرسالة، وقد استخدمت الكاتبة هذه الجزئية بتقنية الاعترافات وتدفق سيل الوعي والذكريات، والمونولوج الداخلي، وهذا يُحسَبُ لها، وإن كان هناك مباشرة وتقريرية في مواضع كثيرة.

- التوقيع: وهو العنصر الذي تختتم به الرسالة، وهو ما حرمتنا الكاتبة منه، وأوقعتنا في دوامة البحث عن كل شخصية بعد الانتهاء من الرواية لنستطيع التمييز بينها، وإن كان هدف الكاتبة تسطيح الشخصية بالأبعاد الجسدية، والهوية الشخصية، فأقول أن ذلك أفقدها خاصية الإقناع، لنجد لاحقًا أننا فقدنا أيضًا خاصية الإمتاع لتوهاننا بين شخصيات متتالية ومتداخلة دون أن يكون لها دلالة، حتى ولو كانت دلالة اسمية.

- تسجيل التاريخ : تاريخ تدوين الرسالة، طبعًا كان هذا التوقيع غائبًا، ما أربكنا – كقرّاء- في تمييز الخط الزمني((Time-line الذي امتدت عليه الرواية.

الملاحظة الهامة جدًّا هي أن الكاتبة قدّمت لنا الرسائل بأسلوب واحد، فالرسالة هنا تنوب عن الحوار، الحوار الداخلي الذي تتحدث به الشخصية عن نفسها، نوازعها، انفعالاتها، مستواها الثقافي والاجتماعي، بمعنى أدق، الحوار الداخلي يصف الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصية، وهنا قدّمت لنا الكاتبة شخصيات تملك تقريبًا ذات الأبعاد، شخصيات توحّدت بالنفي عن وطنها، مُهَجَّر أو مُهاجر، توحدت بالشذوذ عن الفضيلة المجتمعية (العربيد، المخنث، المومس، القاتل، الإرهابي، السارق....) مسطّحة بالأبعاد الجسدية وهذا مألوف في الرواية المعاصرة، لكنها جعلت الشخصيات تكتب بذات الأسلوب، ذات الألفاظ والتراكيب والعبارات، ما يجعل القارئ فعلًا لا يميز بين رسالة وأخرى، أي لا يميز بين شخصية وأخرى إلا بالأحداث التي تسردها، حتى تلك الأحداث متشابهة، هذه الرواية كان ينبغي أن يبذل عليها جهد أكثر حتى تستحق الفوز، أن تكون الحبكة محكمة أكثر، النهاية (موت البوسطجي) لم تقنعني ولا حتى رمزيًّا.

وأنا قرأت من القائمة القصيرة روايتين، (بريد الليل) الرواية الفائزة، ورواية (النبيذة) للكاتبة العراقية إنعام كجه جي، والحقيقة أن الرواية الثانية كانت رواية احترافية من الطراز الرفيع، توفّر فيها عنصر التشويق من العنوان إلى النهاية، كما أجادت الكاتبة في حبك محاور الروي بالشخصيات والأحداث وتضفيرها بتشابك سردي متقن، مستخدمة كل التقنيات السردية من حوارات خارجية (مفتقدة بالرواية الفائزة) وحوارات داخلية وتدفق سيل الوعي والذكريات والخطف خلفًا، وناقشت موضوع الجنس بطريقة غير مبتذلة، جماليًا، للكاتبة قاموس راق من الصور والتراكيب والجمل المرسومة بريشة فنان، تخدم سياقات النص بأسلوبية مدروسة، خط الزمن محدد بدقة، كما المكان، ما جعلنا نعيش الأحداث بالبيئات التي حدثت فيها وبالزمان والشخصيات، رواية لم تقصّ الكاتبة بجعلها رواية نفسية حال الروايات المعاصرة، لكنها أيضًا لم تخرجها عن إقناع الرواية الواقعية وإيهامها، وبالمقارنة مع الرواية الفائزة من حيث الإقناع والإمتاع والتقنيات (وهي المعايير التي وضعتها اللجان لنفسها) أرى أن رواية " النبيذة" مستوفية لشروط الفوز أكثر.

 

بقلم الناقدة الذرائعية عبير خالد يحيي

 

ضياء نافعاسمان معروفان للقارئ العربي بشكل جيد بين الادباء الروس الكبار، بل يوجد في المكتبة العربية كتاب بترجمة جلال فاروق الشريف صادر عن دار اليقظة الشهيرة آنذاك في دمشق عام 1953 بعنوان – (مراسلات غوركي وتشيخوف)، واعيد طبعه عام 1983 في دمشق ايضا (انظر مقالتنا بعنوان – جلال فاروق الشريف والادب الروسي)، الا ان القراء العرب ينظرون اليهما – بشكل عام - على انهما غير قابلين للمقارنة في كل المقاييس، والبعض منهم (وهم الاكثرية) يرون، ان غوركي هو الاعلى مقارنة بتشيخوف، اذ انه بالنسبة لهؤلاء القراء العرب مؤلف رواية – (الام)، بينما لا يرتبط تشيخوف بعمل ابداعي بهذا السطوع المحدد بالنسبة لهم . وفي كل الاحوال، فان شهرة غوركي أكبر من شهرة تشيخوف في عالمنا العربي، ومؤلفاته المترجمة اوسع انتشارا من مؤلفات تشيخوف المترجمة، وكل ذلك طبعا نتيجة تداخل الادب الروسي بمسيرة الحركة السياسية في مجتمعاتنا العربية (انظر مقالتنا بعنوان – الادب الروسي في الوعي الاجتماعي العراقي)، وأذكر مرة، اني شاركت بحديث جرى بالصدفة عن تشيخوف وغوركي مع أحد معارفي العراقيين، فقال لي (غاضبا!!!)، كيف يمكن مقارنة غوركي (وأسماه ابو الواقعية الاشتراكية) بتشيخوف البائس هذا؟ ثم امطرني بسيل من الآراء والاحكام حول الادب الروسي وأعلامه، وحذرني في نهاية حديثه قائلا، انه يجب ان اكون حذرا في اقوالي وكتاباتي عن الادب الروسي، والا، فانني يمكن ان اتحول الى (باسترناك جديد)، ولم افهم فحوى هذا التحذير ولا جوهره ولا علاقة باسترناك الرائع بكل هذا الموضوع، ولم أسأله تفاصيل ذلك، أذ أني (لذت بالصمت وانا مبتسما!) امامه ليس الا،، كما أفعل عادة مع هؤلاء الاشخاص، الذين (لا يعرفون، ولا يعرفون انهم لا يعرفون !)، وما أكثرهم حولنا في عالمنا العربي مع الاسف .

تشيخوف وغوركي – موضوع مهم في علم الادب المقارن وتاريخ الادب الروسي بشكل عام، وهو موضوع واضح المعالم بالنسبة للباحثين الروس، لأن غوركي نفسه قد حدد موقعه الحقيقي في هذه المقارنة، اذ انه ظهر في مسيرة الادب الروسي وبرز فيها بعد تشيخوف، ونجد في اول رسالة كتبها غوركي لتشيخوف جملة دقيقة يقول فيها غوركي، انه معجب به منذ نعومة أظفاره، وهناك في مذكرات أحد معارف غوركي اشارة، الى انه (اي غوركي) عرض له في شبابه قصة قصيرة لتشيخوف، منشورة في احدى المجلات الفكاهية بداية الثمانينات، وهي من قصص تشيخوف المبكرة جدا، وقال غوركي له ما معناه، انه يتعلم منها . وتشيخوف كان معجبا بغوركي ايضا، وقد أشار اليه في الكثير من رسائله الى الآخرين، وهناك عدة بحوث بالروسية تتناول اعجاب تشيخوف بمسرح غوركي ونشاطه الابداعي عموما، وكذلك بشخصيته وعصاميته، على الرغم من ان اسلوبهما الفني مختلف تماما، وتوجد في احدى رسائل تشيخوف الى غوركي تفصيلات دقيقة وجميلة حول ذلك، اذ اخبره مرة، انه يكتب جملة – (جلس الرجل على العشب)، اما هو، اي غوركي، فانه يكتب نفس هذه الجملة بشكل مطول جدا، يصف فيها كيف ان الرجل يجلس ببطء ويتلفّت وينظر حوله بامعان ...الخ، ويقول تشيخوف، ان هذا الوصف يشتت ذهن القارئ، ولا يجعله يصل الى الفكرة التي يريد الكاتب ايصالها له .

لقد توفي تشيخوف عام 1904، وبالتالي، فانه لم يعاصر مسيرة غوركي لاحقا، وكيف ساهم في مسيرة الحياة السياسية الروسية وكل الاحداث الكبيرة في تاريخ روسيا العاصف من ثورة 1905 والحرب العالمية الاولى وثورة اكتوبر 1917 وعلاقة غوركي مع لينين (التي ابتدأت قبل ثورة اكتوبر ومرّت بمراحل متشابكة ومعقدة) وعلاقته مع ستالين بعد تأسيس الاتحاد السوفيتي، هذه العلاقة التي يمكن ان نسميها (غير السلسة) ان صح التعبير . وكل هذه الجوانب حول غوركي لازالت غير واضحة المعالم للقارئ العربي، ولهذا، فان القارئ العربي لا يستوعب المقارنة بين هذين الاديبين، بل وحتى لا يتقبلها، كما هو حال صاحبنا العراقي، الذي أشرت اليه في بداية مقالتي، اذ لا يجد التشابه بينهما، ولا يفهم امكانية المقارنة بينهما . ان موضوع تشيخوف وغوركي حيوي جدا في روسيا، ويمكن على سبيل المثال الاشارة الى موضوع طرحه احد الباحثين الروس عام 2015 ليس الا، وكان بعنوان (تشيخوف وغوركي ضد تولستوي)، بل ان ميرشكوفسكي (انظر مقالتنا بعنوان – الاديب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي) قد كتب بحثا معمقا في وقته، ذكر فيه ان تشيخوف وغوركي أقرب الينا (وحسب طاقتنا، كما يقول) من دستويفسكي وتولستوي (واللذان هما اعلى من طاقتنا)، وذلك لان تشيخوف وغوركي يعكسان حاضرنا، اما دستويفسكي وتولستوي فانهما يعكسان الماضي والحاضر والمستقبل، وهي افكار فلسفية عميقة وممتعة تستحق التأمل فعلا، ولا يمكن ايجاز كل ذلك ضمن هذه السطور . وهذا الموضوع حيوي ايضا بالنسبة لاوربا ايضا، وخصوصا بالنسبة للموقف من غوركي بالذات، وذلك لان اوربا تتابع بدقة ما يجري في الفكر الروسي، ودراسة غوركي ترتبط بشكل مباشر بهذه المتابعة الفكرية ولحد الان. وباختصار شديد، يمكن لنا ان نقول – ختاما لهذه المقالة – ان هذا الموضوع يستحق ان نكتب عنه بتفصيل وان ندرسه بعمق ومن كافة الجوانب، كي لا تتكرر تلك الآراء الساذجة عند بعض القراء العرب ... 

 

ا. د. ضياء نافع

 

مصدق الحبيب(1879-1955) الحائز على جائزة نوبل عام 1921

والمدافع العنيد عن حقوق الانسان

وضد التمييز العنصري والقومي والحروب

واستخدام الأسلحة النووية.

اختارها وترجمها عن الإنكليزية بتصرف

 مصدق الحبيب

***

- حين تحكم على السمكة بموجب قابليتها على تسلق الأشجار، ستعيش السمكة طيلة حياتها معتقدة انها في غاية الغباء ولا أمل فيها.

- لا يولد المرء غبياً، انما جاهلا، وقد يصبح غبيا عندما يتعلم.

- تبسيط ما هو معقد يستلزم لمسة من العبقرية وقدر من الشجاعة

- إن لم تستطع ان توضح أمرًا لطفل في السادسة من العمر فهذا يعني انك لم تفهم الامر أصلا.

- من لا يخطأ هو الذي لا يحاول ابداً

- على التعليم ان لا يهدف الى تلقين المعلومات، انما لتدريب العقل على التفكير

- التربية والتعليم والثقافة هي ما يتبقى لدينا بعد ان ننسى ما تعلمناه في المدرسة

- الحماقة هي ان نفعل نفس الشيء مرارا وتكرارا ونتوقع نتائجا افضل

- المعرفة طريق يقودنا الى اهدافنا لكن الخيال هو الفضاء الرحب الذي لا يعرف الحواجز والحدود والذي نحلق فيه أحرارا لاستخدام المعرفة في خدمة الإنسانية

- التجربة هي مصدر المعرفة الوحيد

- الطاعة العمياء للسلطة هي ألد أعداء الحقيقة

- الضعفاء ينتقمون، والاقوياء يسامحون، والاذكياء يتجاهلون

- سلوك المرء الأخلاقي يستند على تربيته وتعليمه وضميره وعلاقاته الاجتماعية ومشاركته الوجدانية، وليس بالضرورة ان يتضمن ذلك اعتقاده الديني والمذهبي. وانه لما يثير الشفقة ان يسعى المرء لعمل الخير لمجرد طلب الثواب ودفع العقاب.

- المنطق يوصلك من نقطة الى أخرى، لكن الخيال والتصور يأخذانك الى كل مكان.

- حاول ان لا تسعى فقط من اجل النجاح، انما من أجل القيم العليا ايضاً

- على المرء ان يتعامل مع الممكن، وليس مع ما يفترض ان يكون

- اهم ما نفعله هو ان لا نتوقف عن مساءلة الأشياء

- من واجبنا جميعا ان نساءل كل عمل لا ينسجم مع مبادئ العدل والمعروف والحقيقة

- الحياة كركوب الدراجة، فمن اجل ان تحفظ توازنك، عليك مواصلة المسير.

- ليس كل ما هو محسوب يُحسَب، وليس كل ما يُحسَب يكون محسوباً

- ليس كل ما هو صحيح يلقى قبول الناس، وليس كل ما هو مقبول يكون صحيحا.

- تكون السفينة في أمان كامل عند المرسى لكنها لم تُصنع فقط لكي ترسو.

- لا تتخلى أبدا عما تحلم به، فالحالمون أكبر شأنا من العارفين.

- أنا اتحدث مع كل الناس بنفس الطريقة.. مع الزبال ومع رئيس الجامعة.

- شكري وامتناني المخلص لكل الذين لم يساعدونني لا نني اضطررت ان اعتمد على نفسي.

 

سوف عبيدإذا كان مَطلع القرن العشرين قد شهد الأدب العربي المعاصر خلاله ظهور الأدب المهجري في أمريكا فإن مَطلع القرن الحادي والعشرين

 نلاحظ فيه اِنتشار المدونة الأدبية العربية على مدى بلدان أوروبا وأستراليا وهذا راجع إلى هجرة عديد الأدباء العرب إليها ممّا جعلهم يمثلون  تجربة إنسانية وأدبية جديرة بالمتابعة والدرس

من أولئك الأدباء الجديرين يالدراسة والمتابعة الشاعر بن يونس ماجن أصيل المغرب الأقصى والمقيم في لندن منذ السبعينيات من القرن العشرين حيث أكمل دراسته الجامعية وتخصص في الترجمة وهو يكتب بالعربية والفرنسية والإنقليزية وبدأ النشر منذ أواخر سنوات الستينيات فهو من مواليد سنة 1946 وقد صدر له عديد الدواوين نذكر العربية منها خاصة

ـ أناشيد الضباب

ـ مسامات

ـ لماذا لا يموت البحر

ـ هم الآن يكنسون الرذاد

ـ حتى يهدأ الغبار

ـ منارات في كواليس الصمت

ـ أسد بابل

ـ فرامل لعجلات طائشة في الهواء

ـ عندما يكف المطر عن الهطول

ديوان الحريك

ـ مثل نرد يندب حظه

ـ ليس معا ولكن على حدة

ـ إدريسيو مرثيات

ـ شذرات ثلاثية الأبعاد

وقد أصدر أخيرا ـ مجاذيف بلا أجنحة ـ وهي مجموعة شعرية تضم أربعة وعشرين نصا شعريا أغلبها ضمن الشعر الهيكي وحتى القصائد الأخرى تتكوّن من مقاطع قائمة على الإيجاز واللّمح وعلى الإشارة والتضمين الذي يشير إلى الموقف السياسي الواضح والقائم على النقد الجارح كقوله في قصيدة ـ توبة التمساح الضاحك ـ حيث يعرّض في بعض مقاطعها بظاهرة زواج المتعة وجهاد النّكاح وبقضية الصحراء بين المغرب والجزائر وبسنوات القمع والدكتاتورية وبنقد الربيع العربي

*

لقد كتبوا الكثير عن زواج المتعة

ولم بقولوا شيئا عن حريم السلطان

المعفى من ضريبة النكاح

*

بان كي مون

رصاصة طائشة

لفظتها كثبان الصحراء المغربية

*

سنوات الرصاص والجمر

ومعاقل للأكفان المتعفنة

وبلهيب الرماد كتب الشعب ملحمته الخالدة

*

رياح الخريف العربي الطائشة

تعوم في نزيف بحر هائج

وتتلاطم مع كموجات محطمة

*

بن يونس ماجنإن الشاعر بن يونس ماجن في هذه المجموعة الجديدة من قصائده قد أثرى مدوّنة ـ الهَيْكات ـ وهي الصيغة الجديدة التي أضحت تمثّل إضافة نوعية إلى ديوان الشعر العربي ولعل مثل هيكاته هذه يمكن اِعتيارها من الروائع

*

فراشة

تتخلى عن ألوانها

حزن الوردة

*

ما ألذّ الألم

حلاوة الصبر

عصير الدّفلى

*

ظلّي التائه

أبحث عنه دوما

فيختبئ ورائئي

*

الذئب يتثاءب

يتحسس أنيابه

رائخة الخرفان

*

عندما يهدأ الغبار

تنام الكتب

على الرفوف

*

بلا إطناب وبلاتعابير فضفاضة للحشو وبلا طنين بلاغة وإنما بإيجاز ولمح يفتح قارئ هذه ـ الومضات ـ الهيكات ـ مجالات واسعة ويعلو نحو فضاءات عالية ويرنو إلى مدى تلو مدى

إن هذا الشعر يكتبه القارئ أيضا...

 

سُوف عبيد

......................

للاطلاع على آرشيف الشاعر بن يونس ماجن في المثقف

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&view=articles&id=252

 

ضياء نافعولد تورغينيف عام 1818، بينما ولد تولستوي عام 1828، اي ان تورغينيف اكبر عمرا من تولستوي بعشر سنوات، ومن الطبيعي انه ابتدأ مسيرته الابداعية قبل تولستوي، اذ بدأ تورغينيف بنشر قصصه في مجلة ادبية شهيرة آنذاك في روسيا عام 1847، وهي القصص التي ستظهر لاحقا في كتابه - (مذكرات صياد) . اطلع تولستوي طبعا على تلك القصص وكان من اشد المعجبين بهذه (القصص المتوهجة) حسب تعبيره، بل ان تولستوي كتب في مذكراته عام 1853 قائلا – (... قرأت مذكرات صياد لتورغينيف، و من الصعب الكتابة بعد هذا الكتاب) . توجد بين مؤلفي رواية (الاباء والبنون) لتورغينيف و رواية (الحرب والسلم) لتولستوي كثيرا من الوشائج المشتركة، وكلاهما اصبحا علميين من اعلام الادب الروسي (عرّف رسول حمزاتوف الادب الروسي مرّة في لقاء صحفي كما يأتي - انه ادب... (الاباء والبنون) و(الجريمة والعقاب) و(الحرب والسلم)...) ، رغم ان الفوارق بين اهميّة الروايتين المذكورتين ومكانتهما في الادب الروسي (والعالمي ايضا) تبين بشكل واضح ودقيق الفوارق الهائلة بين هذين الاديبين بشكل عام، اذ ان رواية تولستوي (الحرب والسلم) كانت ولازالت واحدة من اعظم الروايات في تاريخ الآداب، وهي رواية فريدة ومتميّزة بكل معنى الكلمة .  هناك – مع ذلك - الكثير من التباين والاختلافات وحتى التناقضات بينهما ايضا، بل حصل مرة خلاف بسيط بينهما وتطور، و وصل الى حد ان تولستوي دعاه الى المبارزة، والتي لم تحدث والحمد لله، اذ اعتذر بعدئذ تورغينيف بعد تدخل الاصدقاء المحيطين بهم، ولكن الامر كان خطيرا لو حدث، وكان يمكن ان يتحول الى مأساة كبيرة في تاريخ الادب الروسي، رغم انهما – بعد ذلك - تباعدا عن بعض حوالي 17 عاما باكملها، ولكن العلاقات عادت بعد ان هدأت النفوس طبعا . وكل هذه الجوانب من التشابه والتباين والتناقض بينهما يشير اليها مؤرخو الادب الروسي بالتفصيل في دراساتهم وبحوثهم عن هذين الاديبين، ولا يمكن بالطبع عرض كل ذلك للقارئ العربي في اطار مقالتنا هذه عن تولستوي وتورغينيف، ولكننا سنحاول الايجاز قدر المستطاع .

تؤكد الدراسات والبحوث قبل كل شئ على التقارب والتشابه والتناغم بين تورغينيف وتولستوي بشأن الموقف من حق العبودية او حق القنانة، الذي كان سائدا في روسيا آنذاك، رغم انهما كانا ضمن هؤلاء النبلاء من مالكي الاراضي الزراعية وفلاحيها الخاضعين للعبودية، وهو موقف سياسي وفكري طبعا، ولكنه مهم فعلا، اذ انه يعني الكثير بالنسبة لروسيا ولحركة المثقفين فيها بشكل عام، وتربط تلك الدراسات هذا الموقف مع كونهما كانا ضمن كبار ادباء تحرير مجلة (سوفريمينك) في نهاية خمسينات القرن التاسع عشر (توجد صورة جميلة و مشهورة تجمعهما في المجلة مع بقية الادباء الروس مثل غانجيروف واستروفسكي، وغالبا ما ينشروها في مختلف المصادر عنهما )، وكلاهما تركا تلك المجلة بعد ان بدأت بنشر مقالات ذات توجه ثوري، لانهما لم يتفقا مع هذا الخط الفكري، الذي بدأت المجلة بانتهاجه برئاسة الشاعر نكراسوف، وهي مواقف فكرية مشتركة طبعا من قبلهما، باعتبارهما اديبين يصوران الواقع الروسي بموضوعية، ولا يدعوان الى الثورة كأسلوب لتغيير الواقع . ولكن هذا كله لا يعني، انهما كانا في اطار (جبهة فكرية واحدة) ان صحّ التعبير، اذ ان تورغينيف فلسفيا كان يميل الى النزعة الغربية، بينما كان تولستوي يؤكد دائما، ان الانسان الحقيقي يجب ان يكون قريبا من ارضه، وان الانسان الذي يبتعد عن الارض، فانه يبتعد عن انسانيته . يتناول احد الباحثين الروس مسيرة تورغينيف وتولستوي في شبابهما، وكيف ان تورغينيف (فتح عينيه) في اجواء جامعات موسكو وبطرسبورغ وبرلين ( درس في جامعة برلين بعد انهاء دراسته في روسيا)، اما تولستوي، فقد درس في جامعة قازان (درس اللغة العربية والتركية فترة، ثم درس القانون لفترة) ثم ترك الدراسة الجامعية، وتطوع بعدئذ في صفوف الجيش، وهكذا يصل هذا الباحث، الى ان تربية تورغينيف ومسيرته قد أدّت به الى النزعة الغربية نتيجة لدراسته الاكاديمية العميقة (كان تورغينيف معجبا جدا بحضارة اوربا)، بينما تولستوي كان أقرب الى الروح الشعبية الروسية، المرتبطة بالارض . ان هذه الطروحات فلسفية بحتة، ولا يمكن طبعا الاتفاق معها او الاقرار بها دون دراسة معمقة ومناقشة شاملة ومتعددة الجوانب، ولكن هذا الباحث – مع ذلك - استند الى وقائع حياتية محددة ودقيقة عندما عمل استنتاجاته حولهما.

نختتم هذه الملاحظات الوجيزة حول هذا الموضوع الكبير في تاريخ الادب الروسي بالتوقف عند الرسائل الاخيرة، التي تبادلاها تولستوي وتورغينيف، عندما كان تورغينيف في باريس طريحا على فراش الموت، اذ كتب تولستوي اليه رسالة مؤثرة يقول له فيها – (لقد شعرت كم احبكم أنا، وحتى فكرت ان اسافر الى باريس لرؤيتكم ...) وينهي تولستوي رسالته هكذا – (.. اعانقك ايها الانسان والصديق القديم والحبيب والعزيز عليّ جدا)، اما تورغينيف فقد طلب منه في جوابه ان يرجع الى الكتابة الادبية، وقد أسماه - (الكاتب العظيم للارض الروسية)

 

أ.د. ضياء نافع

 

نايف عبوشلقد أجاد الشاعر الكبير، والأديب الفحل ابو يعرب، في قصيدته (مرثية آل الزويد)، التي ألقاها من على شاشة قناة سامراء الفضائية، عندما استضافته، في برنامج خيمة وكصيد، إطراء ورثاء، أعلام مشيخة آل الزويد . وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن اسلوب المدح، والثناء، والتأسي، والرثاء، في شعر أبو يعرب، قد تجلى بشكل واضح، وفي أروع صوره، في هذه القصيدة العصماء .

ولعل ذلك المنحى الجدلي البليغ، يأتي جريا على عادة فطاحل الشعراء، باعتماد صيغة الإطراء،والتأسي معا، لدواعي الاشادة بالمعاني الإنسانية، والمناقبية الفاضلة، باعتبارها معاني إنسانية، وقيما اجتماعية راقية، تستحق التنويه، والإشادة،والتوثيق، ابتداء،ناهيك عن أن الشاعر الكبير ابو يعرب، هو نتاج القرية،وابن الديرة، الذي عاش كل تفاصيل حياتها،وتقاليدها في اطراء المكارم، وذم المفاسد، والتغني بالمعاني الرفيعة للقوم، في المجالس، والدواوين. ومن هنا نجده في مدح الشيخ الراحل خالد المحيميد الزويد يقول:

ياخالد الخير يا قطبا لمجلسنا ..  يادوحة الفضل أنعم فيك من رجل

وبقصد التأسي، وتواصلا مع نهجه في جدلية ترادف تلك المعاني ، نجده يقول:

الموت ورد وكل الخلق وارده ..... إذا انتهت للبرايا فسحة الأمل

ولأنه قد تعايش مع آل الزويد لفترة طويلة، وخبر مكارمهم، وأنس مجالستهم عن قرب ، فقد أتى على ذكرهم  تباعاً، إذ نجده يقول في إطراء الشيخ الراحل يوسف المحيميد الزويد:

إني تذكرت والذكرى مؤرقة ....... أبا حسين كريم العم والخول

قد كان يوسف ذا خلق وذا كرم ..... وكان أصبر في الشدات من جمل

 وكان مجلسه يسمو بحكمته ...... وصانه الله مولانا من الخطل

في حين يستمر في إطراء سجايا القوم، جريا على نفس الشاكلة من الثناء الرفيع، حيث يقول في الشيخ صالح: 

ولست أنسى صديق العمر صالحهم .. وكان ينصفني في القول والعمل

ليعرج برثاء مؤثر للشيخ صابر الزويد، بصيغة إطراء رقيق:

وصابر كان بين الناس محترماً ... وفي المجالس غير الحق لم يقل

ابو ربيع وكل الناس تعرفه ........ فيه الشهامة كهف الحق والمثل

ولأن الزويد عنده من أعمدة القوم، وأركان القبيلة.. وهم من بين القليل اليوم.. ممن يتمسك بالتراث، ويتشبث بالأعراف والتقاليد الاجتماعية الموروثة.. حيث يجد الضيف في ديوانهم العامر دوماً بالربع والأهل، والضيوف،كل الترحاب، ويتلمس حلاوة معايشة تلك التقاليد الأصيلة عندهم، بعفوية مطلقة، خالية من كل اصطناع، فقد تعمد الشاعر أبو يعرب خصهم في مرثيته، بالخيرية الجمعية، إجمالاً، حيث يقول فيهم:

آل الزويد وقد كانوا وما فتئوا ....... رهط إلى الخير يسعى دونما كلل

 وبإضفاء نعت (رهط الخير) على آل الزويد ، يكون الشاعر أبو يعرب قد انصفهم حقاً، فاستحقوا بهذا الوصف، أن يكونوا أمناء تراث القبيلة، والديرة.. ومن ثم فهم جديرون بكل حرف قاله بحقهم، في مرثيته الرائعة .

 

نايف عبوش

..........................................

 * مرثية آل الزويد.. قصيدة للشاعر الكبير إبراهيم  علي العبدالله (أبو يعرب)،في رثاء المرحومين: خالد ويوسف وصابر وصالح، أولاد المرحوم محيميد الزويد، شيوخ عشيرة اللهيب في محافظة صلاح الدين .

 

احمد الكنانيلشهر الصيام إيقاع خاص في ابيات مولانا جلال الدين، يتنوع بين الابتهاج به والفرحة لقدومه، وبين المناجات وذكريات الاحبة المؤلمة، نغمات مزيجة بين سعادة القدوم وألم العودة للذكريات والتي سرعان ما يستيقظ مولانا من سلطتها؛ فالماضي والالتفات اليه ذنب لا ينبغي فعله .

نغمة الفرح ظاهرة في تلك الابيات التي أنشدها مولانا في استقباله للشهر من حيث المعنى والأوزان الشعرية، وكذلك الحزن في قصائد المناجات .

آمد شهر صيام سنجق سلطان رسيد

       دست بدار أز طعام مايده جان رسيد

وسنجق السلطان عبارة عن أولائك الرجال الذين يحملون الإعلام استقبالا وتعظيماً للملك، وهو تشبيه غاية في الروعة في تصوير شهر رمضان بموكب الإعلام المُعَد لاستقبال الملك صاحب الضيافة الروحانية، ويتطلب ذلك رفع اليد عن طعام الابدان والاستعداد لغذاء من نوع آخر، فمائدة الروح حان بساطها .

جاء شهر الصيام وموكب الرايات قد وصل

ارفع اليد عن الطعام فمائدة الروح قد وصلت 

والإشارة هنا ظاهرة الى ضيافة الرحمان الواردة في الآثار النبوية "هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ الله" .

شدم بربام مه ببينم

     كه بودم من به جان دلخواه روزه

نظر كردم كلاه أز سر بيفتاد

      سرم را مست كرد آن شاه روزه

في هذين البيتين يصوّر مولانا رؤيته لهلال شهر الصوم وكيفية سقوط قبعته من على رأسه اثناء رؤيته للهلال وكأنه أصيب بحالة سكر وذهول …

وهنا اقف مندهشاً لحلاوة التصوير بين رؤية الهلال وسقوط القبعة، وبين الصوم والتجرد عن الماديات من الملبس والمأكل والتي عبّر عنها ب " كلاه " وهو الشئ الذي يغطي الرأس .

 فرؤية الهلال إيذاناً  بالدخول الى عالم علوي ولازمه التجرد مما يغطي الرأس ويحجبه عن استلهام الوحي الإلهي، هو بالضبط كالدخول الى الوادي المقدس وخلع النعلين عند بابه في قصة اللقاء الموسوي مع الله الواردة في الكتب السماوية،والدال على التجرد المادي واستقبال الرؤية الإلهية.

والمعنى في هذين البيتين أراه اشد وطأة وأعظم قيلا اذ ان سقوط الكلاه ليس كخلعه والسقوط يحصل بقوة خارجة عن الإرادة، فأنت برفعك رأسك الى الأفق الأعلى ستسقط قبعتك لا محالة بعكس الأمر بالخلع والامتثال الإرادي للآمر.

وأكثر من ذلك: ان قصة المناجاة المولوية وحالة السكر والذهول فيها حصلت لمولانا بمجرد رؤية الهلال اذ لا صوت للإله يُسمع ولا رمز يُرى، هي رؤية مجردة لهلال تحصل كل عام  ويراها كل البشر لكنها رؤية من نوع خاص عند المولوي:

نظر كردم كلاه أز سر بيفتاد

      سرم را مست كرد آن شاه روزه

 بينما حالة الصعق حصلت لموسى عند رؤيته الجبل الذي هو رمز لرؤية الله المحجوبة عن الإبصار :

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚقَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا .

وكما ان النوع الاول من ابيات المولوي يُستنشق منها نسيم قدوم رمضان البهيجة كذلك النوع الآخر من إيقاع ابيات مولانا في المناجات حيث يعلوها الحزن وتفوح منها رائحة الذكريات….

وما اعذب تلك الابيات التي تقرأ عند الإسحار وقبيل الافطار من خلال التلفاز في ايران وتنشد بصوت محمد رضا شجريان الشجي، اجراها شجريان بطلب من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وتبث في شهر رمضان من كل عام :

ین دهان بستی دهانی باز شد

تا خورنده لقمه‌ های راز شد

چ‍‍ند خوردی چرب و شی‍‍ری‍‍ن از طعام

امتحان ک‍‍ن چ‍‍ند روزی در صیام

چ‍‍ند شب‌ها خواب را گ‍‍شت‍‍ی اسی‍‍ر

 يك شب‍‍ی بی‍‍دار ش‍‍و دول‍‍ت بگی‍‍ر

*

هذا الفم عندما يغلق يفتح فما آخر

اكلتَ الكثير مما طاب من الطعام طوال تلك الايام

جرّب الصوم في بعض الايام

وطوال تلك الليالي كنت اسيرا للنوم

دع النوم في ليلة واغتنم تلك الكنوز

كنت استمع لهذه الابيات بصوت شجريان منذ الصبا وما زلت اسمعها واشعر بحالة من الحزن تنتابني واعيش لحظات صمت كلما شعرت بالحاجة اليها فراراً ممن يحيط بي .

تراني مدان لمولانا جلال الدين في لحظات الصمت والسكون . 

ثم مولانا ما ان يقبل عليه شهر رمضان الا وتطير به الذكريات الى الذين فقدهم وطالما حنّت اليهم روحه، الى رفيق دربه واستاذه الذي انقذه مما كان عليه ودلّه على طريق السالكين ذاك هم شمس الدين التبريزي:  

بیا ای شمس دین و فخر تبریز

          تویی سرلشکر اسپاه روزه

ينادي على شمس الدين ان يأتي ويقود قافلة الصائمين، اذ يراه الاولى بقيادة جيوش المؤمنين،  هو المنقذ وهذا وقت المجئ

  

احمد الكناني

   

 

سونيا عبداللطيفمن تلك الجبال والربوع الممتدة تشبع بالنسيم العليل.. عاش بين رفرفة الاشجار والمروج الخضراء يناجي الطيور.. يحاكي الزهور.. وبين الطرافة والأصالة.. وعمق الحضارة... هو الشاعر بوبكر العموري القادم من مدينة الكاف الواقعة في الشمال الغربي من بلاد تونس المجاورة للحدود الجزائرية... هو ناشط سياسي ونقابي سابقا.. وناشط ثقافي في الساحة الثقافية التونسية.. بدأ رحلته منذ الشباب عاصر العديد من الشخصيات الأدبيةوالشعرية والفنية.. له قناعاته وله قراراته.. يفعل ما يحب ويذر ما لا يريد...

وهاهو في مجموعته الشعرية برزخ 2 والتي اختار لها عنوان القطار يحملنا معه في جولاته.. متهاته.. ذكرياته بحلوها ومرها وفرحها وترحها...

تقديم الكتاب:

يتألف الكتاب من 14 قصيدة من ضمنها خمسة قصائد تحمل نفس العنوان " القطار " وقصيدتين تحت عنوان " موال 1 و2 . عدد صفحات الكتاب 117

القطار: ج. قطُر وقُطُرات . عربات السكة الحديد المتتابعة وبهذا المعنى تذهب كل الأذهان .. فحالما تذكر هذه الكلمة أو تقرأها أو تكتبها تظهر في شاشة عقل الإنسان صورة القطار الطويل الذي على السكة يسير ويحمل في عرباته الركاب .. ينقلهم من مكان لآخر..

القطار رمزيا يختلف معناه ووصف صوره من شخص لأخر بحسب الثقافة والمعرفة والنوايا والتجارب والمعاناة.

هنالك من الأشخاص من يعتبر القطار وسيلة نقل عمومية يسير في طريق ممتدة لا نهاية لها والرحلة فيه تطول وتطول... وهناك من يعتبر القطار العُمْر الذي يسوقنا ويقودنا في رحلة بلا نهاية فلا ندري متى يتوقّف بنا وكيف ينتهي أو أين ينتهيوالقطار... بل العُمْر..

آخرون يفسّرون القطار أنه الموت وقابض الأرواح فهو عزرائيل الذي ينتقل ويطوف البلدان في رحلة مستمرّة لامتناهية يقطف من البشر حيث مرّ أرواح من شاء منهم ليلقي بهم في عربته التي يجرّها وليواصل رحلة السّفر دون كلل أو ملل...

القطار هو أيضا الزّمن .. هو الوقت الذي يجري .. يمرّ بسرعة ولا يعود ولا يلتفت ويغدو مافات ملك الماضي وما هو عليه هو الحاضر وما سيأتي وسيحدث هو الغد والمستقبل..

القطار هو الإنسان بما يحمل على أكتافه من أثقال وما يخبّئ في صدره من أوزار وأسرار وما يشغل باله من هوامش أفكار وأوهام..أحزان وآلام...

القطار هو الوطن بانتصاراته وانكساراته بعظمته وانحطاطه بقوّته وضعفه .. بحكامه وأقزامه.. بققافته وجهله .. برخائه وفقره.. هو قطار من الهموم وتاريخ حضارات تعاقبت على مر الدّهور.. صراعات ونزاعات منذ الأزل وحتى الأبد..

القطار هو الكون.. السماء والاجرام.. الشمس القمر.. الأرض والنجوم..جميعهم سائرون في رحلة دون وجهة في حركة دوران وفي تتابع حول مدار ثابت ولا احد يعلم متى تنتهي حياة هذه المخلوقات والكائنات ومتى ينتهي ركضها وجريها...

القطار... قطر.. جمع قطرة....قطرة ماء... ندى..دمع ينهمر ينسكب.. يسيل.. يجفّ...

باختصار... القطار هو الحياة...

وماذا عن قطار الشاعر بوبكر العموري " ماذا يعني به..

إن قطار الشاعر في قصائده أخذ مساحة كبرى وهامة ونظرا لأهمية هذا القطار جعل له خمسة قصائد بهذا العنوان ... فهل قطار الشاعر هو تلك العربات الضخمة العديدة التي تسير فوق سكة الحديد لتنقل الركاب من محطة الى أخرى وصفيره يعلو الفضاء كلما اقترب من محطّة أو همّ بمغادرة محطة.؟

أم أن قطاره يعني الزمن الذي يأخذ العباد دون استشارتها..

..دون عودة.. دون توقّف..

فإذا كان القطار الحقيقي يستريح في المحطات ويقف حين يبلغ النهاية ليعود من جديدة في رحلة ذهاب واياب...

القطار يعود والعٌمْر ، هل يعود؟

الشاعر بوبكر العموري أطلق على قصائده في أول الصفحات

" موسيقى الاعوام الماضية" أو " قطاريات "إذ نجده يسرد محطّات من حياته.. لقشات من عمره أطلق عليها" موسيقى الأعوام " ... فهل للأعوام موسيقى تعزفها؟

في كل الحالات الموسيقى أنغام وألحان تؤدى بكل الوسائل والطرق ..وتكون بكل الحالات..صامتة وهادئة.. صاخبة ومزعجة.. ممتعة وعذبة.. مملة ومقلقة..حزينة وكئيبة..

الموسيقى ألوان إذن .. فعن أيّ لون يحدّثنا الشاعر بوبكر العموري؟ وما لون هذه الأعوام التي يذكرها في قصائده.. هكذا جعل موسيقاه مضافة إلى الأعوام (موسيقى الأعوام) ثم يثريها بوصف (نعت) الماضية فهو يشير الى ما مرّ وفات ولابدّ أنّه يستعرض محطات هامة من ماضيه من خلال استرجاع بعض الذكريات أطلق عليها " القطار "

* القطار 1:

نلاحظ أن الشاعر في هذه القصيدة يعبر عن حالة وجودية يعيشها عن قلق معشش في ذاته وينتظر الفرج لكنه لا يأتي برغم محاولاته في الانتصار على هذه المصاعب وقبل مداهمة الزمن له الذي يمرّ كعادته سريعا وقبل فوات الأوان.. فكل شيء يمضي إلا عو ثابت في مكانه لا يتزحزح لأن الفرج لم يأت والهموم لم تنجل فبقي وحيدا في محنته يعتصر جبنة المستحيل عسى أن يُفتح له باب ويدرك طريق اليقين ويجد الدّليل ويقول في ص 40~41~42

أرشف الشاي

من شفّة الوقت

مرّ القطار

ولكنني بانتظار المحطة

أرشف البحر وحدي

أعتصر

جبنة المستحيل

ثم يعيد نفس اللازمة فيقول:

مرّ القطار

والمحطات مرّت...

بانتظار المحطة علّني

أمسك وجه المستحيل

القطار هنا في نظري يقصد به الزمن والعمر والوقت وما الشاي والبحر سوى كثرة المشاكل والهموم ومرارتها أما المحطة فهي الفرج والانفراج.. وفي كل هذه الظروف الشاعر مكبّل وساكن في مكانه ( وحيد - واقف - واجف - راجف..) وبدل أن يتحوّل هو إلى المحطة ويقصدها جعل المحطة هي المتحركة والمتنقلة .. إذ يصور نفسه هو بانتظار المحطة التي لا تأتيه..

* القطار 2

في هذا القصيد الثاني الذي يحمل عنوان القطار 2 لا أظنّ القطار إلا الفرح والسعادة.. فالشاعر كرّر في قصيدته عدّة عبارات بل جملا وحتى مقاطع جاعلا إياها لازمة يعيدها في مطلع كل مقطع اذ يقول :

هل ترغبين في الحب؟

هذه الجملة تكرّرت خمس مرّات ثم كرر المقطع الآتي ستّة مرات :

قطاري

يمرّ سريعا

ولا وقت لي..

والمقطع :

كل ما قد عرفت من الحب مات

كل ما سوف يأتي احترق

تكرر مرتين

القطار هنا كما ذكرت أرجّحه للفرح .. الفرح المنتهي القصير السريع الذي لا يدوم ولا تطول فترته الزمانية المدة الكافية كي يشعر صاحبها بالسعادة والهناء الكافي ليتمتع ويستمتع.. ويقول أن كل ما عرف من الحب قد مات ويذهب به التشاؤم الى حدّ القول :

كل ما سوف يأتي احترق

وقد كررها مرتين.. فالشاعر يسأل ويتساءل ولا ينتظر إجابة على أسئلته ( هل ترغبين في الحب.. ) لأن الإجابة معلومة عنده مسبقا بحكم التّجربة وتكرار نفس الخيبة ونفس الفشل وعجز الفرح عن الدخول الى قلبه .. فالبلاد صارت غنيمة والعباد صارت كالحجر ويقول: (بلادي دم..) مرتين .. فمن أين سيعرف الفرح طريقه إليه والأحزان تملأ جيوب الوطن .. وينهي الشاعر قصيدته تأكيدا على إحساسه بالمرارة وأن سعادته مقترنة بسلامة الوطن يقول :

فآخر هذا القطار

الوطن..

* القطار 3

يهدي الشاعر قصيدته هذه لزوجته " حبيبة السعيدي " يقول: (بثلجها ودفئها ونارها) ويبدؤها بالمقطع التالي:

كيف أجدّد دمعي

بعدما اهترأت عيوني

وقد أعاد هذا المقطع ثلاثة مرات ورغم أنه عنون قصيدته ب "القطار3" إلا اننا لا نجد كلمة واحدة ذكرت لعبارة القطار لكنه تعرض إلى مفردات تتعلق بالسفر وتدل على الرحلة فما القطار سوى وسيلة نقل..(رحلتي.. السفر.. سفينة.. الاغتراب.. عودتي.. مرفإ .. أمتعة السفر.. )

على ما يبدو أن الشاعر في هذه القصيدة يسرد اعترافات لمحطات عديدة مرّ بها كان فيها الكثير من الانكسارات والزلاّت والهفوات والتقصير والتنهيد بسبب متاهات الحياة وهمومها والصراع فيها من أجل غد أفضل ويوم أسعد .. إن هذا التيه سبب لصاحبه إحساسا وشعورا بالذنب فربما يعود إلى حبيبته ليخبرها أنها الأصل والجذور التي دونها لا توجد الشجرة وأن الكائن مهما تغرّب لا يتخلّى عن أصله وعرفه ولذلك نراه يطلب من حبيبته أن تتحمّل شقاوته وتمحو ذنوبه وتغفر له اخطاءه وزلاّته فتراه يخاطبها قائلا:

من يا ترى تمحو ذنوبي؟

من يعيد الماء بعدك بعد أن قتلوني؟ ص -66~67

كيف أراك مرةأخرى وأخرى وأنتِ على جفوني؟

كيف أراك مرة أخرى وأخرى وأنتٍ من كانت عيوني؟

ثم يقول مؤكدا ص 65 :

إني أحبك/هل تفهمين/ براءتي وقصيدتي / أقولها الآن/ أحبك/رغم ما خط الزمان / على الضلوع/ من الحروب/ أحبك برغم..

* القطار 4

كم أشتهيك وكم تشتهيني

ولكنني لا أريد

مرة أخرى لا أجد أثرا لمفردة القطار في هذا القصيد ولكن هنالك من الدّلالات ما يوحي بالسفر ووجود الرحلة والمضي في الزمن والقطار هو أعظم دليل على رحلة الإنسان وسفره معنويا ومحسوسا.. ومن هذه المفردات نجد ص 84 :

أرسو- امتطائي- طريقنا - الرحيل - بلاد - المسافات - دودة السفر- على سفر..

ونراه بدأ قصيدته بذلك المقطع (كم أشتهيك- وكم تشتهيني.. ولكنني لا أريد) وجعلها لازمة يكررها عند بداية كل مقطع فقد ذكرت عشرة مرات او أكثر ... ترى ماذا أو من يشتهي الشاعر ومن التي تشتهيه وكم تبلغ نسبة الشهوة هذه بينهما مادامت مشتركة.. ويأتي الرد؟ سريعا منه بالاستدراك (لكن .. لا أريد ) فبرغم الشهوة العارمة التي تجتاحهما يقول... لا أريد... مرة أخرى عن أي شهوة يتكلم الشاعر؟

يرجع الشاعر بذكرياته باستحضار صورة الوطن وعدة أوطان عربية استبد فيها الخوف وسكنها الظلم والاستبداد وكثر فيها النهب والاستغلال إلى حد أصبح فيه المواطنون جياعا..عراة.. حفاة.. فيقول :

هل نبني خيامنا في البحر؟

أم نمضي إلى روما

ونمشي في مسارحها

وحوشا

تروضنا العبيد

الشاعر في حيرة واضطراب إن كان الغد يحمل بشرى لهذه الأوطان التي سرقت وقسّمت وفتّتت وذبحت وقتلت.. وان كان الكهان سيفرج عنها فتنفرج المعاني وكم يتمنى لو يحدث ذلك حقا كي يخسر الرهان إذ هو يشك في أن ترى البلدان العربية النور والعزة والفخر يوما كما رأتهم في العصور السابقة عندما بلغ صيتها بلاد الإفرنج والإسبان والغجر ويخشى ان تتحول شعوبها وحوشا تروضها عبيد الغجر.. فالشاعر يشتهي وطنه كما يشتهيه وطنه وأن يعود الوئام بينهما..ولا يريد ان يتحول إلى سفاح وطاغية في قومه وبين اهله...

* القطار 5

يعود الشاعر إلى قطاره ليركبه ولكنه قطار واحد أوجده في هذه القصيدة ص 100 فوجدت عبارة واحدة للقطار فيها وكذلك عبارة واحدة " المحطات " وعلى ما أظن أنه يشير بالقطار إلى العمر والزمن الذي يعبرنا ويمر بسرعة فيقول :

منذ عشرين عاما

وهذا القطار

يعجل بي

وتكررت عبارة " عشرين عاما " ثلاثة مرات ... هكذا مرت عشرون عاما على الشاعر سريعة لم يتفطن لها ولا إليها وما عرف خلالها سوى التعب والانهاك والشقاء والوهن والصراع.. فقد كان يخوض البحار ويجوس المحطات محاولا ان يوجد الحق والنور والضياء مدافعا عن الضعفاء باحثا عن العدالة والكرامة " يفرك شمسا " " يزرع نجما " محاولا تبديد المخاوف والهموم ولم ينثن عن ثنايا همومه ولن ينثني.. ونسي أن له قلبا من حقه أن يعرف الفرح .. نسي أن له قلبا يمتلكه فلم يدرك ذلك إلا بعد فوات ومضي عشرين عاما .. حين جاءته... هي ..أثارت فيه المشاعر والأحاسيس فأحس أن له قلبا... ويحب.. وإشارة إلى ضياع عمر الشباب منه عمر الحياة.. عمر الهناء..

يقول ص 104:

وما كنت أعلم

أني أملك قلبا

ولكنكِ جئتٍ

في آخر الدرب

جئتٍ

وجاء السؤال

ماذا سيفعل

هذا الشقي

بقلب يحبّ؟

الجزء الثاني:

من القصائد التي لفتت انتباهي في المجموعةالشعرية القطار للشاعر بوبكر العموري هي التي تحمل نفس العناوين فبعد القطار الذي تكرر خمسة مرات وفي خمسة قصائد نرى العنوان " موال " قد جعله عنوانا لقصيدتين ص 52 و106

عادة الموال هو بيت القصيد ... يقع التغني به وترديده بمعنى تكراره عند بداية كل مقطع جديد وللحفاظ على الإيقاع ونقول في عاميتنا " عدنا للموال القديم " او " رجعنا الى نفس الموال.." المقصود به الحديث الذي كنا خلصنا منه وأقفلنا عليه بتكرار نفس الموضوع... أو الكلام الذي لا يفيد.... كما نردد الموال في الغناء نستفتح به وعادة ما يكون شجنا ووقوفا على الأطلال.. استرجاعا لبعض الأحداث والذكريات..مناجاة..حنين.. وجع..بوح....

فما هو موال الشاعر في قصائده؟

* الموال 1

يبدأ الشاعر قصيدته ب:

تلك العيون التي أرخت سهاما

إلى القلب

أصابت

لكن قلبي مات

ويقول أن الحب قد فارق قلبه وغادره بعد أن كانا صديقين وصار يطلب الانعتاق من الحب فما الحب عنده إلا حالة من السبات ويعتبره مضيعة للوقت وخسارة في هذا الزمن المستعجل ولذلك لا فائدة منه...ويقول :

قطاري

يمر سريعا

ولا وقت لي

للسبات

مع العلم ان هذه اللازمة او الموال إن شئنا قد ورد ايضا في قصيدة القطار 2 ص 42 كالآتي:

هل ترغبين في الحب

قطاري

يمر سريعا

ولا وقت لي

كي...

أو ص 53~54

فاعتقيني من الحب

ونفس المقطع تكرر في قصيدة موال 1 مرتين ..

هل هذا هو موال الشاعر؟ هل ذلك الموال الذي يقصده حين كرره؟ وهل هذا التكرار لنفس اللازمة والمقطع صدفة أم مقصودا أم هفوة وفي قصيدتين مختلفتين؟

هكذا هو الشاعر يردد مواله بأن لا وقت له للحب وانه لن يضعف ولن ينهزم لهذا الحب ولن ينتصر الطرف المقابل عليه في الحب إلا في الرؤى إن استطاع.. فيقول ص 53 :

اتركيني بحق السماء..

فما عاد يأسر القلب

غير هذا المضيق

اتركيني

وعودي

الى غرفة النوم

والمزهرية

نامي

لعلك في الحلم

تنتصرين علي

* الموال 2

يتواصل التشظي والانشطار والانكسار بالشاعر إلى حد الملل واليأس وفقدان الأمل فالزمن عنده سراب والعمر فناء يمضي بلا عودة والأحزان تكبّله وتلفّ به لفّا من كل صوب رغم ركضه وسعيه إلى معالجة الزمن والانتصار عليه غير أنه ينهزم ويشعر أن القدر يخذله وأن العمر ينتهي وان الموت أقرب إلى نفسه وجسده من الفرح فيقول مناديا ص 106 :

أيا حبنا القابع

في دهاليز

من شرودك

تصلي لأغنية قادمة

بربك قلي

ألا تشتهي

أن تسافر فيك الزوابع

...

ألا تشتهي..

وأنتِ الطريق الوحيد

برغم المسافة

آخر المحطات... أنتِ

...

فلا تفزعي

من تمزقي بين التفاصيل

وادخلي

فأنا بيتك الكنسي

ورهبانك

ادخلي جسدي الآن

عارية

من تفاصيل أمس ثقيل

آدخلي

فما عاد في العمر إلا القليل

وأختم قراءتي لمجموعة القطار بالقول أن الشاعر بوبكر العموري كان متنقلا في قصائده عبر وبين محطات العمر العديدة راكبا قطاراته السريعة التي تشق الزمن وتعبره دون توقف أو تمهل ونراه أحيانا هائما في قطارات الأحزان الحاملة لهموم ومتاعب الوطن ناسيا ذاته وناسيا من كان له حق عليه..ناسيا حتى قلبه وعاطفته وناسيا الأقربون إليه.. لأنه كان حامل رسالة مسؤولية البحث عن الفرح لهذا الوطن .. ويمضي القطار ...

فهل يمكن اعتبار الشاعر أنه القطار أيضا .... ؟

 

إنجاز الأستاذة سونيا عبد اللطيف

 

 

جواد غلومزارتني قبل أمدٍ ليس ببعيد عائلة ابنتي المقيمة في بلاد الثلج والزمهرير فهللتُ فرحا بهم بعد ان ولّت الوحشة منّا وحزمتْ حقائبَها ورحلت هي الأخرى لتفسح المجال لنا لننشر دفء المحبة ونجتمع معا في ايام جميلة قد لا تتكرر لاحقا .

كنت على الدوام طيلة وجودهم معي في بغداد ألاعب أحفادي الصغار؛ وكم يتشوق شيخ هرم مثلي ان يرى نبتَه يكبر وينمو ويشيّد عائلة متحابّة ويثمر هو الآخر أغصانا وبراعم يانعة تنعم بربيع لقاءٍ كاد ان يكون عسيرا ولمّة حلوة أوشكت ان تصير حلما صعب التحقيق ، فما أحلى اللعب مع الصغار والاستزادة من فيض البراءة الملائكية والطهر والعفويّة الكامنة فيهم حينما تجيئك حفيدتك بكل محبة وتعلّق وهي تشدو أمامك : جدو   جدو  .

ففي يوم جمعةٍ وخلال وجودهم وقضاء زيارتهم معنا هممتُ ان أزور أصدقائي كعادتي في نهاية الأسبوع وأصلهم في شارع متنبي بغداد كي نلتقي ونتبادل الحديث في الأدب والسياسة وأوضاعنا المربكة وغير المربكة واعتذرتُ من ابنتي لأستأذن بالرواح الى لقاء أصدقائي لأني سأغيب عنهم بضع ساعات .

 وما ان سمعتْ حفيدتي الخاتون الصغيرة  اسم شارع المتنبي، أصرّت ان تكون بصحبتي وتجول معي هناك وبرّرتْ كلامها ببلاغة راقت لي قائلةً :

--- كيف اسمع بشارع المتنبي ولا أراه وهو الأقرب لي الان مسافةً كقربه الى قلبي ، فشعرت بالفرح لأنها لم ترَ مرفق بغداد الجميل وسوق كتب المتنبي ويكاد يكون هذا المكان الوحيد المتميز بجماله في حالنا الكئيب المكفهرّ الآني .

أزادتْ خاتونتي الصغيرة من طلباتها دلالاً مع جدّها وقالت انها تريد سماعة هاتف نقّال من النوع الفاخر لتتسلى وحدها بتلفونها الذكي الجديد مع دمية " باربي " وأضافت طلبا ثالثا آخر ان تشتري بالوناً ملوّنا كبيرا لتزهو به وهي تتمايل فرحا في شوارع وأزقة بغداد فأذعنتُ لتلبية كلّ طلباتها حال وصولنا .

ما ان وصلنا مقصدنا؛ جلست في المقهى المعتاد حتى استقبلني احد الأصدقاء الأدباء مرحبّا سعيدا بقدومنا، وفجأة وبدون سابق إنذار منه أخرج من جيبه سماعة هاتف جميلة جدا وملوّنة وأعطاها لحفيدتي بكل رحابة صدر دون ان يدري انها تتشوق لشرائها .

حقا دهشت لهذه الهدية الصدفة لكني كتمت دهشتي أمام صديقي واستأذنته بالانصراف شاكرا صنيعه على أمل العودة مجددا للمجالسة معه بعد تلبية طلبات حفيدتي الأخرى .

 وما ان خرجت من باب المقهى حتى بادرني صديق فنان غرافيتي بارع في رسوماته على الجدران وغير الجدران وأعطى حفيدتي بالونا منتفخا غاية في الجمال رسمت عليه بعض ملامح بغداد ومناراتها العالية وأسواقها العتيدة وأخذتْـه في يدها مسرورة به وهو معلق بخيط يراوح في الهواء حتى نسيَتْ ان تقول له شكرا بسبب سعادتها المفرطة به وبرسوماته المتقنة على سطحه .

بعدها دخلنا المركز الثقافي البغدادي ورأينا وسط ساحته أنواعا من الدمى " الباربية " الزاهية الألوان ، مختلفة الأشكال والأحجام وكلها جميلة تشدّ أنظار الفتيات بمثل عمرِها .

قررتُ ان اشتري لها ما يروقها فسألت احد الواقفين جنب الدمى عن سعر لعبةٍ أشرتُ اليها فقال لي  ان الألعاب هنا لا تباع ولكن يمكنك أخذها كهدية لهذه الفتاة الرقيقة القلب بدون مقابل لو أجبْـتـني على سؤال تُخرجه مكتوبا في قصاصة ورق في هذا الصندوق القريب منك ، ومددتُ يدي وانتشلت ورقة كُتب عليها سؤال يَسير أجبتُ عليه عاجلا فأعطاني الدمية التي أعجبتْ حفيدتي الخاتون الصغيرة وهو في غاية الامتنان والحبور .

ما هذه الصدف الثلاث السعيدة التي أبهجت صغيرتي قبل ان تبهجني وحفظتْ نقودي في جيبي التي خصصتها لشراء طلباتها الثلاثة  !!

اية فسحة ممتعة وأنا أرى كلّ ما تهفو اليه خاتونتي الصغيرة  يأتيها ويغدو طوع أمرها في بلاد أجدادها التي تطأها اول مرة ؟؟!

لا أخفي اني لم اكن أعبأ قبلا بما يقال بان الصدفة خيرٌ من ألف ميعاد حتى لمستها بيديّ ورأيتها بأمّ عينيّ .

وكم كنت جذلا سعيدا يومها وانا أتملّى حفيدتي الصغيرة تبدو عليها بشائر البهجة في وطن أجدادها الذي منحها كرم أهليه النجباء وأراها نبل العراقيين الذي سيعْلق بذاكرتها طوال حياتها وربما تقصّ حكايتها على أولادها وأحفادها كما قصصتها أنا عليكم الآن .

 

جواد غلوم

 

شاكر فريد حسند. عامر عبد اللـه جنداوي شاعر ناعم رقيق مرهف الاحساس مسترسل مجيد، خصب الخيال، طافح بوهج الكلمة الشفيفة، عرفناه بقصائده الوجدانية والعاطفية الانسانية . ولد ونهض شاعرًا، وفي فمه فم ذهبي آخر، معمد بالكلمات الجديدة الجميلة، نهر عماده حبر يراعه، ومصادره إنسانية منتفضة . يبدع في صياغة المعاني والمفردات، يطير على قمره، ويحلق في فضاء الشعر والابداع الصافي، جاعلًا لكلماته نكهة الريف والبادية، وطعم الخروب والحبق الجليلي، ويقدم على أطباقه الشعرية ألوانًا من الصيغة التعبيرية، متألقًا في تعابيره النثرية، غازلًا من ضوء الشمس حروفًا حريرية أنيقة تداعب وتدغدغ المشاعر وتلج الاعماق دون استئذان .

عامر جنداوي من مواليد قرية بير المكسور في الجليل العام 1957، أنهى دراسته الابتدائية فيها، والثانوية في شفاعمرو، التحق بجامعة حيفا، ثم بجامعتي بطرسبورغ وبير زيت، وهو حاصل على الدكتوراه بموضوع التربية من جامعة بير زيت .

اقتحم عالم الابداع منذ فترة مبكرة، فكتب الشعر والمقالة الأدبية، ونشر أشعاره وقصائده في الصحف والمجلات الأدبية والثقافية التي كانت هنا وفي الضفة الغربية، كالمواكب والشرق والفجر الادبي والبيادر .

صدر له : " في مفازة الحياة، ألم وامل، نزيف الخاطر، وقصائد لعيني السهر " .

في قصائده يتناول جنداوي بأسلوب شائق ماتع، ولغة رشيقة شجية، قضايا إنسانية ووطنية وموضوعات وجدانية وغزلية ورومانسية . نظم في جميع الاغراض كالوصف والغزل والرثاء، وشعر المحافل، والشعر الوطني الملتزم، والشعر الاجتماعي الداعي إلى التمسك بالقيم والفضائل . وكتب عن الحب، ناجى الحبيبة، وعانق الأرض وتراب الوطن، وتغنى ببلاده، وبالطبيعة الساحرة الخلابة، فأبدع وأجاد الوصف والتعبير .

من قصائده الجميلة اخترت قصيدة " مُهاجِرّ قلبي إليك"، حيث يقول :

مُهاجِرٌ قلبي إليكَ

إلى زُرقة البحرِ في عَينيَك

مًهاجِر قلبي،

إليكَ...

ولي اِسمٌ تُرَدِّدُهُ النّوارِسُ،

يحملُهُ الهُداةُ إلى المجالِسِ

وَهَبْتُ العُمْرَ لِلقَلَمِ،

يُسافِرُ

على حدّ الزّهَر

سيفًا

ورُمحًا

وبُندقيّة...

يرسُمُ خارِطةَ التُّرابِ

والحجارة...

هنا زيتونةٌ

وهنا غرسَةُ تينٍ..

هنا النّبعُ

وهنا عتْبَةُ البيت...

هنا ترعى صُغيراتُ الشّياه

وهنا الصّغارُ

يرسمون لوحةَ الصُّبح

الّذي يحلمون

لَوحَةَ الشّمسِ الّتي

لا يُبصرون...

لَوحةً لوجوهِ أصحابهم

قبل الموتِ

وبعدَ الموت.

لَوحةً لزوجاتهم...

قبل الموت

وبعد الموت...

لوحةً لبيوتهم

قبل الموت

وبعد الموتْ.

لوحةً لعدوّهم

قبل الموت

وبعد الموتْ.

هنا برجُ الحمائمِ

يُطِلُّ على ساحةِ الجارِ

يسمَعُ دَقَّةَ المِهباش

يدعوهُ لِشُربِ القهوَةِ "السّادة"

لِفنجانٍ منَ "المُرَّة"...

هنا ستُقامُ أعراسٌ

لأحياءَ ... لأمواتٍ...

لِسماءٍ تُرْبُها طُهْرٌ

أقْسَمَتْ

ألّا يُميطَ حِجابَها الأغرابُ،

للرّفيقِ

لِلصّديق

وابْنِ العمِّ...

لِغَيمةٍ سَمراءَ

تَحومُ فوقَ ضَيعَتِنا

تؤمِنُ بتناسُخِ الأرواحِ

تظهَرُ في تمّوزَ

بِانْحناءِ السّنابلِ

وَارْتفاعِ البيادِرِ...

هُنا سنبني غُرفَةً

ونفرِشُها

نُزيّنُها،

بأنوارٍ ونيرانٍ

لعَودَتِهِ...

لعَودةِ الظّلِّ

يفرِدُ فوقَ عَيْنِ "الشَّمسِ"

أجنِحَتَه...

مُهاجِرٌ قلبي

إليك... .

قصائد عامر جنداوي مترعة بالجمال الشاعري، بالاستعارات، والايحاءات، متفجرة الأحاسيس، متدفقة كالشلالات، منسابة كرقرقات الماء في الجداول والوديان، وما يميزها الرقة والعذوبة والعفوية والوضوح، دقة المفردات، جمال الاستعارة، قوة الحبكة، وتوظيف المحسنات البلاغية كالبديع والسجع والتورية.

عامر جنداوي جواد شعري أصيل يمتطي سرج القصيدة، وغواص ماهر يعرف كيف يصطاد أصداف الكلمة، يرسم صورًا تتعانق فيها الألفاظ والمعاني، وتتسامى فيها العواطف والمشاعر، ويقدم للقارئ نصوصًا بحمولة شعرية مكثفة الدلالات، يجسدها الانزياح اللفظي أسلوبًا، ويتجاوزها المألوف شكلًا، يتعالى فيها الايقاع الخارجي لجرس موسيقي حروفي وايقاع داخلي هادئ خفيف وغير صاخب .

عامر جنداوي موهبة شعرية متوقدة ذات ثقافة متنوعة، يرقص على رقة المعنى، يداعب الروح، ويعانق الحوريات بهمس الوجود، ويتنقل في ظلال الشعر، استطاع ان يحفر له اسمًا على صخرة القصيدة في المشهد الشعري والأدبي الراهن، برصانة وهدوء دون ضجيج، وغزل من الحروف والكلمات أكوام زهر من البوح الراقي والشفافية الجميلة . فله خالص التحيات والتمنيات بالنجاح الدائم والتألق المتواصل والابداع المتجدد والوصول إلى سلم المجد الشعري .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

ضياء نافعصورة بوشكين وغوركي على صفحتها الاولى دائما، جنبا لجنب مع تسميتها، وذلك لان بوشكين اقترح اصدارها آنذاك، وصدرت فعلا عام 1830 وكان بوشكين محرر صفحة الشعر فيها، الا انها توقفت عن الصدور عام 1831، أما غوركي فقد اقترح اعادة اصدارها عام 1929 في الاتحاد السوفيتي باعتبارها صحيفة ترتبط باسم بوشكين، وعادت فعلا للصدور حسب اقتراح غوركي، ولم تتوقف منذ ذلك الحين ولحد الوقت الحاضر. الحديث يدور هنا طبعا وحسب عنوان مقالتنا عن صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الروسية الاسبوعية، والتي يعرفها القارئ العربي جيدا الان، بحيث لم نعد نكتب له ترجمة تسميتها الى العربية - (الجريدة او الصحيفة الادبية) كما كنا نفعل سابقا، عندما نكتب عنها او نترجم من موادها الثقافية المتنوعة . وتعميقا لمعرفة القارئ العربي بهذه الصحيفة وتاريخها، نحاول هنا ان نقدّم بعض الملاحظات عنها، والتي نرى – من وجهة نظرنا - انها طريفة ومهمة اولا، ونظن، ثانيا، ان القارئ العربي لا يعرفها عن هذه الصحيفة، ونعتقد بشكل عام، ان هذه الملاحظات تزيد من معرفة القارئ بالثقافة الروسية ومصادرها . 

نتوقف عند نقطة ترتبط بعدد النسخ التي تطبعها هذه الصحيفة، اذ توجد ارقام طريفة حول ذلك، وهذه الارقام هي مؤشّر لا يقبل الشك على نجاح او فشل تلك الصحيفة . كان العدد في عام 1930 هو 60 الف نسخة، وفي عام 1962 اصبح 300 الف، وفي عام1973 ارتفع الى مليون ونصف مليون نسخة، وفي عام 1982 اصبح 3 ملايين، وفي عام 1989 اصبح 6 ملايين ونصف المليون، وفي عام 1991 انخفض الى مليون ونصف، وفي عام 1993 اصبح 2 مليون، وفي عام 2010 تراجع الى150 الف فقط، وفي عام 2013 اصبح 148 الف نسخة .

ان النظرة التحليلية البسيطة على هذه الارقام ترسم لنا صورة ناطقة (ان صحّ التعبير) لهذه الصحيفة . لقد بدأت الصحيفة برقم معقول ومتواضع بالنسبة لبلد مثل الاتحاد السوفيتي في الثلاثينات - (60) الف نسخة، وتحوله الى (300) الف نسخة في الستينات ايضا رقم منطقي ومفهوم، اذ اصبح الاتحاد السوفيتي اكثر استقرارا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتغيرات المعروفة بعد وفاة ستالين والتي تسمى مرحلة ذوبان الجليد، ولكن هناك طفرة مدهشة وغريبة حدثت في السبعينات، عندما وصل الرقم الى (مليون ونصف) نسخة، وتضاعف الرقم في الثمانينات – (3 ملايين) نسخة، وفي نهاية الثمانينات اصبح (6 ملايين ونصف)، وهي ارقام ضخمة وكبيرة جدا بالنسبة لصحيفة تعنى بالادب والفن، وتعتبر لسان حال اتحاد الادباء السوفييت ليس الا. صحيح ان الصحيفة اصبحت اوسع من الاهتمام بقضايا الادب فقط، وأخذت تتناول مواضيع حادة مطروحة امام المجتمع، بما فيها السياسة والاقتصاد، الا ان الاهم، هو ان (ليتيراتورنايا غازيتا) قد تحولت الى منبر للتعبير عن تطلعات المواطن السوفيتي نحو التعايش الفكري والحضاري مع العالم المحيط به خارج مفاهيم الشعارات المعلبة والجاهزة، التي كانت (تخنقه!)، والتي ضجر منها حد القرف. اكرر الارقام مرة اخرى – في السبعينات مليون ونصف، في بداية الثمانينات 3 ملايين، في نهاية الثمانينات 6 ملايين ونصف، واذكّر القارئ، ان انهيار الاتحاد السوفيتي حدث عام 1991 . لقد استطاعت هذه الصحيفة ان تعكس كل تلك التغييرات الجذرية التي حدثت في المجتمع السوفيتي دون ان تتحول الى صحيفة سياسية تتابع الاحداث وتلهث خلفها ليس الا، وقد كنت شاهدا، عند زياراتي المتكررة اثناء العطل الصيفية في السبعينات والثمانينات الى روسيا، كيف كان القراء السوفييت يحصلون على اعداد تلك الصحيفة بصعوبة، وكيف يتجمعون عند اكشاك الصحف للحصول عليها قبل نفاذها، وقد اضطررت انا للاشتراك بها، اذ لم يكن بمقدوري ان اتنافس مع السوفييت للحصول عليها، وقد استفدت من ذلك الاشتراك بها كثيرا، لأني كنت اترجم مقالاتها اول باول في العراق، واختتم هذه الملاحظات عن الصحيفة بالاشارة الى بعض المقالات، التي لازلت اتذكر عناوينها، والتي ترجمتها من تلك الصحيفة ونشرتها في صفحة (آفاق) بجريدة الجمهورية البغدادية عندما كان الصحافي العراقي الكبير محمد كامل عارف يديرها، ومنها – (دالي يقول للحقيقة – كش ملك) و(نقاش مثل حبل طويل مع رسول حمزاتوف) و(حوار بين طبيب روسي وطبيب امريكي حول قول الحقيقة للمريض) و(الحرية – يا لها من كلمة حلوة) ..الخ، وكنت حتى اعطي بعض تلك المقالات لزملائي كي يترجموها وينشروها باسمهم لأنه لم يكن باستطاعتي القيام بكل ذلك بمفردي .

صحيفة ليتيراتورنايا غازيتا الان اصبحت واحدة من الصحف الروسية الاعتيادية، ولم تعد تطبع اعدادها بتلك النسخ الهائلة طبعا، ولكنها لازالت تمتلك بريقها العتيق ومجدها التليد ...  

 

ا. د. ضياء نافع

 

885 علي بدرإن قراءة الرواية هي بمثابة إثارة الذهن وإيقاظه ليرى واقعه من عدة زوايا مختلفة. للحصول على صورة أكثر كمالاً للواقع.

عن التقليد

من أجمل الحوارات وأهمها هو ذلك الحوار المنشور في اليوتيوب مع الروائي العراقي (علي بدر) الذي أجراه الروائي التونسي (كمال الرياحي) للقناة الوطنية التونسية الأولى. يقول في الدقيقة السابعة والنصف: (اشتغلت على التقليد، الإيميتاسيون imitation، واكتشفت ان العمل مع الغرب نقلي وليس عقلي، فلم تكن هناك حركة نقدية ازاء الافكار الواردة من الغرب، فصورة المثقف هي صورة شكلية). وذلك يحيلنا مباشرة لرواية (بابا سارتر) وبطلها فيلسوف الصدرية ذلك الذي لم يجد إلا الفسلفة الوجودية ليختارها شكلاً مزيفاً له، ليخسر وجوده مرتين.

تبالغ مجتمعاتنا العربية في التواصل بين أفرادها على المظاهر الشكلية، من طريقة قص الشعر إلى الملبس، إلى نوع وسيلة النقل المستخدمة حتى. وتجتهد الأغلبية على أن تكون متشابهة، وعلى إعدام التفرد، فتجد أن مثلاً قصات الشعر لدى الرجال متوحدة، وألوان الملابس محدودة وتشبه لون الأرض (هل ذلك تقليد للحرباء؟). لا ينبع ذلك من حس سياسي إشتراكي. أبداً. بل هو مجرد خوف من التفرد، وهو شيء من الطاعة.

أشكال أبطال علي بدر

ينشغل أبطال (علي بدر) فترة في ذلك الصراع البدائي المركز على شكلهم، وهم ينجحون بعد جهد وتوتر في إيجاد شكل ما يعبر عنهم، شكلهم الفريد، وجودهم. لكن هل يمكن أن نقول بأنهم فارغين من الداخل؟ جوف؟

تشجعت حين رأيت أن إحدى المجموعات الفيسبوكية تقترح قراءة جماعية لرواية علي بدر (أساتذة الوهم) فشاركت في القراءة وعجبتني تلك الرواية التي تشبه في فكرتها رواية (بابا ساتر)، فالموضوع هو الوجود والزيف.

ولو أردنا تحديد الشبه مع (بابا سارتر) فسنجد أن هناك عراقي يتزوج من أوربية، ثم يشعر بالفوقية لأنه فعل ذلك، رغم أن ذلك الزواج لم يكن سوى إقتران شكلي كاذب في انتماءه، تمثيلي في مظهره، غير أصيل. فعلى سبيل المثال نجد أن (منير) لا يعرف أصلا أن يتكلم الروسية لكنه يكذب قائلاً أنه يترجم قصائد عن الروسية وهو في الحقيقة يقول ما يحلو له، ورغم ذلك إلا أن الآخرين كانوا يعجبون به، رغم أننا نستطيع أن نتخيل ركاكة الشعر المترجم بدون وزن ولا قافية، وفوق ذلك يقال بطريقة إرتجالية.

الرغبة في الإبقاء على الجهل وإضافة الطابع السحري له

والشبه الآخر هو ذلك التوق الى شخصية خارقة ومبالغة في تأثيرها وقدراتها فحين قرأ الراوي تلك القصائد التي كتبها (إبراهيم) لم ينم ليلته وتغيرت نظرته للمحيط من حوله، وشعر برعب وبغموض وبإبهام. ردة الفعل المبالغة هذه كانت شيئاً يريده الراوي ربما. كان يريد شيئاً يهزه وقد قام بالتمثيل على نفسه بعض الشيء، وإلا ما هو تبرير كل تلك المشاعر العنيفة أمام قصائد قرأها. يفسر له إبراهيم الذي يحب إكالة الألقاب لنفسه مثل لقب (الدكتور فاوست)، بأنه يكتب القصائد من وحي الأشباح، تلك الأشباح التي عادة نعزي إليها ما نجهل علته. لم تغب عن الراوي التفطن إلى أن هناك رائحة موت، بل غلبة للموت على الحياة في منزل إبراهيم وطريقة تفكيره. فيما يمعن إبراهيم بجهله، بل بحبه لذلك الجهل بأعماق النفس البشرية، فيقول مثلاً أنه يحب الخفافيش لأنها سرية، وهو بذلك يحب غرابته ولا يريد أن يكشف عن سرها، فيما يقوم إبراهيم بذلك نجد أن راوينا، الذي هو ربما أكثر شباباً وإمتلاءاً بحب الحياة، يشخص ذلك الشبه مع تلك المرحلة الطفولية حين نحب كأطفال وضع الضمادات على أجسادنا لنمثل دور الجرحى مستدرين عطف الوالدين والآخرين، ممثلين دور المعانين الشهداء، ذلك (الموت المصطنع هو أكبر من أي شيء ساد حياتي).

هنالك في الرواية وصف فيه بعض التفاصيل للعملية الجنسية. اعتقد ان وصف تلك العلاقة بين نازك وعيسى وكل ما احاطها من تفاصيل يعطي ذلك الانطباع بانتفاء السحر المبهم والتضخيم للعلاقات الجنسية، يهدف بشكل ما لان نزيل الوهم، (نفس ذلك الوهم الذي كنا نحيط به الاساتذة)، هي دعوة لرؤية حقيقة الاشياء وازالة الاوهام والقبول بالعادية، عادية الاشياء حتى لو كانت تبدو مثيرة للاشمئزاز لكن هي دعوة اولا للقبول بان هذا هو ما يحدث حقاً.

مركز التحكم في حياتنا

يشعر البعض أنه هو سبب ما يحصل له من نجاح أو فشل، بأن مركز التحكم يأتي من داخله، بينما يعلل البعض الآخر ما يحصل لهم بأنه بسبب أسباب آخرى، فلو فشل في الإمتحان فإن المعلم غير جيد مثلاً أو أن الأسئلة صعبة. ويمكن أن يتحول من يمتلك مركز تحكم داخلي، في ظرف الحروب أو الكوارث الطبيعية إلى شخص يمتلك مركز تحكم خارجي لأنه أحس أنه لا يستطيع التحكم بمصيره، وهو ربما ما حصل لكل هؤلاء الذين صاروا يلجأون للأبراج بشكل مفرط. تسمى هذه النظرية في علم النفس بـ(نظرية موقع الضبط أو نظرية مركز التحكم Locus of control).

ويمكننا أن نفسر في ضوء هذه النظرية لماذا يحب إبراهيم الضياع في تنبؤات نوستراداموس، وتعليلات تتمحور على الأبراج والكواكب.

الرواية في عصرنا الحالي

رجوعاً للمقابلة المنشورة في اليوتيوب مع علي بدر فإنه يقول في الدقيقة التاسعة: (الرواية هي النقد وهي البحث، واعتقد ان الرواية هي البديل الحقيقي عن العلوم الانسانية لان تلك العلوم في الجامعات مرتبطة بالسلطة السياسية والدينية فتبقى فقط الرواية هي القادرة فعلا على بيان الحركة الاجتماعية الخفية)، ثم يتكلم بعد ذلك عن إكتشاف المدن عبر الروايات التي كتبت عنها، ثم في الدقيقة الرابعة عشر واربعين دقيقة  يتكلم عن مقولة باختين حول الشعر وكيف أنه يقوى حين تكون السلطة دكتاتورية او ارستقراطية لكن حين تضعف السلطة تتعدد الاصوات فيظهر كلام المهمشين، ثم يربط علي بدر مقولة باختين بالعراق ويقول: (وهذا ينطبق على العراق ففي الثمانينات كان صوت الشعر عالي وانخفض صوت الرواية في التسعينات في العراق لم يضعف النظام فقط بل ضعف شكل القصيدة فصارت نثرية وبدات تظهر الرواية).

ليس لدي هنا ما أضيفه لما قاله علي بدر، سوى الإشارة ربما لمقالة (وليد غالب) في موقع الناقد العراقي حول رواية (أساتذة الوهم) الذي كتب فيه عن (الهوية الثقافية)، (التكبر والغرور)، (الإستعراضية)، (الشعور بأنهم مسيرون وبالتالي غير مؤثرون بمحيطهم وبالتالي اختيار العزلة)، وغيرها من تفسيرات لهذه الرواية.

وفي الأخير أريد أن أسجل تحية للسارد في الرواية، فهو كما في رواية (بابا سارتر)، و(حارس التبغ)، يقوم بعمل أشبه بالصحفي خصوصاً في بداية الرواية، يلاحظ بموضوعية ويصف بحياد. وفيما يلجأ إبراهيم لنوستراداموس متوسوساً بالموت، ويقدم منير أصدقاءه لبعضهم البعض بلقب (شاعر) مملوءاً بتهيج المشاعر، يبقى السارد ملاحظاً لماحاً متسائلاً خلوقاً ينظر للأمام، فيه شيء من الحياة.

 

سامي عادل البدري

.....................

مراجع:

١- مقالة وليد غالب بعنوان (أساتذة الوهم لعلي بدر) على الرابط:

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/55923.php

٢- رابط مقابلة التلفزيون التونسي مع علي بدر في اليوتيوب

https://www.youtube.com/watch?v=w_P-CgOQoHM&t=1676s