moamar habarراسلني الزميل ياسر يكن، فقال: "السلام عليكم، أستاذ معمر، أرغب في تعلم طريقتك في تلخيص كتاب تقرأه واستخراج زبدته. شكرا لك".

أجبته قائلا: وعليكم السلام، بعد الشكر والثناء، أضع تحت تصرفك بعض المقالات التي كتبتها في ذات الشأن، وحين تنتهي من قراءتها ننتقل لنقاط أخرى تعترضك وتريد التوسع فيها بالشرح والأمثلة.

وكان المقال الأول بعنوان " قصتي مع عرض الكتب"، والثاني بعنوان "كيف تستفيد من قراءة كتاب"، ثم شرع صاحب الأسطر في تقديم بعض الخطوات لعرض الكتاب وتلخيصه، والمستمدة من القراءة والتجربة، وهي:

القراءة الكثيرة، والمتعددة، والمتضاربة حتى يجمع المرء أكبر قدر ممكن من المعلومات.

هناك قراءة عابرة وقراءة متعمدة، وعلى قدر كل واحدة يكون العرض والاختصار.

لابد من القارىء أن يكون مستقلا عن الكاتب والكتاب حتى يستطيع أن يعرض بحرية.

القارىء مطالب أن لا يبغض الكاتب أو الكتاب حتى يستطيع أن يختصر ويستفيد منه دون أن يعميه الحقد والبغض.

التركيز على النقاط التي حاول الكاتب التركيز عليها، بغض النظر عن كونك تؤيده أو تعارضه.

التركيز أيضا على النقاط التي تحاشى الكاتب عرضها، لأسباب ذكرها أو تعمد عدم ذكرها، لأنه ربما أهم نقطة في الكتاب هي التي تعمد الكاتب عدم ذكرها.

وأنت تلخص الكتاب حاول أن تستحضر ما قرأته عن الكاتب أو الكتاب، ووظف بقدر ذاكرتك بقدر ما يخدم عرض الكتاب وتلخيصه.

تطرق للموضوع الذي تتقنه وتحسنه ولك فيه رأي و كلمة،  وحدث عن المصطلح المطروح إذا كنت تتقنه وتحسنه.

بعض الأسئلة التي تحيرك ولم تجد لها إجابة، أعد طرحها وأنت تعرض للكتاب، فإن طرحها سينبهك ويدفع القارىء إلى الإجابة عنها.

تعامل مع الكاتب باحترام شديد حتى لو عارضته، لأن الاحترام ينير الصدر ويساعدك على العرض والاختصار.

وأنت تعرض الكتاب، حاول أن تفرق بين مصطلحاتك ومصطلحات الكاتب، كأن تقول ويسميهم الكاتب بـ "الأهالي"، ليعرف القارىء أن لك مصطلح خاص بك، ومخالف لصاحب الكتاب.

حاول أن تعرض لأمتك من الكتب ما يرفع الهمم، ويبعد عنها اليأس.

الكتابة رسالة، فانقل رسالة طاهرة نقية وأنت تعرض الكتاب.

إذا كنت تبغض شخصا أو فكرة ولا تستطيع التخلص من هذا الحقد، أنصحك أن تبتعد عن عرض كتابه، فإنك ستسىء لصاحبه، ولن تبتدع في العرض أبدا، فالحقد والبغض يعمي.

ركز في البداية على الكاتب الذي تقرأ له والكتاب الذي تتأثر به، لأنه سيكون سهلا على العرض والتلخيص، ولن يكلفك مجهودا، وستكون في غنى عن الصراع، لأنه سيدفعك إلى القراءة ومواصلة العرض لا حقا.

وأنت تعرض الكتاب، دوّن رأيك وبيّن أنه رأيك حتى لا يختلط برأي الكاتب.

راجع باستمرار ما قرأته وما دونته، فكل قراءة تختلف عن القراءة السابقة، وأحسن من السابقة وأفضل، فقد حدث لي أن قرأت كتابا 3 مرات، وكانت القراءة الثالثة مخالفة تماما للقراءة الأولى.

لو كنت متعدد اللغات لكان أفضل وقرأت للكثير بلغات متعددة، ولأن تعرض فكرة بلغات أفضل من أن تعرضها بلغة واحدة.

إبدأ بالكتب ذات الحجم الصغير 100-200 صفحة.

وأنت تقرأ قم باستخراج الأهم وضعه جانبا، وإذا كان الكتاب من الحجم الكبير يستحسن عرضه بالفصل، وإذا صادفتك فكرة هامة قم بعرضها دون انتظار أن تنتهي من الكتاب. فهناك بعض النقاط تلفت النظر، فلا تنتظر أن تنهي قراءة الكتاب، فقد تضيع النقطة التي لفتت الانتباه، فقم بعرض الفكرة، وحين تنتهي واصل القراءة، وتوقف عند كل نقطة تثير الانتباه، فهناك عنوان يثير،  صورة تلفت الانتباه، واسم يستوجب التوقف عنده، وتعبير مثير، ومقارنه غريبة عجيبة، وغيرها من الأمور التي تلفت القارىء المتتبع.

أكتب وأنت في كامل تفاعلك مع الفكرة، وإذا خشيت من الانفعال أكتبها واتركها جانبا وعد إليها، لأنه إذا طال عليها الأمد أصابتها البرودة والخمول.

لا أنصح باستعمال الورقة إطلاقا لسهولة ضياعها، وصعوبة مراجعتها، وأنصح بشدة وبقوة بتسويد الكتاب، وتسجيل الملاحظات عبر الكتاب لسهولة الرجوع عليه، وسهولة الاستفادة منه لأن الكلمة المعنية أو الملاحظة المطروحة تكون ضمن الكتاب، ويكفي حينها القراءة الخفيفة لاسترجاع المعنى وتنشيط الذاكرة.

حين تعرض الكتاب وتقوم بتلخيصه وتتلقى في المقابل ردودا قاسية، أو مشينة، أو مؤيدة أو موضحة، وترد عليها بعلم وأدب، إحتفظ بأقوالك والردود و ضفها لعرضك للكتاب، فتثري بذلك وتفيد.

 وعن سؤال حول الكتاب العصري عبر شاشة الحاسوب، يجيب صاحب الأسطر وباستمرار، حين يؤكد قائلا: لا يوجد أفضل من شراء كتاب ومعانقة كتاب.

هذه ملاحظات نابعة عن تجربة في قراءة، وتصفح، وعرض، وتلخيص الكتب على مدار سنوات، راجيا أن يستفيد منها قارئ هذه الأسطر، ويوجه صاحبها لما هو أفضل للقارئ والناقد معا.

 

معمر حبار

 

رواية شعرية تتحدث عن هواجس الحب والثورة والأبطال والوجع والحزن و"الجاهلية الجزائرية"!

* لا شيء يسمع الحماقات الأكثر في العالم... مثل لوحة في متحف.

*أتدري.. ان أصعب شيء على الاطلاق هو مواجهة الذاكرة بواقع مناقض لها.

* ان الناس اللذين يلهموننا هم اناس توقفنا امامهم ذات يوم لسبب او لآخر.

* فقسنطينة مدينة مناقضة، لا تعترف بالشهوة ولا تجيز الشوق، انما تاخذ خلسة كل شيء.

*هناك عظمة ما، في ان نغادر المكان ونحن في قمة نجاحنا.. انه الفرق بين عامة الناس والرجال الاستثنائيين.

* لقد اراد ان يذهب الى الموت مكابرا وليس مهزوما ومكرها.

* فكيف يمكن لانسان بائس فارغ، وغارق في مشكلات يومية تافهة، ذي عقلية متخلفة عن العالم بعشرات السنين، ان يبني وطنا، ان يقوم بأية ثورة صناعية او زراعية، او اية ثورة اخرى.

*...لأن الموظف في النهاية هو رجل استبدل برجولته كرسيا!

*الجبال لا تلتقي الا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى... وعندها لا تتصافح، بل تتحول الى تراب واحد.

* أما الذين يبدو عليهم فائض من الايمان، فهم غالبا ما يكونون أفرغو انفسهم من الداخل او عرضوا كل ايمانهم في الواجهة، لأسباب لا علاقة لها بالله!

* العبادة درعنا السرية.

* ليس من حق وزير ان يشكو... فلا أحد اجبره على ان يكون وزيرا!

* الآن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة الأشياء.

*انه جنون أن لا تاخذ حقك من هذا الوطن...أنت تحمل شهادتك على جسدك.

* لو تدري لذة ان تمشي في شارع مرفوع الرأس، أن تقابل أي شخص بسيط اوهام جدا، دون ان تشعر بالخجل.

* بدأت اتصالح مع الأشياء، اقمت علاقات طبيعية جدا مع نهر السين.. مع جسر ميرابو.. مع كل المعالم التي كانت تقابلني في تلك النافذة.

* نحن لا نغفر يسهولة لمن يجعلنا بسعادة عابرة، ونغفر أقل، لمن يقتل احلامنا امامنا دون أدنى شعور بالجريمة.

* لا تطرق الباب كل هذا الطرق...فلم اعد هنا!

 

مهند النابلسي 

 

faroq mawasiالعقل هو ضد الجهل وضد الحُمق، وهو التثبّت في الأمور، والتمييز والفهم.

الفعل (عقل) معناه حبس، ويبدو أن معنى العقل مأخوذ منها، فالعقل يحبس النفس عن الهوى، ويقيدها بما هو نافع للإنسان.

يقول (لسان العرب) سمي العقل عقلاً، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك.

...

ما أكثر ما ذكر المعري (العقل) في شعره، وكثيرًا ما استشهد هذا الأديب أو ذاك بقول المعري:

كذَب الظنُّ لا إمامَ سوى العقـــ *** لِ مشيرًا في صبحه والمساءِ

فإذا ما أطعته جلَب الرحـ  *** ـمةَ عند المسير والإرساء

 قال المعرّي هذا النص مخالفًا أولئك الداعين في عصره لإمام منتظر، فعنده أن صاحب العقل لا يضلّ، وهو يميز الصدق من سواه:

أما العقول فآلت أنه كذِبٌ ***  والعقل غرسٌ له بالصدق أثمار

..

العقل كلمة لها علاقة بـ (العِقال) – التقييد بالحجة والمنطق، والمعري اللغوي يربط بينهما:

والعقل في معنى العقال ولفظه *** فالخير يعقِد، والسَّفاه يحلّهُ

هكذا إذن فأصحاب الترّهات  الدينية كما وصفهم:

تستّروا بأمور في ديانتهم *** وإنما دينهمْ دينُ الزناديق

نكذّب العقلَ في تصديق كاذبهم *** والعقلُ أولى بتكذيب وتصديق

..

إذن، فما عليك أيها الإنسان إلا بهذا النصح الذي يُسديه الشاعر:

تفكّر فقد حار هذا الدليلُ *** وما يكشفُ النهجَ إلا الفِكرْ

وقال ما هو في معناه:

فليس يُظلم قلب *** وفيه للّبِّ جذوه

..

يقول:

"والعقل أنفس ما حُبيت..."

فكل ما لا يقرّه عقلك فهو قبيح لا تعمل به:

فشاور العقل واترك غيره هَدَرًا *** فالعقل خير مشير ضمّه النادي

فتحكيم العقل في كل مسألة من أهم ما دعا إليه المعري، ومع الأسف، فإن تغييب العقل هو الذي يسود في كثير من المسائل، وخاصة الدينية منها:

فلا تقبلن ْ ما يخبرونك ضِلّةً *** إذا لم يؤيد ما أتَوك به العقل

فاللب أي العقل هو قطب الرحى:

اللب قطب، والأمور له رحى ***  فيه تُديَّر كلها وتُدار

أي أن مرجع الأمور كلها إلى العقل، فالرحى هي حجر الطحن، والقطب هو ملتقى الأمور وهو الوتد الذي يدار عليه الحجر.

يمضي المعري ويقول:

والحديث المسموع يوزن بالعقـ   *** ـل، فيضوى إليه عُرف ونكر

أي إننا بالعقل نرفض ونقبل، "فاقبل إذا ما نهاك العقل أو أمرا"، و"عليك العقلُ فافعل ما رآه جميلا..."

يقول المعري ملخصًا سلوكه في حياته:

نهانيَ عقلي عن أمور كثيرة *** وطبعي إليها بالغريزة جاذبي

ويقول:

سأتبع من يدعو إلى الخير جاهدًا *** وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي

..

ما علينا إذن إلا التفكير:

"وما يكشف النهجَ غير الفِكر"، كما ذكرنا أعلاه،  فالله وهبنا العقل لنعمل وفقه، ولكن ثمة من يغفل عنه:

تركتِ مصباح عقلٍ ما اهتديتِ به *** والله أعطاكِ من نور الحجى قبسا

فالمسترشد بالعقل يرى الطريق القويم،

 "وكم أمرَ العقل السليم بصالح".

 

مع ب. فاروق مواسي

 

kamal alhardiالعشق تجربة إنسانية فيها من المرارات بقدر ما فيها من المسكرات. وقد صوره الشعراء بغزليات وصاغه المثالون بمنحوتات وعزفه الموسيقيون بمقطوعات ورسمه الفنانون على لوحات وسرده الرواة على صفحات وصار أفلاما ومسلسلات ، لدرجة أن أضحى هو الظاهرة الإنسانية الأكثر رواجا في كوكب الأرض بلا منافس!

ولكن ما الذي يجعل العشق لدى الإنسان هو العاطفة الأقوى إذا ما قورن بالمشاعر الأخرى كالكره والحقد والغضب ..؟ الجواب ببساطة: لأن الحب هو ما يجعل من الإنسان إنسان.

ذات يوم شاتي رآها للمرة الأولى في إحدى مدرجات الجامعة فأدمنت عيناه رؤياها فقرر أن يصارحها بحبه آملا في أن يكون له مكان في قلبها إن كان شاغرا. تردد كثيرا مخافة أن يصدمه جوابها فيعدمه، لكنه تجاسر وقرر أن يمض فيما كان قد عقد العزم على إمضائه. وبعد أن استجمع كافة قواها ذهب قاصدا إياها، ولما كان على مقربة منها تحولت نبضات قلبه إلى ضربات شتتت أفكاره وبعثرت ما كان قد أعده في ذهنه ليقوله. لم يبق على لسانه سوى التحية الصباحية التي ألقاها عليها وهو على غير ثقة من أنه سيلقيها بصيغتها الصحيحة. ولحظة أن ردت تحيته بتحية أحسن منها أشعلت جذوة عشقه والتي غدت فيما بعد نارا ربما ليس للشمس أن تكون قبس منها!

مرت سنوات الدراسة الأربع والعشق بينهما في ازدياد مطرد لا تفتر حرارته ولا تخبو جذوته، فما كان منهما سوى أن قررا الارتباط برباط الزوجية المقدس. تكلل الحب بالزواج وأوتي بها إليه في ليلة البناء (الدخلة). بنى بها وبنت به فكأنما كانا يتذوقان نكهة العشق على مرافئ القمر ! وبعد مرور ستة عشر عاما من زواجهما لم يغادرا تلك المرافئ بل لا يزالان يتفيئان تلك المرافئ ليقولا بذلك لكل عاشق أن الزواج يذكي العشق ويجعله أكمل وأجمل.

 

كمال الهردي: كاتب وروائي يمني

 

 

faroq mawasiسألني سائل: قالت الضفدع قولاً *** فسّرته الحكماء

لماذا نقول (فسرته) والحكماء- جمع لعاقل؟

..

من خلال مراجعة في كتب اللغة نجد أنه  يصح التذكير والتأنيث، في الجموع التالية:

•  جمع التكسير للعقلاء سواء أكان المفرد مذكّرًا أم مؤنّثًا، نحو أنشد (وأنشدت) الشعراء، فسّر الحكماء أو فسرت، وبكى (بكت)  الثواكل، وحضر (حضرت) الأوانس.

 وأرى أن الأفضل في لغتنا المعيارية اليوم-  التذكير مع المذكّر، فنقول: قال الخطباء، والتأنيث مع المؤنث: قالت الشواعر.

فنحن وإن جاز لنا لغة أن نقول: الرجال جاءوا، والرجال جاءت، فإننا نفضل الصيغة الأولى في لغتنا المعاصرة.

اجتمع التذكير والتأنيث في الجمع التالي- العصاة، وذلك في قول ليلى الأخيلية:

أحَجاجُ لا تعطي العصاةَ مناهمُ ***  ولا الله يُعطي للعصاة مناها

•  اسم الجنس الجمعي- وهو ما يُفرَّق بينه وبين واحده بالهاء، كالتمر، والبقر والنخل:

رعى البقر أو رعت.

وفي القرآن وردت (النخل) في التذكير: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} القمر، 20- وفي التأنيث: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} ق، 10-

* - جمع المذكر المنتهي بـ (ات) كطلَحات وحمَزات، أو ملحقًا بجمع المذكر السالم كبنين- جاز فيه الوجهان تذكيره وتأنيثه، والتذكير أشيع.

*- اسم الجمع، نحو الرهط، الإبل، القوم، العرب، فنقول: قال العرب، وقالت العرب، وانتصر (انتصرت) الروم في حروبهم (في حروبها). فإذا استخدمنا صيغة فعلينا أن نتابعها في الضمير بعدها، فنقول:

 "انتصر الروم في حروبهم"، ولا نقول هنا-  (في حروبها).

• متى يَجب تذكير الجمع؟

يجب التذكير إذا كان الجمع جمعًا مذكرًا سالمًا: صام المسلمون. ألقى المحاضرون محاضراتهم.

...

متى يَجِبُ تأنيث الجمع؟

يجب تأنيث الجمع إذا:

* كان الجمع جمعًا مؤنثًا سالمًا حقيقيًا ظاهرًا، نحو "جاءت الفاطماتُ".

وكذلك مع جمع المذكر غير العاقل إذا جمع جمعًا مؤنثًا سالمًا، فنقول:

اتسعت المجلّدات، وبُنيت الحمّامات، وفي الإصطبلات حيواناتها.

* أن يكون جمع التكسير لغير العاقل، فنقول: أشرقت الوجوه، وبكت العيون، وتلألأت الجواهر في إشعاعها...إلخ

 

ب. فاروق مواسي

 

hamid taoulostليست هذه المرة الأولى التي أصاب فيها بعسر الكتابة، وأتوقف، لأيام وربما لأسابيع، أمام المواضيع والأحداث الدسمة المثيرة، مغلول اليد، لا أسود بياضا، معقوف القلم لا أنقش رسما، معقود الحرف لا أخط حرفاً، مشلول التفكير لا استطيع التسلل لمخابئ الحرف المتراكمة في ذهني، ولا أقوى، لا أقهرا ولا طواعية، استدارج ما يعج بخاطري من أفكار وتعابير، لترميزها على شكل كلمات مكتوبة، وكأن تلك الحروف، التي كانت إلى حين منسكبة بغزارة، قد تكلست بدواخلي وتحجر جويانها، أو أن الحبر الذي كان منسابا سيله، قد جف وتيبست مساراته، وضن علي البوح، وتعصلج معي التعبير، البسيط منه والمعقد، بالرغم من توافر مكونات الإبداع، وظروف التفكير والتصور والتعبير، واستفزاز شهوة الكتابة، شبقية التحدي والحماس العارمة، وبالرغم من توفر والمحرضات الذاتية و المحفزات الموضوعية واستفزازيتها، من رفاهية الأجواء، وصفاء اللحظة الإبداعية، وجمالية الأمكنة، وتوافر الأقلام والحواسب، وكل ما لا يبقي ولا يدر الورق على بياضه، وبالرغم من اتساع دوائر ومجالات التأمل والتفكير، فقد اعتراني هذه الأيام ضعف في الإنتاج، والدي يمكن أن نسميه تجاوزا "عسر الكتابة" على غرار عسر الهضم الذي يصيب البَطين المَبْطُون، فأرعبني الأمر، وارتعشت له جوانحي، وخشيت أن تكون تلك بداية النهاية، وإني انزلقت في دوامة الملل والتكرار والرتابة، أخطر أعداء فعل الكتابة، وأكثر ما يرعب هواتها و جميع من يهيم بها، وان موهبة رصف الكلام ستهجرني، ولا أعود لتسطير المنثور منه والمنظوم، ولا أتمكن من تنسيق الحرف والوصف بسلاسة وجمال وبموضوعية واثقان.

فهل يا تري سيستمر معي هذا الذي اعتراني، وأتوقف نهائيا عن التواصل والاتصال بالآخرين، بالكتابة التي قبل أن تكون أي فعل، فهي وسيلة ووسيط يوظّف لنقل الرؤيا والأفكار والمشاعر للمحيط الاجتماعي الذي نتفاعل معه؟

لا وألف لا، إنها حالة عابرة و"بلوكاج" خفيف - ليس كـ"بلوكاج" تشكيل الحكومة -سيزول بزوال أسبابه النفسية الظرفية، كما توزول أوجاع البطنة بزوال مسبباتها، فما يدريني فلعل الفرج يأتي بعد حين، وأعود لهوايتي التي وجدت فيها نفسي التي قضيت العمر أبحث عنها، فهجرت من أجلها كل شيء، حتى لذة النوم، وكل أملي معقود على من أقسم بـ" ن والقلم وما يسطرون"، وبالمناسبة لقد ذكرني القلم بإحدى عادات المرحوم والدي، والتي ما كنت أعرف الحكمة منها، وهي تعوده،رحمة الله عليه، وضع القلم على أذنه اليمنى، وتحسسه لها من حين لآخر، بنشوة وسرور، للتأكد مما إذا كان القلم باق في موضعه، ربما لإهتمام "ناس زمان بالقلم وقدسيته، أو لسهولة الوصول إليه عند اللزوم، أو لتجنب إضاعة الوقت في البحث عنه في الجيوب عند الحاجة إليه، وبفس المناسبة أحالتني عادة المرحوم والدي إلى عادة أخرى، وهي تباهي المتعلمين وعلى الأخص المعلمين من بينهم، بوضع عدد من الأقلام في الجيب الخارجي لستراتهم.

وفي الختام أتعتذر لقرائي الأجلاء إن أخلفت وعدا أو تخلفت عن موعدا، وتحيتي ومحبتي واحترامي لكل من يقرأ مكتباتي رافضا أو مؤيدا.

حميد طولست

 

balkis alrobaieوأنا في طريقي الى استراليا، توقفت في الشارقة وسنحت لي الفرصة أن التقي الدكتور عمر عبد العزيز، رئيس قسم البحوث والدراسات بدائرة الثقافة والاعلام في الشارقة ورئيس تحرير مجلة (الرافد) الثقافية ورئيس مجلس الادارة في النادي ."الثقافي العربي في الشارقة . ووقتها أهداني مجموعة كتب من ضمنها رواية مريوم يُقال " أن الروائي الحقيقي هو الذي يأخذ القارئ باسلوب سردي مشوق ومتين حتى "آخر عبارة في روايته.” وهذا ما لمسته عند قراءتي لرواية " مريوم  الصادرة عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة.

ورغم أن الرواية لايتجاوز عدد صفحاتها عن التسعين صفحة، لكنها تتميز بالفكر والفلسفة واللغة، ويجد القاريء أن الروائي والمفكرعمر عبد العزيز موسوعة في المعارف الأدبية والعلمية ولديه قدرات لغوية فائقة وامكانيات كبيرة في ترويض اللغة العربية ليرسم بالكلمات مشاهد كاريكاتيرية أو تراجيدية. ففي هذه . الرواية رسم لنا مشهدا تراجيديا حول موت ومراسم دفن مريوم كانت الأستعدادات على اشدها، والخرق البيضاء الناصعة تخرج من ابواب ..) المنازل، والأبخرة تتناوب معارج تشكيلاتها السديمية، والأطفال في حيرة مما يجري والطيور تهرب من اوكارها كما لو أن بها مسا من جنون مريوم، والبحر يتحول الى (.مرايا زجاجية تومض بصواعق من ضياء فاقع رغم معرفتي السابقة بالدكتور عمر منذ أن كان مديرا عاما لتلفزيون عدن، لكني من خلال قراءتي للرواية وجدته مفكرا وسياسيا ضليعا بالتاريخ السياسي العربي والعالمي. ففي "رواية" مريوم " كشف للقاريء المفارقات في القانون الدولي العام .ومعنى الظلم والتدخلات السافرة في شؤون الغير والاعمال العدوانية ضدر الدول ان القانون الدولي الخاص ينحسر في حضوره الافقي العالمي يوما بعد آخر …) وتنتظم مرئياته في اطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية حمًالة الاوجه في تفسيرها وتطويعها، كما أن لغة تلك المعاهدات والاتفاقيات تتسم بقدر كبير من التجريد، وهي صفة عامة في لغة القوانين المكتوبة، حتى أن التعريف التقليدي للقانون يُختصر في (."قول القائل" القانون هو فن استخدام اللغة.

قبل أن أقرأ الرواية لم اكن اعرف أن هناك بجعة سوداء موطنها استراليا ففي " مريوم " قدًم لنا الروائي ثقافة معرفية عن البجعة السوداء . (. . تلك المعجزة التي ارهقت كاهل المستكشفين الاوربيين لقارة استراليا.. يوم شاهدوا بجعاً بلون اسود لم يروه ولم يعرفوه من ذي قبل، فكان التفسير المباشر للذهن الاستيهامي الميتافيزيقي أن تلك البجعات ليست سوى سحر أسود من صنع السكان الأصليين، وربما كانت.طاقة شيطانية تُجبر رائيها على التعوذ منها).

وقادني فضولي وأنا في سدني أن أرى هذا الطائر، ووجدته جميلا ورشيقا وناصع .السواد، له منقار أحمر وعيون حمراء وبعض الريش الابيض تحت الجناحين وهنا استنتجت أن الروائي وبطريقة ذكية ودون أن يشتت تفكير القاريء، قرن .جمال البجع الأسود بجمال مريوم ورشاقتها .

الرواية ثرية بالمفردات التعبيرية وبسحر اللغة العربية التي استخدمها المؤلف في وصف مريوم (.. في حالة تماه ساحر مع جمالها الظاهرفي استقامة عودها الخيزراني، و ضفائرها المعقودة وراء مستودع الخفاء الملهم، وأناملها المنسكبة بليونة أنامل الجوكندا، والتجسيم الهيليني واضح الملامح، واستوائها المنظوم على درب سيرها المتعرج بتهاديات جسدها النحيل، وابتسامتها الذكية النابعة من اسنان (.مرصوفة حد البهاء المشع برحيق عذوبة من ماء زلال.

في رواية "مريوم" رصد لنا المؤلف التحولات التي حصلت لدبي وما وصلت اليه الآن بعد أن كانت (.. دبي مدينة ساحلية تنتظم في مساراتها انساق من منازل خشبية تنتمي لأنماط العمارة الانجليزية الفيكتورية، واخرى هندية البناء، وبعض من البراجيل " المحلية المنتصبة امام الشموس والضياء، وكثرة كاثرة من المنازل ” المشيدة من الخوص وسعف النخيل).

ودبي الآن ليس كما كانت في زمن الاربعينيات من القرن الماضي بعد أن كانت بيوت ساحلية متهالكة وخيما رثة. فهي الآن تزخر بأبراجها العالية وحدائقها الغناء ونوافير المياه المشعة بالأنوار الجميلة.

وفي الختام أقول أن للدكتور عمر عبد العزيز قدرة كبيرة في بناء عناصر رواية مريوم” . فقد تدرج في بناء شخصية مريوم التي يقول عنها اهل الحارة بأنها مصابة بمس من الجنون، حتى اوصلها لحالة الأسوياء كما للدكتور عمر المام بالشعر والشعراء واختياره لبعض الأبيات الشعرية أضاف متعة للسرد المشوق والمتين للرواية . ففي الصفحة 46 من الرواية ذكر أبياتا من الشعر للحسين ابن منصور وكأني بها اناجي زوجي الشهيد ابا ظفر

والله ما طلعت شمس ولا غربت"

ألا وحبك مقرون بأنفاسي

ولاجلست الى قوم أحدثهم

"ألا وانت حديثي بين جلاسي

 

يبدو أن واجهتنا الثقافية المتمثلة بالإعلام العربي لم تعد تقتصر بمعظمها على النقل فقط من المحطات والمواقع الغربية؛ وإنما تعداه إلى نقل العبارات والاصطلاحات الإنجليزية وترجمتها ترجمة حرفية بشكل لا يندرج ضمن قالب ثقافتنا وفكرنا العربي، ومعظم الترجمات جاءت غير مستساغة الفهم لمن هو على غير اطلاع بالمصطلح الإنجليزي.

سأسرد إليكم هنا بعضاً من تلك العبارات والاصطلاحات المنقولة من الإنجليزية، والتي هي أصلاً موجودة في لغتنا العربية، والتي تم مؤخراً استخدامها وتداولها بشكل كبير، حتى في المقابلات التلفزيونية:

1. "التفكير خارج الصندوق"، نقلاً عن الإنجليزية thinking out of the box

والعبارة المرادفة في لغتنا العربية هي ببساطة " التفكير الخلاّق"

2. "العودة إلى المربع الأول"، نقلاً أيضاً عن الإنجليزية Back to square one

والمرادف السلس الموجود في لغتنا العربية هو "العودة إلى نقطة الصفر أو نقطة البداية"

3. "سياسة العصا والجزرة"، نقلا أيضاً عن المصطلح الإنجليزي Carrot and stick policy

ومرة أخرى، لغتنا العربية لديها المرادف الجميل "سياسة الترغيب والترهيب"

4. "يضحك في أكمامه"، ترجمة لــ Laugh in his sleeves

لدينا في لغتنا العربية وحتى المستخدمة في حياتنا اليومية "يضحك في سرّه"، فمصطلح "يضحك في أكمامه" والذي سمعته غير مرّة متعجباً لا ينفع – يا مثقفينا - في فصل الصيف الحارّ!

هل كانت اللغة العربية يوماً فقيرة لهذه الدرجة كي تخلو من هكذا عبارات أو اصطلاحات أو تشبيهات بسيطة، أم بات من يتعامل معها يومياً ويتحدثها لا يقرأ إلا ما قرأه أيام المدرسة؟! كيف يتقبّل المحررون الإخباريون هذه اللغة إلا إن كان كانوا يعتقدون أنها اصطلاحات حداثية أتت بها اللغات الأخرى، ولم يواكبها المجمع العربي بعد؟!

هناك طبعاً عشرات الأسئلة فيما يتعلق بالإعلام العربي الهزيل لغة ومضموناً وانتقاصا لمقام اللغة العربية، التي لن يجيب عليها تطبيقاً من خلال شاشاته، إلا إذا وُضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح، وأُزيحت المحسوبيات من على منصاته! 

 

محمــد عرّوب

أكاديمي وكاتب سوري

 

ali mohamadalyousifاذكر اني ارسلت رسالة لصديق اديب قلت: ان اردأ انواع العاطفة هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه. وقتها لم اكن قرأت عبارة المتصوف (النفري) التي اصبحت على كل لسان: ( كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) واول من عالجها الشاعر المفكر ادونيس، ليتلقفها بعده العديدين من الادباء والشعراء والنقاد بالشرح والتأويل والاضافة، حتى ان شاعرا عراقيا ضاق ذرعا ولم يعد يحتمل فما كان منه الا ان وضع كتابا يقع في ستين صفحة فقط حجم متوسط رد فيه  فهم ادونيس لعبارة النفري التصوفية .

وقد اعجبتني العبارة، فهي مكتنزة بمدلولها، محملة بعمق رؤوي ودلالة تأويل فلسفي تصوفي استبطاني وجداني، مما حدا بي عنونة مخطوطة  مجموعة شعرية لي مستوحيا الدلالة اللغوية المباشرة في عبارة النفري فكان عنوان مجموعتي (توهج العشق ... احتضار الكلمات) .

بعيدا عن المحايثة الفلسفية، والاستبطان الكشفي التصوفي فأن عنوان مجموعتي الشعرية، النصوص النثرية (قصيدة نثر) تحمل تضادا جدليا واضحا فالكلمتان اللتان تتصدران العنوان (توهج العشق) والاخريتان اللتان تقعان في عجز العبارة (احتضار الكلمات) توضحان التناقض الجدلي بين بداية العنوان ونهايته.

يذهب الشعراء ونقاد الشعر في دراساتهم وارائهم ان العمل الابداعي المكتوب يكون فيه العنوان (ثريا النص) يمثل الاضاءة الاولية لمحمول النص لدى المتلقي . وتحت عنوان ثريا النص جاء كتاب القاص والروائي الراحل محمود عبد الوهاب في جمعه اراء (استبيان) مجموعة من الادباء والكتاب والفنانين في سؤالهم ماذا يعني عندهم عنوان النص او عنوان الكتاب . وكان حصيلة اجاباتهم تلك كتابه المذكور .

المهم ان الجدل التصوفي العميق في عبارة النفري بحسب فهمنا لها تنم عن خلاصة تجربة انفرادية اغترابية ذاتية تدخل في غمار الحدس الاستكشافي بما يحمله من السمو والرفعة الى ما فوق المدرك المحسوس عن طريق مسالك الحلول التصوفي الوجدي العارفاني .

من السهل ملاحظة في عنوان (توهج العشق ... احتضار الكلمات) النبرة الحّسية العاطفية الوجدانية العالية، فنجد (توهج العشق) عبارة ممتلئة بايحاء دلالي قاطع، يقابلها ويكملها في علاقة تضاد جدلي كلمتي (احتضار الكلمات) فهي على النقيض مع ما سبقها وتوحي بانحدار بارد يصل قمة العجز الكلامي والوصول الى احتضار المفردة الشعرية وانعدام قدرة امتلاك وسيلة التعبير التي تشاكل وتماهي حالة توهج العشق.

المتداول العادي في الفعالية اللغوية المنطوقة والمكتوبة هي التي يتطابق فيها اللفظ او المفردة اللغوية في الدلالة مع المدرك المحسوس احادي الجانب الذي لا يتقبل بسهولة- هذا خارج مقاييس النقد ومعيار خصوصية الفن-، لغة التأويل والحفر في خلفيات النص ومدلولاته الاستقبالية . في حال التنميط وتماثل اللغة الشعرية مع المدرك المحسوس نجد ان اللغة هنا تؤكد فاعلية المنطق اللغوي العقلي، وتعدم فاعلية واهمية المخيال اللاشعوري التصويري الانفعالي في استخدام اللغة جماليا الذي يمثل جوهر فاعلية المنجز الشعري .

في تأكيد العرب القدامى فاعلية المخيال المخصب للشاعرية اوجزوها باقل المفردات قائلين : (اعذب الشعر اكذبه) وفي هذا تأكيد على اهمية الصورة الشعرية والمخيال المخصب للفعالية الشعرية، وفي اجتراح الشاعر لصور ابداعية شعرية غير مسبوقة وتشكيل اللغة جماليا بما يخرجها عن السياق العام في المتداول العادي بين الناس والتخاطب اللغوي الكلامي .

وفي تأكيدنا صوابية هذا المنحى نجد في موروثنا الشعري القديم لدى فحول الشعراء ما اطلقوا عليه (الارتجال) في قول الشعر وفي المناظرة الخطابية النثرية ايضا،فارتجال الشاعر قصيدة تقوم على تحفيز حسي انفعالي لقريحة وموهبة الشاعر المتنامية في مرحلة لاحقة،يستلمها المخيال الشعري المخصب في القاء القصيدة  التي نجد انعدام المدرك المحسوس فيها،على سبيل المثال قصائد تصف وقائع حربية ومعارك عرفها الشاعر والاخرون سماعا شفاهيا، ولم يشاهدها الشاعر او شارك بها،ويطلب منه النظم الشعري فيها . بعض قصائد ابي الطيب المتنبي في (السيفيات) في تغطية انتصارات حروب سيف الدولة الحمداني تدخل في هذا الباب، كذلك فعل الشاعر ابو تمام حبيب ابن اوس الطائي في مدحه الخليفة المعتصم في قصيدته التي مطلعها :

السيف اصدق انباءا من الكتب ...  في حده الحد بين الجد واللعب

ويوجد الكثير من الشعر العربي القديم والحديث يندرج في هذا المنحى، منحى اللا تجربة الحسية الواقعية في تعويض توظيف المخيال والموهبة الشعرية في نظم الشعر.

 

علي محمد اليوسف

 

faroq mawasiيخطّي الحريري في (درّة الغواص، ص 56) وعباس أبو السعود في (أزاهير الفصحى)، ص 135، وأمين آل نصر الدين (دقائق العربية)، ص 124 من يضيف (كافّة) إلى ما بعدها، أو من يستعملها معرفة (الكافّة) كأن يقول القائل: حضر كافّة الضيوف، أو حضرت الكافّة، بدعوى أنها لم تستعمل إلا حالاً استنادًا إلى طريقة ورودها في القرآن الكريم، نحو:

 {وما أرسلناك إلا كافّة للناس بشيرًا ونذيرًا}- سبأ، 28

{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة}- البقرة، 208.

{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة – التوبة 36.

وغيرها.

ولكن،

وردت (كافّة) في رسالة نُسبت إلى الخليفة عمر، واطلع عليها إمام الفصاحة علي -كرم الله وجهه-، وأجازها، حيث ورد فيها:

"قد جعلت لآل بني كاكلة على كافّة المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبًا إبريزًا..".

نص الرسالة تجده في:

عباس حسن، النحو الوافي، ج2، ص 379، وهو يقتبس من حاشية الصبّان على شرح الأشموني ج2، فيقول "إن الصبّان عرض لتفصيلات أخرى تختص بهذه الكلمة وباستعمالها، وعلى هامش (القاموس المحيط) مادة (كفّ) نص منقول عن شرح القاموس يجيز استعمال هذه الكلمة مقرونة بـ (ال) أو مضافة وأن رفض هذين الاستعمالين لا مسوّغ له".

انظر كذلك: محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص 218.

...

إذا كان الحريري يشدد علينا ألا نقول (كافة) مضافة، فلماذا كتب هو في كتابه نفسه:

"وتشهد الآية باتفاق كافة أهل الملل"- درة الغواص- ص 239.

ويُلاحظ أن الزَّبيدي في (تاج العروس) تحفّظ من إدخال لام التعريف على (كافّة) في مادة "كف"، لكنه يقع فيما تحفظ منه، ففي مادة (ن د ي) يقول: "كما ذهبت إليه الكافّة".

على هذا يصح لنا أن نقول:

 حضر كافة الضيوف، كما نقول: حضر الضيوف كافة.

ونقول كما قال الزبيدي: "ذهبت إليه الكافّة".

..

إضافة:

ثم إن التعبير (كافتهم) يتردد في لغة الأدب والتفسير، نحو ما ورد في مقدمة كتاب (تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل):

"فشكر الله سعيهم ورحم كافّتهم"، ونحو ما ورد في (المنقذ من الضلال) للغزالي، وقد جعل ذلك عنوانًا:

"أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم"....إلخ

ومثل (كافتهم) قرأت نماذج أخرى فيها (كافّتنا)، و (كافّتكم)، (كافّتها)، فلماذا التشديد على (كافّة) ووجوب أن تكون حالاً، وهي تستجيب في اللغة لحالات إعرابية مختلفة؟

 

ب. فاروق مواسي

 

الشعر.. بحر القصيدة، حذاري ان تقارنوا فيه، بين قصيدة وأخرى، لشعراء قطعوا مراحل بعيدة في شوطه المتلاطم؛ لأنكم ستقعون في لوم أسراره الأخرى، وتتفاجؤون بأنه لايخضع ابدا للمقارنات السطحية العابرة، او المعمقة ببلادة نظر!، فكفوا عن ادب المسابقات الأبتر؛ لأنه سيقطع أذناب القصائد العملاقة، ويضيفها إلى (بتراوات) القصائد الأخرى!

الشعر..في درسي هذا: يحتوي على خلاصات متراكمة، وأعاجيب، وظاهر، وباطن، وآني، وبعد حيني، وغمز ولمز، وهمز ولكز، (وهش ونش)، وأصيل ومزيف، وغث وسمين، وعليل وسقيم، ومحتضر وشاب، كلاهما في صورة شاب!، وقبيح وحسن كلاهما في صورة ظاهر الحسن، فإذا لم تكن باطنيا، فلا تصف الدواء، لتقتل المريض بدل الداء!

الشعر.. أمير محترم مادام وحيه بعيد عن مكيدة المسابقات، فإذا دخل في غمارها، سلبت إمارته، وبطل سحره، وفُضِح الجاني عليه، وزجه في هكذا مسابقات سيحجم من دافعيته، ويؤثر على تناسل القصائد من القصائد لقرون وقرون!.

الشعر.. يعاني من داء التذوق المريض عند معظم المحكمين، أكثر مما يعاني من داء الفصاحة والإجادة، والابتكار والصورة والتحديث، عند المزاولين.لذلك أسيء له من حيث غُلّقت أبوابه، وأخفيت محاسنه، وألقيت عليه مساوئ الغير.

الشعر.. جبل، وليس من العدل أن تأتي بقمة الجبل فتساويها بقاع المنحدر، ثم تطلق عليه طلقة الرحمة، بعقلك النقدي الصنمي الخرف!

ومن فكرة هذا الدرس اقول نصيحة ورحمة بهذا الكم الهائل من الناعقين: إذا أردت أن تقارن بين قصيدة وأخرى، فعليك ان تتردد ألف مرة ومرة؛ لأنك اما ستشتري حسنات ظاهرة، او تدحض سيئات ظاهرة، ويظل الباطن يلعنك كثيرا!

الشعر.. يريدك ان تقرأه من محيطه إلى خليجه، قراءة إيقاعية تتناسب وجوقة موكبه الرسمي، لاان تجره الى تدني هامشيتك العارضة وتطفلك على مائدة النقد، فتلبسه مساوئك، وتخلع عنه محاسنه، لترميها في شدة تلاطمك الصنمي البهيج!

الشعر.. كرامة الكرامات، فمن الجور ان نمتحنه امتحانين في رَحلة واحدة: امتحان الحكم الجاهل، وامتحان المنافس الجاهل: فيضج فينا بصوت المتنبي قائلا:

يااعدل الناس الا في معاملتي:

                  فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ

والصواب:

يا اظلم الناس حتى في معاملتي

                  فيك الخصام وأنت الخصم لاالحكمُ!

ولو علم جدي المتنبي رحمه الله تعالى!، أني عارضتُ بيته الشهير هذا بهكذا تداخل عرضي بديهي، لقال: خلّفتك في آخر زماني لتملأ أول مكاني، فطوبى لما تقول!

 

بقلم- رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

 

sameh owdaعلى بعد همسة من الشوق، وبالقرب من لهفة الحنين، كانوا هنا، وغادروا كما غيم الربيع، لكن الفرق أن هاماتهم تركت آثارها، فنما الشوقُ على جدار اللغة، هذه هي تجليات القلب حين يعانق القلب، تصمت الشفاه عن الهمس، تاركةً بحراً مائجاً من الظلال الوارفة في سمائنا الملبدة بكل ما هو جميل .. وحزين.

بالأمس حط رحال وفد من الروائيين العرب من المشاركين في ملتقى الرواية العربية الأول، في ربوع قلقيلية، وهم قامات وأقلام لها صولاتها، تؤنس السطور كلما فاضت أحبارها، الوفد الذي صهر الحدود الفاصلة فأتى إلينا عربياً (خالصاً) ..!! زار محافظة قلقيلية، وعايش هموم حياة الموطن الفلسطيني الذي يتجذر في أرضه فيسقيها من فؤاده عرقاً باذخاً، عرقاً رقراقاً .. فتأبى ذرات التراب الحبلى بالحنين .. الا أن تطرح الليمون والجوافا .. وما اشتهت الأنفس .. وألفت الروح.

هنا حيثُ الحدود الفاصلة، قبلةٌ على جذع شجرة المشمش في أرض عبد السلام غرب المدينة..

 وهناك لمسة أنيقة على غصن زيتونة غرسها طفلٌ في مدرسة الصمود بعزون عتمة الباقية..

 أما في خيمة الأسرى، فقد تركوا دمعة حارقة، نعم هي دمعة الروائي السودني "حمور زيادة".

كل هذه الأيقونات الفريدة .. معلقة في سماء قلقيلية على بعد قُبلة تحت الشمس بقليل، أو ما بعد الفضاء اللغوي الذي نعرفه، ربما تكون لغتنا ركيكة إذا ما حاولنا إعادة صياغة مدلولات تلك الزيارة بأبعادها المختلفة، وبتجلياتها الرقيقة، لأنها أكدت أن الملح والماء يصنعان نصراً حتى لو كان بأمعاء خاوية.

المثقف العربي عندما يعايش الحالة بعيدً عن جوهرها، ويلقي بذاته المبدعة بعيداً عن الشعارات الزائفة التي يتداولها الإعلام العربي في السجال الدائر بين (الإسناد، والتطبيع). هنا تسقط كلُ جمل الإنشاء، أمام حقيقة ساطعة، لأنه عندما تكون المواجهة حقيقية بين المحتل والشعب الفلسطيني تتجلى حقائق الوحدة بدلاً من زيف الانقسام.

في الحالة الفلسطينية .. هناك ثابتٌ وحيدٌ هو الوطن الممتد من عهد كنعان إلى عهد هذا الإنسان الصامد منذ ذلك التاريخ وحتى تسع وستين عاماً من الموت.

تسعٌ وستون عاماً من اللجوء لم تغيب الذاكرة الجمعية للشعب الذي أريد له أن يكون خارج المكان مشرداً خلف الحدود الفاصلة.

هذا المكان الممتلئ بقدسية التاريخ وحتمية الانتصار المؤجل .. الكتاب العرب رأوا حقائق شاسعة انتابها بعض الضبابية عندما كانوا هناك، لأنهم لامسوا الحقيقة عن قرب، وأنا على يقين بأن ما عاينوه ولامسوه من حقائق .. سيكون الرد الأمثل على أولئك الذين أبحروا  بعيداً عن مينائنا الأزلي، وذلك من خلال قلائد أدبية أبديه خالدة ، لأن حتمية الحقيقة أبقى من هوائية الشعارات.

ولأننا متيقنون من عدالة ما نصبوا إليه فإن مقولات التطبيع التي ستخرُ واقعة في ساحات السجال اليومي بين الإرادة الشعبية الجامعة، وبين مفردات السياسة التي تأتي بين قوسين (ربح، وخسارة).  وسط هذا السجال هناك حق راسخ وتسع وستون موتاً من النكبة، وأمعاء اقتربت من يومها الثلاثين من الجوع .. تنتظرُ من يمسح حزنها، ويطبب جرحاً أوغل المحتل فيها.

على بعد قبلة .. فاصلة رواية .. ليست رواية الفلسطيني وحده، وإنما هي رواية الكل العربي ضمن المسؤولية الجمعية وما يتبعها من مسؤوليات أخرى إنسانية.

على بعد قبلة .. فاصلة، دهاء يريد للشفاه إلا تلتحم مع الوردة، أنتم هناك في فضاءاتكم ضمن واقع لا يمكن تجاهله، لكنني على ثقة حتمية أن النصر نصنعه معاً رغم الحدود والأسلاك الفاصلة.

في هذه العجالة المستظلة بشذى أزهار الليمون في بيارات قلقيلية، والممزوجة مع مشاعر الأصالة للزائرين (الأهل)، لست أحاول استدرار عطف أحد... إنما هي الكلمات وحدها تنطلق من إحساس لا نعاينه كل يوم. زيارتكم تركت أثرا لا يمحى، وقبلتكم تركت أثارا أعظم من أن تنسى. فإلى اللقاء.

قبلة، وفاصلة ..

 

بقلم : سامح عوده – فلسطين

 

faroq mawasiسألني صديق: البيت التالي (لعله للفرزدق؟) يحيّرني أمره:

ما قالَ (لا) قطّ إلاّ في تشهّدِهِ ***  لولا التشهّدُ كانت لاءَهُ نعمُ

فلربما كان من الواجب أن يُكتَبَ هكذا:

ما قالَ لا قطّ إلاّ في تشهّدِهِ *** لولا التشهّد كانت لاؤهُ نعم

لعلّ ذلك يخفّف من وطأة ما فيهِ من خطأ نحوي.

 وإلاّ فهل لديكم تفسير لهذا اللحن؟

عزيزي، ولك تحية!

 أولاً- البيت للفرزدق، ومنهم من يرويه للحَزين الكِناني أو لداود بن سَلْم، لذلك فإن علامة استفهامك على حق، مع أن الشائع أن القصيدة للفرزدق.

ولكنك لست على حق إذ كتبت (لاؤه نعم ُ) والصواب (لاءَه نعم). لأن (لاء) خبر مقدم منصوب.

وهذا من باب "القلب" في اللغة، فكان المعنى:

لولا الشهادة الأولى ونقول فيها: لا إله إلا الله - لكانت هذه الـ (لا) نعم، وذلك لكثرة كرمه وإيجابه وقبوله وباستمرارية قول (نعم) المتردد عنده، فهو مضطر اضطرارًا لاستخدام (لا) في صلاته.

أما "القلب" فهو تبديل الكلمات واحدة بدل الأخرى، فقد ورد في القرآن الكريم:

{وأولئك الأغلال في أعناقهم}- الرعد، 5،  فالأعناق هي التي تكون في الأغلال ولكنه قَلب هنا.

ومنه قول رؤبة:

ومهمهٍ مغبرّة أرجاؤه ***   كأن لونَ أرضه سماؤه

أي كأن لون سمائه لونُ أرضه، فعكس التشبيه، وحذف المضاف.

ويدخل "القلب" في باب المبالغة.

اسمح لي أن أذكر من شعري ما قلته في هذا الباب:

إذ قام ينزع جسمَه المدفونَ في ثوبِ العذاب

وأتى بعريٍ وانتباه

ينزع (جسمه) بدل (ثوبه)، وهذا من كثرة القهر، والمعاناة.

أرجو أن أكون واضحًا، فقد كان من حق المتلقي أن يسمع الـ (لا) نعمًا لكثرة ما يستجيب هذا الممدوح، فيقول: كانت لاؤه نعمًا - إذا اعتبرناهما اسمين، لكنه قلب مبالغة، فجعل كلمة الـ (نعم) لاءَه (خبر كان).

 القلب في البلاغة هو للمبالغة، و الباحث يجد الكثير منه.

أحب أن أضيف لك أن القصيدة بما فيها البيت- إذا صحت أنها لداود بن سلم، فالمخاطب فيها هو قُثَم بن عباس، وإذا صحت أنها للحزين فالمخاطَب هو عبد الله بن عبد الملك، بل ثمة من رواها لخالد بن يزيد مولى قثم وقد قالها فيه (انظر الأغاني ج 15، ص 263).

جدير بالذكر أن اللغويين لاحظوا الخروج عن الأصل النحوي (الذي سميته أنت لحنًا)، فروى بعضهم البيت هكذا:

لولا التشهد لم ينطق بذاك فم

وبعد،

 أراك يا صديقي ما زلت مصرًا على رأيك، فأين طالعت (كانت لاؤه نعمُ)؟ في أي مصدر جدي؟  اذكر لي اسم كتاب واحد رجاء!

ثم إن (القلب) ليس مصطلحًا معروفًا في كتب البلاغة التي درسناها أو نعرفها، وهو لا يسمى (قلب المعاني) لأن هذا مصطلح آخر في سياق آخر، فقد تعرفت إلى القلب من كتاب (إعراب القرآن الكريم وبيانه، ج6، ص 309) لمحيي الدين الدرويش..

ثم إن الرواية الأخرى (لم ينطق بذاك فم) لا تقلل من شأن، ولا من سيرورة الرواية التي نعرفها، فإذا أنكرها بعض النحويين فلا يعني أنها خطأ أو لحن.

 

ب. فاروق مواسي

aziz alhafedفي العراق اليوم مليون كلمة مكتوبة على الجدران منمقة.. ومسمارية وسريالية وسريانية وهادفة وبضائعية كلها تحمل فكرة من سطرّها فليس اليوم هناك خوف من الرفاق الذين كانت يراقبون كل لحظة..الكتابة على الجدران لإنها.. تؤدي حتى بالهزل والنكتة، الى حبل المشنقة ومجهولية مقر الجثة...

اليوم هناك تيارات هوائية ونسيمات من الحرية النسبية وليعذرني صاحب النظرية النسبية عن قنصي اللغوي... فحتى الحب المكنون والمكتوب يسطره بعض العشاق على الجدران  بكتابة الحروف المسمارية... فلان يحب فلانة... إسمين فقط... مزروعة بلا سقي ولا ري على جدار كونكريتي لمدرسة إبتدائية او على جدار بائس

متهالك.. منحني كتلافيف الاغصان...

 يضحك حتى الجدار على نية وصفاء العاشق... وعندما تركب اي سيارة تجد هذه الكتابات مع اللافتات والاعلانات العشوائية سمة كل محافظات العراق تعبيرا عن مكنونات وخلجات كاتبيها علما كذلك تجد كتابات التهويل والتفزيع من  العذاب والتلويح بالنار والتخويف القاسي بوصايا تحذيرية،مصادرها مجهولة في مكتوبات  منظمة تقريبا في المناطق الشعبية تقرأها وتشعر ببعض الريبة ان ذاك الاسلام السمح والنقي يُستخدم هنا للقصاص مقدما حتى لو لم تبتلٍ بمعصية ما!!

التقطت عيناي من هذا الكمّ الملياري من الكتابات عبارة غريبة الاطوار لم يكن كاتبها يحمل ريشة بارعة وأصباغ متأنية اليراعات..بل مكتوبة على عجل ويالهول مامكتوب!!!

مكتوب إبتسم ياصديقي.... فنحن شهداء المستقبل!!

اي المٍ صياغي.. وإي حزن مجاني... تهبك هذه العبارة وانت تعرف ان الشباب في كل وطن...هم ألق المستقبل وضيائه ونوره الساطع وهم الامل جيلا بعد جيلا للبناء والتطور والتقدم والاحلام ولديمومة الحياة .. ولكن هنا شبابنا العراقي يتعامل بواقعية عظمى مع المستقبل فهو يعي ان مستقبله الشهادة!!

ويطلب من قوافل تنتظر الشهادة ان تبتسم اليوم!!

اي علياء وشهوق وإين هي الكلمات التي أنتقيها لتصف هذا المشهد الصادم المرسوم بلغة الشباب العراقي!!

كل العالم شبابها يعيش اجمل اللحظات في الرياضة يتعلق منهم بالريال والاخر ببرشلونة والاخر يبحث عن علوم وإبداع والاخر يبحث عن فرصة في شركة وووو

ونحن شبابنا مثلهم يحبون الملابس والصرعات والرياضة والتنافس الريالي ـ البرشلوني وصرعات رونالدو وميسي ولكنهم يعرفون ان هذه لحيظات من عمر بائس فداءا للوطن.. يعرفون ان الوطن يحتاجهم كل يوم حتى يتوقف يوما ما... الموت الباسق لشبابنا وهم يقارعون الارهاب....

شباب العراق محطتهم... الرحيل....كيف ترسم الاحزان طريقهم؟ وتفرش لهم نسيم العيش وامل اللحظات الهانئة أقل

تعال ياوطني...

لقد أرتديت  لك لامة حربك.... تعال عانقني قبل ان أودع هيبتك...

تعال هب لي من فيض عليائك... قبضة من شذى نسيم فراقك...

تعال تبسّم لي....فقد أنستنا سحنات قوافل المغادرين... بإرواحهم

رونق   تأطير..البسمة....

تعال أيها الوطن!!!

إحتضنا!!! فإنك لاتبكي كما تفعل أمهاتنا عند اللقاء وعند الوداع!!

 وإنك لاتشهق بنحيب ونشيج.....وشهقات شاهقة باسقة...

كما يجهشن وينتحبن!

 ويصوغ اللؤلؤ من قطرات دموعهن عذابا يكحل مآقينا....

أيها الوطن العزيز......

لايتكلم التراب.... ولا تبتسم الشواهد على القبور...

كم منها أحتواه التراب.. ملتحفا برحيق عشقك ياوطن؟

تعال ياوطني ..أفرش لي  سجادة طريق الشهادة....

 دلني على أرض رحيلي....

 فقد تركت لي الايام...توقيت  رنين الرحيل..

 وتمنى لي بقعة أدفن بها بعض شظايا جسدي...

عل الاحياء منهم يذرف دمعة من جفنه المتقّرح ....

تبسموا....نحن شهداء المستقبل....

شعار حتى الفلسطيني .... وأده ونساه....

وها نحن العراقيون... وهبناه عشق الحياة من جديد

اليست الشهادة هي الحياة؟

 

عزيز الحافظ

 

 

mulehim almalaekaتبدأ أصابعك بالنقر على الطاولة حال سماعك إيقاعاً محبباً، وقد يزداد انسجامك ستنقر بقدمك أيضا، ثم تحرّك كتفك أو يديك في الهواء، إنه رقص بشكله البسيط، ويفعله الناس بمنطقة مشاعر مجهولة، بين العقل والروح، منطقة تتسامى فيها الروح في العشق وفي الشهوة وفي الفرح أو الحزن، فيكون طرباً أو نشوة أو ضحكاً بكاء. وحين يتلو عبد الباسط الآيات المقدسة يخاطب أرواحنا، فتطرب الروح ويقول الجسد أشياء غامضة.

ومن عجب أنّ كل المؤمنين يطربهم صوت قرّاء القرآن المهرة وهم يترنمون بالآيات، فنرى الحشود تتمايل لصوت عبد الباسط وهو يرتل قصار السور أو سورة يوسف، وتتعالى عبارات الاستحسان وتنهال عليه تعبيرا عن نوعٍ من طرب ينتاب الحشود وهم يتمثلون الآيات والسور، بصوت عبد الباسط الرخيم، وهو صوت من طبقة استثنائية يردد " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "، فيسرح خيالهم الى تمثّل الصور خلف الأبواب المغلّقة، وامرأة العزيز ساحرة الحسن وهي تراود يوسف الجميل عن نفسها، وهو يأبى ويتمنع.

هذا الطرب هو لغة الروح، ورجال الدين المتشددون الجدد يرون في الترنم بالقرآن إساءة له، فيما يراه ذوو النوايا الطيبة محاكاة للغة الروح تقرّب نصوص السماء الى طقوس التعبد والوحدانية مع الخالق، وحين يصدح عبد الباسط " قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ" فهو إعلان نسوي أنّ اغراء يوسف لا يقاوم. ما نحن فيه هنا هو هذا الإيقاع الساحر الذي يجعلنا نهز رؤوسنا ، هو ليس خشوعا كما يفسره المتدينون، بل طرباً لحسن سبك لغة الآيات، وطربا لحسن صوت وأداء عبد الباسط.

لغة السماء تخاطب القلب أم تخاطب الروح؟

لغة القرآن عصيّة على أغلب الناس، لكن ترنّم الصوت الجميل ينّسل الى الجسد وهو معدن الروح، ويغزل مع النفس قصيدة غامضة بلغة تطربنا لكننا لا نفقه تفاصيلها، إنّه شعور يقترب من اللذة بأنواعها، فهو لذّة الروح الغريبة وهي تبحث عن طرب لا يريم، وترنّم لا تحدّه تفاسير الظلاميين.

هذا التداخل في السماوي والأرضي هو نفسه سبب رقص الناس، لو جردّنا أي مشهد راقص من الموسيقى ونظرنا بحياد الى حركة الراقصين فلن نملك الا أن نسأل ، لماذا خرج هؤلاء عن وقارهم، وماذا يقولون بهذه الحركات؟

الحركات الايقاعية المنظمة تخاطب مناطق الاستحسان في عقولنا، وهو ما يدفعنا الى التفاعل مع مشاهد الرياضة السويدية الاستعراضية المنظمة، ومشاهد التزلج على الجليد داخل القاعات، وعروض الجمناستك التي ينفذها اليافعون فيتفوقون فيها بشكل مطلق، وهي نفس مناطق الحس الدماغي التي تجعلنا نتذوق عدو الخيول في السباقات، وسير السيارات والدراجات النارية  في سباقات السرعة وهي تنساب حول المنعطفات.

ولا يملك العلماء و المتخصصون أدلة تفسر اعجابنا بتلك الحركات، لكنّ كثيراً من المتخصصين في علم النفس يرون أن عجزنا عن الاتيان بتلك الحركات والتناغم يدفعنا للإعجاب، وهو تفسير يعيدنا الى المربع الأول، فهو يزيد الغموض ولا يسلط الضوء.

فهل الرقص جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟

دراسة أمريكية نشرت مؤخراً كشفت أنّ الموسيقى المرافقة للرقص هي سبب الطرب، لأنها تنشّط المنطقة المسماة      the cerebellum في أسفل الفص المخي الخلفي وهو المسؤول عن تنسيق التوقيت بين الحركات، وبالتالي فإن الرقص هو عبارة عن تنسيق عالٍ للحركات حفزته الموسيقى . لكنّ هذا التفسير لا يقدم جوابا عن سبب الطرب وإحساس السعادة الذي يدفع الناس الى الدبكة مثلا أو البريك دانس أو التانغو أو التوست دانس...في الصحراء وفي الجبل يتزاحم الرجال والنسوة على المشاركة في الدبكة واتقان حركاتها وضبط توقيتها، ليظهروا براعة تطرب النفوس، فهل هذا جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟

لماذا يرقص الناس؟ سؤال حاولت البروفسورة الأمريكية كيميرر لاموته الأخصائية في الفلسفة الإجابة عنه في كتاب من سبعة فصول حمل نفس الاسم، فذهبت من جملة ما قالت الى أنّ " الرقص تعبير خالٍ من المضمون، تعبيرٌ أجوف، فهو ليس سيئا ولا جيداً، ليس مفيدا ولا ضار، هو وصف يفتقر الى باراديام يصنفه ويصفه، لا روح في الرقص، فالرقص هو الروح، ولا توجد طريقة محددة واحدة تقنّونه"، وتجعله نمطا يقبله الجميع كجزء من حياتهم، لكنّ الجميع يعرفون أنه" رقص" حال أن تبدأ الأجساد بالتمايل تجاوبا مع أيقاع أو نغم أو وتر يخاطب القلب... هل هو القلب أم الروح أم العقل؟  

 

ملهم الملائكة

 

... حوّاء سيدة نصف انهت العقد الرابح من عمرها إلّا أنّها تبدو شديدة الذكاء حادّة الدّهاء... جلست بالقرب من منزلها الصغير وصوّبت نظرها حول الغدير تُحدّقُ بعينيها الزرقاوين إلى الآفاق البعيدة وكأنها تريد أن تستخلص من وراء هذا الوجود جوهر الحياة وتفاصيلها منذ أمدٍ بعيد وكيف انتشرت الأُمم والخلائق في رحاب هذا الكون الجليل...

انحنيتُ حول هذه السيدة وتأمّلتُ فيها مليّا وإذا بها لغز مبهم في هذا العالم المترامي الأطراف... وبادرتُها رغبة في الاطّلاع عما يكنّه فؤادها المهموم ثم همستُ في أُذنيها وكأنّي أريد أن أوقف هذا الزورق المتمرّد الذي خاض بأعماق الوجود فذهِلت وراحت تغور بأعماقه وحيدة نائية.

هكذا اقتربتُ من السيّدة حوّاء وبادرتُها قائلة ً: "ما أجمل الحياة يا أُختاه... أرى الرّخاء قد أسدل عواطفهُ فعمّتنا بهجة ٌ... انظري الى الدنيا وقد أصبح فيها كلّ شيء ممكنا... ألا تريّنَ هذا التقدّم والازدهار الذي جعل منها أجمل كوكب في الوُجود... أرأيتِ هذه الاجهزة التي جعلت لنا من أبعد الآفاق مخطوطة تتناولُها أيدينا في أقلّ من دقيقة أو ثانية... فهذا جهاز فاكس وذاك كمبيوتر وناهيك عن تلك الرحلات الناقلة المُسمّاة بالأنترنات وهي سيّدة أجهزة العصر والحداثة... فهي تُغنيك عن الموسوعة والكتاب وتفصل لك أعسر الأمور في أدقّ اللّحظات... انظري يا حوّاء ما أسعد حظّنا في الحياة وما أجمل هذه الدنيا التي باتت بأغوارها وبحارها ومحيطاتها وسُهولها وجبالها وجميع قياساتها وأبعادها وما تحملُه من أثقال ومخلوقات وأسرار هذه الأثقال والمخلوقات... انظري كيف غدى كلّ هذا ينحصرُ بين جوانب هذا الجهاز الصغير... وكيف تسنّى لنا تصفّح هذه الحياة بجميع ما فيها منذ أمدٍ بعيد... هلمّي معي يا أختاه فليس بقاؤكِ على طرف هذا الوادي بالأمر الهيّن فإنّ وجودك هنا يُعبّرُ عن قصص الغابرين والأسلاف... أما الآن فيحقّ لكِ الجلوس على الكرسيّ لتضعي اناملكِ على أزرار صغيرة فتخرج أمامك مذاهب العلوم والفنون والتاريخ والآداب والفلسفة والطّبّ والرياضيات على جميع موازينها وأبعادها... هيّا غادري هذا المكان الخالي وهذه المروج الخضراء وهلمّي الى حياة أفضل... لنقطع هذا الجسر العسير وندخل مهرجان الدنيا من باب فسيح..." هكذا كنتُ أقضي معها الساعات يوما بعد يوم رغبة ً في فكّ العقيدة التي رسخت بأفكارها ولمّت بمشاعرها... وكنتُ اجتهدُ قـُصارى جهدي علّني أٌفلحُ استقلاليّة صديقتي الغالية والابتعاد بها عن هذا السكون الحادّ والوحدة القاطعة والمملّة... إلّا أنها اجمعت ما في وسعها من مقدرة ثمّ أومأت لي بالجلوس والإصغاء اليها وبادرتني قائلة ً: "أما راعك هذا الزمان ونحن نودّع أوفى صديق وأعزّ رفيق... إنّ ما أشرتِ إليه منذ سُويعات قد ملأ قلبي حزنا وجعل الأسف يتسلّل الى جوارحي فبتُّ أرى ما تصفينه من حضارة وازدهار كأنما هو حميم بركان فاض ليمحق كلّ جميل ورائع من ذخائر وكنوز علميّة كان قد ذخرها لنا الأوّلون من أمجاد العرب والفرس وغيرهم... أتدري ونحن نستقبل هذا التيار الجارف لمعنويّات جدّ عالية فملأ فراغ حياتنا بوجوده... وحلّ ليملأ بيوتنا ويستولي على قلوبنا وعقولنا وتسبّب في رحيل الرفيق الأمين والصديق الوفيّ... أتدري من هو...؟ إنه الكتاب... الصديق الذي لا يخون ولا يعرف الخيانة والغدر أبدًا...

_تمت_                 

 

نصيرة بحورة

 

 

oday albaldawiأبا قلمي ..

أبا آمالي ..

أبتي ..

يا صديق عمرٍ بكامله..

جئت أبتهلُ الى حلمكَ وصبركَ وعفة كلماتكَ وطهر الحبر في شرايين قلمك وانت تبلغ السبعين، في زمنٍ تلوثت أنفاسه ومسَّه (طائفٌ من الشيطان) (1) فهوى ولم يتعظ من كل سنواته التي خلت، فتعثرت حياتنا فيه وعثّرنا بوطنٍ (يبقى الأديب به) (2) غريباً يلازمه الإحساس النابض بالمسؤولية تجاه مجتمعه وبلده وأدبه، فكان منه أن حدّثتك النفس قائلة ــــ وقد غزاك المشيب : كيف أعددت للجهاد الكفائي ــــ فأجبتها: إن (بين الضلوع نبض شبابٍ في سويدائه ربيع إبائي) (3)..

في صباي وانا أتنقل بين رفوف مكتبتك وأستمع الى مقالاتك، كنتُ أتساءل عن معنى الطود، حتى كبرتُ ورأيتك تنأى عن عمودٍ أعدّوه لك في صحف النظام بعدما قرأوا لك في جريدة العراق، ولكن المبدئية شخصت فيك فاعتزلت النشر والتزمت الصمت وفيك ينبوع أدب كاد يُبدي بك لولا مجالس بغداد الثقافية التي تهيأت لتسكب فيها فيضك محاضراً ومناقشاً، وآليت إن لا تفرط بلقبك (البلداوي) في أجواء كانوا يبغضونه فيها، فما راعك ذلك، وبقيت تكتب بلقبك هذا في مجلة (الكوثر) التي كانت محط أنظار أجهزة الأمن ..

 ولما بدأ عهدٌ جديد كنت لا تزال فيه غريباً، حتى الحَّ عليك أرقكَ المقفى (4) فاستنهضت الحرف وكتبت للوطن قوافيك مجاهداً بيراعك تحملُ بأس الشباب في عامك السبعين، فاسمح لي يا سيدي أن أقول فيك ما قاله عبد الرزاق عبد الواحد في الجواهري :

علمتني مذ شراييني برت قلمي

كيف الأديب يلاقي موته حرِبا

وكيف يجعل من أعصابه نذرا حينا

وحـينا نـذورا كـلما وجـبا..

 

عدي عدنان البلداوي

.................................

1- آية (201) سورة الأعراف

2-  من قصيدة (شيخ شعري) للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد

3-  من قصيدة (سألتني) للشاعر عدنان عبد النبي البلداوي

4-  إشارة الى المجموعة الشعرية (الأرق المقفى)

 

nabil ahmadalamirتوجد في كل مجتمع شريحة اجتماعية متمييزة عن باقي شرائح المجتمع، تكون مؤهلة للتأثير في ذلك المجتمع سلباً وايجاباً وقد تأخذ بعضها مواقع ريادية في رسم هوية وشخصية ذلك المجتمع بشكل جماعي .

وفي المقابل تتحمل هذه الشريحة مسؤلية كبيرة في تحديد اتجاه تكامل هذا المجتمع نحو الرشد والنضوج في جميع مجالات حياته من خلال بث الوعي داخل صفوفه وممارسة النقد البناء والايجابي للافكار والثقافات الاجتماعية والسياسية وغيرها، وتبني قضاياه وتحديد اولوياته .

وهؤلاء النخبة هم من يُعرفون في اوساط مجتمعاتهم بــ (المثقفين) .

وفي اغلب مجتمعاتنا العربية والاسلامية تعيش هذه النخب حالة من الانعزال والانكماش والتقوقع من خلال شعورها بالتهميش والتغييب والالغاء، وعدم الاهتمام والتفاعل من باقي شرائح المجتمع، مما يعطلها ولا يفسح لها المجال للقيام بمهامها الملقات على عاتقها .

وفي المقابل تكثر الشكوى من ابناء مجتمعاتها من غيابها وعدم تفاعلها واللامبالاة التي تعيشها هذه النخب بانكفافها على ذاتها واهتمامها بشأنها الداخلي وتخليها وتماسكها ونظرتها الفوقية التي تفوت عليها دورها الحقيقي في الوسط الاجتماعي . بل ان الكثير من ابناء المجتمع يتهم هذه النخب بالانحراف (الفكري) وتبني افكار وعقائد فاسدة .

ونحن ما بين شكوى المثقف وما يقابلها لدينا حقيقة ثابتة على ارض الواقع وهي قيام أغلب الحكومات العربية والإسلامية بتعطيل هذه الشريحة المهمة عن القيام بمهامها وتبوء موقعها الريادي في داخل مجتمعاتها سواء كان ذلك ناتج عن غيابها خوفاً او تغييبها قصراً .

ولكن بقدر ما تمثله هذه النتيجة من حقيقة في الواقع العملي الا انها وفي بعض جوانبها تحتاج الى بيان وتوضيح لكشف بعض الملابسات غير الواقعية التي احاطت بها سواء كانت من جانب المثقف او المجتمع او الحكومات وأصحاب القرار .

غير ان العنصر الاهم في غربة المثقف هو المكونات الثقافية التي تغير ثقافة الافراد، فما يحمله المثقف من ثقافة عالية تجعله يشعر بالغربة الحقيقية لانها تتعارض في أغلب الاحيان مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه، فللمثقف رؤية وقراءة مجتمعية لايستطيع الجميع قرائتها مثله، وعندما نغوص في عمق الازمة نجد ان غربة المثقف هي تجليات لمرجعية ثقافية مهزوزة قد يتبعها البعض، فالمثقف العربي الإسلامي لم يفرغ لحد الان من تشكيل مرجعيته الثقافية بصورة واضحة وصريحة والتي في ضوئها ينبغي له ان يمارس نشاطه في دائرة الواقع، فالمرجعية الثقافية ينبغي ان تُبنى على اساس صحيح، وتتكون من مقولات وأفعال تعكس رؤية حقيقية للقيم والمبادئ المجتمعية والدينية، وتشخيص حدود الهوية الثقافية .

اما الجانب الاخر من المعادلة وهو المجتمع فلابد له من فسح المجال للمثقف من القيام بدوره المطلوب من خلال التخلّي بقدر الامكان عن ثقافة الرفض التي توجد حياته الثقافية، حيث لازال المجتمع ينظر ان سعي المثقف في طرح أفكاره في كتاباته ولقائاته للوصول لحالة الكمال النموذجية، ماهي إلاّ خطوات مدفوعة الثمن من ذاك السياسي او تلك الحكومة .. خصوصاً أننا نجد إن أغلب المجتمعات العربية والإسلامية تعتبر ان سلطاتها الحاكمة هي سلطات غير سرعية لانها لاتمثل العدالة الاجتماعية في مجتمعاتها، لكن تبقى الثقافة الحقيقية ثقافة لا تُباع ولا تُشترى، رغم وجود بعض المتملقين من أشباه المثقفين للتربّح من إمكاناتهم لصالح آخرين .

وهنا اود أن اُسجّل ان المثقف ليس بالضرورة ان يكون اكاديمي، كما ينظر المجتمع لهذه الثنائية اليوم .. رغم انه يمكن ان نقترب اكثر من هذه الفكرة عندما نقول ان حملت الشهادات الاكاديمية هم اكثر من غيرهم مؤهلين (لما يحملون من مستوى علمي في مجال اختصاصاتهم) لان ينتموا لهذه الشريحة الاجتماعية المميزة، ولكن المثقف وكما يصفه احد الباحثين هو من توفرت لديه ثلاث عناصر رئيسية وهي (المعرفة) و (الوعي) و(الموقف)، في منظومته الثقافية والإجتماعية .

كما ان الثقافة لا ترتبط بتخصص معين يجب عليك دراسته ومعرفته لتصبح مثقفا .

ولتصبح مثقفا عليك أن تكون قادرا على التناقش والتحاور في كل جوانب الحياة المختلفة، كما يجب أن تكون مرناً واسع الصدر والعقل لتستطيع التواصل مع الناس باختلاف أنواعهم وطباعهم، وقدرة التحاور سعة الصدر والعقل لايرتبط بمستوى تعليمي معين ودرجة جامعية محددة، فالكثير ممن يحملون الدرجات لايستطيعون التواصل والتحاور مع الآخرين والعكس صحيح أيضاً .

فالإنسان المثقف هو الانسان الذي خضع لعملية ما ساهمت في تعزيز قدرته العقلية على العمل بفعالية في حالات مألوفة وجديدة في الحياة الشخصية والفكرية . ومن أجل العمل بفعالية في مثل هذه الحالات يحتاج المرء للحصول على معلومات عامة (المعرفة)، وقدرات تفكير عامة، خصوصاً المعلومات المعنية ببناء المعرفة ونقد المعرفة، وقدرات لغوية عامة لازمة للاتصال بشكل واضح ودقيق، وفعال للأغراض المعرفية، والقدرة على التعلم المستقل، بما في ذلك القدرة على الانخراط في وسائل عقلانية للتحقيق، وقبل كل شيء الارادة العقلية التي تحقق كل ماذكر من قبل .

فكلمة الثقافة كثيراً ما تتطرق على أذهاننا ولكن لم نحدد معناها الأصلي، فهي كلمة لاتينية تعني زراعة الأرض، وفي اللغة العربية تعني التمكن من إدراك كافة العلوم المختلفة في مختلف جوانب الحياة . وبعد استعراض مفهوم الثقافة ومفهوم الشخص المثقف ربما نجد أن الأمر صعبا ليكون الانسان مثقفاً، لكن متابعة أحداث العالم وثقافاته وتحليلات المختصين في كل الإختصاصات، تجعل عقلك أكثر مرونة واتساعا لما يحدث وتصبح أكثر قدرة على التواصل والتحاور مع الآخرين في الكثير من الأمور، كما ان حضور الندوات والمؤتمرات المختلفة يزيد من ثقافة الفرد، ويفضل أن تنوّع من الندوات وأن تتضمن الندوات مختلف أمور الحياة لكي تكتسب معلومات مختلفة بشكل سهل وبسيط، كما ان استخدام التكنولوجيا الحديثة (الانترنت) بشكل مفيد يمكن ان يعطي الباحث معلومات كثيرة وكبيرة وقيّمة دون تعب كبير، حيث  البحث عن مواقع مفيدة في مختلف الأمور .

لكن يبقى التواصل مع الناس والدخول الى عقولهم ومناقشة أفكارهم ومساعدتهم على تطوريها هو المحك الحقيقي للمثقف الذي يسعى لرقي مجتمعه، فالسؤال عن كل شيئ ومحاولة فهم كل شيئ هو المفتاح الحقيقي لفتح باب الثقافة بالمجتمع، لمعرفه قيمة المعلومة وتصنيفها بين التافه والمهم .

وللموضوع بقية . . .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

ali mohamadalyousifيقال والعهدة على القائل حين عين طه حسين عميد الادب العربي وزيرا للمعارف في مصر عن حزب الوفد خرجت تظاهرة تضم غوغاء من الطلبة والمتزمتين يهتفون للجهل والتخلف بعد اعلان مبدئه الشهير الذي لم يفارق كرسي الوزارة الا بعد ان اصبح قانونا تشريعيا في مصر بان التعليم حاجة اساسية للانسان كمثل حاجته للهواء والماء. كانوا يهتفون وهو جالس في مكتبه بالوزارة يسمعهم: (اخرجوا الاعمى من الوزارة.. اطردوا الزنديق!!) فقال لسكرتيره الخاص فريد شحاته خذ يدي إلى الشرفة (البلكونة) المطلة على جمع المتظاهرين... خرج اليهم فسكتوا وانصتوا لما سيقول الوزير الاعمي، فبادرهم بهدوء: (ليس لدي ما اناقش به جهلة متخلفين لكني احمد الله الذي جعلني اعمى كي لا ارى وجوهكم القبيحة) وعاد وجلس وراء مكتبه. ولم ير طه حسين وهو البصير في شعر المتنبي عبقرية، ومن كتابه (مع المتنبي) نختار هذه النتف اذ يقول: اما المتنبي فقد نشأ شعره في العراق وحاول ان ينهج في الشام فأدركه البطء، ودب اليه كثير من الفساد، وظهر فيه تكلف يمقته الذوق العربي الفصيح، وكذلك كان استقباله المتنبي شبابه في الشام مصدرا لكثير من الضعف الذي ألّم بشعره هو، ثم بشعر الذين قلدوه، ان البيئة المصرية تالدة لا طارفة، ولم تكن عارضة ولا طارئة، وانها لاتزال بزوال امير، كما حدث في الشام_ يقصد الامير سيف الدولة الحمداني في حلب _ ولست اغلو ان قلت ان شعر المتنبي في مصر اقل سقطا من شعره في حلب_ الحقيقة ان شعر المتنبي في مدح كافور الاخشيدي سلطان مصر انذاك هو شعر متكلف لايرقى ولا افضل من شعر التنبي في (السيفيات) التي نظمها وقالها في مدح سيف الدولة الحمداني . وذهبت ادراج الريح صيحة المتنبي الخالدة :

انا الذي نظر الاعمى الى ادبي       واسمعت كلماتي من به صمم

من نافل القول ان اخر زلة لسان تلفظ بها شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري في مذكراته بجزئين بمنفاه الاختياري بدمشق اواخر حياته قائلا ان شعري افضل من شعر المتنبي!؟

وفي مقابلة مع طه حسين اجرتها معه (المجلة الجديدة) عام 1938 قال مجيبا سائله: اذا كنت ترمي الى ان مصر مستعدة للمساهمة في الوحدة العربية او القومية فانت على خطأ، فالمصري مصري قبل كل شيء، وهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف .الوحدة العربية كما يفهمها ذووها يجب ان تتحقق بشكل امبراطورية جامعة او اتحاد مشابه للاتحاد الامريكي او السويسري ونحن لانرضى بهذا او ذاك، ولا نصدق ما يقوله بعض المصريين من انهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة في نفوسهم .ومصر اليوم هي مصر الامس لم تغير فرعونيتها، مصر لا تدخل في وحدة عربية. (1)

 

...................

هامش:

(1) نقلا عن محمد علي الكبسي، تقلا عن كتاب غالي شكري، سلامة موسى ص 217-218 -1967 .

 

ibrahim ohseenقد نقبل - تجاوزا وبحذر شديد - أن يكون في حقل الإبداع الإنساني عموما، والأدبي خصوصا، كبير وصغير؛ أو بتوصيف آخر، محترف ومبتدئ. لكننا على العكس تماما، نرفض رفضا باتا وصاية هذا "المحترف" أو ذاك "الكبير" على أي مبتدئ، كما نرفض استتباعه بأي شكل من أشكال الطاعة والولاء، كيفما كانت سرعة هذا المبتدئ وقوة بداياته وانطلاقته في مضمار الإبداع الإنساني بأنواعه.

من بداهة القول التأكيد على حقيقة تشعب وتفرع وتنوع طرق الإبداع في شقه الأدبي، نثرا كان أو شعرا؛ فيكون من الطبيعي إذن أن يشق كل ذي قلم الطريق المناسب لميولاته الذاتية، ويختطَّ لنفسه الصيغة والنهج اللذين يناسبانه ثقافيا واجتماعيا وأيديولوجيا، بما يضمن له تأطير كتابته ضمن سياقات محددة ومفهومة أمام القارئ. لكن، لا يسع الكاتب أن يبلغ مرحلة "النضج" الأدبي، واحتراف لغة "الكبار" _ إن صح التعبير إلا بعد قطعه بلا شك مرحلة "الطفولة" و"المراهقة" الفكريتين، حيث لايزال الكاتب في مراحله الأولى من استكشاف عالم القلم والأوراق البيضاء، والاستعلام عما يمكن للقلم أن يخُطَّه من شعر ونثر. مازال في بدايات قراءاته الطفولية لشعر «نزار قباني» و«نازك الملائكة»، وروايات « أغاثا كريستي» و« نجيب الكيلاني »؛ ولم يبرح بعدُ ساحَ بدايات ترصيف الكلام وتنضيد المعاني وشطب الفكرة وتعويضها بأخرى؛ أما تمزيق الأوراق فظاهرة لم يسلم منها أي كاتب مهما بلغ حجمه وذاع صيته. يمكننا الدمغ إذن بأصابعنا العشرة على مجمل ما قيل، وتشبيه الإبداع بكرة ثلج، تزداد سرعةً وحجماً كلما مضى زمن على تدحرجها في منحدر ما، لتبلغ أقصى ما يمكنها بلوغه نهاية السفح المائل، حيث ترتطم بالسطح المستوي، هنا فقط تبلغ كمالها الأقصى ويتوقف كل شيء. فعلامَ هذا الكلام كله؟

وأنا أطالع بعض ما يُكتب على صفحات الإنترنت من تقارير لجان التحكيم في العديد من المسابقات الأدبية، يسوؤني حقيقة ما يقدمه بعض الذين يحسبون أنفسهم من كبار الأدباء والشعراء من ملاحظات عامة على إنتاجية بعض المبتدئين في ميدان الكتابة، معتبرين إياهم عالة على الإبداع، بل ووصمة عار على جبينه ، وهنا أتذكر موقف أحد المشاركين في مسابقة "أمير الشعراء" الإماراتية، حين انتهره الناقد المصري « صلاح فضل» بقوله: "من قال لك أنك شاعر؟!"؛ ومثل هذا الحكم يقترب كثيرا من سابقه المتوغل في الماضي، حيث أوردت بعض كتب الأخبار أن النحوي البصري « أبو عثمان المازني » سمع مقاطع من أحد المبتدئين في تقريض الشعر، فرد عليه « المازني» قائلا: " الحمد لله أن أخرجته من جوفك، فلو تركته لقتلك!!" . فما عساه يا تُرى يكون إحساس من يُقصف بهذه اللغة وبمثلها أمام الملأ؟ وما عساه يكون مستقبل هذا الذي يتلقى من الشحنات السلبية ومن العبارات الهدَامة ما يجعل الجبال الراسيات تستحيل غبارا متطايرا؟

لست الآن طبعا في مقام تقديم إجابات، فالأجوبة تبدو واضحة ولا تحتاج لكثير تفصيل، ولست أرى ناجيا من عقابيل تلك التساؤلات ومن تداعياتها إلا مُستثنىً تولاه الله بعناية خاصة؛ ولقد صدق « شوقي» حين قال:

قُـــــــوّةُ الله إِنْ تَوَلَّتْ ضعيفـــــــــــــًـــــــا /// تَعِبَـــــــــــــــــتْ في مِراسِهِ الأقويـــَــــــــــــاءُ                  

في مستهل القرن العشرين، عزم شاعر ألماني شاب لم يبلغ ربيعه العشرين بعد، يُدعى « فرانتز كابوس»، على إرسال شعره إلى الشاعر المعروف وقتئذ « راينر ماريا ريلكه»، سائلا إياه النصح والرأي في قصائده، وهل بإمكانه مواصلة الكتابة أو التوقف تماما عن حمل القلم. فكانت المفاجأة أن يتلقى الشاعر المبتدئ ردا من العظيم «ريلكه» قال فيه: " ( ...) لقد أعدت – مثلما تلاحظ – كتابة  رباعيتك، لأنني وجدتها جميلة وبسيطة، ووليدة شكل تنامت فيه بانضباط أخلاقي هادئ. إنها أفضل أبيات لك، تمكنت من قراءتها، وإني أسلمك الآن هذه النسخة، لأني أعرف جيدا أنه أمر مهم وتجربة جديدة، أن يجد المرء عمله الخاص مكتوبا بيد غريبة. اقرأ هذه الأبيات كما لو إنها ليست لك، وستشعر من أعماقك كم أنها أبياتك أنت. لقد كانت قراءة هذه الرباعية ورسالتك سعادة لي، فشكرا على هذه وعلى تلك."؛ ولنا أن نتأمل هذا الرد مقارنة بسابقيه، ومدى الأثر النفسي الإيجابي الذي سينبعث في نفس « كابوس» الصغير، خاصة إذا تمت إعادة كتابة مقطع من قصيدته بقلم شاعر بحجم «ريلكه» !!. وغير بعيد عن هذا النهج والمستوى الرفيع من الخطاب والتواصل، ساهم العديد من "كبار" الأدب في إسداء النصح للمبتدئين وفي تشجيع الجيل الناشئ على الاحتكاك بالكتابة؛ أمثال « تولستوي» و« تشيخوف» و«غوركي» و« والت وايتمان» و« طه حسين» و«ميخائيل نعيمة» .. وآخرون بلغوا من الكبر الأدبي عتيا- بمعيار جائزة نوبل _  البيروفي « ماريو فارغاس يوسا» في رسائله الشهيرة إلى روائي شاب، حيث كان يردد عبارته :" كونوا وحيدين ولا تصدقوا الإطراء !"، بعيدا عن كل خطاب تقزيمي وأحكام تبخيسية قاتلة وعبارات الاحتقار والاستهزاء.

لاشك أن الكتابة الإبداعية الرصينة مرتهنة باستيفاء شروط عامة، تجعلها مقبولة التصنيف في حقول الأدب المختلفة؛ ولا شك أن الرداءة والركاكة و"الشخبطة" سرطانات بدأت تنخر جسد الإبداع الأدبي من أعلاه إلى أسفله، وذلك مردُّهُ لعوامل شتى يحتاج بسطها لمقام آخر؛ ومن المؤكد أن كل أديب بدأ يخطو خطواته الأولى في درب الكتابة الطويل والشاق، يحتاج لمن يدله على ما استُغلق أمامه من أبواب تستدعي أقفالها مفاتيح خاصة. فلكل لعبة قواعد خاصة وخارطة ينبغي اتباعها، وما الأدب بمعزل عن تلك القواعد، بالرغم مما يتيحه من فسحة منداحة من الحرية والاستقلالية. لكننا نؤكد على ضرورة مخاطبة الأجيال الناشئة بلغة محقونة بجرعات كبيرة من التشجيع ومن التفاؤل ومن تذليل الصعاب، كي لا نخسر المبدع بقتله مرتين _ كما كان « بيسمارك» يدعو جنوده الألمان بشأن الجنود الرُّوس _، أولا بإلقاء مسودات حروفه في أقرب قمامة على أنها لا تستحق القراءة ؛ ثانيا بدعوة هذا الناشئ باحتراف شيء آخر غير الكتابة . هنا يتناسى أديبنا "العظيم" أنه ذات يوم كان يقضي الساعات الطوال جالسا على أعتاب بيوت "الكبار" يستجدي قراءة عمله وتلقي ما يرضيه من ملاحظات!!

قد يغتر بعض الكتاب بإصدار مؤلف أو مؤلفين، وبتداول أسمائهم على إعلانات بعض الأماسي الأدبية هنا وهناك. كما يمكن للعُجْبِ أن يُساوره بلقاء إذاعي أو تلفزي، معتبرا نفسه قد ملأ الدنيا وشغل الناس، لكنه ومع ذلك، يفترض به النأي عن لغة الأبراج العاجية المتعالية، خصوصا إزاء مبتدئ يتلمس حظوظه الأولى مع الكتابة ؛ ومهما بلغ امرؤٌ منا درجة من درجات الكمال،فالتمام لا يعقبه سوى النقصان، والكمال نفسه - بتعبير الفرنسي «بليز باسكال» - لا يخلو من عيوب .

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 .