عمار حميديشكّل الحدث العامل الاساسي والرئيسي في عملية السرد، فهو الذي يعطي الصورة المتفاعلة للمكان من خلال الاحداث الجارية فيه، ولكن ماذا عن السكون؟ ماهي البُنى الصورية التي يستعين بها السرد عندما ينعدم الحدث في المكان ويملأه السُكون وماهي تفاعلاته وتأثيراته في المكان وهو الأمر المختلف تماما لحالة التفاعل مع الحدث في المكان؟

ان الحالة المناسبة لتصوير الاحساس بالسكون والتفاعل معه في المكان سرديا هو الأيحاء بأن لاتحرك ساكنا فيتولد الأحساس أن (السكون عمَّ ارجاء المكان) حسبما توحيه التعبيرات السردية.

للسكون احساس له مميزاته، وأول هذه المميزات هي انعدام الاحساس بمرور الزمن مقارنة مع الحدث (في حالة تسارعه مثلا) كما انه قد يعطي اشارة ايجابية للتفاعل وهو (الشعور بالهدوء) او تفاعلا سلبيا (الشعور بالعزلة والابتعاد) كما ان السكون يمكن ان  يمنح للأشياء الموجودة في المكان الخالي من الحدث قيمة أكبر لتأكيد وجودها بالمقارنة مع حالة طغيان الحدث الذي يجعل الموجودات ثانوية في المكان عبر عملية السرد.

كذلك تستعين عملية السرد في بعض الاحيان بالتصويرات المبنية على الحدث لأعطاء احساسا اعمق للشعور بالسكون مثل صوت دقات القلب او دقات عقارب الساعة في المكان الساكن او صوت الرياح القادمة من البعيد، اي انها تأثيرات حسّية تزيد من قيمة السكون وحجمه في المكان.

كما تستعين عملية السرد بأسلوب آخر يجعل من السكون امرا لاتُعرف قيمته الحسية الا بعد أنتفاءه عن طريق ادخال حدث قوي ومفاجئ الى المكان الذي يسيطر عليه السكون كأن يقال (شق الصراخ السكون الذي كان قائما) او (دخل الشخص واقتحم هدوء المكان)، وهذه الاحداث تنبه القارئ الى ان السكون كان ذا تأثير قوي في المكان قبل ان يدخل حدث أقوى في الصورة التي يقدمها السرد.

وبالعودة الى البداية في أن الحدث هو العامل الرئيسي في السرد وان السكون او انتفاء الاحداث يأخذ الحيز الأقل الا انه يبقى ذو تأثير مهم على القارئ وبدونه لاتوجد قيمة ذات معنى لتوالي الاحداث من خلال ربطها بالسرديات التي تتناول السكون وتوقف الحدث، بل ويمكن ان يكون السكون في عملية السرد حجر زاوية لنهاية احداث وبدء احداث اخرى من خلال احتواءه لعنصر التهيأة للحدث القادم.

 

عمار حميد مهدي.

 

674 تصير شمة 1فسحة مع الفنان وخبير الآلات الموسيقية الأستاذ ماهر الشريف:

الأمكنة بعطورها النادرة وتواريخها حيث الذاكرة تنبش في خرائط المسرات ..و هل ثمة مسرات زمن العولمة حيث محو الأنماط والسير بالكائن الى رقم متروك والأمكنة المفعمة بالوجدان الى متحف مهجور..يحضرني هذا وأنا في قلب المدينة التونسية العتيقة وتحديدا بحي باب سويقة العتيق وفي غفلة من الضجيج والأفتعال والكذب والوهم أمنح النفس الأمارة بالجميل والمحبذ والمطمئن شيئا من غفوات الذاكرة الخصبة..الأزة والأنهج والحوانيت وما تراكم في الذاكرة من تواريخ وأحداث ووجدانيات حيث البهاء سيد المكان والزمان..من ذلك وأنا أهم بفتح الباب والولوج الى حيز آخر من ذاكرة باب سويقة..تذكرت القصيدة الرائعة (أبعاد) للشاعر العراقي الكبير سركون بولص ومنها بالخصوص :

 " العازف في ركنه

يعانق عوده بوداعة كأنه يصغي

إلى بطن حبلى بينما أصابعه تعذّب الأوتار..."

نعم حدث ذلك وأنا أجلس الى رجل ذاكرة وفنان وحكاء من طينة أخرى ...حدثني عن المكان..باب سويقة عن أحواله بن الأمس واليوم وبحسرة الفنان والحرفي والموجوع بالآه تزحف على الأحاسيس تكشف شيئا من شجن الذات..يحنو على آلاته التي يصنعها ويتعهدها يحاورها ويسمع أناتها العالية...هي موسيقى من نهوند وصبا..

كان يحدثني عن حي باب سويقة بأدق التفاصيل ومن عقود طويلة الى يومنا هذا عن الثراء الثقافي والديني والمعماري والتقاليد والأسواق واللباس وعادات الناس وغير ذلك كثير فكان بمثابة حارس ذاكرة وحكاء ماهر...كيف لا وهو السيد ماهر الشريف الذي جعل من محله لبيع وصنع وتعهد الآلات الموسيقية المكان الهادئ الشبيه ببيت الحكماء بمثابة بيت الذاكرة أيضا ...فنانون من المرق والمغرب ومن العالم وفدوا عليه كخبير آلات موسيقية ..صور وذكريات ولقاءات الود والفن والصداقة لنذكر الفنان العراقي نصير شمة والفنان التونسي لطفي بوشناق ...مثلا..

خفة أنامله وهو يعزف أويصون الآلات وكذلك وهو يحدثك بحرقة الانسان المحب لبلاده والمكتوي ببعض أحوالها في أيام الخواء الاعلامي والتفاهات المتلفزة والسقوط القيمي وانحسار الثقافي والحضاري في البرامج والمنوعات وسط هيجان للرداءة ومشتقاتها في الفنون والآداب...يا حسرة على روعة وجمال باب سويقة..قالها وفي القلب لوعة وآه..

الحانوت بمثابة التحفة الفنية ما ان تدخل وتجلس ينتابك شعور بأنك في عزلة عن العالم الخارج ويالها من عزلة رائقة فيها السفر مع الجميل والثري والمفيد والمطرب والأخاذ..فسحة مع الذكريات حيث الذاكرة رواية مفتوحة على المدهش ...

674 تصير شمة 2

باب سويقة المكان والمكانة كنا نتحدث وتذكرت كلام المسرحي الراحل المنصف السويسي ذات لقاء معه بدار الثقافة بباب سويقة بنادي الأدب والفنون الذي كنت أديره في تلك السنوات من تسعينات القرن الماضي "...انا أجل منطقة باب سويقة فهي معقل من معاقل النضال الوطني وقديما منذ العهد الاسباني كانت هذه الجهة من مدينة تونس خلاصة هذا الانتماء التونسي ففيها كل الشرائح والرؤي والقيم ومنها التواضع ونبذ الوصولية فزعماء تونس وغيرهم من رجالاتها ونخبها من هذه البيئة ومنهم والدي عزالدين السويسي، فهناك بطحاء العجائب وأدباء تونس مثل جماعة تحت السور والمقاهي الغنائية كما في "الكافي شانطة" ومن الأسماء نذكر كرباكة وخليفة الاسطمبولي والهادي الجويني وشافية رشدي ومنور صمادح والصادق ثريا وغيرهم من الادباء والشعراء، حيث أسس بيرم التونسي جريدة المسلة، كما شهدت هذه الجهة من تونس الفداوي وهو الحكّاء المتجول أو ما يعرف بالمسرح السردي وصندوق العجائب والكراكوز ومسرح الدمي... كانت هناك انماط واشكال من الفرجة وقد امتزج ذلك بالنضال وبالمدرسة العرفانية والكتاتيب وهو ما جعل الروح الوطنية تنطلق منذ الطفولة. والدي عزالدين السويسي كان ينتمي لأسرة المسرح والصحافة، حيث كان هناك تداخل مهم بين الفنون والاعلام والأدب والنضال وقد اسس صحيفة الاخبار وفيها مواقف لا تروق للاستعمار آنذاك واسس ايضا اول فرقة محترفة وهي الفرقة البلدية للتمثيل العربي وهي الان فرقة مدينة تونس حيث كانت كلمة العربي في التسمية في ابعادها المعادية للاستعمار وقد لعب الاسلام دورا حضاريا رائدا في بعث الروح النضالية ضد الاستعمار وهذا كله ساهم في نسج كياني آنذاك..." .

نعم ان علاقة الفنانين بالمدينة متينة باعتبارها حاضنة ثقافة وتاريخ وعادات وتقاليد ولعل ذلك يشير الى ضرورة المحافظة على المدينة ومعمارها حيث تشهد في محيطها القريب بالخصوص نوعا من التشويه والسلخ عبر الفضاءات الفوضوية وخصوصا مشاهد التهرئة والانحسار وخاصة أمام البضائع المختلفة والكاملوت على عبارة الكاتبة سلوى الراشدي التي نشرت منذ سنوات مجموعة قصصية بعنوان " باب الذاكرة " بسطت فيه ما يتهدد المدينة العتيقة من اهمال وضياع واندثار ثقافي من ذلك ما يرد في الصفحة 27 من هذه المجموعة "...قد تتعثّر أحيانا في بضاعة مصنوعة بتايوان أو باليابان أو إيطاليا فتحثّ الخطى كأنّما تنشد المدينة العتيقة التي لم نبلغها بعد... ".. هذه المجموعة التي نعني " باب الذاكرة " على غلافها لوحة للرسامة سهير الراشدي ابنة الكاتبة وقد نشرت في 136 صفحة وفي طياتها 13 قصة : اغتراب حكاية ووشم ومن ذاكرة النسيان وبائع الكعك وهل وصل الساعي ومن ذاكرة عجوز دينا معمر ودع الباب مفتوحا وهل نلتقي وانسلاخ وحديث الحجارة وباب الذاكرة ومحطات وفي بلاد فولتار...

في هذا المكان الواقع بباب سويقة يمضي الفنان والخبير ماهر الشريف في شؤونه وشجونه لا يلوي على غير القول بالقيمة والعلو بعيدا عن السقوط والتداعيات المريبة والمربكة التي نشهدها اليوم في الحياة اليومية

 

شمس الدين العوني

 

"الرجل الذي يعامل المراة على انها ملكة دليل على انه تربى على يد ملكة اخرى"..شكسبير

تسعى المجتمعات الشرقية الى تقييد وتحجيم دور المراة واعادتها الى عهود موغلة في القدم تبيع وتشتري بحرية وكرامة المراة ،رغم ان الاسلام كرمها واغدق عليها الحقوق لتكون مصدر اشعاع والهام في الاسرة اولا والمجتمع ثانيا،لكن للاسف الشديد فما زالت هناك ترسبات من عهود خلت تحمّل المراة-الزوجة-اعباءا واحمالا لاتطاق تحت عدة ذرائع الغرض منها هو اذلال المراة ثم سد النقص عن طريق اذلالها..

ومن هذه العادات تسلط "الحماة" على الكنة واعتبارها ملكا صرفا مما ملكت يمينها ويمين ابنها،فتبدا بممارسة كل انواع القهر بكل مااوتيت من قوة لتسد نقصها وتصل حد الاشباع-هذا ان وصلته-،فلاتفتأ ان تتداول الالفاظ النابية من شتم وسب ولعن مستغلة ان "الكنة"لن تجيبها اما لان اخلاقها تمنعها من ذلك او لخوفها من الزوج الذي يفتك بها،خدمات على مدار اليوم،حرمانها من حقوقها الزوجية والانسانية تصل الى حرمانها من الدراسة والعمل والخروج وقد تصل الى منعها من زيارة اهلها،عد الانفاس عليها ومنعها حتى من الادلاء برايها ،اضف الى ذلك التعنيف الجسدي الذي تتلقاه من زوجها الذي لم يرمش له جفن وهو يرى كرامة زوجته تهدر بهذا الشكل..

هذه المخلوقة المغلوبة على امرها المستسلمة لقدرها في سبيل تربية ابنائها،تجد نفسها فريسة من قبل زوج لايحترم الحياة الزوجية وقدسيتها وحماة تكيل لها الكيل بمكيالين، وقد نسيت تماما انها كانت في يوم من الايام كنةً ايضا وربما كانت تطبق عليها نفس الاحكام او شيئا منها،وبدلا من ان تستوعب هذه الكنة كإبنة لها تبدا باستخدامها كأي مستخدم وبلا رحمة لانها تحمل لقب"كنّة"،فمالاترضاه على ابنتها بل وتقاتل من اجل اسعادها وتذليل الصعاب من اجل تيسير حياتها،ترضاه وبكل الرضى لكنّتها مبررة ذلك بالعادات والتقاليد البالية التي ورثتها..

اذا نظرنا نظرة تفحصية لكل شرائح المجتمع سنصل الى حقيقة مفادها ان الثقافة تلعب دورا في حياة الافراد والمجتمعات ،وان ثقافة المراة هي الوتد الذي تقوم عليه الحياة،فلو كانت الام-الحماة- على مستوىً من الثقافة وان كان بسيطا ومستوىً من التدين الذي ينهى عن اذلال الانسان لان "الدين معاملة وليس طقوس"لما وقعت ببراثن السوء والاساءة لهذه الانسانة التي انيطت اليها مسؤولية ادارة اسرة من زوج واولاد،كيف تديرها وهي تتعرض بكل لحظة لكل انواع العنف المادي والمعنوي من قبل الزوج والحماة،وقد يشاركها افراداُخر مثل بناتها اللائي يمارسن نفس الدور وابناءها وزوجها-اب الزوج- ،فتجد الزوجة نفسها فريسة والكل يتحكم بها دون استثناء،بل انها تعجزان تجد الجهة المركزية التي تكون تابعة لها لتاخذ اوامرها منها،هذه الازدواجية بالتعامل والتشرذم في ممارسة الادوار يخلق افات اجتماعية لاحصر لها وعقدا وشروخا في نفس الزوجة واطفالها فيما بعد،بل وان احد اسباب الطلاق والتي بدات تنشط في الاونة الاخيرة في مجتمعاتنا هو تسلط الحماة واهل الزوج وتحكمهم بكل تفاصيل الحياة خصوصا اذا كان الابن-الزوج-مطيعا الى حد الثمالة ملبيا رغباتهم"الجائرة" دون قيد اوشرط متناسيا كل حقوق السماء تجاه زوجته وأم اطفاله،هذه الخروق والعادات الغير سوية تؤدي الى خروقات نفسية ومجتمعية لاتحمد عقباها،وتشير الاحصائيات الى ارتفاع حالات انتحار النساء بسبب العنف الاسري الذي يسببه الجور والقهر من قبل الزوج واهله..

لابد من وضع حد لانتهاكات حقوق المراة من خلال جمعيات المجتمع المدني وسن قوانين تمنع الاساءة الى المراة وايقاف تعنيفها واخذ اجراءات رادعة لذلك،وتوفير ملاذا امنا لها ولاطفالها في حال تعذرت حياتها في بيت الزوجية،وللدول المتقدمة باع طويل في ذلك..

ولتكن لنا في رسول الله اسوة حسنة حيث قال"انما النساء شقائق الرجال مااكرمهن الاكريم ولا اهانهن الالئيم"..

 

مريم لطفي

 

قربه عدد من النقاد والمتابعين ومتذوقي الادب والشعر بالشاعر العربي الكبير نزار قباني لشعره ورهافته حول المرأة والحب والغزل والحرية والجمال، ولتمرده على القييم البالية لتقييد حرية المرأة وأبداعها.

ولد يوم ٣ أكتوبر العام ١٨٩٥ في بلدة ريفية (قسطنطينوفو) تقع على ضفة نهر (أوكا) في ناحية (ريازان) وسط روسيا، وأنتحر يوم ٢٨ ديسمبر العام ١٩٢٥في فندق (إنغليتير)، وفي أحد غرفه عثر عليه متدلياً بحزام حقيبة على عمود للتدفئة الكهربائية، الهوتيل الذي هدم لاحقاً عام ١٩٨٧ في العاصمة القيصرية (بطرسبورغ). والذي شهد مشهداً تراجيدياً بأنتحار شاعر جميل وشفاف ورقيق عن عمر ناهز ثلاثون عاماً في قمة فتوته وأبداعه وعطائه، ويعتبر من ألمع شعراء روسيا، لكن هناك من يعتقد أنه قد قتل في زحمة الصراعات السياسية أنذاك، حيث التحولات السياسية الكبرى على أرض روسيا تمخضت عنها ثورة أكتوبر العظمى، والذي كان من الداعيين لها ومؤيديها لكن سرعان لم يجد لنفسه مكاناً بها، ولم يرى فرقاً بينها وبين سلطة القياصرة، وهذه تركت تداعياتها السلبية على مجمل حياته. تزوج في وقت مبكر من أمرأة في فوران شبابه وأنجبت له ولد وبنت وبسبب هذياناته وسكره وعربدته هجرها في ظروف صعبة جداً رغم ميله الديني والأيمان بالخالق عكس أقرانه من الادباء والشعراء وعلاقتهم بالجمال، أعتبر من شعراء الطبيعة الروسية بما تتميز به أشعاره من صفاء وجمال. تعرف وأتخذ منها كزوجة الراقصة والفنانة الامريكية (إيسدورا دونيكان) وهاجر معها الى أوربا وأمريكيا، لكنها لم تتحمل فوضويته رغم أنها تكبره ب ١٨ عاماً. فعاد الى روسيا رغم تمرده على الوضع السياسي القائم وموقفه المسبق من ثورة البلاشفة ربما أعتقاده الديني هو الدافع النفسي والفكري والسياسي، حتى في موته حضرت أمه مراسيم التشييع والدفن وطلبت أن يدفن على أساسيات ومعتقدات الديانة المسيحية، لكن لم تجري الأمور مثل ما أرادت وتمنت . عاد الى الاتحاد السوفيتي بعد أن هجرته زوجته الامريكية. عاد وفي داخله ندم ورغبة بالعودة الى زوجته الروسية أم أولاده فاصطدم بالواقع حيث وجدها متزوجة من رجل أخر، فلم يبقى أمامه خيار الا توديع أطفاله وبعد يومين شيع نبأ أنتحاره. رغم قصر حياته، لكنه تعرض الى ثلاثة زيجات فاشلة، قد تكون واحدة من الاسباب كما تعزى له هو أدمانه على الكحول.

من أشعاره

غدًا أيقظينى ساعة الفجر

يا أمى الصابرة

علىّ أن أغدو عبر تلال الطريق

لألقى ضيفا عزيزا

فى الأجمة الكثيفة اليوم

أبصرت آثار عجلات عريضة على المرج

وتحت الغيوم المتشتتة

كانت الريح تهز قوسها الذهبى

غدا يسرع مندفعا مع الفجر

مميلا القمر قبعة تحت الشجيرات

وعلى السهل المنبسط

لعوبا يتأرجح ذيل مهرته الأحمر

 *

أيقظينى غدا ساعة الفجر

وأوقدى فى الغرفة الضوء

يقولون أنى سأصبح قريبا

شاعر روسيا ذائع الصيت

 *

أتغنى بك أنت...أتغنى بالضيف

بالديك والموقد والمأوى..

وعلى أغنيتى

يندلق حليب بقراتك الشقراء

 *

هى ذى السعادة الحمقاء

نوافذ بيضاء تطل على حديقة

وفوق البركة ينحدر المساء الهادئ

بجعة قانية

طاب مساؤك أيتها السكينة الذهبية

حيث تنطرح ظلال البتولا على الماء

وجمع من الزاغ فوق السقف

يتلو صلاته المسائية على مسمع النجوم

*

وفى مكان ما، عبر الحديقة

حيث تزهر شجيرة الكالينا

فى ردائها الأبيض تتغنى صبية رقيقة خجلى

بأغنية ناعمة

 *

وعلى الحقول تنبسط برودة الليل

مسوح رهبان زرقاء

أيتها السعادة العزيزة الحمقاء

يا وردة الخدود الغضة .

*

الشاعر يسينين رغم قصر حياته الادبية (الشعرية)، لكنه ترك نتاجاً ثراً في تاريخ الشعر الروسي والعالمي، وما زالت محط أهتمام أدباء العالم. تعرفت عليه لأول مرة في مطلع الثمانينيات في العاصمة بغداد من خلال نتاجاته وحول ما نشر عنه وعن حياته وأشعاره في العاصمة بغداد في مطلع الثمانينيات في مجلة الثقافة للمرحوم صلاح خالص، وكان الفضل الأكبر في تعريف القراء العراقيين والعرب عليه، هو الاستاذ حسب الشيخ جعفر الذي تناول حياته وشعره.

ولد ونشأ في عائلة ريفية فقيرة، وقد تفرد بموهبته الشعرية منذ الصغر وسط أحضان الطبيعة وبين جداول الحقول وصهيل الخيول ورائحة الأرض ظل طيلة حياته يتغنى ويكتب ويحن الى ضيعته الريفية والتي أصبحت جزء من نتاجاته الادبية وأبداعه، والتي لم تفارقه في جملة تفاصيل حياته، وما زالت تقام على تلك الأرض مهرجاناً شعرياً سنوياً أعتزازاً بأنتمائها الى الشاعر يسينين. وهناك جائزة سنويه بأسمه تمنح للادباء المبدعيين. وقد أقيم تمثالاً له وسط مدينته. في بداية حياته حاول والده والذي يعاني من ضنك العيش أن يبعده عن موهبة الشعر، فأخذه وأنتقل به وبالعائلة الى العاصمة ووجد له مكاناً للعمل في متجر للحوم، لكنه سرعان ما تركه رغم العوز المادي، لانه موهبة الشعر كانت طاغية على شخصيته، ففي هذه الاثناء تعرف على الاديب والشاعر الكبير (ألكسندر بلوك)، الذي كان شاغل الصحف والنقاد بشعره، فرحب ألكسندر به أشد ترحيباً وساعده في نشر أشعاره بأهم الصحف والمجلات الواسعة الانتشار، مما درت عليه أموالاً، أنقذت نوع عما أزمته المادية.

وقد قال عنه الاديب الكبير (بوريس باسترناك) ” لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلّية وأكثر عفوية،

مَن هو أكثر وطنية وأفضل توقيتاً ممّا هو سيرغي يسينين…

وفي ذات الوقت، لقد كان يسينين مثالاً حياً ينبض بالأدب، الذي

يواصل تقاليد بوشكين، الأدب الذي ندعوه ذروة المبدأ الموزارتي.. ”

شهد الاتحاد السوفيتي بعد موت قائد ثورة أكتوبر الزعيم لينين ١٩٢٤صراعات حادة بين قطبين بحزب البلاشفة تروتسكي الذي كان من قادة ومنظري حزب المناشفة، لكنه أنضم الى البلاشفة قبل ثورة أكتوبر، وبات أحد قادتها ولاقى أهتماماً كبيراً من القائد لينين فوصفه من أنظف العقول في قيادة الحزب، وستالين الذي فتح أبواب الحزب الغير متعلمين بين صفوفه على حساب مباديء الحزب الاصيلة، وأنتهى هذا الصراع الى الافتراق السلطوي في الحزب، ختمها ستالين بقتل رفيقه تروتسكي شر قتله في ألة (الفأس) بعد أن لاحقه وهو خارج البلد الى المكسيك، والبلد الذي ختم مسيرة حياة مفكر وسياسي، قتل على يد الشيوعي الاسباني (رامون ميركادير)، والذي كان يحظى بثقة عائلة ليون تروتسكي، والذي تبينت لاحقاً علاقته مع المخابرات السوفيتية، وقام بفعلته بتوجيه من الرئيس ستالين، وقد حكم عليه عشرون عاماً وهي أقصى عقوبة يسمح بها قانون البلد (المكسيك) وبعد خمسة عشر عاماً خرج من السجن ووصل الى موسكو وتم تكريمه ومنحه وسام لينين، وقال قبل مماته ” ما زالت صرخة تروتسكي يرن صداها في ذهني طالما حييت، عندما فج رأسه بالفأس. لم يكن هذا الصراع بمعزل عن الحياة العامة في روسيا وتحديداً الادباء والشعراء والتي تركت ظلالها التراجيدية على مسرح حياة الشاعر يليسين كغيره من الادباء والشعراء. الذي كسر نفوس الكثير من الحالمين بمبادئ الثورة والعدالة. في تلك الفترة سقط العديد من أصدقائه الشعراء ضحية المناخ الشرس، وسقط هو في دوامة من التوجس والخبال النفسي شدته إلى حافة الجنون. كانت روح الشاعر سيرغي يسينين تنبض بشعر وروح بوشكين / باسترناك / ليرمنتوف. ونثر وأدب تشيخوف / تورغنيف / دستوفيسكي. من يقرأ حياة ستالين وقيادته للبلد والحزب فعلاً الرئيس العراقي صدام حسين مستفاد من تجربته في الحكم بقتل رفاقه على فرضية الشكوك والتميز. كما كان يروى.

 

محمد السعدي - مالمو

 

محمد العباسيكثيرا ما تصورت أن تأتينا جارة أو قريبة لنا طلباً في أن نقبل بتزويج أبنتنا الوحيدة لابنهم.. وتأتي الأم في سرد مناقب الفارس المرتقب بقول صفات كالتالي: من المسجد للبيت.. ومن البيت للمسجد.. "ما عنده أصحاب.. لا يطلع ولا يسهر" .. كل يوم "يحّن" ويقوم من النوم "يوّن".. يبغي "مرة" .. يقول زوجوني.. وإحنا "عاد" ما "بنلقى" أحلى ولا أحسن من بنتكم المصون.. بنت الحسب والنسب.. إلخ "!!

يا أختاه.. جارتنا أو قريبتنا الكريمة.. ابنك الكريم ليس مستعدا لبناء حياة زوجية وتحمل المسئوليات والتبعات.. هو إنما بحاجة ماسة إلى أنثى (تلطيفاً للوصف)!  فهل من مقومات الزواج أن يكون الزوج بلا أصحاب؟  بلا علاقات اجتماعية؟  بلا خبرة في متطلبات الحياة؟  هل مؤهلات تبعات الزواج وإدارة الحياة الزوجية الصلاة فقط؟  وهل سنحكم على فتاة في عمر الزهور بقضاء حكم مؤبد مع "الأعمال الشاقة" دون وازع من ضمير مع رجل متعطش لإشباع نزعاته الجنسية المكبوتة؟!

قد تقبل فتاة ما بمثل هذه المواصفات كنوع من الجهاد في سبيل الله.. كفاح ترجو من وراءه كسب الآخرة.. ونبذ للحياة الدنيا.. مثلها مثل الفتيات والنساء اللاتي أغواهن "الدواعش" للانضمام إليهم تحت مسمى "جهاد النكاح"!  أو فتاة صغيرة لا حول لها ولا قوة يزوجها أهلها ضحية لكهل (بل ذئب بشري) كي ينفق ويغدق عليهم.. طبعا قد تختلف الآراء كل حسب معتقداته وتربيته.. لكن ليست هكذا هي التوقعات والأمنيات عند عامة الناس.. فللحياة الزوجية تبعات ومتطلبات وتكاليف ومسئوليات لها بداية وليس لها نهاية.. وللعيش سوياً وبناء عش الزوجية انعكاسات قد تكون بعضها حساسة وقد تؤدي إلى خلافات واختلافات في وجهات النظر وتتعارض فيها الآراء والمصالح والأذواق.. وبسببها قد تتفاقم بعض الأوضاع لتشمل كافة أفراد الأسرتين وتتعقد الأمور وتتداخل وتؤدي إلى ما لا يُحمد عقباها!!

بعض الزيجات في عصرنا هذا تقع ضحية للظروف المادية.. التي معها قد يضطر الزوج للدخول في معضلة الاقتراض من أجل توفير التكاليف.. مهر مبالغ فيه.. تأسيس عش الزوجية من سكن لائق وتأثيث مناسب ومصاريف حفلة الخطوبة و"العرس".. ربما أيضاً تكاليف باهظة لقضاء شهر العسل.. ومثل هذه الأعباء قد تترك ندبة غائرة على الحياة الزوجية لسنوات لاحقة.. ولمثل هذه الضغوط تبعات نفسية قد لا تندمل.. حتى بات البعض في اختياره لشريكة حياته يضع في حسبانه وظيفة الزوجة.. معاشها.. وهل تمتلك سيارتها الخاصة (حتى لا يضطر لشراء سيارة لها!!).. بل هنالك من يحسبها من كافة الجوانب "بالمسطرة والقلم والآلة الحاسبة".. مثلاً يضع في حساباته حتى الوضع المادي لأسرتها وعدد أخوتها (الذكور بالذات) ليرى كم ستكون نسبتها من "إرث" أبيها !!

بعض الزيجات تكون خاطئة منذ وهلتها الأولى.. بالذات تلك المبنية على أوهام الحب والغراميات بين أروقة المدرجات الجامعية وتلك الطرقات المعروفة في كل مدينة باسم "شارع الحب".. أو بعد ابتسامة عابرة في مجمع تجاري وتبادل لأرقام الهواتف.. وحوارات "ماراثونية" في عتمة الليل.. واتصالات بالصوت والصورة عبر تطبيقات الهواتف الذكية.. ومواضيع على شاكلة "إنتي أحلى وحدة آرقمها" وإن نجحت في صده وتمنعها عن الخروج معه يزداد لها شوقاً وهياماً.. فيتزوجها من أجل نيل مراده منها.. ولن يكف أبداً عن مغامراته الرعناء، ولن يمسح من هواتفه الأرقام الكثيرة التي لملمها يمنة ويسرة.. فيقعان كلاهما ضحايا لبعضهما البعض.. ويعودان من جديد مع كل مشكلة مهما كانت تافهة للبحث عن أمل زائف وقصة حب ملتهب كـما "قيس وليلى".. ولطالما قلت فيهما: لو أن "قيس" كان قد نال مراده من "ليلى" لما كتب فيها القصائد !!

لكن لنقل أننا من باب حسن النوايا نتزوج أملاً في بناء أسرة سعيدة.. غير أن البعض قد يقضي على أحلى فترات الزواج وهي فترة الخطوبة بقتلها في مهدها.. ويقضى على أجمل أيام الحياة الزوجية في السنة أو السنتين الأولى بحمل سريع لإرضاء الأهل من الطرفين.. لتنتهي الحالة الزوجية ويتحول الزوجين الجديدين إلى أبوين.. ومع أول طفل تتضاعف المتطلبات وتتكالب المسئوليات والضغوط.. ليتحملا معاً مسئولية نشأة إنسان جديد.. مولود مظلوم من لحظة ولوجه للدنيا.. ومعه تأتي كافة صنوف الالتزامات المادية والمعنوية من رعاية خاصة وحليب خاص وطعام خاص لا يباع إلا في الصيدليات بتكاليف باهظة.. و"حفاضات" ورضاعة.. وزيارات مكوكية مكلفة لعيادات الأطفال.. ومن ثم الحضانة فالروضة وصولاً إلى المراحل الدراسية.. ويكبر الطفل ومعه ينطلق وابل من المشكلات والمتطلبات من كل صوب وحدب.. وهكذا !!

فجأة.. "المعاش" لا يكاد يكفي.. الزوجة لم تعد بالفراش.. العواطف الجياشة تذبل والغراميات تضمحل.. فالرضيع (الضحية) يبكي طوال الليل لسبب مجهول.. وأخوه الأكبر بسنة أو سنتين قد (بلل) الفراش.. والأم (الشابة) يقظة بين هذا وذاك.. وورائها "دوام عمل" في الصباح حالها حال الزوج.. لكنها هي المُطالبة برعاية الأطفال والسهر على راحتهم على حساب راحتها هي، كعادة النساء عندنا.. الحياة الزوجية الهانئة تبخرت قبل أوانها..عواطفها قد تبعثرت بين حاجات الزوج والأطفال.. أصبحت مُتهمة بأنها لم تعد تبالي بالزوج.. فقط لأن الزوج والزوجة معاً لم يمعنا النظر في المستقبل القريب ولا البعيد.. لم يستمتعا بالحياة الزوجية الهادئة السعيدة في أحضان بعضهما البعض لأطول فترة ممكنة.. بل تعجلا.. واستعجلا.. ولم يتأملا !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

بكر السباتينصحيح أن التاريخ يكتبه المنتصرون ولكن نقاط التلاقي في السرد التاريخي بين المتنازعين تتحول إلى مرتكزات لتأويل نقاط الخلاف والخروج تالياً بالرواية التاريخية المقبولة.. كتابة التاريخ لا تتم في ليلة وضحاها لأن الرواية التاريخية تفاعلية وغير مكتملة إذْ تتعدد التأويلات والحكاية واحدة.. وهذا ينطبق على الحكايتين التاليتين للخروج بخلاصة القول بعيداً عن السرد التاريخي كي نُخْرِجَ النص من مأزق التجاذبات التي تحول الرواية إلى سلاح إعلامي في يد القادة إبان إي صراع ينشأ على الأرض.. هذه مقاربة بين الخيال والواقع وكلاهما يعتبران من نتاج العقل البشري في سياقي الفكر والفعل.

تقول الحكاية الأولى على لسان راوي الملك الذي يمثل سلطة الأقوى بأن أهل مملكة ما اعتادوا على تقديم الهدايا لملكهم في كل عام.

وفي اليوم الموعود احتار الفلاح الفقير فيما سيهدي للملك، فلا يوجد لديه الكثير ليقدمه.

ذهب الفلاح الفقير إلى قصر الملك، حيث احتشد الجميع، كلٌ أتى بالغالي والنفيس ليقدمه هدية.

وقف الناس خارج أسوار القصر، وكلٌ يتباهى بما لديه، وبهديته.

فُتحت أبواب القصر لعامة الناس لتقديم هداياهم، وبعد ساعاتٍ طوال جاء الدور على الفلاح الفقير، فسأله الملك: ماذا لديك لتقدمه لنا أيها الرجل؟ فأجابه الفلاح: سأقدم إليكم يا مولاي "أغلى ما عندي". فسأله الملك: وما هو أغلى ما عندك؟ فأجابه الفلاح: انه هذا الطائر «القونو». فتعجب الملك، وسأله وما الذي يميز هذا الطائر ليكون أغلى ما عندك؟ فرد الفلاح: يساعدني في الصيد، فهو يغرد وينادي على الطيور من أبناء فصيلته وجنسه، فيأتون مسرعين لنجدته أو لتلبية دعوته فيقعون في الشراك التي أنصبها لهم في الحقل.

إلى هنا يتفق الرواة على التفاصيل والتداعيات التي أخذت مجرى النهر إلى الشلال.. ويأتي الخلاف بين سلطة الرواية التي يسردها راوي الملك والراوي المحنك المتردد الخائف من بطش الملك الذي أخذه التأويل إلى نهاية أخري قد تنصف الطائر ومالكه من بطش الملك.

الرواية الأولى سردها راوي البلاط الملكي الشاهد على الحدث منوهاً إلى أن الملك قام غاضباً، وأمسك برأس الطائر وقطعه قائلاً: هذا طائر خائن وكذاب، ولا يمكننا قبول الخونة والكاذبين في مملكتنا، فهو لا يستحق العيش ها هنا، ونحن لا نريد في المملكة من يخون قومه حتى لو كان حيواناً!

من هنا تسوق الخاتمة إعلامياً لتثبيت حكم الملك من خلال بث الرعب في قلوب الرعية.

طبعاً الحكاية تنتهي عند موقف الملك إزاء الطائر.. لكنها من جهة ثانية لا يجب أن تمر دون تأويلات أخرى، ربما لو طُرِحَتْ في حينه؛ ستخرج الطائر من المأزق وتجعله محظياً عنده.. فلو قال أحد رجال البلاط الذين يؤمنون بسياسة التسامح بأن الطائر كان يحذر بقية الطيور من جنسه كي تحتاط للأمر فلا تقع في الفخ من باب الشهامة والإباء، فلم تستجب تلك الطيور لندائه فهبت لنجدته رغم أنها تعلم بأن الفخ ينتظرها..  ربما لاحتسبها الملك حينها شهامة من الطير فيكافئ صاحبه ويتقبل الهدية وربما يعمم حكايته ليجعله رمزاً للتضحية لأجل الملك نفسه.. هنا التأويل سلاح ذو حدين.

وفي سياق المفهوم ذاته سنأخذكم إلى حكاية أخرى مشهورة.

تقول الحكاية الثانية بأن الملك الجبار عزم على قتل كلّ من يشك بنواياه، وأخضع المقربين منه للاختبار، حتى سقط فيه أحدهم فأمر بمعاقبته بطريقة مبتكرة، إذ جوَّعَ مجموعة من كلابه التي يثق بها، وأمرها بالانقضاض على رجل الحاشية المُدان في ساحة مكشوفة محاطة بالجمهور وهو جالس في المقدمة كي يتشفى بالضحية التي وقفت والأغلال بيدها في حضرته، وأخذت تستدرّ عطفه مذكرة إيّاه قائلة:

هل هذا جزاء من أخلص في خدمتك وخضع لأمرك طوال عشرة أعوام يا مولاي!

 لكن الملك أصر على موقفه دون أن يستجيب لدموع الضحية "فكيف يتراجع ملك عن قراره".. وبعد إلحاح استجاب الملك لطلبه في منحه مهلة عشرة أيام يقضيها مع الكلاب قبل أن يرضخ لها فتنهش لحمه. خلال هذه الفترة كان الرجل المدان يعامل الكلاب بالحسنى ويطعمها بيده حتى كسب ودها ووفائها.. لذلك حينما آن موعد القصاص رفضت الكلاب الاستجابة لأوامر الملك.. فما كان منه إلا أن أمر بقطع رأسه بعدما اكتشف حيلته.. من هنا انقضت الكلاب على الملك انتقاماً لسيدها الجديد الذي اعتنى بها خلال الأيام العشر وفاءً له.. إلى هنا لم تكتمل الحكاية، فسارع راوي السلطة يثني على موقف الملك ويحرض على قطع رؤوس من دربوا هذه الكلاب الخائنة للعهد. لكن خاتمة الحكاية أخذت التأويلات إلى جهة النقيض، حينما علم الراوي بأن الكلاب ماتت بالسم الذي كان يملأ جسم الملك المحاط بالخونة فانقلبت تأويلات الرواية رأساً على عقب..

فلاحظوا بأن التأويل الأول يعتمد على بقاء الملك حياً وفي يده الصولجان، على اعتبار أن الخائن ومعه كلابه لا بد من القصاص منهم، ولكن في التأويل الثاني المعتمد على نهاية الملك وموته بالسم يتبين كيف أن الكلاب التي يرعاها الإنسان أكثر وفاءً من الخلِّ والرفيق والحاكم، فيما يذهب التأويل إلى أنه كلما زاد البطش اقتربت نهاية الظالم.

 

بقلم بكر السباتين

 

ضياء نافعبونين – هو آخر العنقود ضمن الاسماء العالمية الشهيرة في تاريخ الادب الروسي، العنقود الذي ابتدأ بالشاعر بوشكين في القرن التاسع عشر. ولد بونين عام 1870 في روسيا وتوفي عام 1952 في فرنسا، حيث كان لاجئا (بعد ثورة اكتوبر1917 التي رفضها) وتم دفنه هناك . لقد عاش بونين في وطنه (50) سنة، واصبح اسما لامعا في مسيرة الادب الروسي، وعاش في فرنسا لاجئا (32) سنة، وكان يعدّ هناك ابرز اديب روسي خارج روسيا، وحاز على جائزة نوبل للآداب عام 1932 (وهو اول أديب روسي يحصل على هذه الجائزة). لقد كان بونين طبعا من الادباء الروس المغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي، خصوصا في الفترة الستالينية، ولكن حذف اسمه في مسيرة الادب الروسي او عدم الاعتراف به لم تكن مسألة يسيرة، وهكذا عاد بونين جزئيا (ان صحّ هذا التعبير) الى القارئ الروسي داخل روسيا السوفيتية آنذاك في الفترة التي استقرّت تسميتها بمرحلة (ذوبان الجليد) بعد وفاة ستالين، لكن دون الاشارة طبعا الى جائزة نوبل او مواقفه الفكرية الواضحة والصريحة بالنسبة لثورة اكتوبر، بل تم (الافراج!) عن بعض مؤلفاته قبل ثورة اكتوبر بالاساس، وقد شاهدت بام عيني ردود فعل القراء الروس وهم يتزاحمون ويقفون في الطابور بمخازن بيع الكتب السوفيتية من اجل الحصول على نسخة من كتب بونين، التي أعادت دور النشر السوفيتية طباعتها وتوزيعها عندئذ في تلك الفترة، وقد ازدادت عودة بونين الى القراء الروس بالتدريج وبمرور الوقت، اذ ان بونين هو كاتب عملاق متعدد المواهب، فهو شاعر وقاص وروائي وكاتب مقالة من الطراز الفريد والمتميز بكل معنى هذه الكلمات، وليس عبثا، ان الباحثين العرب، الذين كتبوا عن الموضوعة العربية في الادب الروسي قد توقفوا طويلا وتفصيلا عند بونين (وخصوصا البا حثة المصرية الكبيرة أ.د. مكارم الغمري) .

الا ان هذه العودة لم تكتمل كما يجب الا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي العام 1991، اذ ابتدأ الكلام العلني والصريح في روسيا الاتحادية رأسا عن بونين باعتباره اديبا كبيرا، وباعتباره اول كاتب روسي حائز على جائزة نوبل، وهكذا تأسست جمعية من محبيه للحفاظ على تراثه في روسيا، وتم نشر أعماله الابداعية كافة (بما فيها التي كتبها في فرنسا)، وهكذا ايضا ظهرت عام 1995 (اي بعد اربع سنوات فقط من انهيار الدولة السوفيتية، وفي الذكرى 125 على ميلاده) عدة تماثيل له رأسا في روسيا، وبالذات في الاماكن الذي كان بونين يرتبط بها، وهي ظاهرة فريدة في التاريخ الروسي، اذ لم يسبق لاي كاتب في روسيا ان اقيمت له عدة تماثيل في آن واحد، وهذا يبين طبعا حب القراء الروس وتقديرهم العالي لهذا الاديب ورغبتهم المخلصة (بل تعطشهم الحقيقي) لعكس هذا الاهتمام به في تلك الذكرى .

 نتوقف فليلا عند تمثال ضخم له في مدينة فارونش، وهي المحافظة التي ولد فيها . . يجلس بونين في ذلك التمثال على جذع شجرة وهو بكامل اناقته (ويرتدي حتى وردة بدل رباط العنق) ويوجد كتاب مفتوح جنبه على ذلك الجذع، وينظر بونين بتأمل وقلق الى بعيد، وهناك كلب ضخم عند قدميه . لقد اراد النحات ان يجسّد بونين الارستقراطي وقد قرر ان يترك وطنه، ولهذا جعله في أبهى ثيابه اولا لانه واحد من الارستقراطيين الروس، ولكنه كان غارقا في القلق وهو ينظر الى الافق البعيد، لانه كان مضطرّا ان يترك وطنه نتيجة تلك الاحداث المحيطة بوطنه، اما الكلب الوفي الذي كان عند رجليه، فانه كان يرمز الى تلك الحياة المتفرّدة التي ستبقى تتذكره، رغم انه سيتركها على الارض التي سيغادرها . التمثال هذا يقع في متنزه كبير ورائع قرب جامعة فارونش، وقرب المكتبة المركزية للمدينة . لقد زرت انا شخصيا هذا التمثال عدة مرات، وأذكر اني كنت اقف مرة عنده متأملا، واقترب مني أحد سكان تلك المدينة، وقال لي انه لاحظ اهتمامي بالتمثال، وفهم باني اجنبي، وبدأ يتحدث عن الفخر والاعتزاز بهذا التمثال باعتباره (ابن مدينته فارونش)، وبانه (اول كاتب روسي يحصل على نوبل)، ولم اخبره طبعا باني اعرف كل ذلك، ولكني سألته – (لماذا يوجد عند قدميه كلب ؟)، فقال – (ان بونين كان يحب الصيد دائما، وان النحات صوّره وهو يتهيأ لرحلة الصيد)، فقلت له مبتسما – (وهل يذهب االانسان الى الصيد وهو يرتدي احلى الملابس والوردة حول عنقه ؟)، فانزعج من سؤالي وتركني، وقد رويت هذه الحادثة الطريفة بعدئذ لاصدقائي الروس، وضحكنا طويلا ...          

 وفي نفس ذلك العام ايضا (1995) تم تدشين تمثالين لبونين في مدينة صغيرة هي - يليتس، وتقع قرب فارونش (و تابعة لها). لقد ولد بونين في هذه المدينة الصغيرة وكان تلميذا في مدرستها، ولهذا تم افتتاح تمثالين له، الاول فريد من نوعه لبونين التلميذ، وهو يجلس وترك الزي المدرسي جنبه، والتمثال الثاني وهو يجلس على مصطبة ويضع ساقا على ساق ويرتدي قبعته وهو في حالة تأمّل . وفي نفس العام ايضا تم افتتاح تمثال لبونين في مدينة اريول، وهو تمثال ضخم جدا ويقف بونين بقامته على منصة عالية جدا، ويعدّ واحدا من اضخم تماثيله في روسيا .

ولم تتوقف حملة اقامة التماثيل لبونين في روسيا، اذ تم افتتاح تمثال له في العاصمة الروسية موسكو عام 2007، وفي مدينة يفريموف عام 2010، وفي مدينة نوفغورد عام 2011، ولا يمكن التوقف تفصيلا عند كل هذه التماثيل، اذ ان كل واحد منها هو تحفة فنية بكل معنى الكلمة .

لقد قال لي أحد الباحثين الروس مرة، ان روسيا تريد ان تعتذر من بونين، ولهذا أقامت له كل هذه التماثيل الكثيرة والمتنوعة، فقلت له ما أجمل هذا الاعتذار وما أروعه .

 

أ. د. ضياء نافع

 

اقتبست هذه الجملة من إحدى كاتبات مجموعة "أنا الحكاية"، أعجبني هذا التعبير جداً، ورأيته يعبر عن صفة غابت عنا من زمن ليس بالقصير، ولكن هل يمكن أن تعود بعد هذا الغياب؟

عن أنوثة المرأة أتحدث، وأعني بها الجمال الداخلي، والخارجي، الرقة، والضعف، والقوة، الجاذبية، والحياء، وكل صفة فطرية وُلدت مع المرأة، وأُصر على أن الصفات الانثوية فطر الله كل امرأة عليها مُتحدية كل الإدعاءات بأن المرأة ليست لها طبيعة خاصة، للوصول إلى نتيجة المساواة بينها وبين الرجل. أنا أرى أن المرأة بالفعل مخلوق رقيق لكنه غير ضعيف، يتميز بالعاطفة واللين وهذا لأنها السكن والرحمة، لكن مع احتفاظها بصفتي الحزم والشدة، فالأم قد تكون في الغالب الأقرب للأبناء، لكن هذا لا يسلبها التفكير المنطقي العقلاني.

ورغم كل المحاولات والجهود من الجمعيات الحقوقية النسائية لإقرار حقوق المرأة، والمطالبة بالمساواة المطلقة بينها وبين الرجل، إلا أن المرأة لم تحصل على حقوقها. فهناك مساواة أقرها الله تعالى بين البشر رجالاً ونساء، لكنها مساواة تكاملية كل منهما يكمل الأخر، ويستمد وجوده من وجود الأخر. وما أراه تحقق هو التشبع بالأحاديث عن المرأة، وحقوق المرأة، إلى الحد الذي صار فيه هذا الحديث مملاً، ومع ذلك لم تنل المرأة أياً من هذه الحقوق فعلياً، بل فقدت الكثير من حقوقها، وتقديرها لنفسها، وتقدير الآخرين لها.

لقد فقدت المرأة صفتها كامرأة، وأصبحت كائن يتحرك ليل نهار ليبحث عن طريق لتحقيق ذاته، والنضال في قضية محسومة من قديم الأزل، تحاول التخلص من آثار الماضي لأن هناك من بث في عقلها أفكار تتمحور حول التخلص من كل ما يميزها، بحجة أن هذا ضعف، أو أنها تفنى لتحيا الأسرة. وكان التركيز على هدم مفهوم ومعنى الأسرة من أهم الافكار التي انهزمت بداخل كل من المرأة والرجل، فانشغلت المرأة في البحث عن ذاتها، ولم يستطع الرجل القيام بدورها، بل ألقى عليها مزيد من الاعباء، كضريبة تتحملها للحصول على المساواة التي تنادي بها، وفي النهاية يدفع الأبناء فاتورة هذا النضال.

تنادي آراء عديدة بأن نتقدم، ونواكب التطورات والتغيرات العالمية المتلاحقة، حتى لا نتسم بالتخلف، لكني أطالب بوقفة لبرهة قليلة، ونعود بضع خطوات إلى الخلف، لنلقى الضوء على وقت كانت تختفي فيه المرأة وراء نقاب ثقافي، وجدار عالي من التقاليد يفصلها عن المجتمع. لكن كان لها دور اساسي سواء على مستوى منزلها الصغير، أو على مستوى المجتمع الأكبر والدولة، كان لها كيانها واحترامها، وفكرها، وقيمها التي تبثها في أطفالها. كانت المرأة تتمتع بكل ما تفتقده حالياً، وبكل ما تحاول الحصول عليه من مكاسب، كانت تتمتع بالقوة والنفوذ، والأنوثة والاحترام والتقدير من الجميع. بل كانت تتمتع بحقوقها كاملة عند الزواج، فعلى سبيل المثال كانت المرأة تضع شروط لكل ما تريده في وثيقة الزواج، عكس ما يحدث حالياً فرغم أن خانة الشروط متوفرة في قسيمة الزواج، لكن إذا فكرت الفتاة في أن تضع ولو شرط صغير، يكون هذا بداية لفسخ العقد قبل أن يُكتب.

وبداخل منزلها، رغم أن القرار يبدو للرجل منفرداً، إلا أن المرأة كانت عامل أساسي، ومؤثر في أي قرار. ورغم أنها كانت تتوارى داخل المنزل، لكنها كانت تنال من التعليم والثقافة ما يكفي لأن تُثقف، وتُربي جيل كامل، سليم نفسياً، واجتماعياً، وتربوياً، عكس الآن مع وجود كل وسائل الاتصال، وأنواع متعددة من التعليم، إلا أن هناك انعدام للثقافة، وانحدار لمستوى التعليم.

عندما كانت تدخل المرأة أي مكان كان يقف لها الرجال تقديراً واحتراماً، فكانت تمارس انوثتها وكونها امرأة في رُقي، وقوة، وكان يمارس الرجل أيضاً ما نفتقده فيه الآن من صفات نخوة، ورجولة. وأقول "رجولة" بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني من قوة، وشهامة، وحماية، وإحساس بالمسئولية، ولا أقول "ذكورة" أي الصفة البيولوجية التي تميز الذكر عن الانثى، وللأسف لم يتبق من أغلب الرجال الآن إلا هذه الصفة البيولوجية.

قد يظن البعض أنني أطالب بأن نعود للعصور القديمة، والتواري خلف النقاب، والمشربية، وأن تعود المرأة من حيث بدأت، أنني أطالب بأن نخلع النقاب من على عقولنا، وأن تتحلى المرأة بالثقة الكاملة لتعود لطبيعتها، التي تستمد منها قوتها، وتكتسب بها حقوقها فعلياً، وتناهض أي أفكار تنفي عنها صفة فطرية تميزها لا توصمها.

وأطرح هنا تساؤل...

لماذا فقدنا بوصلة الحقوق والحرية في ظل كل ما نعيش فيه من تحرر، وتطور، وانفتاح على العوالم الاخرى، بينما كنت نمتلك هذه الحقوق في ظل عصور الانغلاق على الذات؟

 

د. سوسن الشريف

 

662 Russell.fwBertrand Russell 1872-1970

الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1950

اختارها وترجمها عن الإنكليزية بتصرف

مصدق الحبيب

 

- سوف لن أموت أبدا من أجل معتقدي لأنني قد أكون خاطئا فيما اعتقدت.

- أن تخشى الحب هو ان تخشى الحياة، ومن يخشى الحياة يكون ثلاثة ارباع الميت. الحذر في كل أمر واجب إلا في الحب فقد يكون قاتلا لسلام الحياة وهنائها.

- لا يمكن للشخص المتحضر ان يتمتع بالجنس دون ان يكون مقرونا بالحب.

- يحيى الحب ويزدهر عندما يكون حراً وتلقائياً، ويذوي ويموت عندما يتحول الى واجب.

- من السهل ان تقع في الحب، ولكن الصعب هو ان تجد من هو قادر على ان يتلقفك حين تقع.

- الزواج عند النساء هو النمط الاعتيادي للحياة، لكن عدد المرات التي لا يرغبن في ممارسة الجنس مع ازواجهن قد يفوق ما تنفر منه بنات الهوى.

- أصعب ما نتعلمه هو معرفة أي الجسور علينا ان نعبر واي منها علينا ان نضرم فيها النيران ونمضي دون ان نلتفت الى الوراء.

- المشكلة الكبرى في هذا العالم هي ان الحمقى والمتهورين لا تنقصهم الثقة بالنفس فيما ينزوي العباقرة والشك يملأ رؤوسهم.

- الحرب لا تقرر من كان على صواب، انما تقرر أي الأطراف سينجو.

- ليس هناك أمة فاضلة كما يدعي أبناؤها، كما وليست هناك أي أمة سيئة كما يدعي اعداؤها.

- يتشبث المدافعون عن الرأسمالية دائما بقداسة الحرية التي تتجسد في تصورهم بضرورة السماح للمتنفذين بممارسة الطغيان ضد المغضوب عليهم.

- لا تعوّل على أمر ينقله غبي عن ذكي لان الغبي سينقل ما هو قادر على استيعابه.

- من الصعب ان نجد قيل وقال ونميمة حول فضائل الآخرين، انما فقط حول خطاياهم.

- اذا سلمنا بوجود الله، فلابد ان يكون أكبر من أن يغضب على من يشكك بوجوده.

 

 

661 الرواية النسويةالدكتورة، الباحثة الاكاديمية / فاطمة الزهراء بايزيد: مساءلة "المبحثية" في اقتفاء أدب الطفل.. وتشذيب الشوائب فيه.

من الأسماء الوازنة التي اعتلت منصة قاعة الفكر والادب بقاعة " أحمد رضا حوحو ببسكرة، الدكتورة، الباحثة فاطمة الزهراء بايزيد، باحثة وأكاديمية، تخصص أدب معاصر برتبة محاضر أستاذة الأدب المعاصر بجامعة بسكرة، صاحبة عدة مؤلفات وأطاريح فكرية ونقدية، في السيمائية وجماليات الشعرية والاسلوبية وغيرها من الاطاريح .

من مؤلفاتها على سبيل المثال لا الحصر " كتبها الخمسة في الاختصاص: أورد منها ما يلي كعينات:

1- الرواية النسوية بين سلطة المرجع وحرية المتخيل

 2- المكان دلالات وجماليات

 3- إضاءات نقدية في الادب العربي بين القديم والحديث .

 وغيرها، والتي شكلت حضورا لافتا ومتميزا في التعاطي مع أدب الطفل " نهجا ومنهجية واستقراء لحيثياته من منظوره التشكيلي، التضميني،الاستباقي،بين التآلف الاستشرافي،واستنباط المسار والسيرورة، عبر منعطفات " صوفية "شفافية الطرح البيني، بعيدا عن أطاريح صوفية ابن عربي، أو " جلجلات " سليم بركات مثلا أو طلاسم " التعاطي "بشكل " استعلائي مع عالم الطفل " مدّا ومدى ومنظومة بعيدا أو بمنأى عن النتاج العقلاني الممكن في محاولة " توليف " مخزون " الخيال و" والمخيال " اقتفاء أو استقراء، أو حتى " توليف " بدائل " أطاريح لا تستجيب لمألوف التوليف معا من منظور إحالة " الاستنتاجات، والتصورات إلى مدلولها وانحناءاتها و" منشئها " التخييلي، في ضوء إخضاع المتخيل فيه - أي الوعي الطفولي - عبر مراحله العمرية، - كأقصى - مسارات للتعاطي معه " نمطا "كليا " بمعنى بعيدا عن دائرة منظومته الطفولية، من اجل استجلاء واكتشاف " منظومة الطفل " لا سبقا " إستعراضيا ينطلق من غوغائية كونية خاوية، وإلا أضحى " أو بالأحرى أضحت هذه الإحالة " شكلا محنطا " لا يفيد في أي شيء، وقد يحول عالم الكتابة اليه وفيه ضربا من " دمى الموميات " في زمكانية طفولية لا تفيد لا الطفل ولا " مرتكزات " أدب الطفل " على الإطلاق ..

الذي يتوفر على مخزون إستيعابي " تأهيلا " بالضرورة القصوى التحصيلية تؤهله لأن يخوض في أدب الطفل دون عائق : دارسا أو مبدعا على حد سواء،ذهبت ذات المحاضرة في طرحها العميق والتنظيري والتطبيقي .

الدكتورة الباحثة فاطمة الزهراء بايزيد في سياق مداخلتها النوعية بعد أن عرجت بمنهجية باحثة متمرمسة على مختلف " المعارج عبر حقب متعاقبة في الوطن العربي وعلى رواد من درسوا وأبدعوا في أدب الطفل .

شددت الباحثة، الاكاديمية في هذا السياق ليس بمفهوم الساسة ولكن بمفهوم الدارسين على ضرورة " وعي الباحث " والمبدع معا على عدم الخروج " من رواق " المبحثية " إن تعلق المبحث بالدراسة، وبرواق وبوثقة " جماليات الابداع في كينونتها التبسيطية، لكنها كما أردفت أن تكون هذه الابداعية : رافدا لتجليات المبدع فيعكسها وجوبا وإيجابيا، مؤثثة بجمالية القول، دون الخروج عن منظومة الطفل العمرية المخيالية كعالم الحيوانات مثلا وغيرها مما يثير شعفه وفضوله الفطري والمكتسب معا. .

صناعة منتوج إبداعي للطفل، لا يستدعي فقط نقل أخبار الحيوانات أو غيرها مما يدور في فلك " مخيلة الطفل " وإنما يستدعي التعاطي مع ذلك بمراس وبحذر كيلا ينحرف التعاطي عن مساره، فيصبح " إبداعا لا معنى له. .

إيداع البديل الإبداعي ضمن بوتقته - من منظور الباحثة - يستدعي بالضرورة، ايضا الالمام بالجانب التربوي، دون الوقوع في الرتابة التضمينية، التقليقنية أو " شحن " خيال الطفل " بمكونات لا تحدث بدائل ممكنة .في إشارة منها لعناصر وعي لاحق يكتسبه الطفل من خلال منحه فضاء كيكنونة تتحرك وفق تطور مراحله العمرية،دون تجريد هذا " الإسداء " من مرتكزاته الأساسية ومحاوره المفصلية ..مدّا وحوارا ذاتيا، وسياقا ممنهجا .

الكتابة للطفل، كما أشارت المحاضرة، بقدر ما هي " تلقين " كما يرى البعض، فإنها عملية " معقدة للغاية، تستدعي التعامل معها بدقة متناهية للغاية،

فإذا كان رواده مثلا " الشاعر الكبير سليمان العيسى، قد استوفى شروط هذا التعامل الحذر، بوعي شاعر، باحث، مطل على أغوار مشاعر الطفل وغيره من رواد أدب الطفل عبر أزمنة مختلفة، فإن مثلا الأديب السوري زكريا تامر في رائعته " رندا " أعطى " في ازدواجيته الابداعية بُعدا طفوليا و" كهوليا " معا في ذات الوقت ببدلة واع، تمكن من التوفيق بين الموقعين " الطفولي والكهولي،

سياقات كثيرة ومتعددة أسست لها وتطرقت لها الدارسة الباحثة فاطمة الزهراء بايزيد كورقة عمل وتخطيط وإيصال المبنى والقيافة و" فراسة المبدع " ضمن مداخلتها التي لا تسعني هذه العجالة للتطرق إلى كل عوالمها وفصولها، والتي كانت مفصلية " بحثية، أكاديمية، تمكنت من خلالها من التميز والتفرد، والاغتراف من " كينونتها " المبحثية، مما ينم على أن الدارسة، تمتلك ناصية أدواتها بتلقائية وعفوية وبمراس .

ستكون لي أوبة أخرى مع تضاريس  مبحثيتها في ورقة أخرى سأقتصر ها هنا - مبدئيا - على ما تناولته الباحثة، الدكتورة الاكاديمية فاطمة الزهراء بايزيد، بوعي : الممكن " وب" إيجابية حقة " مستنبطة من تجربة مريرة وأكاديمية بعيدا عن الخواء الفكري الجزئي أو الكلي،فأعطت لدلالات " أطاريحها إتبعاثا : " دلالة القوة والمتانة " في طرح الأطاريح الشاملة ذاتها : مرصعة بأياليات القوة التنظيرية ..في " ملامح " شكلت لدى القاعة والحضور قناعة بأن الدارسة الاكاديمية فاطمة الزهراء بايزيد أستوعبت بحكم التجربة والممراس " لعبة " التعاطي مع أدب الطفل ضمن سياقاته الممكنة، مما خلق " الإدهاش لدى المتلقي وقد كنا نصغي، بقناعة أن المحاضرة : لم تحذ قيد أنملة عن المأمول فيها وفي شغفنا كقاعة وحضور

عموما وصلنا الى قناعة أن الدارسة الاكاديمية فاطمة الزهراء بايزيد في محاضرتها القيمة تمكنت بوعي باحثة من تشذيب الشوائب الزائدة في التعاطي مع أدب الطفل

ولي أؤبة ألى مضامين أخرى في تجلياتها،

في ورقة أخرى .بإذن الله

 

كتب: أحمد ختاوي /  الجزائر  

 

احمد الشيخاويشهدت جزيرة صقلية الإيطالية، مؤخرا، محفلا ثقافيا فنيا وشعريا، أسهمت في تلوين فصوله، العديد من الفعاليات، من بلدان مختلفة، مكّنت لأصوات متميّزة من التغريد باسم التشكيل والشعر، على نحو خاص.

سجّلت تونس حضورها اللافت، عبر هذا الملتقى الدولي الهام، ممثّلة بالفنانة التشكيلة والشاعرة التونسية الجميلة، سماح بني دواد، هذه الأخيرة التي شرّفت وطنها وعبره المشهد الثقافي العربي كاملا، بقراءات رصينة ومدهشة اقتطفتها من منجزها الشعري المعنون" نار عطبها ثلج" والذي لاقى اهتماما واستحسانا من لدن النقاد، وفي سائر الأوساط الثقافية، وطنيا وقطريا.

أضافت إليه من وحي انشغالاتها بفن التشكيل، لمسة أنثوية ساحرة، نكّهت التظاهرة وأثرت متونها، عنوانا ومضمونا.

بحيث شاركت بلوحة تحت عتبة" نصف تائه" وما تتدبّج به من دلالات وضمنية تباهي به لغة الصورة مدغدغة بخطاب الألوان، وهي تختزل جملة من القضايا والمشاكل الموسوم بها جيل الحداثة، باعتماده جنس النوفيلا الإبداعية في مختلف الأشكال والأنماط التعبيرية.

تقول المبدعة التونسية سماح بني داود أنها رسمت هذه اللوحة، ميدانيا، وفي زمن قياسي لم يتعدّ النصف ساعة، اشتغلت فيها وعلى غير المعتاد منها في السالف من تجارب فنية، على "الأكريليك" والألوان الزيتية، ما منح اللوحة تشبّعا بمادة معجون الأسنان، القهوة، الكركم كملوّن أصفر، فأدهشت عشاقها بأسلوبية محرّضة على زخم من التساؤلات حول كهذه تقنية، محيلة على فيض من أسرار عوالم التشكيل إذا يقارب في ما يُستلهم منه ويفيده، عالمية الرّسالة وشموليتها، برغم أنه، أي هذا الضرب من الفن، من العدم أو اللاشيء.

تجدر الإشارة إلى أنه وبعد هذا النجاح الذي حققه حضور الثقافة العربية، من خلال مشاركة دولة تونس، في شخص الفنانة والشاعرة سماح بني داود، تم اعتماد كمّ لا بأس به من نسخ إصدارها الباكورة " نار ثلجها حطب"، لدى مكتبة القضاة بمدينة "سيراكوزا" الإيطالية، مع العمل على ترجمة المنجز إلى اللغتين الإيطالية والفرنسية.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وكاتب مغربي

 

يعرّف ابن جنّي اللغة بأنها أصوات يعبر فيها القوم عن أغراضهم، والقهوة صوت أصله من قها، يقول ابن منظور في لسان العرب: أقهى عن الطعام واقتهى أي ارتدت شهوته عنه من غير مرض، وأقهى الرجل إذا قلّ طعامه فهو أقهم، وقهي عن الشراب أي تركه، وعيش قاهٍ أي رفيه. ويطلق لفظ القهوة على الخمر واللبن والخصب والرائحة والقائمة تطول، وقد سبقت كلمةُ قهوة شرابَ البن المغلي فلم يعرف العرب القهوة قبل الإسلام ولا بعده إلا بسبعة قرون رغم أنّ أصل القهوة من اليمن أصل العرب، وبمناسبة ذكر القرون يقال للتيس المسن الضخم القرون قهوان، فسميت القهوة قهوةً لأنها تذهب بشهية شاربها إن كانت بنّا مغليا أم خمرا معتقة من تمر أو عنب.

قال أبو نواس:

يا قهوةً حُرّمت إلا على رجلٍ     أثرى فأتلفَ فيها المال والنَشَبا

الغوص في أصل الأشياء حرفة لا يتقنها إلا عاشق، ولا يبصر عين فرائسها إلا باشق، فإن اشتبه عليك أمر فاٌرجع لأصله، ففي ذلك تجريد غمد العقل عن نصله، قالها الشيخ الوقور لضيوفه وهم يشربون قهوة غير قهوة أبي نواس. 

القهوة امرأة غير كل النساء، هي لا تحلو إلا بوجود ضرة أو أكثر، أشربتها يوما دون أنْ تتجمع عليك الأفكار كمطر آذار؟ كل قطرة فكرة، كل فكرة ضرة تشدك اليها فالأفكار نساء تغار، وربما كانت القهوة أما تلد بناتها أفكارا، تسأل البنت أباها أأحضرت لي هدية وهي متعلقة بأحد أطرافه المتعبة، ولا يرف للقهوة جفن فهي غير كل النساء.

في محلات العطور الراقية، تتنازع عليك الروائح كالغواني، كل منها تريك بعض مفاتنها ليستقر على عنقك أو معصمك عبيرها، ولأنّ كثرة الخيارات تولد الحيرة والاشتباه، تذكرْ يا صديقي ما قاله الشيخ الوقور لضيوفه، عندها سيقدم لك أحدهم بعضا من حبيبات القهوة لتشمها فترجع حاسة الشم عندك لأصلها، فكأنّ القهوة ملكة تأمر جندها فينتظمون صفوفا، أو مقطوعة موسيقية لا مجال للحن نشاز في محرابها البهي، أو انها ببساطة امرأة غير كل النساء.

عندما تكسر حاسة قيودها تتبدل بقية الحواس تباعا، فإذا أدركت احداها ما ليس لها كخروف قفز جدولا، سارت بقية القطيع في أثره، فسق خراف حواسك الى المرعى وارعها من " أخرجَ المرعى" فلربما رأيت صوتا أو سمعت نورا، شممت لونا أو لامست عطرا، وحسبك أنْ تتذوق المعنى، "سبح اسم ربك الأعلى"، وعند الوصول الى روضة الحقيقة، تُدرَك الأسرار بلا حواس، وما عُلم بهذه الطريقة، يصعب على أي لغة تثبيته وتحقيقه.

طوبى لمن هتك سترا وأفشى سرا

يقول المؤرخ البريطاني الشاب بيتر فرانكوبان في كتابيه الصادرين بالإنجليزية "طرق الحرير" الصادر عام ٢٠٠٠ و"طرق الحرير الجديدة" الصادر قبل شهرين بأن الشمس بدأت بالمغيب غرب العالم لتعاود الشروق في أصله أي شرقه، والمتتبع لآثار الاقدمين يكتشف بأنّ ما يجري على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية يكرر نفسه تكرارا مملا، فربما ثأر الأباطرة البريطانيون ومن بعدهم الأباطرة الأمريكان لسلفهم الروماني فيلاريان، عندما صعد على ظهره أحد أباطرة الفرس عام ٢٦٠ بعد الميلاد ليمتطي جواده فيأمر بعدها بسلخ جلد صاحب الروم، من ايران على شكل عقوبات، وتكتشف بأن جعجعة العالم الغربي عندما سيطرت روسيا على شبه جزيرة القرم عمرها يزيد على ٢٥٠ عاما- وصفت رد الفعل الأمريكي والاوربي بالجعجعة لأن ترامب نفسه مستعد للاعتراف بحق روسيا في منطقة القرم وإزالة العقوبات الأمريكية ضدها اذا نجحت روسيا بتحجيم الدور الإيراني في سوريا ضمن صفقة تسوية، فتقارب ايران وروسيا قديم، وأنّ الصين ، ذلك التنين الجاثم المالئ للفراغ أينما وجد، تعيد بناء طرق عمرها ألفي سنة على شكل سكك حديدية.

قال الشيخ الوقور لضيوفه وهم جلوس تحت غيمة من بخار القهوة المتصاعد من فناجين أنيقة بأن المؤرخ نفسه قد ذكر في كتابه الأول أنّ منظمات صهيونية مثل ستيرن اليهودية والتي كان أحد أعضائها اسحق شامير أرادت التحالف مع هتلر خلال الحرب العالمية الثانية ضد القوات البريطانية مقابل نقل اليهود الى فلسطين فردت القوات البريطانية بمنع المهاجرين اليهود من السفر الى فلسطين بل وقامت بتدمير سفنهم المحملة بالنساء والأطفال بعد سنوات من وعد بلفور، وزاد ذلك المؤرخ الشاب، والكلام للشيخ الوقور، بأن السبب الرئيس الذي دفع ألمانيا النازية لتجويع ومن ثم قتل ثلاثة ملايين ونصف أسير سوفيتي وكثير من اليهود هو فشل التوقعات الألمانية بأن الأراضي السوفيتية المحتلة ستنتج محصولا كافيا من القمح، فقاموا بالتخلص من الأفواه الزائدة بنظرهم. ببساطة لو توفر القمح لما حدثت المحرقة، وهنا أذكر بأنّ  جون بيركنز صاحب الكتاب الذي ترجمته "اعترافات قاتل اقتصادي" قد أفرد فصلا سماه انقاذ صدام لشافيزـ رئيس فنزويلا السابق- إذ أنّ أمريكا كانت تريد إزالة حكم شافيز ولكنّ احتلال الكويت حوّل نظرها مؤقتا من فنزويلا الى العراق، فما تراه الآن على الساحة الفنزويلية قديم أيضا.

بعد أن تقرأ جيشا من الكتب تكتشف أنّ المعرفة واحدة وأنّ المنطق مادة المعرفة، قالها الغزالي ومن بعده هيجل، وأقول بأنّ من المنطق أنْ تسعى لأصل الأشياء لتعرف كيف بدأت وكيف عاشت وكيف تموت، ولأنّ الأيام دول والتاريخ خبر كما قال ابن خلدون، يسعى كل ذي سلطان ومواليه من ذوي الخذلان ليحيطوا التاريخ بغابة من التفاهة والنسيان، يخفون عيوبهم ويظهرون عيوب غيرهم وعيوبهم أشد وأكبر، فعندما تتشاجر بنت مع عائلتها في بلد ما مثلا ترى الطبول قد اعتلت المنبر، وعندما يصرح مسؤول اتحاد الشباب في الحزب الحاكم في الصين بأنهم قد احتجزوا ٨٠٠ الف مسلم لأنهم يحملون أفكارا سيئة يجب مكافحتها فتلك قضية لا تكاد تذكر، وعندما تفصل أمريكا أطفال المهاجرين عن أهلهم فتلك مسألة يستحسن أنّ تُقبَر.

يقول الشيخ الوقور بأنّ الطبل آلة يشد عليها الجلد ونحوه لينقر عليه، يكون ذا وجه وذا وجهين، داخله فراغ يملؤه هواء. لمْ يعرف ضيوفه لِمَ قال ذلك واستمروا بشرب القهوة.

فسأله أحد الضيوف: هبْ أنّـا على حق، فَلِمَ الحال كما ترى؟ استبشر الشيخ بسؤال ضيفه وقال هذا سؤال جميل، وزاد: الحق هو ذلك الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض، والحق ظاهر ومن أراد أنْ يكفره – يغطيه ويخفيه – سيحتاج الى مجهود كماكنة إعلامية أو سطوة سياسية، ومعركة الحق مع الباطل قصيرة، فإنّ طالت فلا يخرج الأمر عن احتمالين: الأول، أنّها معركة باطل مع باطل ولنا بمعركة المعسكر الشرقي مع الغربي، حارة أو باردة، مثل. والثاني: أنْ لمْ يستوفِ أهل الحق شروط النصر، فلو انتصر المسلمون في معركة اُحد رغم مخالفة الرماة أمر الرسول لَما كان لأمر الرسول وزن، فالنصر على قدر الاستيقاظ، ومَنْ عَمُقَ استيقاظه تأكّـدَ نصره، والسيف معلوم وموجود ولكنْ ضاقت الأيد أنْ تحمله.

وعادة السيف أنْ يزهى بجوهره   وليس يعمل إلا في يَدَي بطلِ

قال العارف بالله بعد أنْ شرب قهوة من كأس محبة ربه أنّ من يقوم بالطاعات والأفعال السنية من دون لذة فتلك طاعة قد خلت من معناها، كالجوز الكثير بدون لب، وانّى تصير البذرة دون اللب شجرة؟ وإنْ دخلت جنة يا طالب الشوك فلن تجد فيها شوكة سواك.

سرُّ القمح والطين النار والصبر خبز الدرويش، تُطهى وتُحرق بالنار حتى تجد الطريق، النار تطهو الخبز والعشق يطهو الدرويش.

طابت قهوتكم.

 

د. تميم امجد توفيق

 

حسن الحضريلا شكَّ أن عملية الترجمة لها أهميتها الكبرى في الامتزاج الحضاري والتبادل الفكري -ولا سيما في ظل عصر العولمة الذي يعيشه العالم منذ عقود- بجانب أثرها الكبير أيضًا في الغزو الثقافي إذا لم يتم تنقيحها؛ والملاحَظ أن عملية الترجمة تتم أحيانًا بطريقة مشوَّشة، ولا تعتمد على المعايير العلمية الصحيحة، وتحتاج إلى وضع ضوابط فكرية جادة؛ فنحن نجد أن كثيرًا من الأعمال المترجمة تتم ترجمتها ترجمةً حَرفية دون مراعاة للمعنى، وهذا يفسد الذوق ويقدِّم صورة غير صحيحة عن ماهيَّة ومضمون النص المترجم.

فالترجمة الجيدة هي التي تراعي ثلاثية أبعادها، التي تتمثل في: مضمون النص، واللغة الأم، ولغة الترجمة؛ فكل نصٍّ يندرج تحت فنٍّ بِعَينه، وذلك الفن له مصطلحاته العامة والخاصة، وكل مصطلح له مدلوله اللغوي والاصطلاحي؛ كما أن كل لغة لها مفرداتها، واللغة الأم هي التي وُلِد النص مِن رحِمها، فهو متشبِّع بخصائصها، وهي التي توجهه بمفرداتها إلى المعنى المقصود، وكل لغة أخرى يُترجَم إليها ذلك النص؛ لها خصائصها ومفرداتها ودلالاتها الخاصة، التي تزيد أو تنقص عن نظائرها، وقد حبا الله تعالى لغتنا العربية بخصائص لا توجد في لغة سواها، وهذا يتطلب من القائمين بالترجمة إليها أو منها؛ أن يكونوا على دراية واسعة بها، وفهمٍ عميقٍ لها.

ومن هنا تتضح ضرورة الاهتمام بتوظيف ذلك الثراء اللغوي والفكري الموجود في لغتنا العربية، والعمل على الإفادة منه في أثناء التعامل مع النص المراد ترجمته؛ حيث إن بعض الألفاظ في اللغات الأخرى تكون محدودة المعنى، ضيقة الدلالة، بحيث تكون معبِّرة في إطار لغتها فقط، ولكنها عند الترجمة إلى العربية بما يقابل تلك الألفاظ؛ يتجه المعنى في اتجاه آخر، ولذلك يجب مراعاة التعامل مع المعنى وليس مع اللفظ فقط في أثناء الترجمة؛ منعًا لنشر أفكارٍ مغلوطة لا ذنب فيها للنص المترجم.

ولا يكفي الاهتمام بمضمون النص المترجم باعتبار لغة ألفاظه؛ بل يجب أيضًا مراعاة "لغة موضوعه"؛ فأحيانًا يكون موضوع النص متعلقًا بلغة أخرى غير لغة ألفاظه، ومعرفة لغة الموضوع تفيد في فهم معاني مضمون النص، وبالتالي تساعد في ترجمته ترجمة صحيحة، عن طريق الإحالة إلى الأصل، وتتبُّع المدلولات والمرادفات؛ إضافة إلى ضرورة الإلمام بثقافة الكاتب، وموقفه من موضوع النص الذي نقله إلى لغته -اللغة الأم لألفاظ النص- لأن ذلك يفيد في معرفة ما قد يكون لحق بالموضوع من تحيُّز أو تحامُل، وحينئذ يجب معالجة ذلك بالإشارة أو النقد في أثناء الترجمة.

وإذا كانت الترجمة تساهم في تبادل المعارف والثقافات؛ فإن القيام بها بطريقة عشوائية؛ يساهم في رسم صور مزيفة عن الثقافات الأخرى، وهذا يؤدي إلى تضييع الوقت في معارك علمية ليس لها أساس، وربما أدى أيضًا إلى التقليد الأعمي مِن قِبَل الضعفاء الذين لا هدف لهم إلا تقليد الآخر دون النظر إلى ما يوافق الهويَّة الشخصية والمجتمعية.

 

حسن الحضري - عضو اتحاد كتاب مصر

 

صبحي عبدالنبيمن هو المتنبي؟: هو أحد مفاخر العرب، وعظماء الشعر، اسمه أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، ولُقب أبو الطيب، ولد بالكوفة عام 303هـ، نظم الشعر في صباه، وهو بعمر تسعه أعوام .

وعُرف عنه حدة الذكاء والاجتهاد، ووصف بأنه نادرة زمانه وأجوبة عصره، فقد كان من أفصح الشعراء في وقته، وتجري الكلمات على لسانه كما يجري الماء على سطح أملس، يملك ناصية اللغة والبيان، ويبدع حتى في سبابه .

لم يكن اهتمام الشعراء للصدق أقل من الشعر نفسه، وخاصة ماقبل القرن الرابع الهجري، وكثيرًا مايراعي الشاعر اصداء حاله، وفعله في المجتمع كما حرص المتنبي عن ابعاد العيب والنقصان منه.

**ما أبعدَ العَيبَ والنّقصانَ منْ شرَفي أنَا الثّرَيّا وَذانِ الشّيبُ وَالهَرَمُ

مما يجعلهم في وعي دائم على كل مايراد من تنقيص وتقليص في شأنهم، لأن الحكم والقاضي آنذاك المجتمع ذاته، والمادة ماتصدر من قول وفعل . وقال المتنبي

**كم تَطْلُبُونَ لَنَا عَيْباً فيُعجِزُكمْ وَيَكْرَهُ الله ما تَأتُونَ وَالكَرَمُ

انظر الى اهتمام الشاعر باتهامات المجتمع والرد عليهم من غير الاستهان به

ولذا يظهر هذا الصدق في وصيته حيث قال .

**إذا رَأيْتَ نُيُوبَ اللّيْثِ بارِزَةً فَلا تَظُنّنّ أنّ اللّيْثَ يَبْتَسِمُ

يبين الشاعر هنا على عدم الالتفاف حول الصدق المصطنع وان كان ظهور الناب من الليث ليس من الصناعة، ولكن ثمّ تشبيه وربما يرتقي لدرجة الاستعارة  اطلقه الشاعر من براعته .

ويصل الاعتناء بصدق ما يقول إلى موته بسبب بيت قاله وإليك ( كان المتنبي رجلًا شديد الكبر حين قال : أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم، وحين قال أيضا :

الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم، وقد كان هذا البيت هو السبب في موته، وقيل أنه ادعا النبوة في صباه، وتبعه البعض، ولكنه عاد إلى رشده، ولهذا سمي المتنبي .

وكيفية موته" إنه أثناء عودته للكوفة مع ابنه محسد، قابله جماعة من قطاع الطرق، تربصوا به وكان زعيمهم يدعى فاتك ابن أبى جهل الأسدي، الذي أخطأ المتنبي وهجا ابن أخته ضبه في أمه، الأمر الذي جعل فاتك يقرر الانتقام منه، فأخذ معه رجاله وانتظره في الطريق، ولما مر المتنبي قاتله وقتل ابنه .

فلما أراد المتنبي أن يهزم، ويهرب، قال له غلامه مفلح كيف تهرب وأنت قائل : الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم. فقال له : قتلتني قتلك الله، وعاد المتنبي للقتال حتى قُتل.

 

الدكتور  صبحي عبد النبي عبد الصادق - السودان

 

داود السلمانفلنعترف أن الاغنية العراقية قد ماتت منذ ثلاثة عقود أو تزيد، إذ أن كثيراً من المعنيين بهذا الشأن قد اعلنوا موتها، كما أعلن الفيلسوف الالماني نيتشة موت إلهه في (هكذا تكلم زرادشت). ومن هؤلاء المعنيين الناقد الموسيقي الكبير الراحل عادل الهاشمي، فقد صرح في اكثر من مرة من خلال بعض وسائل الاعلام: "إن هناك اكذوبة كبيرة اسمها كاظم الساهر"، وكذلك أعلن إن هناك كثير من المغنين اساؤوا الى الاغنية العراقية، من دون أن يحدد بعض الاسماء، لأن في قاموس معلوماته كثير جدا من هذه الاسماء من الذين ساهموا بقتل الاغنية واعلان الحرب عليها.

لقد كانت الاغنية العراقية في قمة العطاء، والذوق والجمال والابداع الحقيقي الذي كان يعبّر عن الحس المرهف للمطرب وللملحن وللشاعر، وهؤلاء الثلاث قد قدموا اغانٍ رائعة، لا تزال تصدح في قلوب واذواق وحناجر المتلقي العراقي، فضلاً عن المتلقي العربي، إذ كانت هذه الاغاني بالصدارة، حتى أن هناك الكثير جداً من تلك الاغاني راح يرددها مطربون ومطربات عرب، وقولهم أن الاغنية العراقية فيها احساس وجاذبية مغناطيسية قل نظيرها، حتى أن المطربة الكبيرة أم كلثوم حينما زارت بغداد في الخمسينيات من القرن المنصرم، وسمعت اغنية (كلبك صخر جلمود ما حن عليه) أعُجبت فيها أشد الاعجاب، وراحت تدندن بها، وهي معجبة في مفرداتها ولحنها وطريقة اداؤها بصوت الفنانة الكبيرة سليمة مراد، ذلك الصوت العذب، ذو الاصالة العراقية.

ونستطيع أن نقول: إن الاغنية العراقية قد مرّت بثلاثة مراحل، أو قل ثلاثة مدارس قبل أن يعلن المعنيون موتها، واقامة الحداد عليها.

المرحلة الاولى: وقد تمثلت بالمطربين الكبار امثال: محمد القبنجي، ناظم الغزالي، داود الكويتي، صالح الكويتي، سليمة مراد، زكية جورج، عفيفة اسكندر، زهور حسين، رضا علي، احمد الخليل، وحيدة خليل. والقائمة طويلة جداً، لا تسعفني ذاكرتي المعطوبة بذكر المزيد.

المرحلة الثانية: ياس خضر، حسين نعمة، سعدون جابر، رضا الخياط، قحطان العطار، صباح السهل، فؤاد سالم، كمال محمد، مائدة نزهت، أمل خضير، سيتا هاكوبيان، انوار عبد الوهاب، رياض احمد، حميد منصور. والقائمة ايضاً طويلة جداً.

المرحلة الثالثة والاخيرة: صلاح عبد الغفور، عارف محسن، كريم حسين، كريم محمد، وامثالهم كثير.

وبعد هذا الجيل الاخير، مرت الاغنية العراقية بوعكة صحية الزمتها فراش المرض لسنوات، فكانت وهي في فراشها لم يزرها من اصحاب الذوق الرفيع الا القليل المعدود على اصابع اليد الواحدة، فكانت تعاني الحرمان والاهمال المقصود وغير المقصود، لظروف سياسية واجتماعية واخلاقية مرّ بها العراق، حتى لفظت انفاسها الاخيرة وغادرت الحياة بصمت، فلم يبكِ عليها فقط أصحاب الذوق السليم من الذين يعون ويدركون ما معنى الاغنية العراقية؟، وما هو سر وجودها؟ وسر محبة الناس لها؟.

وهكذا ودعنا الاغنية العراقية الاصيلة، واصبحنا نسمع اصوات نشاز، من التي تكالبت علينا من كل حدب وصوب؛ اصوات ليس لها صلة بالأغنية الجميلة المعبرة، لا من بعيد ولا من قريب، ولا تعبّر عن معاناة الفرد العراقي، وتنقل همومه للناس وللمجتمع، وقالوا لنا: هذه هي الاغنية العراقية بطابعها الجديد، وللأسف هناك اذواق مريضة اصبحت تسمع الى هذه الترهات وتطرب لها، حتى صار لها جمهور مريض فاقداً للحس المرهف الذي كان يمتلكه جمهور الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وانتهاءً بعهد الثمانينيات، لأن معظم هؤلاء لا يمتلكون الاذن الموسيقية، ولا الثقافة الحقيقية، ولا الاحساس السليم.

 

داود السلمان

 

ضياء نافعتأسست الجمعية الامبراطورية الارثذوكسية الفلسطينية (هكذا كان اسمها الرسمي) في الامبراطورية الروسية العام 1882، وتقدّم هذه الجمعية نفسها على انها منظمة دينية و علمية وانسانية هدفها مساندة وتوسيع وتسهيل حج الارثذوكس الروس الى الاراضي المسيحية المقدسة في فلسطين، وكذلك التعاون مع شعوب الشرق الاوسط في مجالات الاستشراق وتوطيد العلاقات الثقافية والانسانية معها . واستمرت هذه الجمعية  بالعمل النشيط والمتشعب جدا في فلسطين وسوريا ولبنان وافتتحت الكثير من المدارس الاهلية الارثذوكسية (والتي كان التدريس فيها يجري باللغة الروسية) الى العام 1917، اذ توقفت عن العمل بعد  ثورة اكتوبر 1917 في روسيا، وتأسيس دولة الاتحاد السوفيتي وما أعقبها من أحداث هائلة وتغيّرات جذرية في المجتمع الروسي والعالم، وهي احداث معروفة للجميع، وهكذا تحولت الجمعية بعد ثورة اكتوبر1917 الى (جمعية فلسطينية روسية داخل اكاديمية العلوم السوفيتية) ليس الا، ولم تستطع واقعيا القيام بدورها السابق طبعا . لكن بعد انهيار دولة الاتحاد السوفيتي عام 1991، أعادت هذه الجمعية كيانها من جديد، واستعادت اسمها التاريخي الرسمي (الامبراطوري!) العتيد كما كان قبل ثورة اكتوبر1917 بالضبط،

  وعادت الى الحياة  في دولة روسيا الاتحادية، وبدأت بنشاطها مرة اخرى بعد توقف دام حوالي مئة عام تقريبا، ونحاول في هذه المقالة التوقف عند هذه الجمعية (القديمة – الجديدة !) والاطلاع على نشاطاتها، وتسليط الضوء (كما يقول التعبير الشائع) على ما تقوم به هذه الجمعية من أعمال في منطقتنا في الوقت الحاضر، بعد عودتها الى العمل من جديد.

الجمعية كانت تؤدي نفس الادوار التي كانت تؤديها البعثات التبشيرية العديدة في الشرق الاوسط بشكل عام، والتي تعرفها شعوبنا منذ نهاية القرن التاسع عشر، والتي كانت مرتبطة بدول مثل انكلترا وفرنسا والمانيا والولايات المتحدة الامريكية وغيرها، وجاءت روسيا متأخرة عن تلك الدول، وهكذا بدأت بذلك النشاط منذ 1882 فصاعدا، وهي سنة تأسيس الجمعية المذكورة .

 لقد لعبت كل هذه البعثات التبشيرية دورا كبيرا في توسيع المجالات الثقافية في العالم العربي بلا شك، ولكنها لم تكن بعثات تبشيرية بحتة، وانما كانت تساهم (ولو بشكل غير مباشر) في التخطيط  العام لبلدانها في عملية التوغل والتوسع في العالم العربي، وربما يمكن القول، ان طبيعة الاوضاع العامة منذ نهاية القرن التاسع عشر صعودا كان يسمح لهذه البعثات التبشيرية بالعمل في العالم العربي آنذاك، حيث كانت بلداننا في وضع سئ جدا (ضمن اطار الامبراطورية العثمانية)، الا ان الاوضاع قد تغيّرت بشكل جذري، خصوصا منذ النصف الثاني من القرن العشرين صعودا، وان التطور العلمي الهائل، الذي حدث في الوقت الحاضر خصوصا، قد خلق ظروفا جديدة ومختلفة كليّا و جذريا، بحيث انتفت الحاجة  للعودة الى احياء دور مثل هذه الجمعيات التبشيرية، ونضرب على ذلك مثلا واحدا فقط، وهي قضية  الحج  و زيارة الاماكن المسيحية المقدسة في القدس، اذ يستطيع الان كل مواطن يحمل جواز السفر الروسي ان يسافر الى هناك متى يشاء ودون الحصول على تأشيرة الدخول والخروج (الفيزا) وذلك تنفيذا للاتفاقية بين روسيا الاتحادية و اسرائيل، علما ان عدد اليهود الروس الذين هاجروا الى اسرائيل منذ سبعينات القرن العشرين (من الاتحاد السوفيتي آنذاك) ولحد الان  يبلغ حسب الارقام الرسمية سدس عدد السكان في اسرائيل (اكثر من مليون وربع)، وان اللغة الروسية اصبحت اللغة الثالثة هناك، وتوجد الان عشرات الصحف والمجلات ودور النشر والمسارح باللغة الروسية، وهناك عشرات الشركات السياحية بين البلدين، والتي ترتبط بها وسائل النقل المتطورة من طائرات ووكالات خدمية للسياح والدعاية...الخ، بل هناك حتى مستشفيات خاصة لعلاج المرضى الروس، اي ان اهداف الجمعية، والتي تأسست من اجل تحقيقها قد اصبحت حقيقة ماثلة للعيان على الارض فعلا، فما هو اذن دور الجمعية الان؟ علما انه توجد الان في روسيا الاتحادية مؤسسة رسمية غنية وضخمة اسمها (العالم الروسي)، وهي مسؤولة عن موضوع نشر اللغة الروسية في العالم، وقد اسست هذه المنظمة عشرات المراكز الخاصة بتعليم اللغة الروسية، بما فيها في عواصم بعض الدول العربية، وبالتالي، فان مهمة نشر اللغة الروسية، التي كانت تمارسها هذه الجمعية في الماضي لم تعد ايضا مطروحة في عصرنا .

عالمنا العربي لا يحتاج الى الخطاب الديني من قبل جمعيات تبشيرية اجنبية، سواء كانت انكليزية او فرنسية او روسية او مرتبطة باي دولة اوربية او امريكية، اذ ان الشعار الذي رفعه الليبراليون العرب  منذ فترة طويلة، وهو – (الدين لله والوطن للجميع)، هذا الشعار لازال لحد الان صحيحا وضروريا، رغم كل المحاولات البائسة هنا وهناك لتشويهه او لتقليل اهميته، ويمكن (بل ويجب) ان يحل (بدل ذلك الخطاب الذي تقترحه تلك الجمعيات التبشيرية) - الحوار المتكافئ بين تلك البلدان وعالمنا العربي، والتقدم العلمي الحالي يمكن ان يكفل هذه العملية الحضارية ...    

 

أ. د. ضياء نافع

 

اسماء محمد مصطفىنحبُّ بعض الأعمال الادبية، لأنّها تلامس مشاعرنا، فنقول عنها (تدخل قلوبنا مباشرة) ، وبعض الأعمال، لأنّها تثري تفكيرنا فنقول عنها (تحاكي عقولنا او تنقلها الى حال فضلى)، وبعض الأعمال، لأنّها تبدو مرآة عاكسة تماماً لأحاسيسنا وأفكارنا كإننا أبطالها، وكإنّ كتابها يعرفوننا حق المعرفة، فنقول عنها (تمثلنا وتحكي عنا) .

تبقى ثمة مسألة أنّ بعضنا يبدي رأيه بتلك الأعمال بعيون المتخصص او الخبير عن علم او خبرة، وبعضنا يعبر عن وجهة نظره بصفته متذوقاً او قارئاً سواء أكانت قراءته عميقة أم عابرة، بعضنا أثقف من بعضنا، ينظر للعمل الادبي بعمق أكثر مما ينظر الآخرون، وثمة من يقرأ بقلبه ومَن بعقله ومَن بكليهما، وثمة مَن يقرأ بغريزته !

بعضنا ينحاز الى عمل معين لأنه نتاج اسم كبير لاأكثر ـ مع أنه ليس كل اسم كبير تكون جميع أعماله بالضرورة كبيرة ـ وبعضنا يستصغر او يتجاهل عملاً كبيراً او جيداً لأنه نتاج اسم مغمور او مستجد، او نظن أنه ليس في مصاف الكبار .

بعضنا مراهقون وشباب يتجهون الى قراءة أعمال معينة تتناغم مع مرحلتهم العمرية وهمومهم ومشاكلهم وإهتماماتهم، وقد لاتعنيهم مدى استيفاء تلك الأعمال الجودة الفكرية والفنية، ويجهلونها أصلاً، وبعضنا أكبر، ينظر من أعلى الى تلك الأعمال ويعدها تخريبا للادب وأصول الكتابة ومن ثم الذوق القرائي العام .

بعضنا يرفض عملاً جيداً بأكمله، في لحظة انفعال لأسباب نفسية بحتة وغير موضوعية، فقد يتضمن العمل امراً لانتقبله في حياتنا، وقد يقود ذلك الى الشطب على اسم الكاتب تماماً، غاضين النظر حتى عن الأعمال الجديرة بالقراءة او الإهتمام، وربما تستمر اللحظة الانفعالية سنوات او مدى العمر، تنسحب اللاموضوعية أيضاً الى نظرة بعضنا الى أعمال عادية او غير جيدة، حين يحبها لأنّ فيها شيئاً يتوافق مع حالته النفسية، او لنزوعه الى المجاملة والانحياز لعمل رديء، لأسباب شتى ، منها العلاقات والمصالح والرغبات .

وبين بعضنا وبعضنا تبقى مسألة الإجماع على عظمة عمل او جودته نسبية، فكلّ يرى النتاج بإحساسه وتفكيره ووعيه وثقافته ومدى موضوعيته وحتى عمره، ومادمت إنساناً فمن حقك أن تقول رأيك حتى لو لم يعجب المجمعون او الخبراء، ومن غير أن تتصور أن رأيك منزه عن كل خطأ او أن ذوقك أعلى وثقافتك اعمق، كما إنّ من حق الخبير او الناقد المتفحص أن يرفض رأيك من غير أن يستصغرك، ومن غير أن يغض النظر عن حقيقة أنّ البعض يقرأ بقلبه وليس بعقله فقط وأنه يتوقف عند مايقترب منه حتى لو كان العمل بسيطاً .. فليس كل ناقد يتمتع بالموضوعية، كما ليس كل من يبدي رأيه بعمل هو متذوق فعلاً، ولهذا وجدت النقاشات، كي ترفع من الذوق والرؤية الموضوعية وكشف الستار عما لايراه أحد الطرفين او كلاهما، كما توجب أن تكون النقاشات بلغة تدخل الى القلب والعقل معاً وأن تبتعد عن التهكم والاستصغار والتكبر واستهداف شخص الكاتب، كي يكون تبادل الآراء مجدياً وثرياً لكل الأطراف، فإن أراد بعضنا أن يقنع الآخر بمايراه فليعطه إهتماماً ويشعره بقيمته قبل كل شيء .

***

سلوكك الراقي المشبع بالقيم العليا خيرُ مقالٍ تنشرُه في صحيفة الحياة الواقعية والافتراضية .

***

أسماء محمد مصطفى

 

محمد صالح الجبوريالمقاهي هي المكان الذي يلجأ اليها الأنسان، لقضاء فترة من الراحة، وكانت المقاهي تمتاز باعتمادها برامج خاصة، في تقديم الاغاني، ولكل مقهى مطرب لا يستغنى عنه، لأن روادالمقهى يحبون ذلك المطرب، وعندما التحقت بالخدمة  العسكرية في مدينة الكوت، وفي ساحة العامل من اشهر الساحات في المدينة،كنت اقضي فترة من الزمن في المقاهي، وخاصة ايام (الاثنين، الخميس، الجمعة)، و كما تعرف (ايام النزول)، في المقهى كنت اسمع أغاني (أم كلثوم)، وخاصة اغنية (فات الميعاد)، الاغنية تنقلني الى عالم الشوق والحنين الى الاهل والديار والاطلال، هذا الشعور الذي يجعلك تعيش حياة اخرى مع الاغنية، قد يصلك بك الحنين والشعور بالغربة  والفراق حد البكاء، وعند العودة من الاجازة تكون هذه المقهى محطة من محطاتنا،كانت الحياة بسيطة بدون حروب، العلاقات الاجتماعية صادقة بعيدةعن الماديات، والتعاون بين الناس ومساعدة الفقراء، فترة من الزمن تقضيها في العسكرية، وتنتقل الى الحياة المدنية،لكن فترة الحياة العسكرية تبقى عالقة في حياتك،وتعلمت منها الكثير، وكانت لي دروسا في حياتي، رغم مضي اكثرمن (40)عاما عليها، وربما هي من اجمل ايام العمر، (فات المعياد وبقينا بعاد، والنار بقت دخان ورماد)، كم فقدنا في السنوات الماضية من اخوة واصدقاء واحباب، هذه سنة الحياة.فيها الاشياء الحلوة و الاشياء المرة،وكل انسان يؤدي دوره في الحياة.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

العراق

ضياء نافعبوشكين بالنسبة لغوغول مثل الاستاذ بالنسبة لطالبه، رغم ان الفرق في الاعمار بينهما ليس كبيرا نسبيا، فقد ولد بوشكين عام 1799 بينما ولد غوغول عام 1809 . لقد كان غوغول (يلتهم! ان صحّ هذا التعبير) كل ما يصدر عن بوشكين من نتاجات، وكان يعتبره المثل والنموذج الاعلى، وعندما وصل غوغول من اوكراينا الى بطرسبورغ، وكان ذلك عام 1829، استفسر رأسا عن عنوان شقة بوشكين وتوجه الى هناك دون اي موعد مسبق ، وطرق الباب (بعد تردد كبير)، وسأل عن بوشكين، الا ان الخادم الذي فتح له الباب قال له، ان بوشكين لازال نائما، فسأله غوغول (انطلاقا من الصورة الفنية الخاصة جدا التي رسمها غوغول لبوشكين في اعماق روحه وكيانه) - لأنه كان طوال الليل يكتب القصائد ؟ فأجابه الخادم – لا، لقد كانوا طوال الليل يلعبون الورق، وقد اصيب غوغول بصدمة من جواب الخادم هذا، لانه كان يتصور بوشكين محاطا دائما باجواء الالهام والابداع الادبي البحت.

اللقاء الاول بين غوغول وبوشكين في بطرسبورغ تم فقط في صيف عام 1831، وذلك في بيت الشاعر والناقد الادبي بليتنيف، وكان غوغول قد أصدر كتابه المتميّز الشهير- (امسيات عند قرية ديكانكا)، الذي اطلع عليه بوشكين طبعا وكتب عنه تقريظا ممتازا واعتبره كتابا مرحا مدهشا، بل ان بوشكين وجد فيه حتى (مقاطع شعرية)، وقد ساعد هذا التقريظ طبعا على التعارف آنذاك ومن ثم التقارب بينهما .

 لقد ساند بوشكين - وبقوة وحماس – غوغول، وحاول وبكل طاقته على ان يشغل غوغول مكانة متميّزة في الاوساط الادبية والثقافية، وفتح له مجال النشر في مجلته (المعاصر)، ونشر غوغول فيها فعلا عدة نتاجات من ابداعه، مثل قصته الطويلة المشهورة (الانف)، و(العربة) وغيرها، ونشر هناك ايضا مقالته النقدية بعنوان (عن حركة ادب المجلات في 1834 و1835)، والتي تعدّ لحد الان واحدة من المقالات النقدية المهمة في تراث غوغول . ومن المعروف، ان بوشكين هو الذي أعطى لغوغول فكرة مسرحيته الشهيرة (المفتش العام)، وكذلك أعطاه فكرة روايته (الارواح الميتة)، وهما طبعا النتاجان الاساسيان والرئيسان في مسيرة غوغول الابداعية، وقد كتب غوغول نفسه عن ذلك بكل صراحة ودقة، وحاول بوشكين ايضا ان يجد مكانا لغوغول للعمل في التدريس بجامعة بطرسبورغ (في قسم التاريخ)، ومن المعروف، ان غوغول ألقى محاضرة (حضرها بوشكين وبعض الشخصيات الفكرية الروسية الاخرى ومن بينهم الشاعر والمترجم الكبير جوكوفسكي) في جامعة بطرسبورغ بعنوان (المأمون) عن الخليفة العباسي (لا زالت لحد الان صورة غوغول معلقة في جامعة بطرسبورغ ضمن صور الاساتذة فيها، وقد شاهدتها انا شخصيا عندما زرت تلك الجامعة عام 2006 مع رئيس جامعة بغداد آنذاك أ.د.موسى الموسوي).

 ومحاضرة غوغول عن المأمون معروفة ومنشورة ضمن كتبه ومؤلفاته الكاملة ومترجمة الى العديد من اللغات، وقد ترجمها الزميل كامران قره داغي الى العربية في بغداد بالسبعينات بشكل رائع ونشرها آنذاك، وتناولها الكثير من الباحثين العرب في بحوثهم وترجماتهم عند الكلام عن الموضوعة العربية في الادب الروسي بشكل عام، ولا مجال للتوسع في هذا الموضوع هنا .

سافر غوغول من روسيا بعد عرض مسرحية (المفتش العام) عام 1836 (والتي حضرها قيصر روسيا بنفسه) والضجة الهائلة التي ارتبطت بذلك العرض، وسمع بخبر مقتل بوشكين في مبارزته الشهيرة مع دانتيس الفرنسي وهو في اوربا، وتأثر جدا، بل انه قال (حسب ذكريات احد اصدقائه) انه تأثر عند سماعه بموت بوشكين أكثر مما لو سمع بموت والدته، التي تعد أعز انسان لديه . ولم يستطع غوغول – بسبب الحزن – حتى ان يستمر بالعمل في كتابة روايته (الارواح الميتة) لفترة من الزمن . وكتب غوغول بعد مقتل بوشكين يقول – (...لم أعمل اي شئ دون نصيحته، ولم اكتب دون ان اتصور انه امامي ..) .

 نود ان نشير هنا الى مقالة غوغول الموسومة (بضع كلمات عن بوشكين)، والتي حدد فيها غوغول مكانة بوشكين الحقيقية في تاريخ الادب الروسي، وأطلق عليه تسمية - (شاعر روسيا الوطني الاعظم) لاول مرة في التاريخ الروسي، ومدى تأثير ذلك على مجمل حركة النقد الادبي في روسيا (انظر مقالتنا بعنوان – بعض كلمات غوغول عن بوشكين).

ختاما لهذا العرض عن العلاقات الفكرية المتبادلة بين قطبين من أقطاب الادب الروسي والعالمي ايضا، من الطريف ان نذكر، ان السينما الروسية المعاصرة انتجت فيلما سينمائيا وثائقيا (44 دقيقة) عام 2009 بعنوان – (كيف اصبح بوشكين وغوغول أقرباء)، حيث تزوج ابن اخت غوغول حفيدة بوشكين، ابنة الابن الاكبر لبوشكين، وتم زواجهما عام 1881 في ضواحي موسكو، وهكذا ظهر لهم ابناء يوحدون غوغول وبوشكين، وقد حاز هذا الفيلم على جائزة (الادب والسينما) عام 2010 في روسيا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

طلال الغوارالشعر كما الحب كلاهما - هكذا أرى - لا يكتمل تفسيرهما، أو نصل إلى حقيقتهما، فمهما أوغلنا فيهما كثيرا كي نشّكل عنهما فهما معينا فأننا نواجه ما هو ابعد وأعمق مما وصلنا إليه، أو أننا لا نصل، وقد يكون مرد ذلك أنهما أكثر تجذّراً في العمق الإنساني، بل في الوجود الإنساني، قد نصل إلى مقاربات لعل أبرزها أنهما خروج كل منهما عن النظام الحاكم للأشياء، عن جاهزية السائد في كثير من قوانينه ونواميسه التي تضبط حركة الواقع، فإذا كان الشعر هو خروج عن (جاهزية اللغة) ليجترح طرقه الخاصة في استخدامها،

إنها مهمة صعبة جدا .

 فأن الحب هو خروج أيضا ولكن عن (جاهزية الحياة)

عن النمطية السائدة في الواقع، والخروج من بعض قوانينه القاسية التي تتحكم به،

إذن هو يتحدى أقسى القوانين وليس أسهلها .

ويرتقي عليها لكونه حالة أسمى، حالة إنسانية أكثر رقيا بالإنسان لأنها تعمق من إنسانيته، فيتجاوز الانتماء الطبقي، الديني، المذهبي، الريفي،، الحضري ووو.. فحالة الخروج هذه تنطلق من جذوة التمرد الكامنة في الأعماق من اجل التوحد ألكياني الذي يرتقي بالحياة.

**

2-

حينما أتناول موضوعة الحب في قصائدي أو اكتب (قصائد حب) كما يسمونها،  فهو ليس تعاملا بالمعنى التقليدي المعروف مع موضوعة (الحب)، فأنا لا اعني العلاقة العاطفية المحددة مع المرأة، والتعبير عن أحاسيس ومشاعر فحسب، وإنما أتعامل مع رؤيا تكشف عن علاقة الغياب بالحضور، رؤيا التحدي من اجل الحياة، من اجل استمرارها، لكونه حاجة إنسانية روحية للبحث عن التكامل، أو على الأقل خلق حالة من التوازن بين الذات والموضوع، رؤيا تكشف المأساة المرافقة لهذه الجذوة المتقدة في الأعماق (الحب) منذ بدأ الخليقة، واحملّها وجعا إنسانيا ..ووجوديا، فهي تولد مع ولادة الإنسان لتجعل منه حالة قائمة في جدلية مستمرة مع الموت (جدل الحب والموت)، لم ينفك أن يسير معه جنبا إلى جنب..من اجل استمرار الحياة، الحب في قصائدي هو تعبير بشكل أو بآخر عن هذه الوحدة الضدية /الحب /الموت، وأحاول أن اجعل من الحب الذي هو قدرة كامنة في العمق حالة للتمرد وللتحدي لكل ما يعيق حركة الحياة لتعميق بعده الإنساني وما يساهم في تكامله مع الأخر، المرأة، الحبيبة، الذي لا يكتمل.

 

 طلال الغوار