نجية جنةللشاعر المغربي خليل الوافي

حينما تستوقفك قصائدا بزخم الحياة، تحملك بعيدا، تشتت أحاسيسك، تعصر معك الآلام والغصات وتجعلك تشارك كاتبها وتثمن ما ينظم، فما عساك أن تقول وأنت تقرأ بعيون مشاعرك وتحكم بقلب شاعر، بعيدا عن القارئ العادي الذي قد لا يسعفه التأويل ليندمج مع ما تنضح به القصيدة. ذلك هو انطباعي وأنا أقرأ ديوان الشاعر خليل الوافي المعنون "ما أراه الآن" بأجزائه الأربعة وقصائده العشر.

جعلتني القصائد المحبوكة جيدا إحساسا وبناء أنفعل كليا معها، تخيلتني أشارك النظم بل أعيش الأحداث الذي حاول الشاعر تصويرها بأسلوب سهل سلس يعتمد فيه على التشكيل بالكلمات حيث يوظف الألفاظ الرومنسية الحالمة ليعبر عن وضع قاتم هارب، فتأتي الشمس و القمر والشجر و الظلال لتعطيك  انطباعا بالإشراق الواضح لكن الصيغة تأخذك لعالم ملؤه الضجر و القلق  والارتياب، كما تقول القصيدة الأولى ص:9

" لا أحلم كما أشاء"

!ملعونة أنت

ما الذي زرعته يداك

في حقل كفي؟

.....

أنت صفة الهارب من نفسي

فالشاعر يعترف بأنه يتعذر عليه الاختيار حتى في الأحلام  لأنه يعيش حياة مفروضة عليه، فالقصيدة  عبارة عن بوح لامرأة بدون ملامح  تشاركه خلجاته المكلومة وحظة العاثر . كما يمزج  بين الأسطورة / التاريخ/ الشعر الجاهلي  في تناص متماسك ليكثف بوحه  فتأتي الإشارات إلى (سبإ – ابن ذي يزن – عنثرة- وطارق ابن زياد) كرموز للقوة و الهزيمة والعشق و الحلم الشارد.

في ص: 15 قصيدة  "في قرع الباب"

تأخذه النوستالجيا إلى الزمن الماضي حيث الطفولة  والشباب  فيتبخر الحلم ويتكرس الصمت والخيبة.

أقرع الباب...

يطل وجهي من الطابق العلوي

....

كل شيء يوحي أنني أعرف المكان

....

لا أحد يفتح بهو السماء

...

أرى البحر وحيدا في عزلته

... أسمع عذاب الصمت

وأنين الجياع وشما على خد القمر

....

كي لا يخطئ طريق المقدس.

الوصف الدقيق متن القصيدة يحيلنا على السرد الشعري أو النثر الشعري يصف الذكرى مقرونة بخيبة الحاضر و صمته المقصود، فالشاعر يمزج أحداث واقعه وماضيه ومشاعره الذاتية  بالأحداث الواقعية والهموم  القومية التي  يؤطرها العجز والصمت .

في الصفحة 23: "عندما تتكلم الأوراق" يلخص  مراحل حياة الإنسان منذ الطفولة إلى الشيخوخة، بأجزائها الأربع  تحمل تناصا مع القرآن الكريم، حيث يوظف مفردات منه: (سبع سنبلات- صرخة أم – توارين سوءة)  فيوظف الألوان  كدلالة على فترة معينة من الحياة ليأتي بتعبير يحمل رموزا قوية واضحة تعبر عن الزمن المبتغى  وتأتي القصيدة عبارة عن حكي متواصل ترتله مفردات منتقاة، فالورقة البيضاء حيث الطفولة البريئة، والشباب في الورقة الصفراء حيث الإحساس الجارف والورقة دونما لون تحكي الزمن الفارغ و البحث عن الذات ثم الورقة الرابعة التي يبحث فيها عن لون  يصف به زمن الخطيئة، ففي خضم الأرق و التعب لا يجد سوى المرأة ليتستكين إليها . فيتماهى مع الطبيعة حيث الماء، النسمات، أغصان الزيتون، هذيل الحمام، الشجر والمطر، ثم فترة الشيخوخة حيث زمن الانكسار وعم اللامبالاة والاعتراف بأخطاء الماضي، ثم مرحلة الصمت حيث همس الحجر و الخشب والمطر، الحياة المصادرة تحث الثرى .

أحلم بالماء وردا

نسمات صبح

وحكايات جدتي...

تخجل الظلال من ضحكة المطر

أتشرب من صحوي...

أراك سيدتي

توارين سوءة أوراقي العارية مني..

على مواربة زمن الانكسار

يستعصي الكلام

....

أتلمس ظلي ...أحرسه

....

أعترف بأخطاء الأمس

وكباقي الشعراء العرب يختبئ الشاعر بين ألوان متفرقة وبين ظلال رموز الكلمات ليصف الهم المشترك: الوطن العربي، الحلم الضائع والجرح الذي لا اندمال له، في النظم يتحول إلى نداء، إلى رجاء، إلى وصف شائك وبوح أليم.

حيث يقول في ص33:

هو الحلم النازف في تساقط الحجر

آدم

....

وطنا يوزع تذاكرالسفر

....ينشق الصمت نصفين.

....

وأنا أتوسد أحلاما متعفنة

مرارة نتلمسها في هذا الوصف القاسي، فلا بيت ولا وطن ولا أمة تسع الشاعر وجراحاته .

ص 44:  في قصيدة ما كان لي أن أكون:

احمليني بعيدا عن جسدي

ما كان البحر أن ينسحب

.....

ما كان لي أن أحمل نسائم الندى

وفي الصفحة 49 : أعاند نفسي عن إماطة اللسان

عن ما تراه عيني

...

تستوقفني حكاية الطفل الصغير

 

وفي الصفحة 57:

مسالك التيه

مررت على الديار

...

تحمل عنا عروبة المكان

....

أراك في الحلم نشيد وطن

..

تأتي المرايا معكوسة

في احتراق الصور

 

في الص 65:

شيء من الحرب في زمن الحرب

....

ما أراه الآن

أوصيك يا بني بالصمت

يحتضر وجعي

...

أراك شامخة

في هزيمة ملوك الطوائف

تذكرت أستاذ الجغرافيا

وخريطة الوطن في الواجب المدرسي

الوطن أضحى حلما مستحيلا، انتظار قد يطول وقد يحترق الشاعر وتحتضر كلماته ولكنه لا يملك سوى الصمت، فبهزيمته يرسخ هزيمة الشعوب  وخنوعها وضعفها.

في الصفحة 81:

أنا العربي الغاضب

أصرخ في وجه نفسي

...

أي شيء يغسل وجع عربستان

من وجع الأرض

أتعبني السفر .

أنا العربي الغاضب

أضع تاريخ أمتي جانبا

وأبحث عن وطن

يحمل إسمي .

صورة أليمة تصف ما أصبح عليه المواطن العربي، فالغضب الصامت  يأكل في نفسه حسرة، يحتقر وطنه وما وصل إليه و بالتالي يشعر بالنقص وقله الهمة فلا يملك إلا الهروب من ذاته .

يظل الشاعر ينادي، تتكرر النداءات فتكرس الغضب لدى القارئ وتجعله يندمج مع الوضع ويعيشه، إنه الإحساس المتشارك بين الشعوب العربية، إحساس بالخيبة والخذلان.

 

بقلم: الأستاذة نجية جنة 

 

قاسم جمعةالمدن تسكن في كل البقاع، ويغادرها الاحبة، إلا بلدتي فهي المعشوقة المغادرة حتى في مخيلتي، تداعب احلامي.. لكنها لا تحضر! تقتل أولادها بدعوى الوطن قبل أن ينطقوا الابجدية أو يتلقوا فنون الانتماء للهويات، ترفض الشكوى وحرية اللفظ .

المدن تتهالك وتبنى إلا مدينتي فهي الهلاك المحاصر للتحديث الذي يهوى اغاني التخلف والخوف والجوع.

كان حلمي عندما أكبر أن ازورها في الصحو، لكي تراني

وعندما كبرت لم تعد تفقه ما انطقه فقررت الانزواء..

ازالت من يديها قيد الانتماء وهوت اطراء تزلف الموتى،

مدن تعشق حداثة التخلف. وأخرى تنتمي للمستعمر كما أباح بذلك فرانز قانون في معذبو الأرض

وهناك المدن الغنية باقتصادها تجاوزها مدن الصفيح ومدن تركب أمواج العار تهين الكبرياء الراسخ في مدن العشق ..

لربما تعيش الفلسفة في البادية، كما يريد دولوز في مفكرته حول الفكر البدوي،، كطموح منه لغزو الهوامش وترك المراكز وتكوين صورة فكر مغايرة للنماذج السائدة والمدارس العتيقة.. .

لكن المدينة لم تعد مكانا للمأوى، بل صارت نقطة للهروب وفضاء للتخفي من اعين حراس تابيد الخوف،

كنت اعتقد اننا نسكن الابراج ونحتمي بها داخل اسوار المدينة، وعندما حلت بالمدينة اقدام سراق الحلم، عرفت انه حان وقت البوح وكشف السر، الذي طالما سترته الشرائع والأعراف والأساطير، لم يعد الزمن متاح للصمت .فطالما المدن يسكنها هاجس المختلف والآخر الغريب فلا مناص من مخاطبة العقول، لكي تسترد عافيتها الثقافية.. السكان توزعت بهم الطرقات وأمسى الفقير يجاور الغني لكنه مجاور حبيس الانفاس لا يحق له القول خارج منظومة المجاورة المرسومة كما أراد أن يبلغنا انجلز في كتاب حالة الطبقة في انكلترا (تذكر النص) والرسام الحديث الذي يطمح لصيد الأحاسيس وسط فوضى الأوجاع هو الفيلسوف الذي يعاب عليه اليوم انصاته لموسيقى الوجع الخجول من شكواه ..

المدن ترتسم ملامحها ثقافة الكثرة، عندما تنعش شمس الهويات الامتلاك التطابق،، كل الحروف تخرس عندما يتلاشى الاتساق وتحار الإقدام كيف تطأ معبد المعنى وعرين القيم ..المدن لم تعد تضع علامات للانتماء كما ردد فثاغورس (لايدخل علينا من لم يكن رياضيا) بل صارت تبتلع الحريات وتعلن العصيان على جينالوجيا نشاتها، .

تكونت مدينتي وانا بعد لم أكن شي، وستبقى رغم انتمائي لمنطق النهايات وبسسب الحب ستزول من طرقاتها الام التحضر وقهر التقدم، ولأنك تهوى المطرقة ستظل للأبد مرفأ مغادرة الكسالى والجبناء والفاسدين لكن إلى متى ستظل تختبأ بعيدا، تجامل خوفك من المجهول وتأول حكايات الخرسى وتسمع منهم أساطير البطولة. !

اين انت لم تعد تسألني كثيرا فهل انت معي؟! ام انك لا تهوى الاقتراب ..المدينة تنشد قلمك وتتوسل عنفك وتغني من اجلك. الفلاسفة طردوا من بعدك وانت منشغل بفك الطلاسم وقراءة الحظ .

.الفليلسوف حلمه مدينة بلا مركز وانامل مكبلة باساور وزمن يحسب.. فهل تستوي عندك العوالم ام انك ستظل هكذا ؟!...

 

د. قاسم جمعة

 

تختلف اساليب التربية من شخص لاخر، ومن بيئة لاخرى، ومن مجتمع لاخر، ومن جيل لاخر، بل تتفاوت بين مفرط ومتطرف ومعتدل، فقد يبالغ الاهل بالافراط بالدلال ناسين ومتناسين ان الافراط بالدلال نتائجه ستكون وخيمة ليس على الابن فقط ، بل على الاهل والمجتمع، لان الافراط يؤدي الى خلق انسان اناني لايهمه سوى نفسه غير ابه بظروف الاخرين، لايتوانى عن فعل اي شئ في سبيل مصلحته حتى وان كانت تلك المصلحة على حساب اقرب الناس اليه..

اما التطرف والشدة في معاملة الابن ، فانها نسبية تتقبل الحالتين، فاما ان تخلق انسانا محطما نفسيا غير قادر على نسيان سوء المعاملة التي تلقاهاها فيصبح ابا ضعيفا بل عاجزا عن تربية ومحاسبة ابناءه ، ليكسر الالم الذي عانى منه فيقع في براثن الفشل في تربية ابناءه، اويكون نسخة من ابويه يستخدم القسوة ذاتها او اكثر منها في وقت باتت القسوة والشدة سلعة عفا عليها الزمان في زمن العولمة والانفتاح، وهذه تؤدي الى العصيان والتمرد، وهذا هو الاخر انسان فاشل فشل بتربية ابناءه..

وعليه فان خير الامور الوسط، فاللجوء الى مسك العصا من الوسط هو الحل الناجع للتربية الصحيحة القائمة على الثواب والعقاب الذي لابد ان يؤتي اكله بعد خلق التوازن المطلوب الذي يؤدي الى خلق منظومة حياتية قادرة على التقويم السلوكي وتنشاة الطفل تنشئة صحيحة لخلق انسانا متزنا يتحلى بالخلق الكريم معتمدا على نفسه، وماغرس فيه من قيم، مستعدا لاتخاذ قرارات سليمة بعيدا عن اي انحراف سلوكي..

ان الالتزام الكامل والصارم بقوالب واساليب التربية القديمة التي عفا عليها الزمن والاصرار عليها يؤدي الى التمرد والعصيان في مجتمع اهم سماته التحرر والانفتاح في ظل العولمة وانتشار النت، لذا فان عملية التربية باطارها العام يجب ان تخضع لروح العصر، وهذا لايعني الخروج عن المالوف او الانفلات، بل الالتزام بقاعدة الاخلاق العامة في اطار شفاف غير قابل للكسر، لان ماتربينا عليه في طفولتنا بات الان"موظة قديمة" لاتفي بالغرض-بنظر ابناءنا-بل انها تعتبر قيدا يحد من تصرفاتهم ويكبلهم ويساعدهم بذلك النت وصديق السوء..

ان التربية السليمة يحب ان تكون قبل كل شئ مقنعة وليست مفروضة، لان الفرض سيقود الى ازدواحية التعامل، اي ان الابن ينفذ مايطلب منه مادام امام ناظري والديه، وماان يديروا ظهورهم حتى يقوم بكل ماتحلو له نفسه، وهذه الازدواجية هي الخطوة الاولى للانحراف، وعليه يجب اعتماد اساليب تربوية ذكية تقوم على الاقناع في غرس القيم العليا في نفوس الابناء لتكون السد المنيع الذي سيحميهم من شرور انفسهم اولا ومن شرور المحيطين ثانيا..

ان الوسطية بالتعامل تؤمن الحصول على نتائج سليمة، وهذه دعوة للاعتدال بالتعامل مع الجميع وهي تصلح لاي مكان وزمان، بل هي الوصفة الناجعة للتعامل والتكيف الايجابي مع متغيرات الحياة في كل المجالات وليس مع الابناء فقط ..

قال الامام علي (ع) "لاتكن لينا فتعصر، ولاصلبا فتكسر"

 

مريم لطفي

 

نجيب طلالمِفتاح الباب: مبدئيا من أصعَب ما يعانيه أي مؤلف/ كاتب/ صحفي/ طالب/.../ في صياغة موضوع ما؛ اختياره لعنوان مناسب والدال على مرامي النص الرئيس؛ وصعوبته تكمن بأنه يُعَد من أهمّ مرجع يتضمّن بدواخله الرّمز والعلامة وكذا تكثيف المعنى، فمن خلاله يحاول / مؤلف/ كاتب/  أن يثبت مقصده برمته، بوصف العنوان النّواة المتحركة التي خاط عليها نسيج نصه. فمن هنا فهو في حد ذاته نص/ محيط أو موازي paratexte حسب تعبير جيرار جنيت (Genette) ولكن لما لا نسميه النص المجاور الذي لا يمكن تجاوزه للنص/ المتن أثناء تحليله أوتفسيره أو تأويل النص؛ لأنه يحمل شبكة دلالية عميقة جدا؛ في إطاره يعْتبر حقلا خصبا للتفكيك والتحليل . ولاسيما أنه منفلت من عمق النص الأساس وروحانيته، وبالتالي فهو بنية وظيفية دالة . يعلن منذ البداية  كأول اتصال نوعي بينه وبين المشاهد/ القارئ  يؤسس نقلة نوعية في وعيه،وذلك من خلال مشروعيته القرائية وبحكم بروزه كإشارة أو علامة بارزة بشكل مادي محسوس أمام القارئ/ المتلقي ليجعله مبدئيا  يقتحم عوالم النص وفضاءه الرمزي وشخوصه الدلالية؛ ليسهل عليه مسك بالخيوط الرئيسة للعمل المشاهَد أو المقروء؛ يساهم إلى حد بعيد في بناء تصور أولي عن حمولة النص من خلال النص المجاور- علما أنه: ليس هناك قاعدة ولا وصفة لإيجاد عنوان جيد للمسرحية؛ ولا حتى دراسات عامة عن اختيار العناوين. العنوان هو نص خارج عن النص الدرامي بحد ذاته. إنه ولهذا السبب عنصر توجيهي (فوق أو إلى جانب النص) لكن معرفته الإجبارية مازلنا نذهب إلى المسرح بسبب عنوان المسرحية (1) وبالتالي فاختيار العنوان وتدوينه واستقرار رأي الكاتب عليه، ليس مسألة اعتباطية أو مزاجية  بل هُوعَتبة أو مفتاح إجرائي يمدنا بجملة من المعطيات والمعاني الدالة  تلك التي تساعدنا على فك شيفرات النص والدخول لمجاهليه وتشعباته . لأنه أساسا يحمل رؤية المبدع / الكاتب  ومدى حدسه الإبداعي؛ وحسب رؤية - لوران بارت-  في المغامرة السيميولوجية؛ بأن العنوان في حد ذاته عبارة عن أنظمة دلالية سيميولوجية يحمل في طياته قيما أخلاقية  واجتماعية وإيديولوجية . ومن تمة فهو: يشكل مرتكزا دلاليا يجب أن ينتبه إليه فعل التلقي؛ بوصفه أعلى سلطة تلق ممكنة؛ ولتميزه بأعلى اقتصاد لغوي ممكن ولإكتنازه بعلاقات إحالة: مقصدية – حرة إلى العالم وإلى النص وإلى المرسل (2) فالمقصدية أساسا هي مقصديات مختلفة ومتنوعة بتنوع الأطراف والمبتغى . فالاختيار في حد ذاته قصدية؛ لأنه عملية تخاطبية تواصلية في الحّد الفاصل بين النّص والعالم، ونقطة تقاطع يمرّ من خلالها النّص إلى هذا العالم، مقابل هذا تعد خطا أو قنطرة  واصلة بين النّص والكاتب والمتلقي .لأن الأصل في الكلام القصد كما يعَبربذلك طه ع الرحمان (3) وبالتالي: فالعنوان بما هو إشارة سيميائية تأسيسية، قد يدفعك إلى أن تعيد قراءة شيء كان مألوفا لديك بل هو جزء من ثقافتك؛ ولكنه يغريك بإعادة قراءته لآنه يفجر فيك طاقات جديدة؛ وكأنه مع العنوان يبدأ فعل القراءة ومن ثم فعل التأويل (4) لكن من الملاحظ أن عناوين النصوص المسرحية تحْديدا؛ لم نوليها اهتماما؛ وهذا يتحمله البحث الأكاديمي. رغم أن الدراسات الأدبية والنظريات النقدية اهتمت اهتماما متزايدا دراسة العنوان تفكيكا وتحليلا (علم العنونة / La titrologie) فمن هنا كاد درسه يندرج ضمن سياق تطبيقي ونظري؛ وذلك استهدافا لمقاربة النصوص. بغية  فهم خصوصيتها وتحديد جوانب  من مقاصدها الدلالية والرمزية؛ وإن كانت العملية معقدة جدا: فثمة عناوين لا تسلم نفسها بسهولة؛ وإنما تظل متحجبة ومتمنعة عن الظهور، إلا باستخدام نظام تأويلي أو سيميائي يفك شيفراتها (5) باعتباره العتبة الأساس والتي تفرض على الناقد أو الباحث أن يستنطقها ويفككها، ذلك قبل الدخول لأعماق النص. بحكم أن العنوان هو الذي يسم النص، ويعينه، ويصفه، ويثبته ويحقق للنص كذلك اتساقه . مما اعتبره – جنيت: من أهَمِّ عناصر النص الموازي (paratexte)على اعتبار أنه لا اعتباطية في العنوان؛ ولاسيما أن الكاتب يجهد نفسه في اختياره لكي يلائم مضمون إنتاجه .مما يعطيه الكثير من الوقت والتفكير ليختاره بشكل ينسجم من حيث التركيب والدلالة نسبيا مع النص،  لكي يجذب إليه الأنظار. وذلك لاعتبارات إما نفسية أوفنية أو جمالية أو مذهبية أو تجارية حتى . لتمكن من تحريك شهيّة القارئ/ المشاهِد، فيُجلب بذلك اهتمامه والإيقاع به، من خلال تفخيخ خطابه بنوع من الإثارة أو الإغراء لأنه: ففي العنوان مقصدية من نوع ما، ربما تقود هذه المقصدية إلى مرجعية إما: ذهنية أو سياسية أو مذهبية أو إيديولوجية. فالعنوان في الوقت الذي يقود القارئ إلى العمل هو من زاوية يخبرنا بشيء ما(6) وبالتالي فالإخبار لا يتأتى استيعابه أو التحقق منه؛ إلا بالدخول لعوالم النص بحثا عن إجابات مقنعة للتساؤلات التي فرضتها العتبة النصية على المشاهِد/ القارئ.

متاهة العُنوان:

فمثلا – [عطيل الخيل والبارود] عنوان تركيبي  يبعث عن الغرابة والدّهشة؛ مما يثير في ذهن المتلقي/ المشاهد، عِدة تساؤلات واستنهاض رغبة الفضول هذا إن كانت له مرجعية أدبية / ثقافية؛ تساعده على فهم مقاصد المؤلف من خلال [نظرية التلقي](:) ما علاقة (عطيل) كشخصية شكسبيرية ب (الخيل والبارود)؟ وفي  سياق عطف ومعطوف فهو يحيل للفنتازيا أو من خلال التقطيع لكل مفردة ذات  دلالة حسب المرجعية الثقافية أو حتى الإجتماعية (الخيل) للشجاعة والعروبة (البارود) للحرب والدمار؛ وبالتالي فالتركيب مفخخ بالدلالة والمجاز مما يفرض اقتحام أغوار النّص؛ لفهم التركيب النصي بحكم أن العنوان في حَد ذاته سلطة توجيهية إغرائية إلى عالم النص داعية إلى الفضول لمعرفة واكتشاف مضامينه النص الفكرية والإيديولوجية. وبالتالي فالعلاقة بينهما تفرض علينا نفسها . وبالتالي فموضعته (العنوان) يعَد واسطة مركزية في عملية ربط الخطاب الموجّه إلى القارئ/ المشاهد، وبالأساس هو توجُّه قصدي لجمع شَتات تأويلاته في دائرة محكمة لإنتاج المعنى . لأنه جزء هام من الإنتاج الإبداعي، بل إنّه يهيمن على القيمة الخطابِية والتّاريخية للمؤلَّف. وأبعد من هذا يعطينا انطباعا ونظرة حول مضمونه، لكونه مرآة عاكسة وذلك باعتباره علامة سيميائية تمارس التدليل. هنا فالمتمعن في العنوان[عطيل الخيل والبارود] سيجده مزيفا كيف؟

لأن هناك تمظهر مكشوف لتناص بينه وبين (ست شخصيات تبحث عن مؤلف)/ للإيطالي – بيرانديلو- فهذا الأخير يقدم لنا حكاية أسرة مكونة من ست شخصيات تبحث لنفسها عن مؤلف؛ من أجل أن يكتب دراما حياتها؛ في حين الأولى تقدم لنا كذلك ست شخصيات تبحث عن مخرج لكي تعمل معه. ما الفرق هنا مادام الخيال والمتخيل هو سيد الإبداع ؟ لا شيء ! سوى قلب (المؤلف لمخرج) وإقحام شهريار والبوهو/المسيح كإحدى شخصيات فرجة البساط أو التفكه؛ والملاحظ أنها وظفت  كشخصيات (ثانوية) فقط. هل ليأخذ النص طبيعته (الإهتبالية) وليس (الإحتفالية / le carnavalisme) كمفهوم له جذوره التاريخية، باعتباره ظاهرة عامة يعيشها المجتمع الإنساني على مر العصور. وكل منا يستفيد منها، حسب موقعه وفي أي موقع كان. وبالتالي فهذا التناص كذلك مرتبط أساسا بعملية توظيف مفهوم (الحلقة) كشكل من أشكال الكتابة  والتحكم في تقنية الحكي التي وظفها- بيرانديلو- أي لعب داخل لعب؛ ولكنها لم تخرج عن الفضاء المغلق [ القاعة المسرحية ] بدل [الساحة العمومية ] مما يجعل (عطيل والخيل والبارود(مزيفا حتى على مستوى المتخيل فهل كان عطيل شخصية (فلكلورية) وفي النص تمظهر كشخصية لها القدرة على القيادة والثقة في النفس لموجهة (المخرج/ ياغو) إضافة لحضور (البوهو/ المسيح) كما قلنا كشخصية ثانوية غير مؤثرة في سياق الحدث/ الصراع بين [عُطيل/ المخرج] ربما بنى تصوره الواهم على النص الأصلي لشكسبير(7): حينما اعترفت - ديدمونة - لأبيها أن "عطيل" لم يستعمل معها أي سحرأو عنف كما اعتقد في بداية الأمر بل (هي) قد أغرمت وأعجبت به عندما كان يأتي إليه ليقص عليه بعض المغامرات التي عاشها في صغره. ففي هذا الباب لا يعني أن (عطيل) قاص (شعبي) / راوي حكايات. وإن علما أن التيمة الأساس تتمحور حَول (الخير والشر) وما ورد في النص (عطيل الخيل والبارود) يتمركز حول (الحقيقة والوهم) تلك التيمة التي نقبض عليها في كل نصوصه المسرحية؛ موظفا بذلك دائما لعبة الأقنعة التي تخفي الحقيقة؛ لتحقيق البعد – الكرنفالي/الإحتفالي / مهرجاني/ العيدي/le cérémonial / le festival /) ولكنها ظلت حبيسة العلبة (الإيطالية) ؟

وللإشارة في هذا الباب؛ فالفنان الطيب الصديقي هو صاحب الدعوة الحقيقية بتحقيق البعْد الكرنفالي/ الإحتفالي/ للمسرح؛ بناء على تصور وطلب [ روسو] بالعودة للحفل الجماعي من خلال المسرح لتحقيق المشاركة الجماعية في الحفل الجماعي كوسيلة للتواصل بين أفراد المجتمع؛ وإن كانت جملة من الفعاليات العالمية انتهجت هذا الطلب: ك / جاك كوبو/ أدولف أبيا/ كردج كريج //..../ والباحث الفرنسي ألفريد سيمون ومن خلاله نادى بذلك" جان فيلار": والذي أخرج المسرح من علبته إلى الهواء الطلق؛ والذي أعاد للمسرح وظيفته المنسية، وجعل منها احتفالا يقام من أجل الأعداد الكبيرة (8) وهذا تم تطبيقه عمليا في (أفينيون)  للخروج من العلبة الإيطالية . وذلك لتحقيق ما طرحه ميخائيل باختين -  أن فكر الفرد والجماعة في الأجواء الاحتفالية يتحرر من القيود والمواضعات الاجتماعية، فهي الفضاء الذي يعكس حقيقة الثقافة والفكر لأن الاحتفال هو الصنف الأ ول والأبدي للحضارة الإنسانية، هذا الصنف الذي نرى فيه جوهر الثقافة الشعبية وحقيقتها(9) وبناء على هذا فجوهَر الطقس الاحتفالي في نصوص – برشيد- بقي غائبا أو بالأحرى منعَدما؛ بحكم شكلانية الشكل التي تمارس تأثير الغرابة والدهشة؛ من هنا لعب (صاحبنا) عليه من أجل تدويخ وليس إدهاش المتلقي/ المتفرج . وبالتالي فلماذا تم تغيير عنوان(عطيل والخيل والبارود) إلى (لعبة الوهم والحقيقة) ؟ وهذا نفسه نجده  في تيمة نص (فاوست والأميرة الصلعاء) التي تحول عنوانها إلى (الحفل التنكري) فمنذ البداية والنص يدعو إلى تعرية وكشف شخصيات خلال أقنعة يلبسونها؛ لتحقيق مسرح داخل مسرح؛ ليقع التجاذب بين (الوهم والحقيقة ونفس التيمة في (منديل الأمان) الذي تحول عنوانه إلى(لعبة الوجوه والأقنعة) التي تحكي عن رحلة لسبع شخصيات داخل قطار تتقنع بأقنعة مختلفة ومتنوعة،، فاتفقت لتختصر زمن الرحلة على أن تلعب لعبة الاعتراف . فنكتشف بأن كل شخصية تنطوي على الوهم والحقيقة (أي) تعيش واقعا وتحلم في الآن ذاته بالهروب والتخلص منه. نفس التيمة نجدها مسرحية [ حمار الليل] هناك سبع شخصيات رغبتها في الهجرة، هذا إذا لم ندخل الراقصة (دلال) التي كانت شخصية عرضية فقط. تلتقي في بَهو (ميناء بحري) في انتظار الباخرة التي يحلمون بها للسفر. يبدأ البوح لتكشف كل شخصية عن نفسها،. فنكتشف كذلك أن كل شخصية تنطوي على الوهْم والحقيقة . فهاته الثنائية الضدية المرادفة لثنائية ضدية أخرى (الوجه/ القناع) واردة في أغلب النصوص؛ بحيث الاختلاف نجده في الشخصيات وفضاءات الحدث وهذا (التناسل النصي) يبرره البيان الثالث  الذي يقول: إن النص المسرحي لا يعَد مسرحية بقدر ما يعتبر مشروعا لمسرحية أو مسرحيات متعددة .

وبما أن النص عند- برشيد- يعَد مشروعا فلماذا تم تغييرعنوان النص الذي كنا بصدده إلى (عطيل دوميل ديزناف)؟هل نحن أمام غموض عنواني حقيقة لخلق جمالية خاصة؛ إيمانا بتصور "إمبرتوإيكو/ U. Eco" حول العنوان حين قال: إن شأن العنوان أن يبلبل الأفكار لا أن يرتبها .فأي بلبلة أحْدث والنص نفسه . فلوكان عكس ذلك لتمت الإجابة على سؤال ورد جدارية المخرج إبراهيم وردة بالقول((ما سبب تغيير العنوان هل من جديد في المسرحية القديمة)) (10) فالمؤسف لم يجبه أحد؛ ولم ينتبه إليه أحَد كذلك ؟

تغيير العنوان:

مبدئيا فالعنوان حق أصيل للمؤلف؛ لأنه وُلد من تفكيره ومعاناته؛ وذلك لتحقيق القصْدية القابعة وراء ذلك الاختيار؛ لأنه أولى عتبة القارئ التي يقيس به دلالته على جميع مضامين النص(بمعنى): فهُو مفتاح الدلالة الكلية التي يستخدمها القارئ الناقد ومصباحا يضيء به المناطق المعتمة (11) هنا هل يحق تغيير العنوان من نصه الأصلي؟

فإذا ابتعدنا قليلا عن التحليل الأدبي / الفني؛ ونظرنا للعنوان الشخصي للفرد؛ فهو أساسا هويته ولا يمكن تغييره/ استبداله،  إلا بمقتضيات قانونية . وبعلة معقولة تتحدد أساسا في استبدال المكان/الحي/ المدينة/ الموطن؛ تدون في طلب. فحتى تغيير موضوع الأطاريح والبحوث تحتاج لطلب مذيل بسبب مقبول لتغيير العنوان. فإذا عدنا لموضوعنا؛ فطبيعي أن الإبداع لا يحتمل البيروقراطية وتعقيداتها؛ولكن هنالك مسالك فنية تقتضي تغيير عنوان النص الأصلي، والمُمثلة في الاقتباس والإعداد التي هي بالأساس ظواهر إنسانية حضارية.

إذن فالاقتباس: هو عملية نقل أو تحويل أثر أدبي من نوع إلى آخر (من رواية إلى مسرحية مثلا) اٌلإقتباس أو المسرحة (dramatisation) يستند إلى المحتويات السردية (القصة والحكاية المثبتة بأمانة نوعا ما... غالبا ما استعملت كلمة اقتباس بمعنى "ترجمة" أو بمعنى نقل أمين نوعا ما، من دون أن تسهل دائما رسم الحدود بين التطبيقين. المقصود ....(12) فهل نصوص – برشيد- المدونة باللغة الفصحى والتي ليست روايات أوقصص تحتاج إلى اقتباس (تحويل) الذي يبيح للمقتبس حرية التصرف في النص الأصلي؛ حتى يمكن تغيير عناوينها. مع العلم أن العنوان له حمولة فكرية دالة؛ يسمح لنا بتفسيره من خلال النص؛ وهذا الأخير من خلال العنوان؛ وفي هذا السياق يشير- ميشال هاوسر- (M. Hausser) قبل النص هناك العنوان، وبعْد النص يبقى العنوان. هنا [مثلا] أي عنوان سيبقى مادام (صياد النعام) تحول إلى (على قيد الحياة) و(أبو الغرائب في بلاد العجائب) إلى (رحلة أبو الغرائب)

و (الدجال والقيامة) إلى (سيرك الدنيا).... ؟ هنا لاوجود لعملية اٌقتباس؛ ولا لعملية الإعداد الذي هو: بالمعنى الواسع للكلمة هو عملية تعْديل تجري على العمل الأدبي، أو الفني من أجل التوصل إلى شكل فني مغاير يتطابق مع سياق جديد(13) كما حَدث [مثلا ] مع مسرحية (حكاية العربة) تحولت إلى (الدائرة) مع جمعية الشهاب البيضاوية وإلى (العربة93) مع جمعيه نادي المرآة بفاس. ومسرحية (شهرزاد) إلى (شهرزاد المراكشية) لجمعية  دراما / مراكش و(على بابا الوزير) إلى (شابكة) لجمعية الأوركيد/ بني ملال... إذ ربما هنالك خلل في بنية النص المسرحي؛ أو أنه لا يتلاءم مع وجدان المجتمع الذي يقدم على إنتاجه . مما يدعُو لممارسة الإعداد عليه (دراماتورجيا) لتحقيق تمسرحه . هذا إذا ما تعمقنا في مفهوم الإعداد الذي هو: إعادة صياغة نص مسرحي ليتلاءم مع وجدان المجتمع الذي يقدم على إنتاجه؛ أو ليتلاءم مع فكر المخرج؛ أو لسبب قد يظنه المعد ركاكة في الصياغة الأصلية – بحق أو بغير حق- ويتخذه ذريعة لإضافة أو لحذف بعض فكر وأسلوب النص الأصلي، وإبدالها من عنده بما يوافق مجتمعه ويوافق فكره وحالة مزاجه (14) وبالتالي فالملاحظ أن - برشيد- (كان) يدافع باستماته على (اٌلإحتفالية/ الإهتبالية) صانعا بذلك حروبا ورقية. غير أنه أمام نصوصه لم نشاهده يوما يفعل ذلك ولا يبدي تحفظاته رغم أنه يقول بالحرف: ولقد عبرت دائما عن رأيي الواضح والصريح في الاقتباس والاختلاس، وفي الإعداد والتوليف، وفي الترجمة الخائنة، وفي تهريب النصوص المسرحية، خصوصا منها تلك التي فقدت الصلاحية في أوطانها الحقيقية، وأصبحت مضرة بالصحة النفسية والوجدانية والعقلية والأخلاقية (للمستهلك)(15) ألا ينطبق هذا على نصوصه مادام الإعداد والتقطيع واستبدال العناوين مسألة مباحة إما نتيجة ترسيخ استحضار وجوده الفعلي/ العملي في الساحة الثقافية/ المسرحية؛ وإما نتيجة التعويضات(المالية) التي كان يتقاضاها من الجمعيات؛ ولتفعل تلك (الجمعية) في النص ما شاءت كما وقع في مسرحية (أبو الغرائب في بلاد العجائب) مع إحْدى الجمعيات (محترفة/ فاس) أوفي قرارة نفسه أن الإحتفالية ونصوصها هي خواء في خواء؛ لأن نصوصه الأخيرة.../ المقامة البهلوانية/ الحكواتي الأخير / أبو الغرائب في بلاد العجائب /شكوى المهرج الحكيم/.../هي بمثابة لواعج ومناجاة الذات للذات؛ بحكم أنها لا تبتعد عن تجربته وحياته الخاصة والإبداعية؛ ولنتمعن في هذا الحوار:

قارئة الكف:  تسألني لماذا؟ لأنه .. غير موجود ..

أبو الغرائب:  وكيف عرفت أنتِ هَذا؟

قارئة الكف:  (وهي تنظر إلي كفه) يسألني كيف عرفت؟ كفك قال كل شيء .. أنت ليس في كفك إلا هذا الذي أقول، وتأكد بأنك لن تجد شيئا أبدا.. هل تعرف لماذا ؟

أبو الغرائب:  لماذا ؟

قارئة الكف:  لأنك لا تبحث إلا عن الخواء .. أنت الآن ضائع وتائه.. قلها ولا تخجل .. اعتبرني مثل أمك .. (16) ومثل هذا يتكرر في نصوصه؛ لأنه ربما وصل للنتائج التي كانت تواجه مشروعه (الوهمي مثل ما قيل: فالمسرح الاحتفالي عند الاخ الصديقي أو الآخ برشيد لم يستفد من الارث المسرحي المغربي؛ وبالتالي افرغ من تعامله المضموني من قضايا تلتصق بهموم الانسان المغربي؛ وسقط ضحية تقنية الديكور...واللغة الفضفاضة...(انبهار في الاخراج - انبهار في اللغة = احتفالا بعيدا عن هموم وقضايا الانسان المغربي) ومن هنا ابتعد عن جمهرة المتلقين (....)..وهذا يضيع أهمية التركيز على الصراع وفضح التناقضات... فيصبح النص الاحتفالي كتابة مغرية على الماء (17)

 

نجيب طلال

............................

الإحالات:

1)  معجم المسرح لباتريس بافي - ترجمة ميشال ف. خطار ص571 المنظمة العربية

للترجمة - ط 3/1980

2) مبادئ ألسنية عامة لأندري مارتنيه ترجمة ريمون رزق  ص 223 دار الحداثة

بيروت/ لبنان 1990

3) انظر لكتاب: اللسان والميزان - لطه عبد الرحمان المركز الثقافي العربي المغرب / 2002

4) سيمياء العنوان لبسام موسى قطوس-  ص 36 --عمان/ الأردن2001

5) نفسه ص 41

6) نفسه ص31

7) انظر: نص عطيل – لوليم شكسبير- تعريب خليل مطران دار مرون عبود – بيروت- ط 8/ 1974

8) المسرح وقرينه لأنطوان أرتو– ترجمة - لسامية أسعد ص87 - دار النهضة العربية

9) Voir/ Alfred Simon: Les signes et les songes, Essais sur le théâtre

et la fête-  éd, seuil- Paris/1976 -2pp 169-170

10) سؤال طرحه الفنان عبدالمجيد سياع في جدارية المخرج إبراهيم وردة بتاريخ – 09/07/2019

11) دينامية النص: تنظير وإنجاز لمحمد مفتاح ص72 المركز الثقافي العربي- ط2/ 1990

لبنان/بيروت

12) معجم المسرح لباتريس بافي - ترجمة ميشال ف. خطار ص-69/70- المنظمة العربية للترجمة -

ط 3/1980

13) ماري إلياس / حنان قصاب حسن(في) المعجم المسرحي ص 44: مكتبة لبنان ناشرون/1997

14) حيرة النص المسرحي:لأبوالحسن عبدالحميد سلام ص-71- ط2/1992 مركز الإسكندرية للكتاب

15)  بيان عبد الكريم برشيد بخصوص مسرحية (ديالها) موقع هسبريس بتاريخ 04/07/2012

16) نص: أبو الغرائب في بلاد العجائب  مجلة مسرحنا- في- 20/10/2013

17) المسرح الهاوي بالمغرب والخطاب الفكري:للمسكيني الصغير مجلة المدينة ع 6/ 1981 ص41

 

كريم مرزة الاسديبذا قضتْ الأيّامُ ما بينَ أهلِها**مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ

هذا ما قاله المتنبي العظيم (915 - 965م/303 - 354 هـ /) ولد في الكوفة؛ وقتل في دير العاقول قرب نعمانية العراق على يد فاتك الأسدي؛ إثر هجاء المتنبي لأخته أم المدعو ضبّة في قصيدته، ومطلعها

 ما أنصفَ القومُ ضبّة** وأمّه الطرطبة

ما يهمنا البيت الخاطرة؛ وهو من روائع حكم المتنبي التي خلدها التاريخ الآدبي.

نعم، بذا (قضت الأيّام)، الجملة التي بين قوسين كلام غاية البلاغة (مجاز عقلي)؛ لأن الأيام جزء من الزمن، والزمن لا يقضي؛ وإنما الناس الفاعلون الحقيقيون، هم الذين يقضون.

 ما لك شغل! بقول الشاعر:

زمانٌ مضى قد لعبنا بهِ*** وهذا زمانٌ بنا يلعبُ

الزمان - ياعزيزي القارئ الكريم- ليس بساحة كرة قدم، ولا بلاعب كرة طاولة؛  هذا كلام بليغ  المقصود به أهل الزمان؛ ليش تروح بعيد!!

والإمام الشافعي قد صرّح، وما لمّح بقوله:

نعيبُ زماننا، والعيبُ فينـــا*** وما لزماننا عيــــبٌ سوانا

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ **وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحـمَ ذِئبٍ****وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا

ويروى دخل ابو مياس الشاعر على مجلس، وهم يتحاورون؛ فقال لهم  ما أنتم فيه وفيما تتذاكرون .قالوا نتذاكر الزمان وفساده .فقال لهم كلا إنما الزمان وعاء،  وما ألقى فيه من خير أو شر كان على حاله. وانشد يقول:

أرى حللا تصان على أناس***وأخلاقا تداس فما تصان

يقولون الزمان به فساد***وهم فسدوا وما فسد الزمان

نعود لبيت خاطرتنا، والعود أحمد.

لا أعتقد  يفوتك الجناس التام بين قومٍ و قومٍ، والطباق الإيجابي بين مصائب وفوائد، وحصرهما المتنبي في شطر واحد، وهذا ما يثير الدهشة والإعجاب والتأمل على مقدرة الشاعر وعظمته  في صياغة الكلام ببلاغة غاية الإبداع،

والأدهش...الأدهش...المعنى العميق  الملهم الذي التقطه الشاعر من الحياة!!

نعم، المعاني - كما يقول جاحظنا العظيم- مرمية على أرصفة الشوارع؛ والعبقري الفذ من ينتبه إليها، ويقدمها بتشكيل غاية الجمال والإبداع لهذا الناس!

وهذا الانتباه الملهم ، هو الذي جعل أرخميدس أن يضع قاعدته في حمامه، عندما انتبه إلى خفّة وزنه في الماء، وصيّر نيوتن أن يبدع في صياغة  قانون جاذبيته، إبان سقوط التفاحة على رأسه المسكين!! وهذا ما أشرت إليه سابقًا، وأكرر وفي الإعادة إفادة!! 

  البيت الخاطرة من  قصيدة للمتنبي  يمدح فيها سيف الدولة الحمداني، ويذكر هجوم الشتاء الذي أعاقه عن غزو (خرشنة)، مطلعها:

عَواذِلُ ذاتِ الخالِ فيَّ حَواسِدُ وَإِنَّ ضَجيعَ الخَودِ مِنّي لَماجِدُ

إلى أن سيف الدولة أعاد الكرَّة، وفتحها وقتل رجالها، وسبى نساءها، ووقفن النساء كجوارٍ مسبيات أمام سيف الدولة وجنده، والأبيات التالية تكمل الصور:

 أخو غزواتٍ ما تغب سيوفـــهُ ***رقابهم إلا وســـيحان جامــدُ

فَلَم يَبقَ إِلّا مَن حَماها مِنَ الظُبا** لَمى شَفَتَيها وَالثُدِيُّ النَواهِدُ

تبكي عليهن البطاريق في الدجى*** وهن لدينا ملقياتٌ كواسدُ

بذا قضت الأيام ما بين أهلها **** مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ

والحق هذا حال العرب، وبقية الأمم حتى في صراعاتهم وحروبهم بين أنفسهم، أو كما تسمى اليوم الحروب الأهلية، هاك هذه الحادثة التاريخية العربية المؤلمة.

 كانت عند المختار بن أبي عبيد امرأتان، إحداهما أم ثابت بنت سمرة بن جندب، والأخرى عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري، فعرضهما مصعب على البراءة من المختار، فأما بنت سمرة فتبرأت منه فخلاها، وأما الأنصارية فامتنعت فقتلها، فقال الشاعرعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ، - وقيل لعمر بن أبي ربيعة-   مستهجناً فعلة المصعب الإجرامية ، متعللا بضعف المرأة وتبعيتها كسلعة ، ولله الأمر من قبل ومن بعدُ:

إنّ من أعجبِ العَجائبِ عِندِي*** قتلُ بيضاءَ حرةٍ عُطبولِ

قُتِلَتْ باطلاً على غيــــر جُرْمٍ ***** إن للهِ دَرَّهَـا من قتيلِ

كُتبَ القتلُ والقتالُ علينــــــا ***وعلى الغانياتِ جَرُّ الذُّيولِ

هذه هي الدنيا، وحالها - يا قارئي العزيز- وما في اليد حيلة، إلا أن تؤخذ الدنيا غلابا.

"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ"

 

كريم مرزة الأسدي

 

 

وائل مصباحالاكتئاب ليس احد الأعراض الجانبية للسرطان بل عرض جانبي للاحتضار.. إنها تدفعني إليه بشدة الا توجد يد تساعدني.. يا الهي أين أنت؟ هذه هي جملة الافتتاحية في روايتي الجديدة علي لسان بطلتها جمال

في حين اجلس الآن خلف نافذتي المطلة علي نيل جزيرة الورد.. المنصورة.. اكتب أول فصل من روايتي القادمة.. جمال ثاني.. يجلس وبالقرب مني علي بعض المقاعد الثقافية الحكومية من هم يجيدون فن التطبيل لمن اعلي منهم.. والإرهاب لمن هم اقل منهم في التصنيف البيروقراطي العقيم والسائد منذ الكاتب القرفصاء.. فهنئا لكم تلك الكراسي التي تشبه كرسي الحلاق.. مهما جلست عليه وطال بك المقام.. ستغادرة غير ماسوف عليك ومن سيجلس بعدك سيقابل بنفس الترحيب.. الحياة دول يا سادة. وهنيئا لي الحياة الاستثنائية التي اتنقل فيها بين الازمنة التاريخية بكل يسر.. تتسـال كيف؟ ساقول لك..

ففي روايتي الاولي مطر العيون عام 1998 كنت اعيش مرحلة ما بعد الانفصال عن خطيبتي الاولي .. وكانت تجربه عاطفية قاسية جدا.. في حينيها بالطبع.. كتبتها كما تراءت لي فخرجت بشكل مميز اشاد بها كبار الكتاب في ذلك الوقت ومنهم سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب رحمه الله عليه .

وفي الرواية الثانية والتي تحمل اسم سهام كيوبيد لا تعرف الخطأ عام 2002 وكانت تتناول احساس الحب المحكوم عليه بالاعدام او كما يشاع عنه حب من طرف واحد.. وقد لاقت هذه الرواية كثير من النقد لقسوتي علي ابطالها.. اما الرواية الثالثة والتي كانت تحمل اسم عمرة وعمرة..الاولي بضم العين والثانية بفتحها.. فكانت تحكي عن اول لقاء ليي مع الحبيب صلي الله عليه وسلم في روضته الشريفه وزيارتي للبيت العتيق فكانت من ادب الرحلات عام 2014 .

واخيرا الروايه الرابعة.. حبة الكريز.. عام 2018 فكانت عوده للماضي لزياره اجدادنا الفراعنه العظام لمعرفة كيف ضحوا من اجل مصرنا الحبيبية

اما الرواية التي انا بصددها الام فهي ترصد احداث ما بعد عام 2011 وحتي يومنا الحالي.. فجمال تاني.. رواية تجمع بين الحقيقة والخيال ما بين الممكن والمستحيل.. احاول فيها الاجابة عن اسئلة ارقتني لعدة سنوات ولا اعلم كم سيبقي لي من الوقت لاعرف اجابتها.. وقد تعرف اجابتها معي عزيزي القارئ.. ننتظر وسنري.. الاديب والسيناريست

 

 وائل مصباح

 

احمد الشيخاويللمغربي العربي الحميدي

على سجعيتها وميل خطابها إلى معجم الغموض المقبول، تظل تجربة الشاعر المغربي العربي الحميدي، تشكل علامة فارقة في المشهد الإبداعي العربي، نظرا لالتزامها بالقضايا الإنسانية، وذودها عن منظومة من القيم التي تحاول رفع الحيف والظلم، عن كائن الألفية المثقل بشروخ الذات وانكساراتها وانعزاليتها.

يكثّف شاعرنا، مفردات الانتصار للروح الإنسانية، خاصة وأنه عانى اليتم وكابد متاهاته، كون كذلك امتحانا إنما يصنع من الذات حالات وجودية قائمة على الاستثناء، ومحاولات ترع الثغرات والفراغات التي قد تتسبب بها معاني الفقد.

يعكف صاحبنا على القصائد التي تترجم معنيي الفقد و المنفى، مغترفا مما يحيل على أفق الابتكار في اللغة والصورة والدال الإنساني، مثلما أسلفنا.

كما أنه يجدف، عبر فعله الإبداعي، ما بين نزعتين رومانسية وصوفية،تعكسان، عموما، مواقفه من الذات والعالم والغيرية والحياة.

 بحيث لا يمكن القول أن كتابته ذهنية صرفة، بقدر ما هي والجة في تخوم الغموض المشروع الذي تمليه أبجديات معاناة مركبة، في بعديها الفلسفيين، ترسم ملامحهما الثرثرة الواعية، المحكومة بآني الانشطار مابين انشغالين، أيضا: اليتم والغربة الداخلية أو الروحية.

نطالع له في إحدى مناسبات الدندنة المصطبغة بنوتات الفقد، قوله، على مضض:

[بين حَفَيف أَوْرَاق الضَّجَر

أَبْحَث عن ظِلِّي فِي بَسْمَة الْقَمَر.

أيها الرَّاحِل

نَظَرُك أَصْبَح أَسِير الصُّوَر.

شاردا في فلك الْجِبْت

يُحَدِّث رَتَابَة الْأَيَام رُفْقَة السَّهَر.

أَمَرَ النُّهَى

كُنْ أَنْتَ لاَ الصَّدَى](1).

إنه عبور حياتي قلق ومنذور لأسئلة الشك،وزوائدها من هواجس وجودية تشوش على إغداقات التوازن النفسي، وهوية الإنساني، في أكثر من صورة وقالب، مستجلب للرّنة الكونية الطافحة بالرؤى الرمادية المتمردة.

كما نقرأ له، كذلك، في موضع آخر، تفجر تيمة الحلم،وإن في صورته الجنينية، الحلم كبوابة إلى المشتهى،خلف طور الانكسارات والتشظي الذاتي القاهر، يقول:

[مَا نَفت الثَّرَى

في مرقد يَشْتَى.

هذا الذي

أنا

يَجْرِي خلف

رَقْطَاء تَسْعَى

في محيط الغيب

لا يُرَى.

جنين حلم يتوارى

وراء الشفق

إلى حفرة المأوى](2).

لعله الخوف من المجهول، يملي وصاياه هنا، ووجه القصيدة، فيما يتم تحقيق المعادلة الإنسانية المفقودة، عبر تلكم الحِلمية المنتقصة من ظرفية الصمود الجزافي، غير القادر على لمس الجوهري في هوية الكائن،ومغازلة وجوده، بما قد يغير مجرى التاريخ،ويمحق هيمنة أخطائنا الممارسة عليه.

ويقول أيضا:

[صمت الجنادل

يزدري صُمّ الحجر.

من

ظَنَكِ الْأَقْدار تُحْرَقُ الْأَشْعار

حين امْتَصُّ ملح حَلَمة الأَبْكَار.

يغمغم السحاب

من وَشْوَشَة شفاه

رياح عاشقة، ضيعها السفر،

ونجوم تُقَطِّر النَّدَى صُبْحاً

بعد

عذر غَيْهَبِ هَطْل المطر.

كَشَيْبِ نَخْلَة

النجوم فاضت على دَيْجُور](3).

هكذا نلفيه، يلوذ ببرزخيته، تضميدا لمعاناة مركّبة تشطر الذات، وتسوّد صفحات الحياة والوجود، لكن من زاوية انقلابي ومناضل، لا يستسلم، يفتح كوة للحلم، يختاره في جنينيته ويحاول إحاطته بالعناية المتوجبة والرعاية التامة، عساه يحص بالنهاية على الدماء الجديدة، المسفة بقلب المنظومة الذاتية والوجودية ككل.

نقتبس له كذلك قوله:

[وِهَادٌ تولد.

وأخرى

تعاود الميلاد.

أنا عابرها.

أهواها حين

تتوالد يرقاتها

داخل شرنقة الْجِوزَاء.

وأكرهها

حين تتآكل أخرى

في بَطْنِ الْجَفَاء.

التيه وحش يلبسني

من تردد مَزِيج الضحكات بالصرخات.

حين

تجف المعنى في حلق الكلمات] (4).

له في كل موقف كتابة جديدة، مزهوة بشعرية الإنساني، عبر تجديد معانيه،رموزا وصورا ودلالة، فهو لا يكف عن الخلق والابتكار فيما يدرأ عنه معرّة استنساخ الذات واجترار المتقادم، حتى على امتداد خرائطية النص الواحد، نجده يغرق في توليد الدوال، ومنحها تصاعدية وتناسلات تحقق مثل هذه الأغراض المترنة بروح الشعرية المنتصرة للهوية الإنسانية، بدرجة أولى.

وفي موقف آخر، طاعن بلذة الإبحار في النرجسي، ومباهيا بلغة البياض، ومعتنيا بشعرية ما هو جواني، مختزل في مركزية الذات، نقتطف له المشهدية التالية، إذ يقول :

[وأَلْبِسِ الْهَمَّ الصَّمْت

داخل الذات.

الحزن

إِنْ رَأَى عَوْرَتَه

رَكَضَ وراء عُرْيِ ظِلِّه

في وديان العدم.

على وجه السحاب

كَفِّن الْيَأْسَ

بحَالِكِ غُبَارِ الْعَدَم

وأعْتَزِلْهُ

فِي بَكَرَةِ الْأَمَلِ

لِتَرىَ ضَحِكَ الصُّبْح

يَرْشِفُ

دُمُوعَ بُكَاءَ الْفَجْرِ](5).

إنها خلفية غامزة بازدواجية الهوية الوجودية، تقرّ بها قصائد الشاعر المغربي العربي الحميدي، تتقنها الديباجة الفلسفية، الرافلة بلبوس تقاطعات سمعية ــــ بصرية، مخوّلة للتفشي السلسل، وإن نعت بالغموض، لخطاب متقلب ومحاصر بأسلوب مزاجي صرف، انجذابا لنزعة صوفية ما تنفك تؤجج أسئلتها، في العمق توليفة اليتم والمنفى، في حدود جوانية، تروم ولادات ثانية قد لا تجود بها سوى كتابة بهذه المعيارية وعلى هذه المقاسات التي تلامس سقف الذهنية، دون أن تنخرط في تجاويفها أو تتورط بتيماتها.

 

أحمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.........................

هامش:

(1) مقتطف من نص " كن أنت لا الصدى" .

(2) مقتطف من نص " حنين المأوى".

(3) مقتطف من نص " كشيب نخلة".

(4) مقتطف من نص " عروج الرغبة ".

(5) مقتطف من نص " بخار الظن".

 

حاتم جعفر(في هذا المقال سأذهب الى ما هو أبعد مما كتبه الشاعر ابراهيم الخياط، وبإفتراضات ومديات أحسبها لا تخرج كثيرا عمّا كان يجول بخاطره).

1ــ قُبيل الخطوة اﻷولى

تغفو على اكتاف نهرين حانيين. حين يدخلها زائرها ومن أية جهة يشاء، سيفاجئ ومن  مسافات بعيدة لا تدركها العين برائحة الإقحوان والنعنع البري. ستتدلى من بين سياجات منازلها قناديل من البرتقال الندي ومن ثمرات أُخَرْ حباها الله بالحب وبما هو أطيب. ستدفعك الرغبة بقطف إحدى الثمرات الناضجات، غير ان من يشاركك المشي سيقول لك تمهَّل فَكَرمُ المدينة أسخى مما تظن والخير قادم، فما بيننا والمبتغى بضع دقائق.ستأتيك من بين  فيء كرمات أعنابها صوت إرتطام أقداح الشاي ببعضها البعض، مشفوعة بنسيم عليل وأحاديث يصعب تمييزها، حينها ستتذكر إنْ نسيت انكَ في إحدى ساعات النهار، انها ساعة العصر أو بعدها بقليل. أمّا مساءات تلك المدينة فكم هي مباركة، جميلة، وكم ستبدو أبهى لو صادف زائرها تلك الباقة من العاشقين والعاشقات وهم يتجولون شوارعها بخفة وزهو.

من بين أحد الأزقة الواقعة قبالة أقدم قنطرة عرفتها مدينته، سيخرج حسين مردان ذات مساء وهو في عجالة من أمره، حاملا بيده اليسرى مسودة ديوان شعره اﻷول (قصائد عارية)، مُطبقهُ بقوة على جهة القلب، لَمَ لا وهو ابنه البكر. وفي اليمنى حقيبة سفر صغيرة كاد أن يتخلى عنها لولا إلحاح شقيقته الصغرى. عندما سُئِلَ الشاعر عن وجهته ردَّ قائلا: الى عاصمة النور واﻷلق وحوار الندامى ومقابر المتصوفة، فالمساحات  هناك أوسع لممارسة طقوس التمرد، وهناك أيضا سيكون الباب مفتوحا للبوح ولقول ما لا يمكن قوله. أباه لم يستوعب وعلى نحو كاف ما جاء على لسان ولده، فتركه يختار وجهته، ظناً منه بأن غيابه سوف لن يطول أكثر من يومين أو ثلاثة ليعود بعدها نادما، غير ان اﻷمر لم يأتِ كما شاء أباه، فمنذ ذاك التأريخ ما عاد ابن مردان الى مدينته الاّ بعد أن فقدَ جواز سفره وكل متعلقاته في اسطنبول، وذلك أثناء إحدى جولات تسكعه المحببة اليه، طالبا من مختار محلته القديمة وبشهادة إثنين من العدول إستخراج هوية أحوال مدنية جديدة، فكان له ما أراد.

هنا راح متسائلا أحد سكان محلته القديمة ممن لم يسبق له أن التقاه: مَنْ يكون هذا الذي تسمونه إبن مردان؟ في لحظة كهذه ما كان لعارفيه الاّ القول: هو الغائب العائد الى مدينته التي عاش فيها ردحا هانئا من الزمن، وهو القائل في قصيدته المسماة زرع الموت:

إبليس والكأس والماخور أصحابي

نذرت للشبق المحموم أعصابي

من كلِّ ريانة الثديين ضامرة

تجيد فهم الهوى بالظفر والناب

وقع السياط على أردافها نغم

يفجر الهول من أعراقها السود

تكاد ترتجف الجدران صارخة

إذا تعرت أهذا الجسم للدود

كم هي ماجنة هذه القصيدة علَّق ذلك الـ(أحدهم)، لكن لم يلتفت اليه أحد.صفحة كهذه والتي قرأها في كتاب شعراء مدينته، لم يركنها جانبا أو يطويها ابراهيم الخياط على عجل حين اختار من الشعر ناصية ومبتغى له، بل ظلَّ حافظها في ذاكرته، راجعا اليها كلما إستفزه ملكوت الشعر والرغبة بقراءة حلو الكلام وإستحضار نشوة النص وما سيتبعه من تسامٍ، في ذات الوقت سيجد نفسه أمام إمتحان عسير: كيف لي أن أحاكي شاعرية كالتي أنف ذكرها؟

ما فات كان الدرس اﻷول الذي سيتوقف صاحبنا عنده طويلا وما سيستخلصه أيضا من فائدة وجدوى. أمّا الثاني فكان مع الشاعر البعقوبي اﻵخر هادي الربيعي الذي إتخذ في سنواته اﻷخيرة من مدينة كربلاء بجوها الروحاني مستقرا جديدا له، بعدما ضاقت به اﻷرض بما رحبت. فعنه يقول ابراهيم الخياط: لَكَمْ حلمتُ التعرف عليه ﻷقرأ بحضرته ما خطَّته يديَّ شعرا، طبعا هنا يتحدث ابراهيم عن بدايات مشواره الأدبي، والسؤال سيأتيك: هل تحققت أمنيته تلك؟ لست متأكدا من ذلك حتى اللحظة. لكن وهنا ستقع المفاجئة، فما هي الاّ بضع سنين وربما بلغت العشرة وإذا بهما يلتقيان في إحدى اﻷماسي الثقافية. لقاءهما كان عاصفا، فاق حدود الخيال والتصور، بل بلغ ما هو أبعد، وكان لهما أن يستحوذا على أجواءها (اﻷمسية) بتألق مريح.

إبتدأ إبراهيم بقراءة ما يحلو له وبحضرة أحد شعرائه المفضلين، محققا بذلك أمنيته ورغبته التي طال إنتظارها. ثم تلى ذلك أن وقف الربيعي هادي ليشدو على مسامع الحاضرين ما طاب له ولهم من الشعر، انها قصيدة: يوما ما

يوما ما

سأنام عميقا

وسأحلم اني كنت .. أنا

أطلق صرخاتي كيف أشاء

وسأعدو فوق حدود اﻷرض

منتشيا بسعادة قلبي

وأنا أرفع فوق حواجزها الشوكية

رايتي البيضاء

يوما ما

سأنام عميقا

وتنام معي

هذياناتي الحمقاء

القِدرْ لا يستوي ولا يثبت على إثنين كما تقول العرب، فلا بد والحال كذلك من حجر آخر يستعين به ابراهيم الخياط. هنا وفي لحظة كهذه سيبرز دور الشاعر الشهيد خليل المعاضيدي ليكون كما ثالثة اﻷثافي الذي سيرتكز عليه ويستعين به لمواصلة مسيرته ودونه إختلال التوازن. لذا راح ابراهيم متلمسا ذات الدرب الذي سار عليه الشاعر الراحل، حتى بات عنده من الرصيد ما يمكن عدَّهُ خزينا ومنهلا سيعود اليه عند إقتضاء الحال، فأينما حلَّ أو حاول صياغة بيت من الشعر، الاّ وكانت قصائد المعاضيدي حاضرة في مخيلته. وإذا شئنا التذكير بإحداها فستبرز وبقوة تلك القصيدة المسماة كان موسما للكآبة، ولا بأس في مناسبة كهذه من التوقف على أحد مقاطعها:

هنا موسم للكآبة والوحل

باركه الفقر في ألفة الدمع،

يعتاده الفقراء المباعون في صعقة الشاي،

علَّ النساء النحيفات يُفصحنَ عن هاجس،

ها هنا موعد للنواح الجنوبي،

ما بين عينيك سيدتي فارس أعزب

وصديق أباح اشتباك الهواجس،

في شهقة العشب مبتهجا

يستضيف التقوّل عند إشتداد

الفطور المرابط

2ــ جمهورية البرتقال

المهمة ليست سهلة إذن يا إبراهيم، فها انك قد أمسيت أمام إشتراطات سنّها كتاب الشعر وسدنته والحافظون على عهده. وقصيدة الشعر الحر كما تعرف ليست بتلك الخفة والطوع، فهي أيضا محكومة بالتفعيلة والقافية واﻷهم من ذلك بجمال صورتها وكيف ستُحَلِّقْ معها، ولنتذكر سوية تلك الأسس والقواعد التي أرساها وتربَّعَ على عرشها حسين مردان ومَنْ هو بقامته ومَنْ أتى من بعده .

جمهورية البرتقال، هذا هو إسم ديوانه اﻷول ولم يَرِدْ أن يكون اﻷخير، غير أنَّ للأقدار كلمتها وأحكامها. أودعه وأهداه الى بعض من أصدقاءه قبيل رحيله بسنوات قليلة، كانت الغربة الإضطرارية قد غيبتهم لعقود عدة. ربما وجد ابراهيم في تلك النخبة مَنْ كان يعدَّهم أكثر وفاءاً ومقدرة على المسك بالعهد، أوفياء له. وربما أيضاً ضاقت به دائرة علاقاته في وطنه المحتل، فراح يستذكر ما فات من الصداقات، فتجده وبنحت لغوي رائع، صارخاً:

أخالل مَنْ؟

في طاقة للأبابيل المحنطة

ما جاءها الكناري المستهام

ولا السنونوة الرغيبة

ولا جاء الحمام الذي ـ كمثلي ـ أنَّ

انه سؤال كبير حقاً وينم عن وجع وحسرة ظلاّ برفقته حتى آخر لحظات حياته، فاﻷحبة كلهم ذهبوا وتشتت الجمع، وأقْفِرَتْ الدار بعد أن غادرتها طيور الحبارى. وهديل الحمام البري ما عادَ يُسمع عند نافذة البيت، كذلك زقزقة العصافير التي عادة ما تذكره بأخذ قسط من الراحة بعد منتصف الظهيرة، كانت قد اختفت هي اﻷخرى، حتى البساتين ما عادت ملجأ للطيور ولا ملجأ للغناء ولا ملاذا للتخفي حين تضيق الطرق.

ربما يمكن للشاعر أن يستوعب ما فات من ألمٍ وينام عليه على مضض، الاّ ان هناك جرحا ظلَّ ينزف ما دام حيّا، انها أنثاه. هي ليست كما النساء اﻷخريات، انها جمهورية البرتقال ، هكذا أسماها وأشتق منها إسم ديوانه وفيها يتحدث عن نفسه وعن تجربته في العشق:

إنتكس القلب مرة

وإنتكس النهر مرات

فلم يبقَ لقلبي سوى ظل أنثى

في هذا المقطع تحديدا ربما يكون ابراهيم بل أكاد أجزم قد إستحضر زوجته التي رحلت غدرا. ثم يعود ليكمل فكرته أو ما أراد إيصاله وفي ذات القصيدة، ليستذكر نهر مدينته، عاقدا بينه (النهر) وزوجته نوعا من الصلة المحببة، فكلاهما اﻷقرب اليه وكلاهما كان قد فقدهما وإن  بإختلاف الطرق. ثم سيتبعها بشطر آخر، سيعزز من رفضه واحتجاجه على مَنْ بقي بعد رحيل اﻷحبة:

ولم يبق لنهرنا الشقي

سوى حثالة اﻷهل المتسربين

وعلى ذات السياق وﻷنه لم يُشبع بعد رغبته في التخلص من تلك اﻷوجاع، فستجده في قصيدته المسماة مَدمي الشباب، وقد أوغل في وصف عذابته، مستعرضا تلك اﻷماكن الموحشة التي صادرت حلمه وصادرت صداقاته، وفي بعضها وجد فيها مهربا وخلاصا وملاذا:

في زوايا المخافر والمدافن والحانات

وعند إنقلاب الحرائق

أحاور الجثث

لكن ورغم عتمة الصورة وإنعدام الرؤية، فسيظل هناك بصيص أمل وكوة من النور:

أخبئ القمر المستور في لفافة الرمل

ألتصق بالمذياع إلتصاق الجمرة بالجمرة

في السطر اﻷخير اﻵنف، فإبراهيم لا زال منتظرا بزوغ الفجر وساعة الخلاص وإذاعة بيان الحب والذي سيحمل رقم واحد في قاموس العاشقين. وعند ذاك سيعود للغناء من جديد، ويعود الى لقاء مَنْ افتقدهم، وسيتحول مقام المدمي الحزين الى اغنية للفرح والسعادة.

3ــ الرحلة اﻷخيرة

الطيور الراقصة، المحلقة عاليا في السماوات السبعة لا ينبغي صيدها فهي الوديعة والصديقة والحانية، وأكاد أجزم بأني كنت من الداعين الى التآلف معها، بل كلانا كان على موعد مع ذلك السرب لنحلق معا، حتى سألتني في ذلك اليوم يا إبراهيم: ما رأيك لو نحط كما الطير على إحدى قناطر المدينة، فقلتُ لك لا بأس فالندامى لا زالوا هناك ينتظرون وحانة الخمر ليست بالبعيدة، غير انك ترددت في اللحظة اﻷخيرة وأظنك كنت على صواب، فعسس الليل هم ذات العسس، والبطش واحد والقسوة واحدة، ولم يتغير شيئا رغم تبدل الحكم ومجيئ سلطة جديدة، فها هم منتشرون بين درابين المدينة وأزقتها، يبحثون عمَّن أربكهم وأقضى على مضاجعهم، لذا أرجأنا سفرة الروح ومتعتها الى مساءات أخر، وما كان منا الاّ أن نفترق ويمضي كل منا الى غايته، منتظرين لحظة إصطفاء القلوب وهدأة النفوس واﻷهم خلو الشوارع من أعدائها.

لكنك وفي غفلة لم أكن أتوقعها، قررتَ تغيير مسارك فبديت كما الذي أدرك ساعة رحيله رغم  عدم اكتمال شروطها، انه حدسك المبكر. ليلتها ورغم إضطراب الوضع اﻷمني رحت مودعا مدينتك التي أحببتها وأبيت مغادرتها. طرقتَ بيت فلان، لم يرد عليك أحدا، أعدتَ الطرق ثانية وثالثة، حتى قيل لك وبعد إلحاح: لقد سافر ولدنا الى جهة لا يعلم بها حتى الله، ثم أعطيته العذرا فالحال ليس بالمطمئن، وسيفلح مَنْ يشد رحاله قبل طلوع الفجر ويحسن قراءة طالعه، كذلك له القدرة على إكتشاف النوايا الخبيئة والخبيثة. هذا ما علمتنا إياه أنظمة القمع والتسلط، ولعله كان درسا هاما في كيفية مقارعته والوقوف بوجهه.

بعد برهة قصيرة من التفكير توقف ابراهيم فجأة ليعيد النظر فيما سمعه، إذ لم يعجبه ردّا كهذا، فكان على صديقه الاّ يغادر، ثم راح متسائلا في سره: كيف تم ذلك وأنا على مقربة منه، بل اﻷقرب اليه من شريان قلبه؟  إعتصره اﻷلم ليبدو حينها كما الماسك على جرح سينزف بعد قليل. عَبر زقاقين حتى بلغَ بيته. عَلَّقَ رقبته وناظريه بثبات ملفت نحو هدف بعينه، انه مَرْبَعْ طفولته، سيترك هناك أخوة لم يصلوا بعد عمر اليفاعة. تسائل في سره: كيف لي تركهم وحيدين هنا وفي مدينة تضربها الوحشة والغربة.

في لحظات كهذه وبينما كانت إحدى الحافلات تمرق من أمامه، إستعجلها التوقف ليستقلها صوب مكان لا يعرف كنه لكنه يعرف اين تقع  تلك البلاد التي يسمونها نينوى، وأين يسكن آشور بانيبال، ملك الجهات اﻷربعة، حيث المجد والكبرياء والشموخ الذي تباهى به وتباهينا به من بعده. لم يبلغ ابراهيم هدفه ولم يدخل مكتبة آشور العامرة والنابضة بالتأريخ والحضارة العريقة، فقد سقطت الحافلة كما جاء في اﻷخبار في واد سحيق، أو ربما إرتطمت بأخرى بعد أن أغشى الليل سائقها. لا يهم كل ذلك ففي الحالتين انتهت رحلة إبراهيم وحياته، وانتهت معها مسيرته الشعرية ومن قبل أن يُكمل مشوارهما.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

احمد الشيخاويللكاتبة خيرة جليل

في مجموعتها التي انتقت لها عتبة "سر يعلمه الرجال فقط"، الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، طبعة 2019، تطالعنا المبدعة المغربية خيرة جليل، بمنظومة أقاصيص تجود عن هوية الأنثوي، وتحاول الانتصار لوجود المرأة، إجمالا، مسلّطة الضوء على جملة من الأوبئة المعششة في الذاكرة، وكل فصول تلك المغامرة السردية تتم بأسلوبية عالقة مابين المعجم الخفيض الذي يعتمد نبض الشارع ونثاره، وتبصمه لغة البساطة والسلاسة والقريب جدا من الفهم العام، و مستوى الغموض المقبول الذي يمنح شعرية للسرد، ويضخ دماء جديد في شريان النص الحداثي الموقع بإيقاعات المد والجزر والتشاكلات الأجناسية.

نقتطع للناقد العراقي بعضا من تقديمه للمجموعة، إذ يقول: [الاستهلال في القصة بداية محفزة للقارئ وعلامة اصطلاحية يستعان بها في القص، لتوصيل دلالات توضيحية لما يريده القاص في مساعدة القارئ لرسم صورة بينة وواضحة لموضوع القصة.

ولعله من أهم الأشياء التي يمكن أن تجذب القارئ بعد العنوان، للاستمرار في القراءة.كذلك يعتبر الاستهلال البوابة للدخول إلى عالم القصة، وفي الوقت ذاته هو إبداع لنصوص موازية لجسد القصة.وقد صورت لنا المقدمة أو الاستهلال الذي ابتدأت به الكاتبة خيرة جليل لقصتها "سر يعلمه الرجال فقط " مدخلا لطيفا ومحفزا لينفذ من خلاله القارئ إلى تيمة القصة، وكانت إشارة جميلة تعبر عن قدراتها الإبداعية ومهاراتها اللغوية].

حاولت خيرة جليل من خلال مجموعتها التي بين أيدينا، ترتيب زخم الأوراق الحياتية في اختلاطها مابين المجتمعي والعقدي والوجودي، بحيث استطاعت تقديم مقاربات جديدة لمتتالية من الظواهر التي تمس الحضور الأنثوي بشكل مباشر، فأسهبت في جرد فلسفي يدحض كتلة من المفاهيم المغلوطة التي كرّستها الذاكرة الرجولية، إزاء الوجود الأنثوي.

فناورت بالعاطفي موبخة راهن الاغتصاب، وصاغت المواقف الملتزمة المتجذرة في ثقافة الانتماء والذود عن أقدس القضايا العربية والإنسانية، ونهلت من خلفيات التواصل الألسني، ضمن سياقات إنسانية صرفة، كما هو الشأن بالنسبة لقصة تهديها لروح الإيرانية ريحانة التي أعدمت لأنها قتلت مغتصبها، على حد تعبير صاحبة المجموعة.

تقول: [بكت وانهارت لكنها استجمعت قواها وكافحت ونجحت وتخرجت محامية وعزفت عن الزواج لأن ذلك الرجل ما هو إلا ذئب يقتنص لحظات نزواته في نظرها . مرض وانهيار صاحباها طيلة حياتها، لم تستطع التحرر منه لأنها ترى أن قصتها تتكرر كل يوم أما عينيها، والمساطير القانونية معقدة ولا تساير تطور الجرائم . والمغتصبون يجتهدون في اقتناص الثغرات القانونية. عادة ما يكون القناص في هذه الجرائم قد درس خطته لاستدراج الضحية بحبكة وذكاء حتى يضمن لنفسه الخروج من القضية كخروج شعرة من العجين، بكل براءة تامة ويطالب بتعويض مادي لجبر الضرر النفسي والمعنوي له إن جرته الضحية أمام القضاء بالمحاكم](1).

إن ذلك التنويع في المواضيع التي تكتب عالما موازيا، تتنفس من شقوقه الذات المبدعة أفقا للرقي بهوية الأنثوي، وحضور المرأة المختنق براهن أبجديات قوامة النوع الآخر، من زاوية إقصائية، لا تكميلية محققة لأضرب التلاقح والتفاعل والتناغم.

ومثله من ميكانزيمات آثرت خيرة جليل، استحضارها في بث طقوس هذا المنجز، لهو من ابرز ما يُحسب لها بكل تأكيد.

نقتطف لها قولها، أيضا: [إنهم يقتلون الأطفال مثلك لأنهم رمز المستقبل، إنهم يقتلون النساء لأنهم رمز الخصب والعطاء واستمرار المقاومة ، إنهم يقتلون الشباب لأنهم روح المقاومة، إنهم يقتلعون أشجار الزيتون بعد أن قطعوا عنها مياه الري فقررت أن ترتوي بدماء الشهداء وتنتج زيتونا تسيل زيته لتصنع قناديل المقاومة حين يقطعون عنهم الكهرباء، ويصنعون منه مرهمات حين تحرق جلودهم بنار القذائف](2).

إنها طاقة التخييل الذي يثري النفس الردي في التحامه بخطاب فروسي حماسي تحريضي، حتّى في غمرة السمو عن الواقعي، هناك ترجمة ما، يدشنها مثل هذا الانخراط في مستويات رمزية للمفارقة، وكأني بالقاصة تحرّض من ينفقون " فحولتهم" في غير محلها، استئسادا على المرأة العربية عموما، عليهم توفير ذلك وتوظيفه في أرض المقاومة ضد السياسة الصهيو/ أمريكية، والوقوف الفعلي في صف الشهداء ومن نذورا حياتهم للدفاع عن قضية العرب الأولى : فلسطين وأرضها وشعبها المضطهد.

نقرأ لها كذلك: [بعد أن قضى وطره منها تمدد بنشوة وحبور في سريره بينما هي قامت واقفة بعد أن كانت جالسة على الطرف الآخر للسرير ..مد يده فأغلق هاتفه النقال وأشعل سيجارة من النوع الممتاز ليمتص دخانه إلى آخر نفسه وينفثه بارتياح نحو سقف الغرفة الفخمة بهذا الفندق المصنف من درجة خمسة نجوم.

التفت نحو عشيقته ليدعوها بغنج ودلال، بينما هي عائدة من الحمام تلف نصف جسدها الأسفل بفوطة بيضاء ناعمة ونصفه الأعلى يتصاعد منه بخار الماء الساخن وقطرات الماء مسترسلة من أعلى وجهها نحو أسفل ذقنها لتسقط على نهديها العاريين](3).

هي ذي حواء في إحدى تجليات الغواية، ما أكملها وأقواها حين تفهم على أنها أبرز العناصر المحققة للتوازن والتكامل والتناغم مابين النوعين، بحيث لا تجنى قطوف ذلك بسوى الطواعية والتراضي ونبذ وصايا الذاكرة المضغوطة بتاريخ الاستبداد والهيمنة الذكورية.

إذ الأولى، وبعض تيمات المجموعة تعانق قضايا العروبة الأولى والمقدسة، نهج إستراتيجية تعيد للمرأة رمزيتها وحريتها وكرامتها وقدرتها على إنجاب الشهداء والأبطال، بدل استنساخ جحافل المتربصين بهوية الأنثوي، وكيف أنهم لا يألون جهدا في تلطيخ حضور النوع الناعم، بفحولة زائفة وفروسية مقنعة، تتغنى بالذاكرة الأصولية التي تهضم المرأة ابسط حقوقها وامتيازاتها.

بذلك تكون المجموعة، إلى حدّ ما، قد فاقمت أسئلة الأنثوي، وهيّجت بعض مفاهيمه في زمن تجاوز القضايا المقدسة المتوقفة على ثقافة الفحولة والفروسية العربية.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

......................

هامش :

(1) مقتطف من قصة " ريحانة " صفحة26/27.

(2) مقتطف من قصة " عائدة إليك يا غزة " صفحة42.

(3) مقتطف من نص " لذة " صفحة 52.

 

تارا ابراهيمترددت في كتابة هذه المقدمة ونشرها في يوم مناهضة العنف ضد المرأة التي في الحقيقة لا تعني لي شيئا كون مناهضة العنف في هذه البقعة من العالم التي تعتبر من أشرسها ضد المراة أمر شبه مستحيل..في هذا اليوم البائس، تزداد فيه الندوات والفعاليات والخطابات لدعم المرأة ..في مجتمع قبلي عشائري يتم فيه إضطهاد المرأة الضعيفة الهشة التي ليس لديها خيار آخر غير الخضوع للعادات والتقاليد البالية وفي الوقت نفسه، تحارب فيها المرأة القوية المتعلمة والمثقفة كون الرجل الشرقي لا يود أن تكون المرأة ندا له..فكيف اذا للمرأة ان تطالب بحقوقها؟ لانها إن فعلت فهي في الحقيقة تثقل من أعبائها وتزيد من مسؤوولياتها، ففي كلتا الحالتين هي الخاسرة...

بعيدا عن الترهات التي ترددها المنظمات المدنية والحركات النسوية والناشطين في حقوق المرأة، هل هنالك شيء تم تحقيقه  في هذا المجال؟ طبعا الموضوع عميق وحساس جدا وله أبعاد مختلفة يجب ان يتم دراستها فعليا وليس فقط نظريا...ولكن السبب الحقيقي الذي دفعني أن أكتب هذا المقال هو سماعي وبالصدفة لاغنية فرنسية لكاتبها ومغنيها (بيير بيريه) الناشط في حقوق الانسان والمرأة بالذات.. فأغاني هذا الفنان مستلهمة من الواقع وكتبت كلها كقصائد تحرك المشاعرالانسانية.. فكرت حينها ما هو دور الفنانين والذين يطلقون على أنفسهم فنانون ملتزمون بقضية المرأة ومعنيون بكل مشكلاتها، فالفن له دور كما السلاح.. اخترت ان أترجم القصيدة الثانية بعد قصيدة "الصغيرة الكوردية" لهذا الفنان التي غناها بشكل رائع.

الى امرأة مضروبة..

حتى الموت بإسم الحب ضُربت

يبدو أنه أمر شائع هذه الايام

وظيفة المرأة ليست بسهلة

عندما تكون زوجة رجل صعب

لكن التي يدينها بتهمة الخيانة

لازالت تحب هذا الحطام

الذي يضربها بكل عنف

*         *          *

في مركز شرطة الحي

امرأة متورمة وزوج

يقفان أمام ضابط

يتنهد الضابط ويقول "أنت مجددا؟!

زوجك الحاضر ، سيدتي العزيزة ،

يدعي أنك تختلقين المشكلات

لماذا تصنعين كل هذه الدراما؟

أنت لا تبدين  امرأة سيئة!"

*         *          *

زوجك يدعي أنك تقتصدين من

النسيج الذي يخفي منحنياتك

في ضربه لك هو فقط تهدئة لاستيائه

ارجعا إلى السرير

كل المشكلات تحل على الوسادة

فالجيران لن يحتجوا

لمعرفتهم سبب صراخك و آهاتك...

*         *          *

لطالما أن الاعتداء حميد

الجروح المفتوحة أو الكدمات ،

بالنسبة لنا نحن الشرطة

التعليمات ليست الا قليلة..

إذا كتم انفاسك تحت اللحاف ،

إذا خنقك بيديه ،

يمكننا فتح التحقيق حينها ،

على الاقل لن تموتي من اجل لا شيء!!

*         *          *

لجميع النساء اللواتي يتعرضن للضرب

ولجميع النساء اللواتي صمتن ويصمتن

اللواتي ضربن حتى الموت من قبل أحمق قذر

أهدي هذه القصيدة

***

د. تارا إبراهيم

 

نجاح العرنجي شاعرة سورية لها حضورها المتميز على المسرح الثقافي والاجتماعي، فهي اضافة لتجربتها الشعرية، فهي ناشطة اجتماعية لها حضورها الفعال في حركةة المجتمع اليومية، من خلال مشاركاتها الثقافية في اكثر من مجال  ثقافي، صحي تعليمي، اجتماعي، ومشاركتها في اكثر من محفل ومهرجان، حيث انها كثيرا ماتركت بصماتها  وتاثيرها في المتلقي، ونحن اليوم  زوار لمشهدها الشعري لنقف على جانب من جوانب تجربتها الشعرية الثرة  وقد وقع اختيارنا على قصيدة زائر الماء والتي عنونتها بعنوان ارى فيه  ثريا قصيدتها وعتبتها الحقيقية اعني بذلك عنوانها (رحلة نحو الغد) وهو بصغته هذه مفتاح النص الذي سيحملنا الى فضائه لنستكشف عالمه الذي خباته الكلمات، وكما نرى ان هذا العنوان قدجاء بقسمه الاول جملة اسمية تدل على الثبات والحقيقةوهذا ما يراه الرازي، فكما ترى فهو مكون من كلمة زائرٌ  نكرة عرف بالاضافة الى ما يمثل زمنا محدودا موصوفا وهو المساء، وهو بصيغته هذه يمثل نصف الحقيقة ويحتاج الى ما يكمله حيث تركت الشاعرة امر ذلك الى المتلقي وما يمكن ان يتحصل عليه من خلال قراءته المفهومية للنص ف(زائرالمساء) في  القراءة النحوية يجوز فيه الوجهان فهويمكن ان يكون مبتدا وعندها علينا بالبحث عن خبره، او ان يكون هو الخر وعلينا ان نجد له عن مبتدا

وبمهارة استطاعت الشاعرة ان تاخذ المتلقي الى الدهشة والبحث عما يكمل العنوان وهو ما يمكن ان نستكشفه اونكون منه على قرب، واما العنوان الذي ارى انه هو العنوان الرئيس، فقد جاء ايضا جملة اسمية  لتاكيد الثبات والاستمرارية  وهو كزائر المساء  يجوز فيه الوجهان وان كان كونه خبرا مبتداه محذوفا قصدا، يستوجب العمل على كشفه واكتشافه من خلال النص، وهو يوحي بان الشاعرة تقدم لنا تجربة ذاتية، تستشرف بها المستقبل من خلال ما تقدمه من من رؤى وافكار وما تنسجه من علاقات فنية وجمالية جعلت من نصها لوحة رائعة من العلاقات الانسانية، فهي تبدا نصها بالضمير _انت_ لتعلن لنا باننا اما م تجربة ذاتية تهنتم بما يجيش في النفس من انفعالات  ودوافع  واحاسيس، وهي ثابتة مستمرة في جريانها نحو المصير عبر الزمن المتاح،رغم ان وجودنا غامض مبهم غير واضح فهوشبح لانعرف كنهه، الاعندما نكون في احبولته وجها لوجه، وهذه الرؤية تمكنت من صياغتها بالاستعانة بخيالها الشاعري الذي انضجته التجربة الفنية، اتي امدت النص بمقومات الجمال الفني، والصورة الشعرية المحملة بالاحاسيس والوجدان، فنرى المقصود شبحا وهومع ذلك ملثما دلالة على عمق الهوة النفسية المركبة التي يعيشها الانسان وهو يسير في حياته نحو مصيرمجهول، سيزوره فيه يوما ما زائر المساء، وهذا مايؤهل النص بان يكون لوحة  تصور الضمير الجمعي، من خلال استدعائها لاسرار الحياة الخفية التي نعبر عنها بانفعالاتنا وما يظهر علينا من علائم الفرح والحزن والضيق والسعادة، وشتى انواع العواطف التي تفرضها المواقف التي نجد انفسنا وسط ساختها   طوعا اوكرها ، وهي في نصها تمارس تجربتها الذاتية من خلال ما تعيشه من تناقض بين الخير والشر اللذان لايد للانسان منهما  بل هما جزء من التكوين الوجودي للكائن  الانساني ( ونفس وما سواها الهمها  فجورها وتقواها) فهي بممارستها للتجربة الشعرية بلغة شعرية جميلة  كلماتها توحي وتشير اكثر مما تعبر، كما يرى اودنيس، أي انها لغة خالقة للاشياء بطريقة جديدة، جمعت بين الجدة والجمال والاندهاش والسؤال، والنص في مكوناته اضافة جديدة لتجربة شعرية لها حضورها الابداعي يستشرف مستقبل الواقع المعاش وما يمكن ان يكون فيه من تغيير، وما ينتج عنه من تاثير في حياة الفرد والمجتمع، فالشاعرة في نصها وبكلماتها المباشرة توحي بخطابها بانها تتحدث عن ذاتها الخاصة بينما قراءة النص تكشف بانها تستبطن بالحديث عن الاخرين بصيغة المفرد أي انها تستشرف مستقبل الجميع،

زائر المساء

 رحلة نحو الغد

***

انت شبح مبهم يتراءى في خاطري

عيناك الشاخصتان

وسفرنا وسط الزحام

الى مركز الكون

في ذاك الجمع المهيب

كنت لي وحدي

كما انا لك وحدك

كنا نتراقص فوق المجرات

وتنحني أغصان الياسمين

لتخفي شغف السنين

يا انت ولست لي

لنا الأفق. وما وسع المدى ذكريات

شبحك يتراءى من بعيد

ربما ملك رحيم

وربما شيطان رجيم

بل ربما سحابة هبت عليها رياح بحريه فبعثرت ذراتها القرمزية

يااا انت ولست لي انت بحر خضم زاجر يعب عبابه

انت صدر مملوء أسرار

انت شبح ملثم بلثام الغيب والابرار

هل ترفع عن وجهك هذا. اللثام في لقاء لنا قبيل المغيب

على صخرة الشاطىء في ايلول

إن لنا آمالا كبار ا

تدركها انت. كما. انا

والوقت إحتضار

وتمضي الايام

نجاح. حسين. العرنجي**

***

رسائل. سريعة

وقبل بداية الطريق

***

أحزم حقائب الحزن

وأحمل سلة اوهامي

اعانق المدى

والحافلة تشق عباب العاصفة

العمر قصير

والطريق طويل

والخيبات في تزايد

.....

قالت لي العرافة

والأصداف المتكسرة

تنثرها برشاقة

إن للغد جمال مختلف

فلا تقلقي..وابتسمي

.....

كيف أبتسم لزعاف عنقائي

يسيل في أحشائي منذ

بداية التكوين..؟..!

...

ألا ايها القدر

إن لم تمهلني ادركني

...

من اين اجيء

بفكرة

تمحوني

وتكتب لي حياة اسيا في قصرها

وعشتار في عشقها

والدرب إلى العاصمةبعيد

وتمضي الأيام

نجاح حسين العرنجي**

***

احمد زكي الانباري

 

عدنان الظاهر (إستئناف الود بعد قطيعة وفراق)

هل أنتِ حزينة؟ لم ترد. كررت بأدبٍ سؤالي فلم أحظَ بجواب. قلتُ طيّب، فلتظلَّ على صمتها فلقد طالما عوّدتُ نفسي على تقبّل وتحمّل أشباهه. سأكتب لها بعد منتصف الليل رسالةً متأنيةً ستذكِّرها حتماً بعالم الرومانس والأحلام الوردية واللازوردية وستجعلها تُعيدُ النظر في مسألة اللون الأسود والملابس السود التي لا تحمل لي إلاّ الحزن ومشتقاته وأخواته. عجيبٌ أمرُ هذه السيدة التي أراها [أعني صورتها... لم أرها ولم نلتقِ بعدُ] تملأ حياتي وبصري وبصيرتي... أراها واقفةً شاخصةً أمامي مثل تمثال آلهة الرومان والإغريق. فعلامَ صدّها وصمتها وإفتعال الغيبات الصوفية؟ لِمَ لا تردُّ على أسئلتي كأنها لا تسمعني بل ولا تراني. يا للعجب! سأكتبُ لها فكتابة الحروف أيسر وأخف وأهون من نطق هذه الحروف. ذلَّ مّن يغبطُ الذليلَ بعيشٍ / للمتنبي، فهل ذليلٌ ذاك الذي يسأل ولا يحظى بجواب؟ أفلم يقلْ الجواهري في إحدى فتيات الجيك في مدينة براغ: ذُلُّ السؤالِ جرعتهُ / فبخلتِ حتى بالجوابِ؟ أجل، تجرعتُ ذلَّ أسئلتي لكنَّ صبري لا حدود له، إنه أقوى من صبرِ أيوبَ صاحبِ بدر السياّب الذي قتله بعض العراقيين على جسر المسيب وألقوا بجثته في ماء نهر الفرات. لاقى قبله ذات المصير كلٌّ من الحسين بن منصور الحلاج ثم عبد الكريم قاسم مع فارقِ أنَّ الماءَ غير الماءِ. جلست لأكتب لها رسالةَ أسئلةٍ ثقيلةِ الوزنِ مع عتبٍ شفاف خفيف فإنها أديبة مبدعة وخيالها خلاّق بجدارة. فلأكتب لها رسالة تليق بمستواها عندي ولدى قرّائها. فتحت جهاز الكومبيوتر فكدتُ أفقد صوابي بل وتماسكتُ حتى لا أسقط على الأرض فتتكسر أصابع كفيَّ كما حصل معي قبل أقل من عامين. ماذا وجدتُ على شاشة الكومبيوتر؟ رسالة قصيرة منها، السيدة الإغريقية صاحبة الرداء الأسود، لم تفارقها عيني حتى حفظتها في صدري كما يحفظُ الأعمى أغانيه أو آيات الذكر الحكيم.

[حبيبي الغالي أنا أبداً لم أنساك أنت دائماً في قلبي..

وأبداً ماعددت علاقتنا انتهت، ولكنني كنت أنتظر حتى تهدأ ويزول غضبك وتشتاق لحبيبتك (سين) كما هي مشتاقة لك دائماً

بحبك كتير

سين ميم].

فارقني ذهولي فعدتُ لسؤالي إياه: هل أنتِ حزينة؟ علام السوادُ فيما ترتدين؟ ظللتُ أسال وتردد الجدرانُ صدى سؤالي: هل أنتِ حزينة هل أنتِ حزينة هل أنتِ حزينة؟ سقط رأسي على منضدة الكومبيوتر وبقيتُ كذلك لفترة قصيرة، وحين رفعتُ رأسي وجدتني أكتب لها (سين ميم) رسالة جوابية لم أضمنّها السؤال الأسود:

[رسالتك يا حبي جعلتني أشعر أني بقيتُ ذاك الرجل الذي كان يقدسك جسداً وروحاً ويطيفُ بك وبكافة أركانك الحبيبة ركناً ركناً وزاويةً فزاوية.

أنت الكريمة وأم الكرم خلقاً ووفاءً وإبداعاً فكيف إرتضيتُ فراقك لسبب غير وجيه وقد ظلمتك يا حبيبة الروح والعقل ووجهتُ إليكِ ضغوطاً لم تكوني لتحتملينها وكنتُ أجهل ظروفك يا حياتي فها أنا أعتذر لك وأحسُّ بخجل أكثر من مُضاعف وأقف أمامك كالمذنب الذليل يا من أحببتُ حبّاً جمّاً وكرست لها الكثير من وقتي وجهدي وأخيلتي وما يفوق التصور من صباباتي وحبي ووجدي وهيامي بها وجهاً وقلماً وروحاً ثم صبراً لم أرَ له شبيهاً في كافة نساء العالمين.

فمن أية طينة جبلك ربك حتى يقاطعك عاشق مثلي يتمناك حلماً فإذا أنتِ أنتِ نعم أنتِ معه تكلمينه وتجاملينه وتبادلينه أشواقه وبعض عرام غرامه وتولهه بك حقاً لا مجازاً.

كيف ظلمكِ مَن أحبّكِ وسعى إليك وللتواصل معكِ بشتى السبل والوسائل في دنياه وفي أحلامه وكنتِ الطفلة لي والحبيبة والسيدة التي كنتُ ولم أزل فخوراً وأفتخرُ بها وكنتِ الطفرة الكبرى في الحياة البايولوجية والإنسانية.

صورك معي وبعض رسائلك فكيف أظلمك يا نبيّة النبيات وكيف أنساكِ يا من قدّستُ إلى أبعد حدود الحب وأحببتُ إلى أقصى درجات التعبد والتقديس يا نور عيوني؟

ما أعظمك وأنت تعودين للرجل الذي يهواك عودة النبية لأحضان خالقها وقد حسبتك ناسية وسالية بما أنتِ فيها من ظروف متقلبة سريعة التبدل والتحول فإذا بك تلك السيدة المتألقة القوية الجميلة الوفية الكثيرة التواضع تواضع القادرات المقتدرات مليكات الرحمة وسيدات العفو.

أحبكِ... هل يكفي أن أقولَ لكِ أحبكِ؟

أكتفي بهذا القدر اليوم لأنَّ البحر الذي طغى وماج حولي وفي صدري يكاد يخنقني بكل ما فيه من ماء وملح تراكم في فترة الغياب

أحبك يا حبيبة.]

ما أنْ أتممتُ كتابة رسالتي الطويلة هذه حتى أطلّت سين ميم على شاشة الكومبيوتر بطلعتها البهيّة ووجهها المشرق الباسم الجليل التعابير... كانت بحجاب رقيق أسود اللون شديد الشفافية يغطي رأسها. لم أرها قبلاً بالسواد. أصابني الذهول ثانيةً فأنا بطبيعتي لا أحتملُ ذهولين في ساعة واحدة. سقط رأسي مرةً أخرى أمام صورتها في الجهاز فسمعتها تقول بنبرة ملائكية لا مثيل لها في عالم النغم: إنهض حبيبي، إرفعْ رأسك عالياً كما عرفتك دوماً وكما عهدتك. إرفع رأسك ولا تحزن فالحزن والذهول لغيرك ليس لك. سأرد غداً على رسالتك الطويلة... سأكتب لك رسالةً قصيرة فالنساء يتكلمن كثيراً لكنهنَّ يكتبن قليلاً... على الضد من حالة الرجال فهم يتكلمون قليلاً لكنهم يكتبون كثيراً. تمتمتُ مع نفسي قائلاً: أحسنتِ... أحسنتِ... هذا أحد الفروق بين الأنثى والذكر.

حين أفقتُ من حالة ذهولي ـ حسب طلبها ـ صرتُ أتساءلُ: ومتى يأتي هذا الغدُ الموعود، متى؟

يا ليلُ الصبُّ متى غدهُ

أقيامُ الساعةِ موعدهُ؟

وبالفعل، وفت حبيبتي بالذي وعدت ولم تخلفْ هذه المرة ولم تمطلْ. لقد تغيّرت... غيرها الفراق والغضب وتعلمت منهما درساً سوف لن تحيد عنه. وجدتُ رسالتها في أجهزتي بعد يومين كما قالت. كتبتها بعد منتصف الليل فمتى تنام حمامتي ذات الرداء الأسود، متى؟ كتبت كعادتها بإختصار:

[مساء المحبة وجمالك أيها الغالي...

اعترف أنّ غيابك الطويل وغضبك الشديد أحزنني بحق،ولكنني كنت أحترم مشاعرك وغضبك،وبقيت أنتظر أن تصفو لي من جديد،فأنت غال عزيزي على قلبي،ولاشك عندي في أنّ علاقتنا سوف تعود في أقرب فرصة؛لانها قائمة على المودة والمحبة،وليس بيننا إلا كل محبة

وقضية اللقاء التي أفسدت علاقتنا أحزنتني بحق

ولكنني لا ازال أحلم بأن أقابلك في القريب...

يبدو أن عيناً من العيون اللئيمة التي تحسدنا على مودتنا هي من أصابتنا بالحسد،ولكن لا مشكلة محبتنا انتصرت حتى على العين..

بحق منذ زمن لم اعرف أخبارك.

أرجو أن تخبرني عن جديدك وظروفك وصحتك بالتفصيل..

لقد اشتقت بحق أن تكتب شيئاً جديداً عني تغيظ به الكارهين والذين يتمنون انقطاع علاقتنا

بحبك كتير

سين ميم]]

صرختُ من أعماق أعماقي: الله ! الله ! ما أروع هذه الفتاة التي يفتت كلامها الصخرَ وما في الصخر وما تحته. من أي معدن جبلها ربّها هذه المليكة نبلاً وطهراً وجمالاً وفتنةً في تواضع وسحراً دون دلال وغنج؟ تحفظكِ الأقدارُ والسماواتُ والأنوارُ يا (سين ميم). تحفظك من عين كل حسود وحسودة ومن شرِّ النفّاثات في العقد والنفّاثين وترعاك آلهةُ الإغريق أجدادك والرومان. هل أشكرها على هذا الكرم الخلقي والتصرف السامي؟ أجلْ، تركتُ لها رسالة قصيرة مع سؤال: هل تسمح لي بإجراء مقابلة معها وتوجيه سؤال محدد واحد لها؟ كتبت على الفور: لا مانعَ لديَّ.

يا ملاكاً يفيض فيه وحوله فضاءٌ بلونٍ أسودَ حزين إسمه رداء: ماذا عن الحب في حياتكِ الشخصية؟

[أنّا مخلوقة من الحبّ، وهو حلمي الملحّ. فكرت في العشق ألف مرّة، وحضّرت له الهدايا وأطواق الياسمين، وبحثتُ عنه طويلاً، وصرّحت للأهل والأصدقاء بأنّني أبحث عنه، وانتظرته، وتخيّلته يأتي من الجهات كافة، وتساءلت طويلاً كيف سيكون من سأحبّ؟! لكنّه ما جاء بعد، على رغم أنّني ادخرتُ له أشواق العمر وحكايات العشق ولحظات التمنّي]. هكذا أجابت سين ميم... أجابت بكل صراحة ونقاء دون مداراة أو إلتواءات فما أعظمها من سيدة مبدعة في عالم القص والأدب وما أروعها إنسانةً تواجه الناس والكائنات بتلقائية طفلة وبراءة نبية. هل من سبيل إذاً إلى التنازل عن سواد ما ترتدين يا صبيّة النبيات ومليكة المليكات؟ أرجوكِ حاولي. السوادُ حزنٌ وإنْ سبى العبادَ كما قيل قديماً فيه. لم تردَّ ولم تُعلّقْ سيدة البهاء المطلق.

ومرَّ أسبوع هو الدهرُ بعينه وعيانه جاءتني بعده رسالةٌ منها تطلبُ فيها مني أنْ أصف لها زيارتي الأخيرة لبريطانيا. ماذا أكتب لها عن هذه الزيارة وقد كانت طويلة متشعبة معقّدة التفاصيل والبرامج؟ سألتها متى تود إستلام جوابي؟ قالت سريعاً قدرَ المستطاع. فكّرت طويلاً وفكّرتُ عميقاً: ما هي حدود هذا المستطاع وماذا يعني بالنسبة لرجل مثلي وفي مثل أحوالي وأوضاعي؟ ما هي حدود إستطاعتي ووزن إمكاناتي ونوعية قدراتي؟ على كل حال، سأحاول، سأبدأ

[طاب نهارك عزيزتي / كوني بخير وعافية وصحة...

أسعدتني رسالتك الأخيرة التي قرأتها حين كنتُ في بريطانيا حيث قضيت أسبوعين متميزين وكم كنتُ أتمناك وأتمنى أنْ لو كنت هناك معي وخاصةً حين زرت المعرض المُقام في الصالة العليا لمبنى مكتبة مدينة شفيلد الحكومية حيث المنحوتات الرخامية المنوّعة المنحوتة حسب مختلف نظريات فن النحت... فضلاً عن اللوحات الزيتية والمائية قديمة وحديثة. دخول المعرض مجاني وكنت أزور هذه المكتبة يومياً تقريباً لا لأقرأ الكتب والجرائد فيها ولكن لأتمتع مع أحد أجهزة الكومبيوتر التي توفرها المكتبة لزائريها مجاناً... يُمنح الراغب بإستخدام الكومبيوتر فترة ساعة واحدة قابلة للتمديد ربع ساعة عند الضرورة وحسب إزدحام أوقلة الراغبين. لم أرَ في مكتبات أوربا مثل هذا الترتيب أبداً ولا أعرف وضع المكتبة المركزية في برلين.

ثم تمنيتك لو كنتِ معي في زيارة عائلة عراقية في مدينة مانجستر في وسط إنكلاند التي تبعد عن مدينة شفيلد بمسافة تقطعها الحافلة بساعة

وعشر دقائق فقط.

إتفقنا على يوم وساعة وصولي قادماً إليهم من

شفيلد ـ حيث مقر إقامتي ـ لكنَّ صديقي فتح موضوع ماذا أريد من طعام للغداء؟ سؤال حرج يزعجني ولا أريد سماعه أصلاً.

رفضت الإجابة عن سؤاله لكنه ظلَّ يُلح فأُضطررت أنْ أقول له: أحب السمك المشوي !

قال تدلل... كعادة العراقيين. قال سيكون هذا خيارك أما نحن فسنهئ أكل باجة عراقية...

أي روؤس وكراعين والسنة الخراف. قلت له هذا كثير... ستبور إحدى الأكلتين.

قال لا عليك. كلْ ما يعجبك واترك الباقي لنا. وبالفعل جاء الطعامُ وليتكِ كنتِ الحاضرة بيننا تُضيئين المكانَ بسحرِ نورِ عينيك وشخصيتك الجذابة وذهب سنابل شعر رأسك ولكنتِ مثلي أحببتِ طفلتهم عائشة بنت العامين. بعد الغداء جاءت الحلوى: بقلاوة تركية لم تعجبني ثم التمور والبودنك وأشياء أخرى كثيرة. طلبت الشاي العراقي الثقيل فجاء ثقيلاً فعلاً فعببت منه كوبين كبيرين. كان نهاراً رائعاً متميزاً طلبوا مني المبيت لديهم على أن يأخذوني بسيارتهم الخاصة إلى مدينتي شفيلد فاعتذرت وأصررتُ على الرجوع إلى شفيلد مساء.

قبل تلك السفرة قضيت أمسية جميلة في بيت الدكتور كولن وايت الأستاذ البريطاني الذي كنتُ قد أجريتُ معه ابحاثاً في حقل الكيمياء لمدة ثلاث سنوات في جامعة شفيلد. كانت زوجته (جين) نجمة الأمسية بشخصيتها الظريفة وما أعدت لنا من طعام وكنت قدمت لها زجاجة عطر فاخر من نوع   Estee Lauder وهو عطري المُفضّل. في نهاية اللقاء أخذني وايت بسيارته إلى مكان إقامتي في الفندق.

ثم زرت جامعة شفيلد حيث لي ما زال فيها العديد من الزملاء والأصدقاء من أساتذة وفنيين وفنيات فضحكنا وتبادلنا النكات والذكريات وتناولنا الكثير من أقداح القهوة.

كما قمت بزيارة مدينة ليدز الجميلة وهي أقرب لشفيلد من مدينة مانجستر لكنَّ حرارة الجو يومذاك عكّرت عليَّ زيارتي فعدتُ إلى شفيلد قبل الموعد المقرر.

كما قضيت اوقاتاً طويلة في أحاديث تلفونية مع صديق قديم يعيش في شمال مقاطعة ويلز مع زوجته الإنكليزية سوزان [عادا إلى هناك من أمريكا قبل بضعة شهور بعد أنْ أمضيا هناك 15 عاماً]. لديهم بيت في شمال ويلز وحديقة واسعة وكراج يصلح أن يكون داراً للسكن لذلك ألحَّ عليَّ صديقي دكتور إبراهيم الخطّاط لأن أزورهم وأبقى معهم لأي فترة أشاء فاعتذرتُ. سأزورهم لا محالة في وقت آخر. أما المتعة الكبيرة الأخرى فكانت من حصة صديق وزميل قديم آخر من أيام التدريس في جامعة بغداد... إلتقينا في مركز المدينة واتفقنا أنْ أزوره وزوجته الإنكليزية فاليري في يوم محدد فزرتهما وكان ولدهم الأكبر وعائلته هناك ليساهم في الترحيب بي. صديقي دكتور نوري هذا مريض للأسف الشديد لذا رفضت عرضه في أنْ أترك الفندق وأُقيم معهم في بيتهم الكبير خاصةً وإنهما وحدهما منذ زمن طويل فكل أولادهم تزوجوا وانفصلوا. لقد دأبتُ في السابق على أنْ أزورهما وأقضي معهما شهراً كاملاً كل عام ولفترة عشرة أعوام متصلة.

الجو هناك أكثر برودة من المانيا لذا لم أخلع عني سترتي أبداً. نعم، أمطرت السماء مطراً خفيفاً مرتين ولم يدم المطرُ إلاّ لبضعة دقائق.

في أيامي الأخيرة هناك كنتُ كثير الشوق للعودة إلى ميونيخ لذا كنتُ كمن يعدُّ الدقائق والثواني.

السفرة بالحافلة من شفيلد إلى مطار هيثرو إستغرقت خمس ساعات ثم تلتها فترة إنتظار إقلاع الطائرة خمس ساعات أخرى لذا كدتُ أنفجر من الضجر وساعات الإنتظار.

فوجئتُ ونحن نستعد لدخول الطائرة أنَّ علينا خلع ما علينا من سترات وما في أقدامنا من أحذية بل وحتى أحزمة البناطيل !!! فتشوا الحقائب الصغيرة التي تُحملُ على الأكتاف وصادروا بعض الحاجيات الصغيرة قليلة الأهمية وخاصة الدهون والسبراي وكل سائل فيه غاز حتى مليّنات الوجه واليدين !!

هكذا هي الحياة عزيزتي سين: حلوة ومرّة. بيضاء وسوداء. مَسرّة وكآبة...نضجرُ من السفر لكننا سَرعانَ ما نحنُّ إليه بعد حين... ولسوف نرى متى وإلى إين ستكون سفرتي القادمة.

أشعر بالأسف أني لم أسمع صوتك فأود أنْ أقولَ لك بإمكانك الآنَ مكالمتي نهاراً ومساءً... صبحاً ومساءً... وفي أي وقت تشاءين حتى لو كان الوقتُ فجراً.

أكتبي لي عن حياتك وعما أنجزتِ من أعمال أدبية وأين صورك الجديدة التي وعدتيني بها؟

أنتظر منك سماع أخبارك]].

ملاحظة: أخبار هذه الزيارة كنتُ قد أرسلتها إلى عدد من المعارف والأصدقاء.

 

عدنان الظاهر

20.10.2009

 

 

 

جودت هوشيارفي 15 سبتمبر 1955 صدرت عن دار نشر "اولومبيا برس" الفرنسية رواية "لوليتا" لفلاديمير نابوكوف باللغة الانجليزية، ولكن سرعان ما تم حظرها في انجلترا والولايات المتحدة، ثمّ في فرنسا. وكانت عدة دور نشر اميركية قد رفضت نشر الرواية بسبب موضوعها الشاذ والشائك، الذي اعتبرته انتهاكا صارخا لبراءة الطفولة.

ان اقل ما يقال عن هذه الرواية انها ايروتيكية. وربما كان مصيرها النسيان السريع، على غرار الروايات العاطفية المثيرة التي تخصصت "اولومبيا" في نشرها، لولا ان نسخة من الرواية وقعت بيد الكاتب الانجليزي غراهام غرين (1904- 1991) الذي نشر مراجعة لروايات عام 1955 الصادرة باللغة الانجليزية، وقال ان "لوليتا" واحدة من افضل ثلاث روايات صدرت خلال ذلك العام،مما أثار غضب الكثيرين ومنهم الصحفي البريطاني جون غوردن الذي نشر ردا شديد اللهجة على غرين، واصفا "لوليتا" بانها رواية قذرة.

وعلى اثر ذلك اشتد الجدل حول الرواية في الاوساط الأدبية الانجليزية والفرنسية، وربحت دار نشر "اولومبيا" دعوى قضائية اقامتها ضد حظر الرواية في فرنسا، مما مهد الطريق لرفع الحظر عنها في انجلترا والولايات المتحدة. وكان كل ذلك اشهارا واسعا لرواية مثيرة للجدل عن الحب المحرم. وعند نشر الرواية في الولايات المتحدة عام 1958 تصدرت على الفور لائحة افضل الكتب مبيعا . واصبح اسم كاتبها على كل لسان،بعد ان كان معروفا فقط في اوساط المثقفين الروس المهاجرين، ولدى الباحثين في الأدب الروسي . وكانت "لوليتا" الرواية الثانية عشر لنابوكوف والثالثة التي يكتبها بالانجليزية . وربما هنا يتبادر إلى الذهن تساؤل مهم، هل كان الكاتب الروسي شبه المغمور سينال الشهرة العالمية لو لم يكتب هذه الرواية . وكان نابوكوف نفسه يردد دائما: "لست شهيراً، لوليتا هي الشهيرة".

تشابه مثير

رجل مثقف في منتصف يتذكر قصة حبه الجارف لصبية تبلغ الثانية عشرة من عمرها، تحمل علامات واضحة وجذابة لمراهقة مبكرة . كل شيء يبدأ عندما يسافر البطل – راوي القصة – الى الخارج، ويستأجر غرفة في منزل احدى السيدات . وفي اللحظة التي يقع فيها بصره على ابنة صاحبة المنزل يتعلق يها، ويستعبده سحرها، دون ان يعير اهتماما لفارق العمر بينهما . وتنتهي القصة بموت الفتاة الصغيرة. ولكن الرجل يظل يتذكرها الى آخر يوم في حياته .

نحن نعرف ان اسم هذه الفتاة "لوليتا" ونعرف قصتها . ولكن المؤلف ليس نابوكوف، بل الكاتب والصحفي الألماني هاينز فون ليشبرغ (1890-1951) .

مقال مثير

في مارس 2004 نشر الباحث الأدبي الألماني البارز ميكائيل مار– المتخصص في ادب نابوكوف - مقالاً في صحيفة "فرانكفورت الجماين" تحت عنوان " ماذا عرف نابوكوف؟  "سرعان ما ترجم الى الانجليزية ونشر في ملحق التايمز الادبي، أشار فيه الى ان نابوكوف استعار فكرة رواية "لوليتا"، وحبكتها، وحتى اسم بطلتها الرئيسية، من قصة قصيرة للكاتب الألماني " هاينز فون ليشبرغ، الذي اصدر عام 1916 مجموعة قصصية تتألف من خمس عشرة قصة تحت عنوان "جوكوندا اللعينة " بضمنها قصة بعنوان "لوليتا".

وثمة اوجه تشابه عديدة بين العناصر الاساسية لرواية نابوكوف وقصة ليشبرغ : غرفة مستأجرة في الخارج، رجل في منتصف العمر مهووس بصبية متقلبة المزاج، في الثانية عشرة من عمرها، ويقيم علاقة حميمية معها، وتنتهي القصتان بموت " لوليتا" .

اثار مقال ميكائيل مار ضجة في الاوساط الادبية الاوروبية والاميركية . وادعى بعض الباحثين المتخصصين في ادب نابوكوف، ان كل هذه العناصر المتشابهة مجرد مصادفات، وهذا امر قد يحدث احيانا في العديد من الاعمال الأدبية . وكان نابوكوف يقول انه لا يعرف اللغة الالمانية .

The Two Lolitas - اللوليتان

وفي عام 2005 أصدر ميكائيل مار كتابا صغيرا باللغة الالمانية تحت عنوان "اللوليتان"

ويقصد بذلك لوليتا نابوكوف ولوليتا ليشيرغ، أورد فيه معلومات جديدة عن العلاقة بين الكاتبين الروسي والالماني، ومدى تأثر نابوكوف بقصص زميله الالماني. وقد ترجم الكتاب فور صدوره الى الانجليزية والفرنسية ولغات أخرى .

ومنذ ذلك الحين لم يهدأ الجدل حول هذا الموضوع، وان كان يخفت لبعض الوقت، ويشتد من جديد مع اكتشاف معلومات جديدة عن علاقة نابوكوف المباشرة وغير المباشرة بليشبرغ وعائلته.

اكتشافات مار الجديدة

لم يكتف مار بتحليل "اللوليتين"، بل قام باستقصاء واسع وبحث طويل في الأرشيفات الالمانية، للوقوف على مدى معرفة نابوكوف للغة الالمانية وعلاقته بأسرة ليشبرج، والقى المزيد من الاضواء على هذه المسالة في الحوار المطول، بينه وبين الكاتب الروائي والمسرحي الالماني المعروف "دانييل كيلمان" الذي نشر نص المقابلة في مجلة " شيشرو " الالمانية، ثم في مجلة " باريس ريفيو " الشهيرة عام 1916 .

وقد اكد الباحث الالماني ان نابوكوف كان يعرف الالمانية جيدا، ولكنه لم يكن يعترف بذلك . وهذا امر في غاية الغرابة، إذا علمنا ان نابوكوف قد ترجم بعض مؤلفات يوهان غوته و هاينرش هاينه من الالمانية الى الروسية. كما قام بمراجعة وتدقيق الترجمة الالمانية لاحدى رواياته، وتصحيح الأخطاء اللغوية والاسلوبية فيها

واعترف نابوكوف في مذكراته المعنونة "تكلمي ايتها الذكريات" بأنه قرأ اعمال توماس مان وفرويد بالالمانية . ان من يترجم من الالمانية، أو يصحح النصوص المترجمة الى هذه اللغة، لن يجد صعوبة في قراءة مجموعة قصصية المانية.

من المعروف ان نابوكوف قضى خمسة عشر عاما في المانيا بين عامي ( 1922-1937). وتوصل الباحث الى ان نابوكوف وليشبرغ كانا يقيمان في الحي نفسه في برلين، وان نابوكوف كان يستأجر غرفة في منزل سيدة تمت بصلة القرابة الى ليشبرغ، الذي ربما كان يزور قريبته . ويكاد الباحث يجزم بأن نابوكوف قد قرأ مجموعة قصص "جوكوندا اللعينة ". وكان ليشبرغ كاتبا على هامش الأدب الالماني، وصحفيا برز خلال العهد النازي بعد

وصول هتلر الى السلطة . ثم طواه النسيان تماما، قبل اكتشافات مار المثيرة .

في عام 1937 كتب نابوكوف رسالة الى زوجته فيرا يتحدث فيها عن صاحبة المنزل الذي اقاما فيه من عام 1929 الى 1932 . وهذا يشير الى ان علاقة نابوكوف لم تنقطع بصاحبة المنزل خلال السنوات الخمس التالية .

هل يمكن القول اننا امام عملية انتحال؟. من الصعب تأكيد ذلك، حتى لو افترضنا ان نابوكوف كان على دراية بقصص ليشبرغ، لأننا لو تتبعنا اعمال نابوكوف الادبية لوجدنا ان صورة الحورية الصغيرة لم تكن تغادر خياله. وقد رافقته لفترة زمنية طويلة، وكان يعود اليها بين حين وآخر .

ثمة اشارات في العديد من اعمال نابوكوف الشعرية والنثرية، الى الحورية الصغيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قصيدة (ليليث) التي كتبها عام 1928 عندما كان يعيش في برلين، وهي تتناول قصة حب متخيلة بين الراوي وبنت على عتبة المراهقة ..

وفي عام 1933 نشر تابوكوف رواية " الكاميرا الغامضة" عن قصة حب مؤلمة لرجل بالغ لصبية صغيرة، وكذلك رواية " ادا" التي تتناول قصة حب مماثلة حيث تستسلم صبية صغيرة في الثانية عشرة من عمرها لزميلها (فان)، الذي يكبرها بعامين. ولنابوكوف رواية قصيرة بعنوان " الساحر " كتبها في باريس عام 1938، ولم تنشر خلال حياته . وكانت آخر رواية كتبها باللغة الروسية . وقد قام ابنه ديميتري بترجمتها الى اللغة الانجليزية في عام 1986 ونشرت في العام التالي، وهي ذات حبكة مشابهة لرواية "لوليتا" . ومن حقنا ان نتساءل هل كان نابوكوف نفسه مهووسا بالحوريات الصغيرات؟

اوجه التشابه العديدة بين اللوليتين لا يمكن أن تكون محض مصادفات . ومع ذلك لا يمكن اتهام نابوكوف بالانتحال المتعمد، بل اننا امام عملية اعادة صياغة لحبكة قصة ليشبرغ، وتحويلها الى عمل فني كبير وممتع. وهذا هو التفسير الأكثر ترجيحا للتشابه المدهش بين (اللوليتين).

 

د. جودت هوشيار

 

 

محمد غانيفي حياتنا اليومية وفي سفرنا الوجودي نلتقي أناسا كُثُر، منهم من نوطد علاقاتنا بهم بحكم العلاقات الاجتماعية المتفاوتة رُتبا، تفاوتا كبيرا، ومنهم تبقى علاقاتنا بهم باردة لاننا لا نعرف عنهم الكثير او لاننا لا نلتقي بهم بالضرورة الا نادرا.

لا شك ان هاته العلاقات البشرية ثروة ولاشك، ان هي استثمرت من كلا الجانبين، وذلك بالحفاظ على المشترك، والبحث عن الابعاد الانسانية التي يمكن ان تتقوى، فنقويها ونجعلها تشتد لتصبح اكثر صلابة، لكن مع الانتباه الى ان الاناس الكُثر الذين نلتقيهم في طريقنا اصناف تتباين درجاتهم في الغباء والذكاء، كما في الانانية والايثار،و تختلف رتبهم في الاعتراف والجحود، كما في الرجولة والخذلان، الى غير ذلك من المتقابلات الاخلاقية التي يمكن ان يتحلى بها بنو آدم حُلا اخلاقية.

يعبر عن بعض ذلك الاديب الانجليزي ويليم شيكسبير في حكمة بليغة قائلا: "ستواجه صنفا لا يفكر الا بنفسه، وآخر يخذلك في منتصف الطريق، وآخر  ينكر معروفا لك وكأنه لم تعرفك يوما" ومن خلال المواقف التي يتخذونها، يمكن ان تعرف مكانتهم لديك ومكانتك لديهم، فمن المواقف من يترك اثرا نفسيا جميلا في نفسيتك لا ينسى أو العكس، لذلك يعبر نفس الاديب الانجليزي عن هذا المعنى فيذكر أن موقفا واحدا يمكن ان يختزل آلاف الكلمات.

التعامل مع الآخر له قواعد ينبغي في النهاية ان لا تلهيك عن هدف السفر الوجودي لذلك ينصحك ويليم شيكسبير بأن لا تسمح لأي مخلوق ان يحبطك لا فكريا ولا عمليا ولا عاطفيا، لا تسمح لهم ان يأخذوك الى زاوية التعساء، لان الاقتباس وصف انساني لاصق، كل يبحث عمن يقتبس المزيد لكن ينبغي التركيز على أي مدد نود اقتباسه، فالاحبة يسقون بعضهم بعضا مدد المحبة، والتعساء يسقون بعضهم مدد اليأس والتعاسة، لذلك فلينظر كل أحد من يخالل.

ان السعي من اجل اقتباس المزيد من الطاقة الروحية للسير قدما في طريق الحياة ينبغي ان يكون سعيا واعيا بالهدف والمقصد منه، والا اصبح سعيا حثيثا للامتلاء من اجل مجرد الافراغ دون تحقيق للاهداف، انها فلسفة الزاد والرحلة والرفقة والطريق، والتي يخبرها المسافرون من دربتهم في الميدان.

رجال خبروا سير الحياة لا بد من الاقتباس من اناراتهم، التي تركوها علامات تشوير على درب الحياة، يعلن الحكيم الانجليزي وليم شيكسبير عن اهمية الصبر في مسيرة الحياة قائلا "مساكين من لا يتحلون بالصبر، فأي جرح هذا الذي لا يلتئما لا بشكل تدريجي".

يبقى النهوض بعد السقوط من اهم مبادئ السير على الطريق والذي تعلمناه منذ نعومة اظفارنا، ذلك انه لولاه لما كنا نمشي في يوم الناس هذا، فلولا اننا تعلمنا المشي قبل الوعي بخطورة السقوط الذي كنا نسقطه من ذي قبل، خلال تعلمنا للمشي لما استطعنا المشي أبدا، لكن سنة الحياة هي ضرورة النهوض بعض السقوط، هذا المبدأ جعله شكسبير اول سمات الرجال حيث عبر عنه قائلا"معاودة الكفاح بعد الفشل يشير الى معدن الرجال".

 

د. محمد غاني، كاتب- المغرب

 

محمد ايت علوعُزلَةٌ في الدَّاخل وأخرى في الخارج، وكأنَّني مِنَ العابرين السُّراة ليلا، وقد اختَفواْ في أوَّل جُنْحِ الظَّلام مع المَطرِ والضَّبَـابِ الـكَثيفِ، إغترابٌ مُـتَعدِّد، وكَم تُؤَرِّقُني هذه الوحدة والـغُربة الـتي تَـجْتاحُـنِي وأَحْيَـاها، وكـأنَّهُ ليس لي عَنْها مهرب! وأصرخُ في عزلتي، ربما ضاقت الأرض، غريب أينما حَلَـلْتُ، أَدورُ في صَـخبِ الـذَّهاب السَّريع من مكان إلى مكان، غربة إعتدتها منذُ صغري، تنقلات تِلْوَ أُخْرى، وقد ضاقت مَلاعِـبي في آمَـالٍ مُـشَرَّدَة، سفـرٌ في كلِّ حين، ووجوهٌ بلا عدد، ومدن لا تنْتَهي، وضَجر ملازم، وجمر واحتراق، وسلام بلا أحباب، وحاضر فـي الغِـياب، ثم كأنك بلا أثر أو خبر مضخماً بقَـلقٍ بَـال، يأكلني الإغْـتراب حتى أَقْـسى الـتِّيه، يُؤلِمني الإجتـرارُ، فَـأَجـرُّ أَقْـدامي، وحيداً بِـلا أصحاب، وحيداً بلا أحباب، غَـريباً بِـلا أَهْـل، فَـمَا أَضْيَعَني....! ثم تَطول بي الطريق، نحْـوَ الآمال التي قطعتْ أعناق الرِّجال، كالسَّراب خانَ من رآه، وأخْـلَـفَ من رَجاه... ثم أجُرُّ أقدامي مرَّةً أُخْرى مـن سفَـر إلى سفـرٍ، سفر في الحنين، سفر في الأنين، وفي طول الغياب، يأخذني ببهْـجتي يُؤنِسُـني، يُناجِيني، يَهْمِسُ لي: طوبَى للغريب ومَرحى، ثم يَتَسرْبَلُ بي غيابي في هذه الحياة الغَريبة، منذُ حَمَلتْـنا في العربة من بين حقائب ماضيها..فأغيبُ....

أنا الضَّيفُ، أنا الطَّيْفُ، أنَا الغريبُ، أخرجُ كاليتيم ولم أتخيَّرْ واحداً من الأصحاب كيْ يُؤْنِسُني في رِحْلتي، لأبدأَ مِنْ جَديد، فَأُحَاوِرُني: مَنْ أَنْتَ؟ وما تُريد؟ كَمَن يبحَـثُ عن شيءٍ ضائعٍ أولاَ وُجودَ له، أو كمن يبحَثُ عن إِبْرَة داخِـل كَـوْمَة قَـش! داخِلِي يَـرْتَجِفُ بشكْلٍ بارد، أتساءلُ: مَا آخرالطريق؟ وهل عَـرفْتَ أَوَّلَـهُ؟ وفي الأخِير بقايا ذكريات لاَ تبكي ولا تبتسم! سنوات وسنوات بلا عَـدد ولا حِساب، والعمْرُ يمضي مثل السحاب، ولم أُعد أي جواب، فما أَضْيَعَنِي....

وكارْتِـجاجِ صَـدى في بئر، تتلاحقُ المَوْجات داخل جسدك، لترتَديَ إغترابَك منْ جَديد!

أنا الغريبُ، أسألُ نفسي ماذا أفعلُ هنا؟ أحياناً تُوَشوشُ في صَـدْرِي قـصص العابِرين في صَمت، وقد مَرُّوا مـن هُـنا دون أن يَـقولوا كَلاما، أو يصدروا سلاما، أو يَتْركوا وصايا، لكنَّهم كانوا يَـحلمون بحياةٍ جَـميلة، وبمطر دفَّاق، وبالخبـز والـورود، وكانوا يـتمَنَّون، ويودون أن يفضل الناس أطفالاً ضاحكِين للأبد...!لكن، ها نحن مازلنا نموت على الكآبة، ونحيا على الغِلِّ والحِقْـدِ وسوءِ الطَّـوايَا  والنَّوايا...!

أنا الغريب، أسألُ نفسي ومن جديد، ماذا أفعل الآن هنا؟

وما آخرُ التِّرْحال؟ وكلُّ شيءٍ ينهارُ، يذوبُ، يزول، وكأنه لم يكن...! كأنَّـهُ رَسْـمٌ على الـماء، أو نَقْشٌ على الرمال، وهمٌ محْـضُ سَـراب، مُتَـعٌ وحياةٌ مليئةٌ بالتعاسة، والعزلة، ممزوجةٌ بالكدر، وراحَتُها مَقْرونة بعناء، شدة ورخاء، نعمة وبلاء، ولا يدوم نعـيم ولاَ رخَـاء، ثُم هي تَـنْتَهي بسرعة البَـرق، متع مآلها الزَّوال... فمَـا آخرُ التِّـرحال، هذا هُو السُّؤال؟ هذا هُو السُّؤَال؟

أَحْفِرُ في ذاكِرتي...أنفضُ عنها غُبار الأسْفَار الطويلة..ومرَّةً أُخْـرى أَحُـطُ رحالي بشَطِّ الـغُرباء، ولم يكن هناك من وجه لِيُودِّعني يـوم رحلت، حتى يكون هُـنا وجه ليلقاني، ولا منديل يلوح لي...وكأنني سـندباد هذا الزمان، وكأني أكملت الرحلات السبع، وهاهي العـشر على الأبـواب، وكم أريد ...، وما عدتُ أخافُ الطريق، فأنا الغَريبُ...ثم نلتقي بعد سنين، فهل سيكون في العيون وجدها، أم نلتقي كالأصدقاء القُدامى يُودِّعون أو يسلمون في فتور؟!

أشعرُ بانقباضٍ لا أدري له سبباً عند كل رحيلٍ، وفي كل مرَّةٍ يتضاعفُ أكثر، وأشْعُر كأنه الوداع الأخير...! ثم أسأل نفسي: - ما دمت قد اعتدت وألفت الفراق، فلم الحزن...؟!

ها هو ذا هيكلي! فيا وحشة الغربة! ثم هُم قد يسألون: ترى هَلْ عاد من غربته؟ يا طولها من غربة! يا طولها شَوقُهُم المضطرب والألم، رعْشَـة مِـنْ وَهَجِ الجَلالِ، يتساءلون متى افترقنا؟ متى التقينا؟ أَذْكُـرُ ذاتـي، حـينَ أزورها تبعدني في خصام! فأجُـرُّ اغْـترابي، طَـريداً وحـيداً غريـباً ، ثم يطول بي الطريق، من سفر إلى سفر، سفـر في الحنين، سفر في الغياب، يأخذني ببهجتي، يتسربل بي، وقد أغيبُ عنه للأبد...

هذا أنا وهـذه متاعبي، كـما اليوم، كما الأمس، وأنت كما أنت، كـل شيء جاثمٌ مثل وحْـشٍ كاسرٍ حَطَّ على السَّفْح يترقَّبُ نهايته، فيعود للقمـة، ليستريح هناك! كِلانَا شيءٌ من الإحتمال...، قد نَنْزاحُ في هدوء...! وقد حل الأمس محل الغد، والسماءُ رمادية، وهذه الريح العاتية تُدوي بالشتات، تُوَزِّعُني بين مساءات باردة، هي قادمـة لا مـحالة. وما عـلي إلاَّ أن أستبشر...فقد يتناهى الغيث المدرارُ، وتنحث غمامها عند الوقوع على شبابيك النوافذ.

عُزلةٌ في الداخل وأخرى في الخارج، وكأنني من العابرين السُّراة ليلا، وقد اختفوا في أوَّل جُنْحِ الظلام مع المطر والضبابِ الكثيفِ، إغـتراب متعدد، وكم تؤرقني هذه الوحدة والغربة التي تجتاحُـني وأحياها، وكأني ليس لي عنها مهْـرب! وأصرخ في عزلتي، ربما ضاقت الأرض، غريب أينما حللت، أدور في صخب الذَّهابِ السَّريعِ من مكان إلى مكان، غربة تِلْوَ أُخرى، وقد ضاقت أبوابي ودروبي وملاعبي في آمال وأحلام مشردة...وهاهي الأدعيةُ المرضيةُ وها مَدَدُ الصَّبْر، وها هي ذي الإشراقاتُ تكتَنِفُني...

غيرذاك الباب،

مُحاولتي الأخيرة لأن أكون سعيداً!

وقد هيأت للتِّرْحالِ ــ من وجع الفؤاد ــ مراكب،

أَشُمُّ رائحةَ الاخْضِرار،يتَّسِعُ القلبُ،

يسكُنُني النُّورُمن بدايته!

أراه بروحي،وبقلبي أراه ويأْسِرُني!

يَحْملُني إلى آفـاقِـهِ الرَّحْبَـهْ،

ولن أخيب، هو البابُ الحَقُّ، حين تُسَدُّ كلُّ الأبْـوَاب...!

***

محمد آيت علو

 

ابو الخير الناصريمن الكلمات التي انحرف بها المنحرفون عن حقيقة معناها في لغتنا الجميلة كلمة "النضال" التي لم تعد عظيمة القدْر رفيعة الشأن كما كانت في أزمنة مضت، وصار مَنْ شاء يُطلقها على مَنْ شاء دونما تدقيق أو تحقيق، حتى لقد صار بعضُ الناس لا يستحيون أن يَصفوا أنفسَهم بالمناضلين وقد عهدنا المناضلين حقا يشتغلون بالعمل وبذل الجهد، لا بالصفة التي تشتهي أنفسهم أن يُحَلَّوْا بها.

لذلك رأيت أن أكتب هذه الكلمات في بيان معنى هذا اللفظ، لعل قارئا كريما يستفيد من هذا البيان فيَدعو لي بِظَهْر الغَيْبِ دُعاءً أنتفع به إن شاء الله عز وجل.

وردَ "النضال" في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بثلاثة معان:

- النِّضالُ: المسابقةُ في الرَّمْي.

- النضالُ: المباراةُ في الشِّعْر ونَحْوِه.

- النضالُ عنِ الشيء: الدفاعُ عنه.

وإلى هذا المعنى الثالث أشار صاحب "لسان العَرَب" في قوله: "ناضلت عنه نضالا: دافعت"، وهو معنى مستنبَط – وَفْقاً لمعجم الدوحة التاريخي – من قول كثيّر عزة مادحا عبدَ الملك بنَ مروان:

فلِلَّه عَيْنا مَنْ رأى مِنْ عِصابَةٍ    تُناضلُ عن أحْساب قَوْمٍ نِضالَها

انطلاقاً من هذا يمكن القول إن النضال هو الدفاعُ عن شيء أو أمر. إنه نوعٌ من النُّصْرة وبذل الجهد لتحقيق مقصد من المقاصد الشريفة، وفي بيت كثيّر إشارةٌ إلى ذلك؛ لأنه تحدث عن جماعة تُناضلُ عن الحَسَب، وهو من مناقب الإنسان ومفاخره.

وقد كانت العرب قديما تُناضل عن أعراضها شِعْرا، وكانت القبيلة تفرح بنبوغ شاعر من أبنائها «لأنه حمايةٌ لأعراضهم، وذَبٌّ عن أحْسابهم، وتخليدٌ لمآثرهم، وإشادةٌ بذِكْرهم» كما قال ابن رشيق في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده".

كان الشاعر الجاهلي مناضلا لأنه يدافع بأشعاره عن قبيلته، فيَحْمي عِرْضها، ويُشيد بذكرها في مواجهة غيرها من القبائل، وهو معنى جميل وجليل في السياق التاريخي الذي كانت القبيلة العربية فيه محتاجة إلى مَنْ يَدْفَعُ عنها العار بالشعر كحاجتها إلى من يدفعه عنها بالسيف. ولم يكن الشاعرُ يَسْأل حينئذ أسكان قبيلته على حق أم على باطل، فقد كان من حِكَم الجاهلية أن تنصر أخاك ظالما ومظلوما.

غير أن الأمر لم يستمر بهذا الإطلاق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصا بعدما قدم خاتم النبيئين معنى جديداً للنُّصْرة والدفاع عن الإخوان، فدعا إلى الدفاع عن الأخ إنْ كان مظلوما، وإلى زجره ومَنْعه من الظلم إن كان ظالما.

هكذا صار المراد بالنضال الدفاعَ عن المظلوم الذي حُرمَ حقا من حقوقه، كما صار من النضال أيضا بذل الجهد لزجر الظالم ومنعه من التمادي في الظلم، وهذا معنى ثانٍ للنضال لا ينتبه إليه الكثيرون.

والحق أن هذا المعنى المستفادَ من البيان النبوي لمفهوم نُصرة الإخوان هو المعنى الصحيح الذي استقر في أفهام الناس قرونا عديدة، لذلك عَدُّوا مناضلا مَنْ يدافع عن المظلوم المُعْتَدى عليه؛ فالمناضل مَنْ دافع عمّن سُرق مالُه، ومن سُلبَ حريتَه، ومن اعتُديَ على شرفه، أو اغتُصبتْ أرضُه...وليس مناضلا مَنْ دافع عن السارق، ومن استعبد غيره، واعتدى واغتصب...فالقضية التي يتجرد الشخصُ للدفاع عنها هي ما يحدد كَوْنَه مناضلا أم لا، فإن دافع عن الحق فقد ناضلَ، وإلا فلا.

هذا، ولا بد أن يصاحبَ الدفاعَ عن الحق تجردٌ له وتنزُّه عن تسخير هذا الدفاع سبيلا لتحقيق مصلحة شخصية، وإلا كان هذا المدافِع انتهازيا واستغلاليا؛ وذلك لأنه لم يقصد النضالَ، وإنما قصد ما وراءه من مصلحة خاصة.

ومن المؤسف حقا أن كثيراً من الناس في زماننا يرددون "النضال" و"المناضل" في غير المعنى الجليل الذي تقدم بيانُه، فصرتَ ترى كلَّ مَنْ خرج إلى الشارع حاملا لافتة وطالباً شيئا يَصِفُ نفسَه ويصفه أنصارُه بالمناضل، وكلّ من نظم مسيرة ورفع الصوت بالشعارات يوصف بالمناضل، مع أنه قد لا يكون له من النضال سوى الادعاء وانتحال الصفة.

وكم من مسيرةٍ نُظمتْ لم يكن القصد من ورائها الدفاع عن الحق وذويه، وكم من أصواتٍ رُفعتْ كان الداعي لرفعها قلة الحياء التي تمنح صاحبها جرأة على المطالبة بما يعلم يقيناً أنه ليس من حقوقه المشروعة.

 ولستُ أعجب لشيء كما أعجب للذين يُصفقون لهذه الأصوات وتلك المسيرات وهم يَعْلمونَ عِلْمَ اليقين أنها ليست من النضال في شيء.

ألا فلتعلموا أنكم بهذا الصنيع لا تُحرفون كلمة "النضال" عن موضعها ومعناها فحسب، ولكنكم تسهمون في إتلاف ما بقيَ في حياتنا من مَعانٍ جليلة، وشَرُّ العيش أن يعيشَ الإنسان بلا معنى !

 

أبو الخير الناصري

 

فيصل عبدالوهابجرت في جامعة تكريت\ كلية التربية للبنات في 20\11\2019 مناقشة أطروحة الماجستير عن التعالق النصي في شعر فاضل العزاوي للباحث عبدالخالق فياض علي حيث أورد في مقدمته تعريفات متعددة للمصطلح ومرادفاته وأوضح أن الناقد محمد مفتاح هو أول من استعمل مصطلح "التعالق النصي" بدلا من المصطلح الشائع "التناص"، ويبدو أن الباحث قد اعتمده في أطروحته كأساس دون غيره من المصطلحات وهو ما تساءلت عنه عضوة لجنة المناقشة د. نفلة حسن وعن السبب الكامن خلف ذلك. كما أورد الباحث ما اصطلح عليه في هذا الصدد في النقد العربي القديم ومنها "السرقات الأدبية" و"الأخذ" و"الإشتراك في المعنى" وغيرها. وقد انتقدت د. نفلة الباحث في ان تحليلات النصوص التي تناولها لم تظهر الجمالية فيها. كذلك نبهت الباحث إلى ما ذكره في المقدمة بأن فاضل العزاوي يعد في طليعة شعراء العصر الحديث وقالت يحسن أن يكون في طليعة الشعراء المعاصرين لأن الشاعر ينتمي إلى عصر ما بعد الحداثة كما نبهته إلى إهماله لناقدة عربية كبيرة هي سلمى الخضراء الجيوسي التي أطلقت على التعالق النصي "التضمين" أو "الإشارة". ثم أشارت د. نفلة إلى أنه بالإمكان وضع الموروث الديني ضمن الموروث الأدبي ولا حاجة للفصل بينهما مثلما قام به الباحث حيث يقول طه حسين أن الكلام يقسم إلى ثلاثة أقسام: شعر ونثر وقرآن، لأن القرآن أرقى أنواع الأدب. أما عن استخدام القناع فقالت الأستاذة أن القناع مرتبط بالرمز وبينما توجد مرجعية في التعالق لا توجد مرجعية في الرمز. كما انتقدت الأستاذة الباحث في اعتماده على كلمة "أنا" في ربط تعالق بين نص فاضل العزاوي ونص المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.. وقد لاحظت الأستاذة أن الشاعر يتجاوز في شعره على الذات الإلهية لذلك انتقدت الباحث في مدحه للشاعر في هذا السياق، كما لا ينبغي دراسة شخصية النبي نوح ضمن الموروث الأسطوري لأنه حقيقة وليس أسطورة. كما أن سيف بن ذي يزن ليس شخصية أسطورية لذلك لا يمكن دراسته وفق هذا السياق. ثم أشارت الأستاذة إلى أن الفصل الأخير من الأطروحة لم يكن متكاملا وليس له علاقة بالتعالق النصي وكأن الباحث قد كتبه على عجل.

وأيدت أ. م. أحلام عامل هزاع زميلتها في أن الأطروحة تخلو من الدراسة الجمالية وقالت ينبغي أن يكون عنوان الأطروحة: التعالق النصي في شعر فاضل العزاوي فقط وبدون دراسة جمالية. كما قالت أنها تفضل مصطلح التناص على مصطلح التعالق النصي. كما وافقت زميلتها بأن الفصل الثاني من الأطروحة وهو عن الموروث الديني ينبغي أن يكون قبل الموروث الأدبي باعتبار أسبقية القداسة. وانتقدت الأستاذة الباحث في أنه لم يوضح الحدود العامة للسرقات الأدبية. كما أشارت الأستاذة إلى وجود مقاييس عامة للجمال ينبغي اعتمادها بالاضافة إلى الذائقة. ثم اتفقت مع زميلتها بضرورة استبدال النصوص الشعرية التي تتجاوز على الذات الإلهية في شعر الشاعر الذي يدرسه الباحث. واختتمت الأستاذة نقاشها بالقول أن الباحث قد نجح في الكثير من المواضع في الأطروحة.

ثم شرع أ. م. د. عبدالله حسن جميل رئيس اللجنة في نقاشه بالقول أن على الباحث أن يلتزم بالمنهجية العلمية في الرسالة من بدايتها إلى نهايتها وأن يجتاز النصوص التي تتجاوز على الذات الإلهية فضلا عن ذكر كلمة "خلق" فهي من صفات الله تعالى. وقال كذلك ينبغي على الباحث أن يكتب الترجمات ويشمل الجميع لا أن يذكر البعض ويهمل البعض الآخر. وانتقد الأستاذ الباحث في اعتماده الواسع على موسوعة ويكيبيديا وإنما ينبغي أن يشير إلى المصادر المعتمدة. وقال أيضا على الباحث أن يهتم بتخريج النصوص من مصادرها الأصلية وأهاب الأستاذ بالطلبة بالتأني وعدم الاستعجال في كتابة رسائلهم الجامعية لتلافي كثرة الأخطاء. كما فضل الأستاذ استخدام مفردة "طالب" على مفردة "باحث" لأن شروط الباحث صعبة ولا يمكن حيازتها بسهولة حتى لطالب الدكتوراه فالمسيرة طويلة وشاقة. كما أنه قال أن مصطلح "طالب" ليس بالشيء الهين وإنما تحمل دلالات كبيرة.

وقد سأل د. عبدالله الباحث عن مغزى استخدام القناع في شعر فاضل العزاوي فأجاب الباحث بأن سجن الشاعر في بغداد قد فرض عليه أن يتقنع بقناع لمواجهة الوضع السياسي السائد آنذاك ، لكن د. عبدالله وجد تفسيرا آخر للموضوع بالقول هل هو مجرد الهروب من السلطة أو من نقد الآخرين أو أنه أراد أن يشحن النص بتقنيات وادوات فنية تجعل القاريء يبذل جهدا في سبيل الوصول للمعنى والتخلص من فجاجة المباشرة. كذلك سأل د. عبدالله الباحث عن الفرق بين التناص والتعالق فأجاب الباحث أن التناص يعني اقتباس النص نفسه دون تغيير لذلك فالتعالق أشمل من التناص، فقال د. عبدالله أنه قد وجد تناصا وليس تعالقا في الأطروحة فالأولى أن يكون عنوان الأطروحة "التناص" وليس "التعالق". كذلك انتقد د. عبدالله الباحث لاستعراضه تعريفات للنص دون أن يتمكن من استخلاص تعريف خاص به تظهر شخصيته فيه كباحث وقال ينبغي أن تكون له شخصية واضحة في الأطروحة في التعريفات واختيار النصوص وتحليلها. وقد اختلف د. عبدالله في رأيه بخصوص تقديم الموروث الديني على الموروث الأدبي الذي قالت به زميلتاه بأن عد القداسة ليست هي الموضوع في التقديم والتأخير وإنما الكثرة والقلة فيقدم الذي توفرت فيه تناصات أكثر وهو الموروث الأدبي.

كما لم يشر أي من الأساتذة المناقشين إلى قصر سيرة الشاعر في الأطروحة حيث لم يتاولها الباحث بشيء من التفصيل كي تضيء النصوص التي تم تحليلها وكان من المفترض التوسع فيها لما لها من أثر كبير في شعره وتوجهاته.

وفي نهاية المناقشة أثنى الأساتذة على الجهد الكبير الذي بذله الباحث في أطروحته المميزة وكذلك جهد المشرفة أ. د. لقاء نزهت سليمان في إدارة الأطروحة.

 

د. فيصل عبد الوهاب

 

محمد جهاد اسماعيلقمرٌ على بيروت، هو اسم المجموعة القصصية الكئيبة الجميلة، التي كتبها زياد عبد الفتاح إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان ومنظمة التحرير في 1982. شعرت أثناء قراءتي هذه المجموعة القصصية أنني أتواجد في بيروت الغربية، وأنني أعايش مع أهلها تفاصيل الحرب. فإذ بأنفي يشتم رائحة البارود والموت، وعيني تفجعهما رؤية الدماء والأشلاء، وقدمي تبرطعان في الشوارع على غير هدى، هرباً من السيارات المفخخة والغارات الغادرة المجنونة.

شعرت بهذا الاندماج الرهيب مع بيروت ومأساتها، لأن المؤلف أخذني في تطواف مؤثر، على يوميات الحرب ومشاهداتها. لأجد أمامي تفاصيلاً مثيرة، حول الحياة الاستثنائية الغير طبيعية، التي عاشها المدنيون والمقاتلون والمسعفون والباعة والعشاق والأطفال طيلة ثمانين يوماً أو أكثر. لقد أذهلني كفاح البشر في بيروت، وإصرارهم على افتكاك البقاء، من قلب قبضة الموت.

وجدت أثناء قراءتي هذه المجموعة القصصية أن عملية السرد أو القص تدور كثيراً، حول الملاجئ والملتجئين إليها. فكثير من القصص التي قرأتها تتخذ من الملاجئ مسرحاً لأحداثها. وقد شعرت مع ذلك أنني أمام جنس أدبي فريد، يجوز لنا أن نسميه أدب الملاجئ. 

رغم قتامة الملجأ ودلالته المحبطة، كونه ذاك الركن السفلي المشحون بالخوف والترقب والنوستالجيا. إلا أن المؤلف صنع منه مكاناً اعتيادياً ينبض بالحياة. ففي أحد القصص كانت هناك حفلة عرس بداخل ملجأ، حيث العروس تزف إلى عريسها، والمغني يغني، ونزلاء الملجأ يتقمصون الفرحة.

في قصة ثانية كان الملجأ هو السكن الدائم لموريس الأرمني، الذي بدا أمثولة في الإنسانية والفداء. لقد كان موريس ينبت دوماً من الملجأ كالأبطال الخارقين، ليغيث الملهوفين من ضحايا الحرب، ويسجل مواقفه الإنسانية النبيلة.

في قصة ثالثة رفض البطل أن يرافق حبيبته إلى الملجأ، فتركها تذهب وحدها. وبعد أن جاءت الطائرات ودكت الملجأ، اكتشف أن القنابل أذابت حبيبته وأفنت وجودها. فندم ندماً شديداً أنه فارقها، ولم يشاركها مصيرها.

في قصة أخرى قصد الفدائيون أحد الملاجئ، ليبحثوا فيه عن طرف خيط، يقودهم لمعرفة من يقف وراء السيارات الملغومة، التي تنثر الحتف في كل أنحاء بيروت الغربية. ثمة جاسوس كان في قبضة الفدائيين، وكانوا يتولون مهمتي تطبيبه والتحقيق معه في داخل الملجأ.

تتبدى لنا في القصص السالفة - بل في سائر المجموعة القصصية - الكثير من ملامح أدب اللجوء والملاجئ. لكن يبقى أعظم أثر للمؤلف هو قيامه بأنسنة الملجأ، من خلال تقديمه إياه في سياق سوسيولوجي مشوق. لقد أبدع المؤلف في أنسنة الملجأ، ونجح في تفعيله ونسج الحكايات حوله، رغم ما للملجأ من كينونة كهفية ستاتيكية، وإيحاءات مزعجة منفرة، يفر منها الكثيرون.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب فلسطيني

 

محمد صالح الجبوريوسائط النقل كانت قليلة، وخاصة في القرى والأرياف، في فترة الستينات، كان الباص الخشبي هو الواسطة الوحيدة في ذلك الوقت، وعندما يقترب موسم الحج يقوم الأهالي الراغبين بالحج بتسجيل أسمائهم، وشراء مستلزمات الحج، والتحضير للرحلة التي تستغرق عدة أشهر، تمر عبر الأردن وفلسطين والتوجه إلى الديار المقدسة، وخلال الرحلة يقومون بطبخ الطعام وغسل ملابسهم، الرحلة تنطلق بتوديع الأهالي والدعاء لهم أن يذهبوا سالمين ويعودوا غانمين، الرحلة البرية طويلة، وهذه كانت قبل نكسة حزيران عام ١٩٦٧م، كان جدي أحد الحجاج الذين كانوا في الرحلة، وقد بعث برسائل ورقية عن طريق البريد، كانت ترافق الحجاج بعثة صحية لتقديم العلاج لهم، وبعثة إعلامية لنقل رسالة الحج اليومية عبر الإذاعة تتضمن مقابلات وأخبار الحجاج، في هذه الأيام يقوم الحجاج بالعبادة والدعاء في هذه الأجواء الإيمانية، عند عودتهم يُستقبلون بالحفاوة والتكريم  من قبل الأهالي، عودتهم ميمونة ومباركة، ويقوم الناس بالسلام عليهم والدعاءلهم بالحج المبرور والسعي المشكور والتجارة التي لاتبور، يجلبون معهم الهدايا، ويقدمونها للزوار، وتنحر الذبائح بقدومهم، وتقام الولائم، ويُعم الفرح والسرور  ابتهاجاً بسلامتهم من كل مكروه. والحج فريضة وركن من أركان الإسلام، وحج مبرور وسعي مشكور للجميع، تحياتي لكم.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

قاسم ماضيللشاعر حامد حسن الياسري

ماء نهريك شهد

وقلبك نبض الوجود ص82

في نصوص الشاعر العراقي "حامد حسن الياسري" وهو الشاعر الحالم، والناقد والمثقف الكبير، والقائل وهو يلامس أبناء انتفاضة تشرين التي يعيشها أبناء الشعب العراقي الأن. وهو عاشق يعيش الحب والأمل .

تجاوزت حد التوقف

تقربت

صار مداري وطن لليتامى

اعتنقت النضال

وحدقت في وطني

ساعة الموت

والمنايا تدور عليها الأماني ص26

وقد عرفته عن قرب في مدينتي "الثورة" تلك المدينة التي ولدت ُ وترعرعتُ فيها، وهي مدينة لا تشبه المدن، ففيها الكثير من الفنانين والأدباء والفقراء وهو القائل " على الأغلب لم تتوفر الإمكانية المادية التي تساعد على الطباعة والنشر " ص3

هكذا كانت حياته، وكان دؤوبا في حركته بعيدا عن الأضواء، وهو من الذين رسموا معالم الدرب للأجيال السائرة في نفس الإتجاه الشعري والأدبي، عبر مخالطتهم وتوجيههم بالطرق الصحيحة .

لقد جاء يوم التوحد

والزحف

نحو المدى

والسماء ص26

والشاعر "الياسري" يكبرني بسنوات، وهو يعمل ليلأ ونهارا من آجل مناصرة المظلومين والفقراء وهو يعمل بصمت، كانه ملاكأ وطائرا يغرد من بين جيله الذي عاصره، الذي يطلق عليه جيل السبعينيات، له مشاركات في الصحف والمجلات، بالإضافة إلى مشاركاته العديدة في معظم المحافل الأدبية التي كانت تقام هنا أو هناك، وله صولات وجولات في عالم الإبداع الأدبي منذ نعومة أظفاره، ومنها الشعري الذي بصدد الكتابة عنها وإيصالها إلى القارئ، وبالذات عن ديوانه الصادر حديثا "وطني أي هذا الجنوب" الصادر عن دار زاكي للطباعة – بغداد ويقع في 95 صفحة من القطع المتوسط

.وانطلاقا من فلسفة "ما لارميه" والتي تقول أن تسمية موضوع القصيدة يحكم ثلاثة أرباع الاستمتاع بها "وبهذا رفض شاعرنا" الياسري " هذه الفلسفة وجسدها بإلتصاقه مع الواقع، لأن الموضوع يشكل سياقا تفهم القصيدة من خلاله، وان غياب الدلالة يكون مرتبطا بغياب الموضوع، ولهذا ظل الياسري وفي جميع قصائده مرتبطا بالواقع ومناصرا قضايا العالم، وهو الذي رسم قصائده المعبرة والتي تحمل الكثير من الدلالات، منطلقا من معنى كلمة قصيدة وهي قصيد وقصائد، وهي ضرب من ضروب الأدب العربي الذي طالما قسم إلى شعر ونثر .

وتخضر هذي السهول

وأن هواك هواء العراق

وجرحك جرح العراق ص84

والشاعر له تجارب عديدة في هذا العالم التنبؤي الذي يرسمه بدقة عبر صوره الشعرية التي تحمل الكثير من المقاربات في التشبيه والمعاني العميقة وكذلك الاستعارات،وان جراحة مستمرة لما يعانيه هذا الكون من ازمات، ويظل ينزف شعرا ًبلا ضجيج أو ادعاء، ويدور في فلك القصيدة سواءا كانت قصيدة عمودية أو تفعيلية، وهو الذي يعبر عن خلجات روحه الملتهبة بأنين ما يدور من حوله عبر قصائده الكثيرة التي تحمل الأنين والشجن والحنين .

يتفيأ فيه الشعب،

ويرقص فيه الأطفال ص33

والتي لا زالت عالقة في عقول محبيه ومتابعيه، وحين تتدفق كلمات أي شاعر ومنهم "الياسري" في هذا الكون المترامي الأطراف، لتعبرعن انتمائه لهذا الوطن المجروح، الذي لا يتخلى عنه ومهما كانت الأسباب، وهو وسيلة لنقل تراث أمته وثقافتها، والشاعر لصيق حالة ويؤرخ لمرحلة من مراحل البشرية من خلال إحساسه المرهف والمولع بحب الوطن،وحتى لا تغيب عن أذهاننا وحسب ما كتبه من سبقونا، بإن الوطن يسكن معظم الشعراء الذين تغنوا به ورسموا صوره في أذهان الآخرين .

" يكبر في أعماق الناس الفقراء

على مر الأزمان

نشيداَ يصدح للوطنية " ص38

والشاعر " الياسري " يبقى متواضعا كالأرض، مشرقا كالشمس، ولا يزال يعبر عن أساه، فهو إنسان مبدئي، لم تسجل في تاريخه إساءة لأحد رغم كونه واسع العلاقات، وفي بداية الديوان يقول الياسري في مقدمته " هذا الديوان يحتوي على عدة قصائد بعضها كتبت ونشرت في الصحف والمجلات في السبعينيات والبعض الآخر نشر تباعا ولم تطبع سابقا في ديوان لأن الوضع الثقافي آنذاك لا يسمح بالنشر " ص3

وانصب جسرا ً من الماء

فوق المحن ص83

ويبدو أنه تأثر بالعديد من الشعراء العرب، حيث كتب عدة قصائد عن قضية فلسطين في بداياته الشعرية التي وأكبت الكثير من الأحداث، وهذا يدل على قراءته الفلسفية التي شكلت لديه الكثير من الصور المختزنة في ذاكرته المتوقدة، ولا ننسى لم تكن الحياة الأدبية بعامة والحركة الشعرية بخاصة بمعزل عن الظروف، بل كان دورها الفاعل والمتواصل في رصد تلك الأحداث والتفاعل معهم، وخاصة جيل " الياسري " الذي كتب قصيدته الشهيرة المعنونة " قيامة الأقصى " ص67

سمعت صوتك في الأقصى وفي بلدي

وشفت جرحك مدمى واللظى بيدي

ايا فلسطين يا آلام أمتنا

ويا حجارة أهل القدس فاتحدي

وحتى لا يغيب عن بالنا أن مجمل قصائده التي كتبها في هذا الديوان هي بمثابة تحريك لذاكرة هذه الأجيال حيث ينحى في معظمها بإشارات قصيرة إلى فلسفته التي طوعها في مسيرة حياته التي رسم صورها الشعرية بصورة متقنة دفعتنا إلى رسم تصورات عدة في هذا الديوان، ومنها دقة الصنعة وتواصل المعنى وكذلك بإعتقادي تفسير المبهم، ولا ننسى النسق الموسيقي، فالصورة الشعرية اصبحت تقوم على حدود مغايرة تماما .

احلف " ببراءة يوسف "

عن ذنب لم يعرفه الناس

إذ اشتد الأمر ص36

والشاعر مارس الكتابة الأدبية منذ الستينات فنشر العديد من القصائد والمقالات في الصحف والمجلات العراقية، الراصد، العراق، المرفأ البصرية، أعد ملفا لمثقفي وأدباء ميسان لجريدة المرفأ البصرية عام 1978 .وله دواوين مطبوعة منها أقبال والذكريات عام 1972، جبل الزيتون عام 1988، مقتل الزمن الثالث، أحبك أيتها المجهولة 2002، كتب عنه مجموعة من النقاد والأدباء عن أعماله الشعرية ودواوينه المطبوعة، أعدت عنه ترجمة مستفيضة في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين في دولة الإمارات العربية المتحدة والذي يقع في ستة مجلدات ويضم تراجم إلى 1645 شاعرا عربيا .

 

قاسم ماضي - ديترويت