faroq mawasiنَجْد-  معنى اللفظة مرتفع، وسميت بها تلك البلاد التي  ترتفع عن تِهامة في الجزيرة العربية.

ما أكثر الشعر الذي قيل في نجد وربوعها، من محبّ لها أو محب فيها،  وقد ذكر ياقوت في (معجم البلدان، ج 5، ص 262):

"ولم يذكر الشعراء موضعًا أكثر مما ذكروا نجدًا وتشوّقوا إليها..."

فمن الشعر  الجميل أذكر ما قاله الصِّمَّة بن عبد الله القُشَيري، وقد رأى التبريزي بذوقه أن "هذه الأبيات أشهر ما يُحفظ من النسيب الجزل الفخم المعنى البديع ديباجة وحسنًا"- الحماسة (شرح التبريزي، ص 54).

يقول الشاعر في قصيدته العينية:

قِفا ودِّعا نجدًا ومن حلَّ بالحمَى *** وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا

 الشاعر يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه، وتوديع كل من ينزل بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتًا: ويقل لنجد وساكنه التوديع منا، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لا نقدرعلى غيره.

صحيح أن هذا الشرح أورده المرزوقي وكذلك التبريزي في شرح القصيدة الواردة في الحماسة (ج2، ص 54)، إلا أنني أرى المعنى -مع تقديري للعالِمين العلَمين- بصورة أخرى:

ففي قوله "قل لنجد عندنا أن يودع"، يعني قليلاً ما يودّع،  قلّ التوديع لنجد لأن الساكن فيه يحبه ويبقى فيه لجماله وخصبه وأسباب الحياة فيه، ولكنه يودعه اليوم بعد أن حال أبو حبيبته ريا بينها وبين الشاعر وحبه لها، حيث يخاطب نفسه في مطلع القصيدة:

حننتَ إلى ريّا ونفسُك باعدت ***  مزارَك من ريا وشَعباكما معا

إنه يعترف بأنه يحنّ إلى ريا، ويندم لأنه اختار الفراق والبُعد بعد أن كان حيّه وحيُّها مجتمعين.

فهل تُودّع نجد- هذه الربوع الجميلة التي يصفها الشاعر ويقول:

بنفسيَ تلك الأرض ما أطيبَ الربا *** وما أحسنَ المصطافَ والمتربعا

فثمة الربا الطيبة وأمكنة لقضاء الصيف والربيع فهو يفديها بنفسه لحسنها.

..

مما استوقفني من الشعر الحسّي هذا البيت من القصيدة:

بكتْ عينيَ اليُسرَى فلمَّا زجرتُها *** عن الجهلِ بعد الحلْمِ أسبَلَتا معَا

كان بكاء العين الأولى قد جرى عندما هاجت مسبّبات الشوق، وعندما رأى مشارف نجد وجبل البِشر، فحاول أن يمنع عينه من البكاء، ولكن بدلاً من انقطاع بكائها نرى العين الثانية تستجيب لبكاء أختها، فيكون البكاء والندم.

...

ولا يستطيع القارئ إلا أن يتخيل هذا المشهد التالي:

تلَفَّتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني ***  وجِعت من الإصغاءِ لِيتًا وأخْدَعا

ها هو عند الفراق صار يلتفت نحو المحبوبة وجِهتها حتى وجد نفسه وقد وجع لِـيتُه (صفحة العنق) والأخدع – عرق في العنق، وذلك بسبب دوام التفاته تحسرًا في أثر الحبيبة وديارها.

...

من الشعراء الذي كلِفوا بنجد عبد الله بن أحمد الخازن:

حُثَّ المَطِيَّ فهذه نجد ***  بلغ المدى وتزايد الوجدُ

يا حبذا نجدٌ وساكنُها ***  لو كان ينفع حبذا نجد

وهذا التركيب جديد فيه إبداع – "لو كان ينفع حبذا نجد".

..

لكن عبد الله بن الدُّمَينَة اشتهر بقصيدته الرائعة:

 ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتِ من نجد ***  لقد زادني مَسراكِ وجدًا على وجدِ

أأن هتفت ورقاءُ في رونق الضحى *** على فَنن غضِّ النبات من الرَّند

بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم تكن *** جليدًا وأبديتَ الذي لم تكن تُبدي

وقد زعموا أن المحب إذا دنا ***  يَملُّ وَأنَّ النَّأْيَ يَشْفِي مِنَ الْوَجْدِ

بَكُلٍّ تدَاوَيْنَا فلمْ يُشْفَ ما بِنَا *** على أنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ

على أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ ليسَ بِنافِعٍ ***  إذا كان مَنْ تَهْواهُ ليس بِذي وُدِّ

وهذه القصيدة نُسبت أيضًا إلى مجنون ليلى (ديوان مجنون ليلى، ص 112)، وفي البيت الثاني في الديوان (أأن)- الهمزة الأولى استفهامية والثانية بداية حرف مصدري= أن، والتقدير (ألِهتاف ورقاء بكيت)، فالجملة هنا ليست شرطية، بل هي استفهامية إنكارية، وهذا رأيي، وقد كان خلاف بيني وبين أستاذ للغة فيها.

بينما النص ورد  في مصادر كثيرة على أنه لابن الدمينة – مثلاً في (الأغاني، ج17، ص 109- دار الفكر، وفيه النص:

أإن هتفت...(بالشرطية)، وإملاؤها كما أرى: أئن، مثل لئن، فالكسرة أقوى الحركات.

من الطريف أن الأصفهاني يحدثنا عن العباس بن الأحنف،:

"قال يحيى... كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئًا يستحسنه أطرفني به، وأفعل مثله، فجاءني يومًا، وأنشد لابن الدمينة الأبيات، ثم ترنّح ساعة، وترجّح أخرى، ثم قال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا!

فقلت: لا، ارفق بنفسك" ن.م

إذا كان ثمة اختلاف هنا في نسبة القصيدة إلى المجنون فإن له  قصائد أخرى ذكر فيها نجدًا، فقد ورد في الأغاني (ج2، ص 24)

"يقول قيس أخرجوني لعلني أتنسّم صَبا نجد، فيخرجونه، فيتوجهون به نحو نجد، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئتَ الأجر دنوتَ منه فأخبرته أنك أقبلتَ من نجد، فدنوتُ منه، وأقبلوا عليه، فقالوا له: يا أبا المَهديّ، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفس تنفُّسة ظننت أن كبِده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن واد واد وموضع موضع، وأنا أخبره، وهو يبكي أحرَّ بكاء وأوجعَه للقلب، ثم أنشأ يقول:

 ألا ليت شعري عن عُوارَضَتَيْ قَنًا *** لطول الليالي هل تغيّرتا بعدي

وعن عُلُوِيّات الرياح أذا جرت *** بريح الخُزامى هل تهبّ على نجد

ومن شعر المجنون كذلك نجد هذا الشوق العارم:

باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُ *** وأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ

فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بها *** ودُموعُ عَيْني أَقْرحتْ خَدِّي

وبساكني نجد كلِفتُ وما *** يُغني لهم كَلَفي ولا وجدي

..

نختم القول عن نجد بما قاله أعرابي:

أكرر طرفي نحو نجد وإنني *** إليه وإن لم يدرك الطرفُ أنظرُ

حنينًا إلى أرض كأن ترابَها *** إذا مُطِرت عودٌ ومِسك وعنبر

بلاد كأن الأقحُوان بروضة *** ونَور الأقاحي وشيُ بُرد مُحبّـرُ

 أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي *** خيامٌ بنجد دونها الطرفُ يقصر

 وما نظري من نحو نجد بنافعي *** أجل لا ، ولكني إلى ذاك أنظر

وهناك مقطوعات أخرى أثبتها ياقوت في مادة "نجد"- في (معجم البلدان)، كما قرأت في ختام جولتي  البحثية هذه أن هناك كتابًا صدر في ثلاثة مجلدات، هو:

خالد بن محمد الخنين: (نجد وأصداء مفاتنها في الشعر)- ذكر فيه كل شعر فصيح ورد فيه اسم نجد، ويؤسفني أنه ليس في متناول يدي.

 

ب. فاروق مواسي

 

asmaa mohamadmustafaـ لاتظن نفسك مثقفا او أنّ لشهادتك العلمية قيمة إن لم تكن يقظا حساسا الى درجة مراعاتك أمورا دقيقة في التعامل او الكلام او الكتابة قد لاينتبه اليها غيرك . الرُقي طريقة تفكير لايمتلكها بعض من يحسبون أنفسهم مثقفين او أصحاب شهادات علمية .. الرُقي أسلوب حياة وكلام يؤثر في الآخر كي يغيره نحو الافضل وليس لزيادة مساحة الجهل والكراهية والسخرية من الغير .. الرُقي شهادة تمنحها جامعة الحياة لمستحقيها فقط .

***

ـ موجعٌ  أن تتحول قلوبنا بين أقدام الأقدار والمصادفات الى كرات يجري تقاذفها بين مرمى اللقاءات المفاجئة ومرمى الفراقات المريرة .. وأرواحنا المنفصمة عنا على المدارج تراقب وتأمل الفوز بأشواط الحياة، لكنها حين تعجز عن تسديد الأهداف، تظل تئن في انتظار لانهائي، حيث لاصفارة تعلن النهاية كما أعلنت البداية .

***

ـ لا تتمنَ العودة الى الماضي، لتصححَ أخطاءك الكبيرة، إذا كانت تلك الأخطاء قد أوصلتك الى جمال روحك الآن .

***

ـ في تقاويم العاشقين .. العمر ليس إلاّ مجموع لقاءات العشق، والزمن ليس إلاّ مجموع أحايين الشوق .

***

ـ إذا ماافتقدت في حياتك أشياء يحصل عليها آخرون، لاتشعر بالنقص، فقد لايكون النقص فيك بل في الواقع غير العادل، وقد يكون لديك أشياء لايملكها الآخرون، لكنك لاتدرك ذلك .

 

 أسماء محمد مصطفى

 

 

faroq mawasiكتب كتَبة الوحي القرآن الكريم (إذًا) بالألف في كل الآيات التي استخدمت فيها اللفظة، ومنها:

{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}- النساء، 53.

{وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلاً}- الإسراء، 76.

{وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً}- الأحزاب، 16.

والمشكلة هنا في تنوينها، فهل التنوين على الذال أم على الألف؟

بعض النحويين يرونه على الألف بدعوى أن جملة (إذن أكرمك) مثلاً-  أصلها إذا جئتني أكرمك، ثم حذفت الجملة (جئتني)، وعوض التنوين عنها.

الرسم القرآني يضعه على الذال.

لكن الرسم العثماني للمصحف هو رسم وقفي، أي لا يصلح للاعتداد أو الاحتجاج به، ونحن لا نكتب الصلوٰة والزكوٰة وجائ، وسْئَل، رحمت...إلخ.

جاء علماء العربيَّة فقرروا قواعد الهجاء والإملاء؛ واختلفوا في كتابتها بالنُّون، أو بالألف. وحُكِي عن علي بن سليمان، عن المبرِّد أنَّه قال:

 لا يجوز أن تُكتب (إذَنْ) إلاَّ بالنُّون، وقال: إنِّي لأشتهي أن أقطع يد من يكتبُها بألف.

( انظر: الجنى الداني في حروف المعاني للحسن بن القاسم المرادي، ص 11.)

....

أما أسباب رسمها بالنون فهي:

 أن رسمها بالنون يفرّق بينها وبين (إذا) الشرطية غير المنونة.

وثانيًا: (إذا) حرف، والحرف لا يدخله التنوين؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء.

عارض المبرِّد بشدة كتابتها بالألف، لأنه رأى أنها مثل "أن ولن“، وهذا المذهب يستند إلى أنه يوقف عليها بالنون لا بالألف.

أخلص إلى الرأي أنه  يُفضَّل أن تكتب دائمًا (إذن) بالنون، وهكذا أكتبها شخصيًا في كل الحالات.

 ولكني لا أرى غضاضة في بعض الاستعمالات التي لا ينصب المضارع بعدها كالرياضيات أن تكتب (إذاً)، فلا بأس!

...

إذن- حرف جواب وجزاء، وهو نصب ينصب المضارع، وذلك بشروط.

شروط نصب المضارع:

1-  تَصْدِيرُها أي تكون رأس جملة، نحو:

سأزورك.

- إذن أكرمَك.

(تكتب إذن بالنون بسبب عملها، وعلى ذلك شبه إجماع في قواعد الإملاء)

2- اسْتِقْبَالُ المضارع، أي لا يجوز أن يكون في الحال مثلاً، نحو: إذن أكرمُك الآن (لاحظ رفع المضارع!)

3- اتِّصَالُها به، (أو انْفِصَالُهَا بِالقَسَمِ أوْ بِلا النافية)، يقال: أزورك، الجواب: "إذن أُكرِمَكَ".

 فلو قلتَ: "أَنا إذن..." لقلت "أكْرِمُك" بالرفع لفَوات التَّصْدِير.

إذا كان الجواب مسبوقًا بلا النافية، نحو: إذن لا أقصّرَ في واجبك، فيبقى الفعل منصوبًا.

وكذلك في القسم: إذن واللهِ أكرمَك.

..

أما إذا سُبقت (إذن) بالواو أو الفاء فلك الخيار في الرفع أو النصب (إعمالها أو إهمالها)، نحو:

إذن وأكرمًك، وإذن فأكرمَُك.

 

ب. فاروق مواسي

 

mustafa maroufiعتقد جازما أن ليس كل كلام موزون مقفى هوشعر حتى ولو دل على معنى، فمن أبرز خصائص الشعر التصوير الذييلعب فيه الخيال دورا رائدا لا يخفى، كما أعتقد أن العروض لا يجعل من المرء شاعرا، فالقصيدة إن لم تتوفر على المواصفات التي تجعل من الكلام شعرا فهي تكون نظما في أحسن الأحوال، ولا صلة لها بالشعر إطلاقا، وإلا لاعتبرنا ابن مالك وابن الجزري – الأول في النحو والثاني في علم التجويد – شاعرين كبيرين، وهما لا علاقة لهما بالشعر في منظومتيهما لا من قريب ولا من بعيد.

وكما نعلم فهناك آيات في القرآن الكريم جاءت موزونة عروضيا، ولا يمكن أن نقول عنها بأنها شعر أبدا، كهذه الآية الكريمة: [إنا أعطيناك الكوثر] – بحر المتدارك –،وهذه الآية الكريمة: [لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون].- بحر الرمل.

.بل إنني أزعم أن المرء قد يكون شاعرا في غياب العروض كما نرى في القصائد النثرية لمحمد الماغوط وأنسي الحاج مثلا. فالشعر تصوير وإيحاء وتلميح وتكثيف حتى تأتي الصورة الشعرية على أحسن وجه. وكثير من الكلام الموزون لا نجد فيه هذه المواصفات، فهو ليس شعرا حتى وإن زعم أصحابه أنه شعر.

إذا، فالكلام قد يكون شعرا حتى وإن خلا من الوزن، ويكون كلاما تقريريا لا صلة له بالشعر حتى ولو كان موزونا ومقفى. وقد يكون مقال صحفي أو صورة فوتوغرافية أفضل بكثير من قصيدة تتحدث لنا عن واقع كما هو مشاهد بالعين وتستشعره الحواس، إذ أن القارئ يعرف الواقع ويدركه ولكنه يريد أن يسمو بمعرفته تلك إلى الإدراك الجمالي للأشياء. وهو أمر لا يتحقق إلا في القصيدة المتوفرة على مقومات الشعر وخصوصياته.

ليس لي أي موقف من قصيدة النثر، فهذه القصيدة هي أول ماكتبت في مسيرتي الشعرية، وقد نشرتها في منابر ثقافية متعددة، صحف ومجلات، وسرت فيها شوطا لا بأس به، ثم بدا لي أن الحابل اختلط بالنابل فيها، وأن كل من استطاع أن يفك رموز الأبجدية بإمكانه الدخول إليها دون مراعاة لما يتطلبه الشعر من عناصر أساسية لوجوده، فاتجهت إلى القصيدة الموزونة، مع العلم أنني درست العروض قبل أن أكتب قصيدة النثر نفسها.

إن قصيدة النثر في نظري أصعب من القصيدة الموزونة – الشعر صعب كان قصيدة موزونة أم قصيدة نثرية – لأن ما ينقصها من موسيقى خارجية ينبغي أن يعوض عنه بعناصر أخرى كالإيقاع في المعنى والموسيقى الداخلية المتمثلة في تركيب الحروف داخل الكلمة، والكلمة داخل الجملة. وبطبيعة الحال فهذا العمل يتطلب مهارة من صاحبه، إذ المقصود في الشعر ليس هو تبليغ المعنى والمضمون للقارئ فقط، بل الشكل الذي حمل فيه المعنى أيضا. فكم من بيت أو قصيدة أعجبنا بها لا لما قالته بل للكيفية التي قالت بها .

حقيقة أنني أجد أحيانا في قصيدة النثر من الشاعرية والشعر ما لا أجده في القصيدة الموزونة، وللأسف فالقصيدة النثرية الحاملة للشعر نادرة جدا.

 

مصطفى معروفي

 

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها الكاهن الأكبر سلوم بن عمران ( شالوم بن عمرام، ١٩٢٢-٢٠٠٤، كاهن أعظم في السنوات ٢٠٠١-٢٠٠٤، عضو في البرلمان الفلسطيني ١٩٩٦-٢٠٠٤، معلّم، جزّار الطائفة، شمّاس) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٥-٢٦. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”الآن، بينما أجلس هنا على جبل جريزيم، في بيت المرحوم راضي صدقة، رحمة الله عليه، لا أصدّق أنّه أُخذ منّا، وها قد مرّت سنة على موته المبكّر، ولا نستطيع التمتّع بجلساته، جلسات الإخوة، حيث استمتعنا كثيرًا بقصصه الرائعة عن شيوخنا وآبائنا. منهم من عاصرناهم وعاشرناهم، إلا أنّ القصص من فم راضي ذات رونق خاصّ. لا نستطيع أن نستعيد ونتذكّر تلك الأيّام البعيدة، التي فيها انتمينا كلانا إلى تلك المجموعة من الفتية، التي كانت تعكّر صفو راحة سبوت وأعياد آبائنا.

.............

يحسّ القلب بالألم الشديد وبخاصّة عند اقتراب عيد الفسح، الذي كنّا ننتظره كلّ عام على أمل الجلوس يوميًّا، مع راضي والاستماع منه لما في جعبته من تجارب وحكايات. عيد الفسح يقترب حقًّا، وعمّا قريب سنسمع رنين الأجراس الصغيرة المعلّقة على رقاب الخراف المعدّة لقربان الفسح. إنّها تسير الهويْنا هنا وهناك، وتلحس عشبًا في اجترار لا نهاية له. هذا ينقلني إلى أيّام بعيدة، سنوات الأحداث وأعمال الشغب في كل أرجاء فلسطين في أواخر ثلاثينات القرن العشرين؛ حينها كان الاحتفال بعيد القربان في خانة شكّ كبير.

عاش السامريون في خوف شديد، نصبوا كلّهم خيامهم على الجبل، استعدادًا لعيد الفسح الذي كان على الأبواب، إلا أنّه لا أحد كان متأكّدًا من إمكانية الاحتفال بعيد القربان. خفنا كثيرًا، خفنا من إشعال المَشْعلات لئلا يفسّر كعلامة تأييد لأحد الأطراف المنخرطة في الأحداث وأعمال الشعب، ولكن كما هي الحال دائمًا، وضعنا ثقتنا بالله، تبارك اسمه.

أحد وجهاء المدينة، أكرم زعيتر، كان رئيس البلدية سنوات طويلة [١٩٠٩-١٩٩٦، أديب وسياسي قومي ومعلم]، وأذكر أنّه توجّه ذات يوم لأبي عمران وقال له بقلق متعاطفًا معه: ”ماذا سيحلّ بكم هذه السنة، أيّها السامريون؟ ألا تظنّ أنّه ربّما لن يسمح لكم هذه السنة بالاحتفال بعيد قربانكم؟“ هزّ والدي رأسه بحزم قائلًا: ”ليكن ما يكون، على كلّ حال، سنقوم بفريضة الفسح“.

بخوفي الشديد تعجّبت من جواب أبي. لم أدر من أين استمدّ ثقته الجمّة، كنت آونتها فتى، ولم أُعر الأمر أهمية كما فعل البالغون. بدا الأمر يسيرًا في عينيّ كفتى، ومع هذا، تسلّلت الخشية إلى القلب.

”ما مشكلتكم؟“ سأل أكرمُ أبي. شغل أبي، عمران، آنذاك سكرتير الطائفة، وأجاب ”لا نملك نورًا كافيًا لإقامة القربان، يبدو أنّ الشتاء لم ينته بعد، وما زالت الأمطار تنهمر بغزارة، ولذلك هناك خشية  في أنّنا سنقيم قربان الفسح  في ظلام دامس“.

تعجّب أكرم زعيتر أيّما تعجّب من إجابة والدي، العالم كلّه كان مشغولًا بالأحداث [ثورة ١٩٣٦]، أمّا السامريون فشغلهم الشاغل كان: ّهل سيكون النور متوفّرًا في عيد قربانهم أم لا؟ ابتسم وقال لأبي: ”أيّها الكاهن، لا عليك، كلّ شيء سيكون على ما يرام، إنّي أعرفكم يا سامريون، حتّى ولو هطل الثلج، فإنّكم ستقيمون قربان الفسح كما ينبغي بالكامل“. أنتم خاصّون في إيمانكم، لا نظيرَ لكم في العالم كلّه، أنتم شعب قوي جدّا.

بدأ أبي يشكّ في أقوال أكرم زعيتر، هل حقًّا نحن أقوياء لهذا الحدّ، يا ليت صدق، فلماذا إذن نشعر بأنّنا ضعاف لهذا الحدّ؟ حان يوم القربان، أنهى السامريون آخر تحضيراتهم وخبزوا المصّة؛ كان الجوّ عاصفًا، السماء متلبّدة بالغيوم السوداء الكثيفة، والظلام أخذ يرخي سدوله.

قُبيل حلول المساء بساعة، بينما كنّا ماشين نحو خيمة الكاهن الأكبر، توفيق بن خضر (متصليح بن فنحاس)، لدعوته إلى مكان القربان، توقّفت فجأةً سيّارة أمام خيامنا، وفيها كان الوجيه رضوان النابلسي من بلدية نابلس. كانت سيّارة شحن كبيرة، أمر رضوان سائقها بالتوجّه بها إلى الوادي، [العُرضي] حيث مكان القربان. وقفت الشاحنة على الشارع من على مكان القربان وعليها رافعة كبيرة. ثبّت على الرافعة بأمر رضوان مصباح ضخم جدّا أضاء كلّ باحة مكان القربان.

وعندما سأله والدي: من الذي أرسلك؟ أجاب رضوان: لا أعرف شيئًا، إنّي لستُ مسؤولًا، إنّي أنفّذ فقط تعاليم رئيس البلدية، أكرم زعيتر [هنا وقبل ذلك كتب الاسم خطأ بالطاء وبدون الياء، زعطر] لا أكثر ولا أقلّ. نور ساطع كبير أضاء مكان قربان فسح العام ١٩٣٦. والدي، الكاهن عمران بن إسحق، رحمه الله، علم أنّه حتى بدون هذا الضوء، لا بدّ من القيام بقربان الفسح“.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

أما طمحت نفسك يوما للكشف عن هذا العالم الفسيح ... أما خطر ببالك ان تدخل هذا الميدان الواسع وتغور بمخابئه .. اما انا فاني اقف بين الحيرة والإبهام فتارة تلالا ثناياه في خاطري وطورا يخاصمني الحظ فيزيغ صوابي لهذه الزعزعة .

ولقد انست في نفسي نفحة الفطرة التي ايقظت شعوري وأنعشته فأتيح لي شرح هذا العنصر الهام في حياة هذا المجتمع المتفاني في تمجيد السعادة وسرها العظيم واثرت ان الخص هذا المفهوم العميق فيمفردات قصيرة الا وهي ...المراة شجرة ذات جذع وفروع وثمار ولانها ذات وسام شريف قلدها اياه رب الخليقة فالاحرى بها ان تتخذ مملكة النبوة لتمنحنا النماء وتهدي ظالتنا .

... انها المراة ... تلك الواحة العظمى وهاانا لو خيرت من أي الابواب ادخل هذه الواحة لاخترت باب الامومة ... هذا المعبد المشيد باهات هذه الاجيال ولنقل هذه المركبة الوديعة التي امتطاها البشر وابحر بها حياته فما ركنت لشاق الدهر ولا لزعزعة الاحداث وما توقفت قط عند ميناء منذ دبت الحياة على هذه البسيطة ...بل منذ نفخ الله الروح في جسد حواء ... فهي التي انطقت الجماد بقلب يسيل بالعضات وهي الابية التي تعلو الى سماء الانسانية لتنسق في كل يوم اكليلا يانعا وتجعله بمزهرية الحياة وهي التي تتولى حراسة طفلها وتمده بلطفها وعنايتها فاذا ما انضجته وهذبته قدمته للحياة انسانا .

... انها الامومة ...وانك لو فتشت بكيانها الغامض لاتضح لك بانها ذاك الجندي الباسل الوقور ... وتلك الوسيلة النفاذة لمدارك الحياة والممهدة لسبل المعيشة ...فهي الام والمربية والزوجة والمعلمة الطبيبة والصديقة الاديبة والشاعرة .انك لو تصفحت حياتك تمعنت بها النظر لجدت نفسك ذاك الديوان المدون بمهجة الامومة ..ذاك القصيد المنظم الذي سكبته روح الامومة فاحبرته على صفحة الزمان هي تناجيك عندما كنت غضا غريرا عندما كان جهلك مراحك عذبا جميلا تضاهيه حلاوة الفولة ونعومتها .

لوانك ازمعت الرحيل لاي اتجاه من الحياة لكانت لك هي البوصلة التي تتجه بها ..بل يتجه باتجاهها الالاف والملايين..ولو شعرت بحاجة الى الفرار لمواطن نائية فاي صدر يتسع لمحنتك سواها ...اليس هي البسمة الباكية والدمعة الضاحكة والامل الوردي الذي ملا افاق الوجود واختلجت له نبضات القلوب.

فما احرانا لمجتمع ترعاه الامومة بدورها التربوي فنستمد من ينبوعها رحيقا للنفوس المتعطشة .ونواة القول ان هذه الواحة المتعددة الابواب والتي امتطى جسرها الحكماء وتغنى بها الشعراء فقالوا عنها الام مدرسة فمن هنا نستوحي مغزى شديد العمق حيث نهتف بالامومة لانها تحتضن في ذاتها اسمى المعاني وتجمع بين طياتها جل الادوار وانبل المساعي وارقى المبتغيات . 

        

نصيرة بحورة

 

faroq mawasiاعتاد الشعراء العرب أن يصفوا الممدوح: فهذا شجاع كالأسد، وذاك كريم كالبحر، وهو في مضائه كالسيف، وظل هذا مألوفًا لدى الشعراء والمتلقين، ولنسُق بعض النماذج من ذلك:

بشار بن بُرد:

يُغادي الوغى كالليث في حَومة الوغى *** وفي الخَفضِ كالبازيِّ راح على اليد

أبو فراس:

كان ابن عمّي إن عرا حادث *** كالليث أو كالصارم الصاقلِ

البحتري:

إلى متى تُتبع النُّعمى نظائرها *** كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج

ابن الرومي:

هو البحر حدِّثِ الناس عنه ولا حرج

ابن الرومي:

فطلعتَ كالسيف الحسام مجرَّدًا *** للحق أو مثل الهلال مجَددا

..

لكن هناك من خرج عن هذا المألوف، ورأى في مثل هذه  الأوصاف إساءة للممدوح.

هنا سأذكر ذلك بسبب جدّة الطرح في نقد الفِطرة:

..

"حضر أعرابي مجلس الأصمعي.

 فقال: أيكم الأصمعي؟ فقال الأصمعي: أنا ذاك،

 فقال: أتأذنون بالجلوس؟

 فأذِنا له، وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.

قال: يا أصمعي، أنتَ الذي يزعمُ هؤلاء النَفر أنك أثقبهُم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟

 قال الأصمعي: فيهم من هو أعلم مني، ومن هُو دوني.

 قال: هل تنشدونني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسَه على شعر أصحابنا؟

 فأنشده الأصمعي شعرًا لرجل امتدح به مَسْلمة بن عبد الملك:

أمَسلمَ أنتَ البحرُ إن جاءَ واردٌ ***  وليث إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها

وأنت كسيف الهنْدُوَانِيّ إن غدَت ***  حوادثُ من حربٍ يعبّ عُبابها

وما خُلِقت أُكْرومَةٌ في امرئٍ له ***   ولا غاية إلاّ إليك مَآَبُها

كأنك ديَّانٌ عليها مُوَكَّلٌ   ***  بها، وعلى كفيك يَجرِي حِسابُها

إليك رحلْنَا العِيسَ إذ لم نجد لها *** أخا ثقة يرجَى لديه ثوابُهَا

..

قال: فتبسَّم الأعرابي، وهزَّ رأسه، فظننا أن ذلك لاستحِسانه الشعر.

 ثم قال: يا أصمعيّ، هذا شعرٌ مهَلهَل خَلَق النسج، خطَؤه أكثر من صوابه، يغطي عيوبَه حسن الرَوِيِّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتُدح بالأسد، والأسد أبْخَر شَتيم (كريه) المَنظَر، وربما طرده شِرْذِمَة من إمائِنَا، وتلاعَب به صبياننا.

 ويشبّهونه بالبحر، والبحرُ صَعْبٌ على مَن رَكبه، مُرّ على من شربه.

 وبالسيف وربما خان في الحقيقة، ونَبَا عند الضِّريبة".

(الحصري: زهر الآداب، ج1، ص 400)

..

نحو ذلك ما ورد في كتاب أبي هلال العسكري (ديوان المعاني) ج1، ص4:

"أخبرنا أبو أحمد قال: سمعت أبا بكر - يعني ابن دُرَيد - يحكى عن أبي حاتم قال:

 قال الأصمعي سمعت أعرابيًا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى، إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، لم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟

...

من نقد الفطرة كذلك ما رواه الأصمعي:

حكى الأصمعي قال: كنت أقرأ: {والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كسَبا نكالاً من الله والله غفور رحيم}، وبجانبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟

فقلت كلام الله.

 قال: أعد!

 فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: والله عزيز حكيم.

 فقال: أصبت، هذا كلام الله.

 فقلت: أتقرأ القرآن؟

 قال: لا.

 فقلت: فمن أين علمت؟

 فقال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، فلو غفر ورحم لما قطع.

(العاملي، الكشكول، ج1، ص 233)

...

من الأعراب وردت لقطات جميلة دوّنتها كتب الأدب، وهي ذات موقف نقدي يعلله صاحبه، وقد يكون الموقف إشاحة أو عدم رضا، فمن ذلك ما ساقه لنا التوحيدي:

"وقف أعرابيٌ على مجلس الأخفش، فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟

 قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا."

(أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ج2 ص 139.)

فما أبدع الفِطرة!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

أحاور بعض الأخوة الناشرين أحيانا حول الترجمة لكبار الأدباء الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في زمانهم لكنّ النسيان طواهم وتقادم الزمن على إنتاجهم، أو بالأحرى لأنّ الفرصة والصدفة لم تتهيأ لقارئنا العزيز ليطلع على ما كتبوا وليعجب بما بهروا به مواطنيهم والأوربيين على مدى عقود وقرون.

ما ذنب أيّ علم من أعلام الرومانسية الإسبانية أو الواقعية أو الانطباعية الذين شغلوا الأدب الأوربي على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين؟ لم يسمع الكثيرون منّا إلا بالروائي بلاسكو إيبانيث الذي حالفه الحظ حين عرضت السينما الأمريكية واحدة من رواياته الرائعة (دم ورمال Blood and Sand) التي مثّل بطولتها (تيرون باور) و (رينا هيوارث) فمنحا مؤلفها الشهرة والحياة.

وماذا عن أونامونو؟ وماذا عن كلارين؟ وماذا عن بيو باروخا؟ وآثورين؟ وغالدوس؟ وباردو باثان؟ وعن خوان باليرا؟ وعن أورتيغا أي غاسيت؟ وماذا عن جيل الـ 98 الذين لا يذكر أحدهم إلا وذكرنا بأدباء النهضة العربية الثقافية والفكرية والأدبية؟

ونأتي على جيل شعراء الـ 27 فلا نعرف منهم إلا لوركا وألبيرتي وهما اثنان بين أكثر من دزينة لكلّ منهم طعمه ومذاقه وعبقريته وأسلوبه المتفرد.

ونعبر إلى أدب الحرب الأهلية وما بعدها. والمسرحيين، كبار المسرحيين، ممن يعرفهم العالم كلّه ولا يعرفهم قرّاؤنا، لمجرد أنّ متطلبات السوق لا تسمح بالمغامرة. فمتى يتعرف قراؤنا على هؤلاء؟

لن يعرفوهم.

وما يقال عن الأدباء الإسبان يقال عن أدباء أمريكا اللاتينية: فإمّا إيزابيل أيندي أو بارغاس يوسا أو غارثيا ماركث أو بورخس أو لا!

لا أرى ما يجري في عالم النشر منصفا لأنّ الأضواء تتحول مدفوعة بالسوق عن عظماء "مجهولين". ليس لأنّهم كذلك بل لأن توجهات النشر عندنا لا تريد المغامرة.

لن يعرف قارئنا هؤلاء والحال هذه وسيبقى أسير أسماء مكررة، رنّانة، طنانة، وإن كتبت تفاهات بعد روائع. وسيقى الآخرون مطمورين لا يغامر أحد بانتشالهم من أضرحتهم التي رقدوا فيها.

أرى أن الأوان قد آن لرسم سياسة جديدة في النشر تعيد لهؤلاء الكبار حقوقهم واعتبارهم وتضع ثقتها لا في الأسماء والصرعات وفي سياسة " الجمهور عايز كده" بل في معايير الجودة الحقيقية التي تجعلنا ننشر لأحلام مستغانمي وكوليت خوري وعلاء الأسواني من دون أن نغفل ما كتب سلامة موسى وتوفيق الحكيم والرافعي والعقاد وجبران. 

 

د. بسّام البزّاز

    

kamal alhardiمشاعر الحب العاطفي بين الذكر والأنثى ظاهرة إنسانية لا تختلف في جوهرها لدى الإنسان الأبيض القاطن في القارة البيضاء أو البني القادم من الهند والسند أو الأحمر المطل علينا من أرض المكسيك أو الأصفر ذي العينين اللوزيتين الصينيتين أو الأسود الوافد من أحراش أفريقيا جنوبا".

كل تلك التباينات في لون البشرة أو في سلالة العرق أو في طبيعة الجغرافيا لا ترتبط بعلاقة عضوية مع وجود مشاعر الحب وميل الإنسان نحو محبوبه، إلا أن تلك العوامل تؤثر نسبيا في كيفية بلورة مشاعر الحب. فالمثال يترجم حبه بمنحوتة، والموسيقار بمقطوعة موسيقية، والرسام بلوحة، والشاعر بقصيدة، والسياسي ب...!! بلا شيء. كل تلك الترجمات قد تتباين في الكيفيات والهيئات وفقا لطبيعة المكان والإنسان، لكنها لا تختلف في الجوهريات (مشاعر الحب).

ولنأخذ على ذلك مثلا في قوالب اللغة وخصوصا الشعرية منها أو النثرية، وكيف أن البيئة تلعب دورا محوريا في بلورة أحاسيس العشق والغرام؛ ففي أجزاء من الريف الفرنسي أو الإنجليزي تتساقط الثلوج في فصلي الخريف والشتاء فتختفي أشعة الشمس وتتناقص درجات الحرارة، فتجد العاشق في تلك البيئة الثلجية ينظم شعرا بتفعيلتهم الخاصة قائلا:

في إحدى ليال الشتاء

عبرت الطريق متدثرا بمعطفي ووقبعتي

لكنني ما فتئت أشعر ببرد الشتاء

وثلج الشتاء

فتمنيت رشفة ساخنة من كوب قهوة

لكن طيف من خيالك لاح لي!

فتذكرت دفء حبي لك وحبك لي

فصار بساط الثلج على الشارع

حديقة مشمسة غناء

وما عدت بحاجة لمعطفي وقبعتي

فقد غدوت عصفورا يغرد في السماء !

بينما العربي في صحرائه لا يعرف المعطف وبساط الثلج، بل يعرف قيض الصحراء وأوار حرها، ولذلك ستجد العاشق منهم يتغزل في محبوبته مقارنا إياها مثلا بجداول الماء وظلال الشجر حيث لا عطش ولا شمس:

وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت♡♡  

  وردا وعضت على العناب بالبرد

ولن يقتصر العاشق العربي على ذلك، بل لربما انعكست بيئته الصحراوية النزاعة إلى القتال في شعره الغزلي ليقول:

دع عنك ذا السيف الذي جردته

عيناك أمضا من مقاطع حده

كل السيوف قواطع إن جردت

وحسام لحظك قاطع في غمده

وهكذا فإن حرارة الحب جذوة لا تخبو ولا تنطفئ في قلوب البشر بمختلف أشكالهم وسلالاتهم وأعراقهم ، وستظل تلك الجذوة متوهجة بألوان بيئات مشاعرهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم.

 

كمال الهردي - كاتب وروائي يمني

 

 

khahtan alseadiحين تتصفح كتابها ."أحببتك فصرت الرسولة"، تستحضر روحها فتجدها القديسة المتبتلّة في عالم اللاهوت تتلاقح افكارها مع العشق الالهي ومكنونات القيم الانسانية، وهي تتجلى في عالم التصوف حتى تمازج افكارها الانسانية مع عشق الرب بنبرة صوفية كأنها من تلامذة محيي الدين بن عربي او جلال الدين الرومي.

تكتب حتى ينساب من قلمها أدب حر وابداع ثرّ ...ترى نعم الحياة ومتعة العارف بمكنونات صفاء الروح، حتى وسط ركام الدمار وتحت أزيز الرصاص، تصف الحرب حتى تقول انها محطة زائلة وستنبت كل قطرة دم سنبلة ووردة.

تتعاشق مع الصليب رمزا ابويا للتضحية والفداء من اجل غد أفضل مؤمنة باللاهوت والأقدار حتى تعانق الآلهة لتنجب الامل والعطاء.

أنثى لا ككل النساء "إلا حبيبتي"، تعشق روح القبلة وترقب اللقاء بدقات قلب لموعد لم يكتمل، او تمارس قداسة العبث الطفولي والعتب الصبياني في رحاب الآلهة وبين أركان القصيدة حين تقول:

"يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:

فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات

ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة

ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة

ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين

ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد

ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار

ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح

ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم

ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم

ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة

إلى جوف الجحيم

فيركلها الشيطان إلى نار حقده

تحت أنظار إلهٍ ندم

لأنّه استراح في اليوم السابع

ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!"

شاعرة وكاتبة، ناسكة متمردة، وحرة مقيّدة كأنها تجمع المتضادات تكتب للموت والميلاد والظلام والضياء كأنها على خطى السياب حين يكتب التضاد في أنشودة المطر:

"والموت والميلاد والظلام والضياء

فتستفيق ملء روحي نشوة البكاء

كنشوة الطفل اذا خاف من القمر

كان اقواس السحاب تشرب الغيوم"

وها هي اقواس ماري القصيفي مشرئبة تبتلع الحزن وتعزف للحياة لحنا خالدا، يتماهى مع لونها الفينقيّ وقدرها اللبناني، بروح إنسانية وثبات فكري يدندن في ربى لبنان معزوفة الخلود.

ماري القصيفي أيقونة خجلى لامرأة ثكلى بنواح العارفة العابثة والعاشقة المتمردة والروح المرتدة السابحة في بحور العشق الالهي المغمس بعطايا الرب.

إنه لمن الغرابة ان تقوم مدرسة في زوايا لبنان وتلامذة أفاضل بطقوس الفرح لمعلمة جليلة في اروقة المدرسة، ولم نجد تلك الاحتفالية بتجمع جماهيري يضم النخبة الفكرية والأدبية  في شارع الحمرا وسط بيروت لتكريم كاتبة تناغمت مع الكلمة حتى صارت بيرقا وتراقصت مع القصيدة حتى صارت لحنا خالدا.

 

قحطان السعيدي

 

faroq mawasiكنت أستمع إلى محاضر ذكر كلمة (أُنموذَج) في محاضرته، وأصرّ على لفظها مع الهمزة، منبّهًا – بدون ضرورة- إلى أن كلمة (نموذّج) خطأ.

عجبت لإصرار صاحبنا، فعدت إلى المراجع لأتفحص دعواه، فإذا بالقاموس المحيط للفيروز آبادي  يرى أن (أُنموذَج) هي لحن، والصواب نَموذَج، بدون الهمزة، ويقول: "هو مثال الشيء معرَّب نَموده"...

لكن الباحث يوسف البقاعي الذي حقق القاموس (في طبعة دار الفكر) علق في الحاشية بقوله "ما زالت العلماء قديمًا وحديثًا يستعملون أنموذج من غير نكير، حتى أن الزَّمَخْشري وهو من أئمة اللغة سمّى كتابه في النحو (الأُنْموذَج)، والنووي في (المنهاج) عبر به في قوله "أنموذج متماثل"، ولم يتعقّبه أحد من الشرّاح".

من جهة أخرى أنكر الصاغاني صاحب التكملة والذيل والصلة (أنموذج)، لأن المعرَّب لا يُزاد فيه، وقال عن الزيادة "وليس بشيء".

..

نحن في لغتنا نأخذ من السلف ما استخدموه وأجازوه، ولا تهمنا خلافاتهم، بقدر ما تهمنا إمكانات استخدام اللغة وجوازاتها، فاختلاف المذاهب رحمة هنا أيضًا.

إذن يصحّ اللفظان، فلا بأس في أيٍّ!

نَموذَج وأُنموذَج،

ولا مسوّغ لإصرار صاحبنا.

..

إليكم  استخدام الكلمتين من مصادر جمعتها-

نَموذج:

قال البحتري:

وأبلقٍ يلقى العيون إذا بدا *** من كل شيءٍ مُعجبٍ بنموذجِ

الثعالبي:

......... *** يطَّلِعْ في نموذج الفردوسِ

وفي كتابه (التمثيل والمحاضرة) يقسم فصولًا عديدة منه إلى عناوين، وكل واحد منها أنموذج من .....(الأمثال، التوراة....إلخ).

وفي النثر تجد في (معجم الأدباء) لياقوت الحموي جملة- "وهذا نموذج من نثره" – انظر مثلاً مادة: عطاء بن يعقوب.

أنموذج:

ابن رشيق القيرواني:

رغبت في الجنّة لما بدا *** أنموذجُ الجَنّة في شكله

الشريف المرتَضَى:

وأرى من حال أحبابيَ أنموذجَ حالي

وغير ذلك كثير.

أما المعاجم الحديثة كالمنجد والوسيط فقد أدخلت الكلمتين وبحق، بل أرى أن  جمع نموذج (نماذج) سهل، ومقبول، وهو أسهل من استخدام نموذجات كما يجمع (المنجد)، أو أنموذجات جمعًا لأنموذج.

لو كانت لي صلة مع معدّي المعاجم لطالبت بإضافة الفعل (نمذَج- ينمذج) ومصدره (نمذجة)-  بمعنى تقديم نماذج أو وضع المثال في نموذج، فاللغة تتطور، ومن الضرورة قبولها.

ملاحظة:

زادت العرب في بعض الكلمات الفارسية المعرَّبَة حرف الجيم:

نموذج (المثال)- أصل الكلمة نمودَه

فالوذَج (نوع من الحلوى) – أصل الكلمة: فالوذه

لوزينج (شبه القطائف)- أصل الكلمة لَوزينه

فيروزَج (التي لفظت فيما بعد بغير الجيم، وهي حجر كريم)- أصلها فيروز.

وبالطبع فالكلمات الثلاث الأخيرة لا تُستخدم اليوم بالجيم، فأين من يقول اليوم لوزينج وفالوذج؟

 

ب. فاروق مواسي

 

mohamad aldamiعندما نتفق على حقيقة مفادها أن العقل العربي دائم النزوع الى رؤية واضحة للنفس، بمعنى الميل لمعاينة نفسه عبر “مرآة الآخر”، كما هي، بلا تزويق ولا تلوين، فانه غالباً ما ينجح في أن يحقق ذلك، ليس فقط عبر قراءة الذات وإعادة قراءتها بسلوكياتها، ولكن كذلك عبر جهد فكري معقد يتطلب الحاد من الذكاء، اعتماداً على المقارنات والمقاربات. ربما كان هذا الميل الذي لا يفلت أحد من ملاحظته عبر العالم العربي وراء الاهتمام الجارف الذي نرصده اليوم عبر العواصم العربية فيما نطلق عليه عنوان “الثقافة المقارنة”، خصوصاً في المؤسسات الأكاديمية.

وإذا كان العنوان أعلاه غاية في الاتساع والشمول، فانه لابد وأن يحتوي، من بين فروع وحقول أخرى، على الدراسات الألسنية المقارنة ودراسات الأدب المقارن، من بين سواها من تفرعات الثقافة والفنون والآداب.

وحيث أن هذه هي من السجايا الإيجابية للذهنية العربية، فان للمرء أن يذهب بكل ثقة إلى أن هذا الميل لمعرفة الذات عبر مقارنتها ومقاربتها مع “الآخر” إنما هو ليس ظاهرة جديدة، بدليل عناية الثقافة العربية الوسيطة بالترجمة والتعريب من مختلف لغات وثقافات العالم الحية عبر ما سمي العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. لكن رغم اختلاف الآراء وتناقضها حول هذا الموضوع، إلا أن هذا النزوع قد اعتمد آليات وأنشطة التعريب أولاً، بهدف الاطلاع على ما قدم “الآخر”. وإذا ما اندرجت في منافع هذا النزوع الفوائد المعرفية العامة والمتخصصة عن الأمم الأخرى، فان للمتابع أن يفترض، بقدر كبير من الثقة بالنفس، أن العقل العربي قد رغب في أن يعرف بدقة أين تقف ثقافته القومية الإسلامية حقبة ذاك، “مقارنة” بسواها من ثقافات العالم الكبرى، من الصين والهند وبلاد فارس، الى بلاد الإغريق وبيزنطة والروم والفرنجة.

وحيث لم يكن ذلك الأمر من الميزات الحيوية لثقافتنا فقط، فانه قد شكل صورة دقيقة تؤشر الوعي الوسواسي بالذات: فكيف يستطيع المرء أن يعي ذاته، من دون أن يقارنها مع الآخر، لاسيما الآخر المختلف او المتفوق.

أما ما خلفه هذا النزوع الوسيط لنا اليوم، فانه أبقى جذوة حب الاطلاع عبر المقارنات والمقاربات متوقدة، لمعرفة الذات ولتبيان سجاياها ومثالبها كذلك بهدف التصحيح والتصويب، بلا ريب. أما ما تركه هذا النزوع العربي القوي لأوروبا وللعالم، فانه قد حفظ لها تراثها الثقافي الإغريقي/ الروماني القديم، ثم أعاده إليها عبر الأندلس وصقليا.

وبالارتجاع الى جوهر هذه المناقشة، لا يمكن للمرء استغراب التيار الجارف الذي تحياه الثقافة المقارنة في العالم العربي اليوم، بكل الحقول الثقافية والفنية والعلمية عموماً بتركيز خاص على العناية بالدراسات المقارنة، خصوصاً على مستوى الدراسات الأكاديمية الرفيعة.

هذا اتجاه فكري وذوقي يستحق الرصد والاهتمام والرعاية من قبل أولي الأمر، وسراة القوم لأنه يندرج في جهد العقل العربي الفطن لمعرفة نفسه، ثم، والأهم من ذلك، لرسم صورة ذاتية للنفس: صورة دقيقة المعالم تستحق الاعتزاز والإشاعة والعكس محلياً وإقليمياً وعالمياً.

لذا فأن “الثقافة المقارنة” مهمة للغاية، ليس لمعرفة وتشخيص الذات فقط، وإنما كذلك لرسم صورة ذاتية دقيقة المعالم على سبيل تقديمها لــ”الآخر”، بناءً على تتبع التوازيات والتقاطعات، رغم وجود الكثير من اللغط والمفاهيم الخاطئة والمنظورات الجاهزة المسبقة التي شوهت “الدراسات المقارنة” واختطفتها من حقل عملها الصحيح، لاسيما عبر الأكاديميات العربية، درجة إجهاضها وإحالتها الى حقول بحثية مثقلة بالنرجسية وباطراء الذات وبالخيلاء المفرط، دع عنك ذلك الميل القوي لحرفها عن أهدافها الأساس الى التفضيلات واعتماد درجات المقارنة المعيارية الجارفة، على سبيل إطراء الذات.

من هنا جاءت بواعث العارفين بهذا الحقل الحيوي من النشاط الذهني بالعمل على إزالة بعض الأخطاء وتصحيح البعض الآخر ليمنعوا التمادي بما جاء أعلاه حتى حدود الانحياز وضياع الحيادية، بل وفقدان رؤيا الدراسات المقارنة الجوهرية.

 

أ.د. محمد الدعمي - كاتب واكاديمي عراقي

 

 

wedad farhanمر علينا يوم 23 نيسان صامتا دون أن نلتفت اليه رغم أهميته لأنه يشكل عيدا احتفاليا منذ أن قررت اليونسكو في العام 1995اعتماده يوما عالميا للكتاب.

تأتي أهمية الكتاب منذ القدم من خلال تشييد المكتبات التي تعكس حضارات الشعوب وثقافاتهم.

وأولت الحكومات الوطنية عبر التاريخ اهتماما بالغا بنقل معرفة الحضارات الأخرى من خلال الترجمة وتأسيس مجمعات علمية ترعى فيها الجوانب الفلسفية لمصادر التدوين الحضاري بمختلف مناحي المعرفة والعلوم والثقافة.

فبالإضافة الى أهميته كمحور في التربية والتعليم، يعتبر الكتاب أداة ترفيهية مهمة وشريك لسد الفراغ، ماعدا أهميته في تقدّم الإنسان ورقيّه حتى أن نهل المعرفة منه تنعكس على شخصية المتلقي.

وكان لمكتبة بغداد في العصر العباسي الدور العظيم في تعريف العالم بثقافة وادي الرافدين من خلال ازدهارها إذ احتوت الملايين من المجلدات في زمن لم يكن للطباعة يد في انتاجها حيث ترجمت الكتب من اليونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية وغيرها الى اللغة العربية.

مثلهم كالمغول، الذين ألقوا بكتب بغداد جميعا في نهر دجله، قام الداعشيون بإتلاف كل ما يمت للعلم والمعرفة والتاريخ، لا لشيء سوى أنهم لا يقرأون ولا يريدون التعلم... هدفهم الوحيد التخريب وحجب كل ما له صلة في فتح منافذ النور في عقل الانسان.

وفي الوقت الذي يجتهد البعض في خلق مناسبات للكتاب في العراق مثل "أنا أقرأ"، نتمنى أن يعود الكتاب الى حياته شريكا لكل عراقي وخير جليس، في الوقت الذي ننحني لمن يشعل في طريق المعرفة شمعة من خلال التبرع بالكتب الى الجامعات المنهوبة كي يعاد لها النور، فالعلم نور نحتاج اضاءاته في حياتنا الراهنة.

 

وداد فرحان - سيدني

 

faroq mawasiأثار الصديق ب. عز الدين المناصرة قصة وفاء السموءل بن عادياء "اليهودي" ، وشكك فيها في كتابه الذي صدر حديثًا: (امرؤ القيس الكندي- شاعر العربية الأول) والعنوان الفرعي: "امرؤ القيس ليس امرأ القيس"، حيث يقول فيه:

"أما القصة فهي أن امرأ القيس في تجواله بين قبائل العرب لمساندته لاسترداد مُلك آبائه وأجداده، زار حصن تيماء، وَرَهنَ دروعَه  لدى المرابي اليهودي (صموئيل أو السموأل) في حصن تيماء، بعد أن اقترح عليه السموأل أن يزور إمبراطور الروم في القُسطنطينية – (جستنيان)، لعلَّه يسانده بجيش لاسترداد ملكه في نجد. وكتب له رسالة توصية إلى (الحارث الغسّاني) حليف الروم، لكي يصل إلى القيصر.

والحقيقة هي أن السموأل تواطأ مع الحارث الغسّاني، على الغدر بـ (امرئ القيس)، وكان الوسيط هو (الربيع الفزاري)، الصديق المشترك بينهما. والدليل القاطع هو أن ورثة امرئ القيس بعد موته، طالبوا السموأل بتسليمهم الدُروع، لكن السموأل أنكر أنها عنده.

أما قصة مقتل ابن السموأل، لأن الأب رفض تسليم الدروع، فهي كذبة كُبرى، مؤلفها هو دارم بن عقال. والفكرة الأساسية في هذه القصة ليست الدروع، بل هي أن السموأل هو صاحب فكرة اقتراح زيارة الإمبراطور جستنيان".

...

طبعًا هناك آراء خطيرة ومثيرة في كلام د. عز الدين- شاعر الكنعانية أبي كرمل، فلندعها للمتخصصين، وللمتقصّين في التاريخ.

نعود إلى اللامية الرائعة وبحق، وهي التي نسبت إلى السموءل، ومطلعها:

إذا المرء لم يدنسْ من اللؤم عِرضه***   فكـل رداء يرتديــــه جميل

وإن هو لم يحمِل على النفس ضَيمها***  فليس له إلى حسن الثناء سبيل

تعيّرنا أنا قليـــــل عديدُنا  *** فقلت لهــــــا إن الكـرام قليل

وما ضرنا أنا قليـــل وجارنا *** عزيز وجـــار الأكثرين ذليـــل

..

فهل السموءل هو في الأصل شْموئِيل (שְׁמוּאֵל)؟

أولاً، من هو؟

عاش  السموءل في النصف الأول من القرن السادس الميلادي (ت. 65 قبل الهجرة)، وهو من سكان خيبر، ولكنه كان يتنقل بينها وبين حصن له هو (الأبْلق) في تَيماء، وكان الأبلق قد بناه والده عادياء، بدليل قوله:

بنى لي عاديا حصنًا حصينًا *** وعينًا كلما شئت استقيت

وفيت بأدرع الكندي إني *** إذا ما خان أقوام وفيت

..

تنسب اٍليه في معظم كتب الأدب قصة الوفاء مع امرئ القيس، حيث قدم إليه امرؤ القيس بن حُجْر الكندي، وكان قد عجز عن الأخذ بثأر أبيه. فلما عزم الذهاب إلى قيصر الروم ليستنجد به توجه أولا إلى السموءل وأمّنه دروعًا ثمينة، وترك أهله في حماه.

بعد حين طوّق حصنَ السموءل أحدُ الملوك ممن له ثأر على امرئ القيس، طالبًا تسليمه دروع امرئ القيس وأهله، فرفض السموءل ذلك رفضًا قاطعًا، وقال: ما كنت لأخفرَ ذمّتي وأخون أمانتي. فظل الملك محاصرًا حتى إذا حضر أحد أبناء السموءل من رحلة صيد قبض عليه الملك ونادى السموءل: هذا ابنك معي، فإما أن تسلمني ما لديك، وإما أن أقتله!

رفض السموءل تسليم الأمانة فذُبح ابنه (حُوط)  أمام الحصن.

 ثم عاد  الملك بجيشه من حيث أتى من غير أن يحصل على بغيته.

...

سجل الأعشى هذه الحكاية  كاملة (21 بيتًا) في مدحه لأحد أحفاد السموءل، وهو شُرَيح بن حِصن، ويُذكر في (ديوان الأعشى) أن الملك هو الحارث بن ظالم أو ابن شمر الغساني، وذلك  بقوله:

شُرَيح لا تتركنّي بعد ما علِقتْ *** حبالَك اليوم بعد القِـدِّ أظفاري

كن كالسموءل إذ طاف الهُمام به ***  في جحفل كسواد الليل جرار

بالأبلق الفرد من تيماءَ منزلُه *** حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدّار

..

فقال غدرٌ وثكلٌ أنت بينهما *** فاختر وما فيهما حظٌّ لمختار

فشكّ غير قليل ثم قال له *** اقتلْ أسيرَكَ إني مانع جاري

وقال لا أشتري عاراً بمكرُمة *** فاختارَ مكرمة الدنيا على العار

فضُرب به المثل: أوفى من السموءل.

(انظر قصة القصيدة في  ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ج1، ص 261، وفي معجم البلدان لياقوت الحموي- مادة أبلق، وفي مجمع الأمثال للميداني- رقم 4432).

...

من اللامية ما يُعزى إلى شعراء آخرين، منهم عبد الملك بن عبد الرحيم الأزدي، وهو شاعر إسلامي (انظر: الأغاني، ج 3، ص 109- دار الفكر).

بل من العجيب أن الأصفهاني يقول عن "غَريض اليهودي وهو السموءل بن عادياء"-

(م.س).

..

ينسب بعض الرواة بيتين من القصيدة المذكورة إلى شاعر إسلامي آخر يسمى "دُكَين" الراجز.

 (الأغاني ج 9، ص 300 – طبعة دار الفكر، والبيت الثاني صدره: "وإن هو لم يرفع عن اللؤم نفسه"، كما يذكر البيتين ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"- ج2، ص 612، أنهما لدُكين بن جابر، فيروي صدر البيت الثاني:

"وإن هو لم يضرعْ عن اللؤم نفسه".)

..

ولا يستبعد بعض المستشرقين احتمال كون السموءل من أصل عربي،  فقيل هو من غسان،  تهود في جملة من تهود من العرب، لا سيما أن في منطقة يثرب أحياء نص على أصلها العربي، دخلت في هذا الدين.

ويظل السؤال عن (بني الدّيّان) المذكورين في القصيدة وهو يفخر بهم، هل هم يهود أم لا.

(للتوسع انظر: جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 3، ص 374 وما بعدها، وكذلك ج6، ص 574).

..

ثم إن الأعشى ذكر السموءل ثانية في قصيدة أخرى، ويذكر أن باني الحصن هو سليمان الحكيم:

ولا عاديا لم يمنع الموت ما له *** وحصن بتيماء اليهودي أبلق

بناه سليمان بن داود حِقبةً *** له أزَجٌ عالٍ وطَيٌّ موثَّق

يوازي كُبيداء السماء ودونَه *** بلاط ودارات وكلس وخندق

وهذا ما يشير إلى يهودية السموءل، وهو يشير أيضًا إلى غنى عادياء وكثرة ماله، ولكنه كما ذكرت يرى أن سليمان هو الذي بناه، وليس عاديا أباه، وقد  فخر به في قصيدته:

بنى لي عاديا حصنا حصينًا...

عُرف حصن السموءل بالأبلق، وبالأبلق الفرد، وهو حصن مشرف على تيماء، وقد ذكر الإخباريون أنه دُعي بالأبلق، لأنه كان في بنائه بياض وحمرة.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

ali mohamadalyousifهل يستطيع المثقف العربي العيش وسط مجتمع متخلف؟! سؤال قرأته للمفكر العربي د. عبد الله عبد الدايم قبل اكثر من ربع قرن مضى، وصادفتني مقولة للكاتب والروائي الانكليزي كولن ويلسون في ذات المنحى حينما تساءل: هل يصنع الحياة اولئك الذين يحبون صنع الكلمات، ام الذين يحبون صنع الحياة؟! واضاف ان المجتمع يموت برأسه وليس من قدميه.

ولكي لا تذهب بنا التفاصيل من وضع اجابة محددة سطحية لاتتعدى كلمة او كلمتين، نظلم بها الاستاذ المتسائل عبدالله الدايم كما نظلم عن قصد وقصور فهم انفسنا في تساؤله العميق وتاشيره آفة مجتمعية رجعية تاكل حاضر ومستقبل الوطن العربي .وبصرف النظر عن اي نوع من المثقف او المثقفين يقصدهم الاستاذ عبدالله الدايم في تساؤله، وبغض النظر ايضا عن درجة ومستوى ايا من المجتمعات العربية المتخلفة يقصد .فالمجتمعات العربية وان كان يجمعها التخلف كافة، لكن يفرقها درجة ومستوى التخلف، وفي اي الجوانب من اساليب حياتها نجده .فتخلف المجتمع الصومالي هو قطعا غيره ولا يشبهه تخلف مجتمعات عربية اخرى، كالسعودية، مصر، العراق، ليبيا، اليمن، وهكذا.

وفي تحاشي الانزلاق في تفاصيل لا حصر لها من التباينات والاختلافات في دراسة التخلف في الوطن العربي، سناخذ نموذجين جاهزين من مثقفي التخلف، تاركين تقصي اسباب تخلف المجتمعات العربية لذوي الاختصاص والدراية .

في النموذج الاول من مثقفي التخلف، نجد انه لا يستلزم اصلا الحاجة له مجتمعيا، وتنتفي حاجة بقائه وسط مجتمع متخلف يحتاجه، لان ثقافة هذا المثقف غاطسة مفهوما، معرفة، ممارسة، سلوكا، تطبيقا، وتعاملا مع الاخرين والحياة،  هي واقعة في دائرة الجدل والشد والجذب بين اصالة ثقافية قد يحملها او يدعيها، اوضحالة ثقافية انتفاعية متسلقة غير مسؤولة  ولا ملتزمة، يتباهى بحملها في المناسبات الاستعراضية الاعلامية او الثقافية، ويباهي استغفال الناس بها .

فهو بدءا لايعرف وطنه في محنه ومآسيه وكوارثه، تاركا اياه اما مهاجرا عنه، او منعزلا عنه لايهمه امره في قضية او مصير .واذا ما هيئت له هالة من الاضواء المنافقة في التسويق، عندها يشهر استاذيته الثقافية، وتنحصر مسؤوليته المجتمعية، بمواعظه الانشائية، ونصائحه الكتابية او تحليلاته الاستراتيجية الفضائية اما من احدى عواصم العالم الذي استجدى موافقة الاقامة فيها .او من وراء جدران الجامعات والمؤسسات الثقافية والاعلامية رسمية كانت او غير رسمية

التي تمنح الرواتب والامتيازات بما يليق به كاحد النخب الاكاديمية الاجتماعية وبذلك ياتي بالمرتبة الثانية بعد اعضاء حاشية السلطة وازلامها من المرتزقة السياسين. الذين يتاجرون بمصائر شعوبهم.

اما النوع الثقافي الثاني المستنسخ عن الحالة الاولى التي مررنا بها ويستبطنها فهم التساؤل في المراد  تحقيقه  نجد ايضا لاجدوى من مثقف يحمل افكارا (اسفارا) او موهبة في جنس ادبي واحد او اكثر ويجد في هذا التمايز المجتمعي الثقافي حقيقيا ام زائفا تبعا لما يمتلكه طريقا سالكا نحو الشهرة والحصول على الامتيازات بالمتاح امامه من وسائل تسويق  تلميع خادعة مخاتلة على حساب توظيف الموهبة الحقيقية في محاربة التخلف 0  فنجده في ازدواجيته انفصام الثقافة عن السلوك والممارسة والعلاقات مع غيره اجتماعيا بما يماشي التخلف والمخطوء في الحياة ويانس التراجع المجتمعي العام  لينأى بنفسه عن دوخة الراس وتجنب المتاعب وقد يجد او لايجد في موقفه المتخاذل هذا انه مشارك اساسي في  صناعة وادامة التخلف  الاجتماعي على انه من طبائع الامور التي لا يمتلك الانسان وسيلة تغييره .فيصبح مفهوم الثقافة عند كلا النموذجين الثقافيين يحتاج الى تساؤلات ادانة عديدة، واشارات استياء لان الثقافة تحولت عندهما من ثقافة الاسهام في بناء مصير ومستقبل بلد يعيش الكوارث والمآسي يوميا، الى ثقافة هامش استعراضي رخيص في لفت الانظار والظهور الاعلامي التسويقي في ابشع صورة امتهان للثقافة الجادة واستغفال المجموع الشعبي من شرائح الامية الثقافية او شرائح الامية الابجدية المتخلفة.

هنا نصل لتساؤل مفصلي اين يكمن الخطأ ؟ بالمثقف المزيف ام بالمجتمع المتخلف؟ ام بكليهما معا المثقف والمجتمع،  وكيف تكون المعالجة؟ وهل تلازمهما العضوي المتماسك في اعتياش احدهما على تخلف الاخر يكمل بعضه بعضا، وبالتالي يكون مطمح مجاوزة التخلف اكذوبة يتقبلها المثقف كممارسة انتهازية انتفاعية، كما يتقبلها المجتمع المتخلف كنوع من الحياة المقسومة المفروضة قهريا يتحتم ان يعيشها ويحتملها حتى لو كانت الوأد  للحياة في ادنى مراتبها الانسانية .لذا يصبح لدينا معادلة متكافئة هي اينما تجد مجتمعا متخلفا،  تجد ثقافة ضحلة تعتاش عليه وتساهم في صنعه وادامته .ولا نستغرب اذا ما وجدنا سياسيا متخلفا ثقافيا يسلك كل الطرق وراء جمع المال وكسب الامتيازات فقط على حساب المجتمع المتخلف المحروم وقل مثل ذلك في كل مناحي الحياة التي يسودها التخلف والفساد، حين تجد الكثيرين من الذين يصرون على سيادة القناعات والسلوكيات الخاطئة وتعميمها،  لان في تفشيها اجتماعيا انما تمثل عندهم الحبل السري في تغذية بقائهم وتمرير جميع ممارساتهم المحرمة في حق مجتمعاتهم .

اصبح عندنا في جميع صنوفه والوانه هو وسيلة كسب الشهرة وجمع الملايين،  ولم يعد الفن لا في خدمة الفن ولا من اجل الحياة،  ففناني الغناء والرقص ومافيات الجنس المقنعة والمفضوحة، حتى بعض فناني التشكيل والرسم، والتمثيل والمسرح والرياضة الخ ..فهم جميعا مشغولون في التسابق الى (عرب خليجي) فهناك وبكل الوسائل المعلنة والخفية يجري اقامة بناء ثقافة متخلفة هابطة ابتذالية مليونية تستقطب غالبية طالبي الشهرة الفاشلين من الفنانين العرب ومن ضمنهم تشترى اسماء معروفة ثقافيا وفنيا جادة بالمال كي توظف في التنكر لقضايا مجتمعاتها المصيرية وتنكرها لضميرها في خلط الاوراق والحقائق.

ويقف على هرم مسؤولية هذا البناء الثقافي التافه اشخاص جهلة يشترون كل شيء بالمال الحكومي الذي يغدق عليهم في المسابقات غير النزيهة وتوزيع الجوائز المزاجية،  وعقد المؤتمرات واقامة البرامج والحفلات الغنائية التي تستقطب وتصرف شعوب الوطن العربي عن حقيقة تخلفها الثقافي الحضاري وتعطيل دور الفنون والرياضة وغيرها ان تكون عوامل هادفة لتحفيز يقظة الشعوب العربية ولا علاقة لهذه الانواع من الانشطة بالثقافة والفنون والرياضة  التجارية بمصائب وكوارث الوطن العربي ان لم يكن توظيفها اسهاما مقصودا في ادامة وتعميق هذه الكوارث فقط خارج مجتمعاتهم، ويوجد وللاسف من المثقفين والفنانين والرياضيين العرب من يبيع وطنه وامته في مقابل عقد عمل في احدى دول الخليج لمدة عام وما اكثرهم في مقدمتهم العراقيين واللبنانيين والمصريين من المثقفين والفنانين والعاملين في الوسط الرياضي.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

 

alkabir aldasisiعندما يطلب من قارئ نهم، وكاتب متواضع نيف على الخمسين سنة، أن يحكي عن تجربته مع القراءة والكتابة، فذلك أشبه  بأن تطلبوا من رجل تلخيص نوعية وكمية وأذواق .. كل المأكولات والمشروبات التي تناولها في حياته... وإن كان الكتاب إكسير حياة، بلسم نذوب الزمن، أجل طعام وأنفع غذاء للفكر الإنساني...  

لا أخفيكم سرا إذا قلت لكم أنه لولا الكاتبة والقراءة لكنت وقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس والقنوط، لأنهما من أهم المتع التي لا زيف فيها، المتعة التي تبقى بعد  أن تتلاشى كل المتع الأخرى، متعة الكتاب الصديق الوحيد الذي ما خلف يوما موعدا، يظل  دائما كلما حملته مصدر نور يتلألأ بين يدي،  إنه بالنسبة لي العبد المعبود والمعبد مَن غيره  ينبر ولا يستنير، يعلم  يصنع العقول، ويربي الأذواق  بصمت الحكماء دون أن يرفع صوتا أو سوطا ...

 الكتاب يصنع إنسانا قارئا.. والإنسان القارئ إنسان مفعم بالحياة، تجعله القراءة خفيف الظل، مرهف الحواس فما من شيء كبر حجمه و زادت كثلته إلا زاد ثقله إلا العلم والقراءة فكلما زدت قراءة زدت تواضعا وزدت احتقارا لنفسك. وكلما أخذت علما أكثر كلما خف حمله.. واعلموا أن كل كتاب تقرأونه قد نقش بدماء كاتبه، لخص فيه تجاربه، وعصر عقله وقلبه ليقدم حياة .. فأقرءوا تعشوا حياتكم، واكتبوا تخلدوا فالذي يكتب لا يموت... أين الملوك والقياصرة والفراعنة .. ومن خلد اسمه في التاريخ منهم فبفضل كاتب....

الكتاب صديق، أب و معلم صامت لا ينفعل مهما كانت ردود فعلنا تجاهه لذلك لا شيء يجدد روحي .. ويوقظ مشاعري .. ويجعل لحياتي معنىً إلا الــ (قراءة) ... والكتابة تعطني حق المواطنة في ديمقراطية النصوص الخالدة،  القراءة تحقق لذة، لا يتذوقها كل البشر لأن الكتابة تجعلك من الخاصة وتبعدك عن العامة الغوغاء التي لا تعرف سوى الاستهلاك والنوم... إن الكتابة طريقة في أن يكون الإنسان فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا إيجابيا في ذات الآن...  وتجعله حاضرا في الغياب....

الكتابة تجعل لصوتك ذبذبات غير قالبة للتلاشي، بل تمنح ذبذبات صوتك رنينا يزداد كلما اتسع المدى، ترمي بك في طموحات روحية، حيث المثل اليوتوبية ... تلوي أعناق الحاضر بالنوسالجيا ... إنها العزاء الوحيد في عالم يشعر فيه الإنسان بالوحدة وسط الحشود الغفيرة...

 في هذا الزمن المادي تصبح الكتابة بعثا للحياة داخل الموت ويصبح أقصى ما يطمع فيه الكاتب هو موت ممتع، بعد أن غدت تحاصره المادة والعلوم وأصبح الأدب في نظر الأغلبية مرادفا للامعنى واللاشيء..  والأديب - ليس من الأغلبية وإن تكلم بلسانها -  يجد متعته في أن يرى كل المعاني في اللامعنى لذلك تصبح سعادة الكاتب هي أن يجد أدبا مستحيلا عصيا  على الآخرين،  كتابة تخيف وترعب التقليدين الخائفين من هذا المستحيل، وقد تصبح هذه الكتابة أكثر استحالة عندما تتحلل من الأشكال ومن النمطية لتأخذ شكلا هلاميا يتسلل عبر المسام  يخدر ويؤثر دون ألم، يفعل مفعوله بالشكل والحجم الذي يريده الكاتب ولكل كتابة تأثيرها اليوم أو غدا فلا كتابة بيضاء...

وإذا كانت اللغة للجميع فإن الكاتب يكسبها شحنة موجبة فتحوله من قارئ إلى كاتب، و الكاتب  ليس سوى قارئ يكتب مولد للمعاني ومانح التعدد للمفرد، يعطي عدة معاني للنص الواحد بل يناسل  المعاني من الكلمة الواحدة....

عندما أقرأ كتاب أشعرني عريسا يدخل قفصا ذهبيا اختاره بنفسه،  متعبدا داخل خلوة صوفية التكتاب فيها معبود ومعبد.. وعندما أكتب تصبح الكتابة حرية تخلصني من الزمن، وتحطم أمام عيني حدود المكان، لأقف ساخرا:  يا زمن يا لعين خذا أبائي خذ أولادي خذ ما بنيت واشتريت...  خدني  لكن اعلم أنني بهذه اللطخة السوداء وهذه الحروف المزروعة  في عبث ترسخ سرمديتي ... أتحداك وإن سجتني في المكان، أن تنهي زنين حروفي في الزمان...

 بالكتابة أطير عبر كل الأقطار وأسافر عبر كل الأزمان...  ومَن غير الكتابة يعطيك قوة التحليق يطالعك العرب بين الألمان والأمريكان والمنسيين في غرب أو شرقستان ...

الكتابة إذن خلود لأن ما يُكتب يحفظ و يبقَى... و ما يقال تذرهُ الرياح والنسيان، أقرءوا كثيرا واكتبوا ما استطعتم لذلك سبيلا...فعندما تقرءون  تستقبلون المعاني بقلبكم، وعندما يصبح قلبكم مجمع كل الحواس وتصابون بعدوى القراءة، تصبح قراءة أخر صفحة في كل كتاب تشعركم بفقدان  صديق... وعندما  تجلسون للكتابة لن تتذكرون من إلا الأصدقاء الأعزاء، ولن تكتبوا إلا حول أحسن ما قرأتم...

 فصاحبوا الكتاب تسلموا واعلموا إن كُل مصحوبٍ ذو هفوات، قد تأتيك منه نكبات،  إلا الكتاب فهو مأمون العثرات...  ومهما كانت تفاهة كتاب لا بد أن يكون له تأثير و إخصاب للذهن ... لأن الكتب عصارة الفكر ونتاج العلم وخلاصة الفهم ودوحة التجارب وعطية القرائح وثمرة العبقريات.... إنها النوافذ التي تطلون  منها على عالم الخيال  وعلى الماضي والمستقبل... والإنسان الذي ما طالع في حياته كتابا بيت بلا نوافذ، وسرداب بدون منافذ...

اقرئوا وأطلوا على أعماقكم وعلى العوالم الممكنة والمستحيلة... وافتحوا النوافذ لأشعة شمس المعرفة، فالقراءة والكتابة وحدهما سعادة الحضارة وربيع الحياة .... بالكتابة بدأ التاريخ... بدونها يخرس الإبداع، يتحجر الفكر وينتهي التاريخ.... لذلك انظروا إلى الكتاب كخير سلاح لقتل الضجر، وملء الفراغ وتحقيق مجد لا يورث، ووحظ لا يقسم بالأزلام و وواقع لا يُرى في المنام... 

‏ واعلموا أن من لم تكن نفقته على الكتب ألذ عنده من إنفاق الندامى على الخمر ونفقة العشاق على القيان لن يكون قارئا عاشقا...  والقارئ العاشق لا توحشه خلوة وما شعر يوما بغربة، ولا فاتته سلوى، لأن القراءة عنده عبادة والكتابة خلود والجمع بينهما تكريم للإنسان، امتلاك البصيرة، تهذيب للنفس وتنمية العقل وتوسيع المدارك...

في الأخير  أقول لكم أبنائي أن الكتاب مصدر فرحتي وسعادتي، وفرحتي بكتاب وجدته بعد  بحث طويل  قد تكون أعظم من فرحة من وقع على كنز.. إن البحث والتنقيب والقراءة والكتابة يحيلان القراءة رياضة عقلية ونفسية، إحساسا بالأنس، تلذذا بالمتعة، إراحة للأعصاب وتنمية لقدرات التواصل الفعال، وحدها القراءة تصنع رجلاً كاملاً عميقاً ومترفعا... والقراءة مع الكتابة و الدربة تجعل القارئ ناقدا قاردا على مساءلة الكتب المنصوبة منارات في عتمات هذا الزمن المظلم، وتخلصه من التبعية لأنها تمنحه  حرية أن يقرأ ما يختار، ولن يختار إلا ما يعجبه، وما يعجبه  أكيد يسعده ولا هدف في هذه الدنيا  غير العيش السعادة

هذه  بإيجاز تجربتي مع الكتابة، الكتابة تجعل الفردي النفسي المخبأ في الأعماق سوسيولوجيا عاما، من خلال البوح واللارتماء على أديم الأوراق البيضاء وتجعل الذات منشورة تتناسل عبر الكلمات والمفاهيم فلا يعدو الكاتب مهتما لردود فعل الآخرين... أنا كتبت وليعلم من أعجبه ما أكتب أني في كثير من المرات لا يعجبني ما كتبت... ولا يمكن لأي كاتب أن يعجب كل الناس وتلك لذة الكتابة...

 

ذ. الكبير الداديسي

....................

- أعدت هذه الكلمة بمناسبة الاحتفال بيوم الكتاب وقد رعي فيها طبيعة الفئة المستهدفة  فكثر فيها الاقتباس وتوجيه لرسائل للناشئة

 

 

mustafa maroufiإن الكاتب وهو ينشر في الناس ما يكتبه يريد أن يبلغ رسالة تحمل أفكاره وآراءه في مجموعة من الأمور تتعلق بمناح متعددة من الحياة، وهو إذ يفعل ذلك فإنه يتوخى ويحب أ ن يصل رأيه إلى الناس كما هو دون مواربة ودون إبهام، ولعل القارئ يتفق معي في كون أن كل رأسمال الكاتب هو أفكاره وآراؤه كما هي ماثلة في نصوصه، وهو يريدها أن تكون له وأن تنسب إليه دائما وأبدا.

أحيانا يجد الكاتب نفسه متضايقا ومتذمرا من بعض التصرفات التي يراها تمس حقه في أن ينسب إليه ما هو له، يرى ذلك عندما يجد شخصا نقل عنه قولا بين علامتي الاقتباس دون أن ينسبه إليه شخصيا بالتنصيص على اسمه.

إن الشخص الذي يكتب نصا ثم يضمنه قولا أو رأيا مقتبسا من كاتب ما، ثم لا يشير إلى اسم ذلك الكاتب يكون قد ارتكب خطأ فادحا مرتين، مرة في حق الكاتب صاحب الرأي المقتبس، ومرة في حق نفسه، وذلك عندما يسلبها إحدى الصفات النبيلة التي يتوخى كل كاتب يستشعر المسؤولية التحلي بها، وهي صفة الأمانة العلمية، ولا أخفي سرا إذا قلت بأنني شخصيا أعتبر مثل هذا التصرف -عدم ذكر اسم المصدر المقتبس منه - سطوا على ملكية الغير، وخيانة للقارئ وتلبيسا عليه وإغماطا له في حق معرفة المصدر المقتبس منه حتى يضع ذلك الاقتباس في سياقه ضمن المنظومة الفكرية والمذهبية لصاحبه، ولا يخفى أن عدم التنصيص على مصدر الاقتباس قد تكمن فيه خطورة بالغة، وذلك عندما يكتشف القارئ أن الرأي المقتبس هو لكاتب له أيديولوجية معينة لا يرتضيها لأنها لا تتماشى مع ثقافته ولا مع قناعاته التي تشرّبها، فهذا القارئ سيجدنفسه قد مورس عليه نوع من التعمية والاستغباء من طرف الشخص الذي أورد الاقتباس دون أن يكلف نفسه الإشارة إلى مصدره، لأنه -القارئ-يعلم أن مثل هذه الاقتباسات عادة ما تكون في غالبيتها مبتورة عن السياق الأصلي الذي وردت فيه، وبالتالي تكون قد أفرغت من محتواها الذي أراده لها كاتبها، ولتوضيح هذه الفكرة أطرح هذا التساؤل :

+هل مفهوم الحرية مثلا هو واحد لدى كل الكتاب على اختلاف مذاهبهم الفكرية والأديولوجية؟

إن كاتبا إسلاميا يتحدث عن الحرية سيكون غير منسجم مع نفسه إذا ما اقتبس عن كاتب شيوعي ما يعضد رأيه ويدعمه إلاإذا بتره وأخرجه عن السياق الذي ورد فيه، والسبب أن مفهوم الحرية ليس واحدا لدى الكاتبين.

وإذاً فالتنصيص على اسم مصدر الاقتباس فيه فائدة كبيرة تتمثل في تنوير القارئ وجعله على بينة من الرأي المقتبس أو الفكرة المقتبسة، فأنا قد أقرأ نصا يحتوي على اقتباس، وأجد ذلك الاقتباس منسجما مع مضمون النص ومتناغما معه، لكن بمجرد ما أعرف مصدر الاقتباس حتى أبادر إلى إعادة النظر في النص والحكم عليه بما يقتضيه الموقف الجديد، كما أبادر إلى تصنيف صاحبه في خانة معينة، وقد أذهب إلى أنه كاتب تلفيقي يتخذ من المصادرة على المطلوب عكازة يتكئ عليها.كما أنني قد أجد الاقتباس نابيا ونافرا عن سياق النص حتى ولو كان يبدو صوريا أنه متساوق ومنسجم معه لعلمي بالخلفية الثقافية التي صدر عنها كلا الكاتبين :كاتب النص والكاتب المقتبس منه.

و أنا أتحدث عن الاقتباس لا بدأن أذكر أن بعض المقتبسين يلجأون أحيانا إلى أسلوب التعميم، وذلك عندا يتحدثون عن الشخص المقتبس منه بصيغة الجمع، فيقولون مثلاهناك أشخاص يقولون أو فئة تقول".......". مع أن الشخص المقتبس منه معروف لدى المقتبس -بكسر الباء-.

ثم هناك بعض المقتبسين الذين هم في الواقع منتحلون، بحيث يستعملون أسلوبا فيه شيئ من الدهاء، وهو أسلوب إن كان يجوز على البعض وتنطلي حيلته عليهم فهو قطعا لا يجوز على الكل ولا تنطلي حيلته على الجميع، وهو أن المقتبس يورد اقتباسا لكاتب من نص أوكتاب، وبعد أن ينص على اسم صاحبه أو مصدره يشرع في انتحال أفكار المقتبس منه الواردة في نصه أو في كتابه دون أن يشير إلى ذلك، وبعد أن يكون قد أغلق علامتي الاقتباس من قبل، وهذا أمر غاية في الاستخفاف بالقارئ، وغاية في الترامي على الملكية الفكرية للغير.

في ختام هذا المقال أريد أن أشير إلى أنه لا ينبغي أن نتساهل في مسألة الاقتباس حتى نبرئ ذمتنا ونبقى أمناء مع أنفسنا ومع القارئ كذلك.

مصطفى معروفي

 

faroq mawasiورد في كتاب الذهبي (سِير أعلام النبلاء)- الطبقة السادسة - في مادة "معن بن زائدة":

معن بن زائدة

أمير العرب أبو الوليد الشيباني، أحد أبطال الإسلام، وعين الأجواد. 

كان من أمراء متولّي العراقين- يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما تملك آل العباس، اختفى معن مدة، والطلب عليه حثيث، فلما كان يوم خروج الريوندية والخراسانية على المنصور، وحمي القتال، وحار المنصور في أمره، ظهر معن، وقاتل الريوندية،  فكان النصر على يده، وهو مقنّع في الحديد، فقال المنصور: " ويحك! من تكون؟"، فكشف لثامه، وقال: "أنا طِلبتك معن".

 فسرّ به، وقدمه وعظمه، ثم ولاه اليمن وغيرها.

قال بعضهم: دخل معن على المنصور ، فقال له: "كبرت سنك يا معن".

قال:" في طاعتك" .

قال المنصور: "إنك لتتجلد".

 قال: "لأعدائك.

قال: "وإن فيك لبقية".

قال: "هي لك يا أمير المؤمنين".

نلاحظ هنا أن أجوبته بلاغية هي في باب (أسلوب الحكيم)

ثم إنه ولي سجستان،  وقد ثبت عليه خوارج وهو يحتجم، فقتلوه.

كرم معن بن زائدة

عرف عن معن بن زائدة القائد العربي الشهير انه من أوسع الناس حلمًا و جودًا و عفوًا عن زلات الناس.

سأسوق  قصة طريفة ذكرتها كتب الأدب:

عندما ولاه أبو جعفر المنصور على اليمن تذاكر جماعة فيما بينهم أخبار معن وحلمه وسعة صدره وكرمه، وبالغوا في ذلك، وكان من بينهم أعرابي أخد على نفسه أن يغضبه، فأنكروا عليه ذلك، ووعدوه مائة بعير إن أغضب معنًا ونجح في ذلك .

عمد الاعرابي إلى بعير فسلخه، وارتدى جلده، وجعل ظاهره باطنًا و باطنه ظاهرًا، و دخل على معن، ولم يسلّم، فلم يُعره معن انتباهه، فأنشأ الرجل يقول:

أتذكرإذ لحافك جلدُ شاة *** وإذ نعلاك من جلد البعير

قال معن:  أذكره ولا أنساه، و الحمد لله.

 فقال الأعرابي:

فسبحان الذي أعطاك ملكًا ***  وعلّمك الجلوس على السرير

فقال معن:  إن الله يعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء.

 فقال الأعرابي:

فلست مسلّمًا ماعشتُ دهرًا *** على معن بتسليم الأمير

فقال معن:

 السلام سنّة يا أخا العرب.

فقال الأعرابي:

سأرحل عن بلاد أنت فيها *** ولو جار الزمان على الفقير

فقال معن: إن جاورتنا فمرحبًا بالإقامة، وإن جاوزتنا فمصحوبًا بالسلامة!

 فقال الأعرابي:

فجُـدْ لي يابنَ ناقصة بمال *** فإني قد عزمت على المسير

(اسم أمه زائدة، فجعلها الأعرابي= ناقصة)

فقال معن: أعطوه ألف دينار تخفف عنه مشاقّ الأسفار!

 فأخدها، وقال:

قليل ما أتيت به وإني *** لأطمع منك في المال الكثير

 فثنِّ فقد أتاك الملك عفوًا ***  بلا رأي و لا عقل منير

فقال معن: أعطوه ألفًا ثانية ليكون عنا راضيًا!

 فتقدم الأعرابي إليه وقال:

 سألت الله أن يبقيك دهرًا *** فما لك في البرية من نظيرِ

فمنك الجود و الإفضال حقًا *** وفيض يديك كالبحر الغزير

فقال معن: أعطيناه لهجونا ألفين، فأعطوه لمديحنا أربعة!

 فقال الأعرابي: بأبي أيها الأمير ونفسي، فأنت نسيج وحدك في الحلم، ونادرة دهرك في الجود فقد كنت في صفاتك بين مصدق و مكذب، فلما بلوتك صغر الخُبر الخَبر، وأذهب ضعف الشك قوة اليقين، وما بعثني على مافعلت إلا مائة بعير جُعلت لي على إغضابك.

 فقال له الأمير: لا تثريب عليك! وزاد في إكرامه.

(لويس شيخو: مجاني الأدب في حدائق العرب، ج 5، ص 118، وقد وردت في  كتاب ابن العماد: شذرات الذهب في أخبار من ذهب- مادة: معن بن زائدة).

..

هي قصة من الجدير أن نعلمها لأطفالنا، لما فيها من سعة الصدر وكرم النفس.

..

قلت إن الخلفاء كانوا على علم بالرجل، وبما قيل فيه، فمكانته لدى الشعراء تزاحم مكانتهم، فهل قيل في خليفة مثل هذا الرثاء التالي؟

رثى الحسين بن مُطَير معنًا، فقال:

ألِمّا على معنٍ وقولا لقبره *** سقتك الغوادي مَربَعًا ثم مربعا

فيا قبرَ معن أَنْت أول حُفْرَة ...***  من الأَرْض خُطَّت للسماحة مضجعا

وَيَا قبرَ معن كَيفَ واريت جوده ***  وَقد كَانَ مِنْهُ الْبرُّ وَالْبَحْر مُترَعا

بلَى قد وسعتَ الْجُود والجود ميِّت ***  وَلَو كَانَ حَيًّا ضقتَ حَتَّى تصدَّعا

فَتى عِيْش فِي معروفه بعد مَوته *** كَمَا كَانَ بعد السَّيْل مجْرَاه مرتِعا

وَلما مضى معنٌ مضى الْجُود فانقضى *** وَأصْبح عِرنينُ المكارم أجدعا

(أبو تمام: الحماسة شرح التبريزي، ج1، ص 394)

يقال إن الشاعر مدح بعدها الخليفة المهديّ، فقال له:

كذبت يا فاسق، وهل تركت لأحد بعد قولك في معن ما قلت (وقرأ الخليفة الأبيات).

..

ورثاه مروان بن أبي حفصة بعد أن كان مدحه طويلاً، بمرثيَة مطلعها:

مضى لسبيله معن وأبقى  *** مكارم لن تبيد ولن تُنالا

ومنها:

وكان الناس كلهم لمعنٍ *** إلى أن زار حفرتَه عيالا

وكان كلما مدح خليفة أو أميرًا كان يُقال له:

 "وأنت قلت لمعن:

وقلنا أين نرحل بعد معن *** وقد ذهب النوال فلا نوالا"

وموقف الخليفة المهدي يتكرر مع هذا الشاعر أيضًا، فقد قال له:

"جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال، لا شيء عندنا، جرّوا برجله!"

ولما أفضت الخلافة إلى الرشيد دخل مروان بن أبي حفصة في جملة الشعراء، فسأله الرشيد: من أنت؟

فلما علم به طلب أن يخرجوه في الحال، قائلاً: لا نوال عندنا!

 

تؤدي الفنانة والإعلامية حنان الهاشم.. من تلفزيون "العراقية" في شبكة الإعلام العراقي، شخصية "كريستين" أمركية، تصور فيلما سينمائيا، عن البدو، في مسلسل "زعتر فاشل الصحراء" تأليف وإخراج عمران التميمي، تمثيل أياد راضي وانعام الربيعي وعلي جابر وسعد خليفة وسولاف وشاهندة.. إنتاج 7c.

تحدثت الهاشم قائلة: "بعد أدائي اللافت في مسلسل "دنيا الورد" تأليف وإخراج الفنان جلال كامل، ونجاحي في تقديم البرامج من "العراقية" سأظهر على المشاهدين، بشخصية فتاة أمريكية، من أصل سوري، قادمة مع زميلها "راضي" يصوران بحث تخرجهما في قسم السينما بكلية فنية في إحدى الجامعات الأمريكية" مؤكدة: "أستفيد من ملامحي الأجنبية وإجادتي اللغات الإنكليزية والألمانية والسويدية، اللواتي يمكنني من تجاوز اللكنة العربية بسهولة؛ إقتراباً من شخصية الفتاة الأجنبية، تضافراً مع نشأتي في أوربا، كلها تجعلني واثقة من نجاحي بأداء الشخصية، ونفاذها الى ذوق الجمهور، شريطة ألا أتكاسلاً إعتماداً على خبرتي العالمية، بل سأتمرن بإشراف الفنان التميمي، كما لو أنني مبتدئة، وألتزم توجيهاته بدقة، تناغما مع زملائي في العمل، وهم نخبة من القامات الفنية.. النجوم". 

• شوط الـ 25

منذ طفولتها، تتباهى الهاشم بجمالها، متوزعة بين الإعلام والتمثيل وإستعدادها للمشاركة، في مسابقات ملكة جمال العراق، قائلة: "حبي لهذه العوالم الثلاثة، هو الصلة الرابطة بينها.. أجد نفسي في التمثيل وتقديم البرامج وإحراز لقب ملكة جمال؛ حاملة رسالة وطني الى العالم، إعتمادا على خفة ظلي وسعة إطلاعي عاكفة على إستحصال المعلومات اللازمة عن كل محور أتناوله؛ كي أحيط به وأتفاعل مع إشتمالاته، آخذة الضيف معي، في سبيل إسعاد المتلقي، وهذا يأتي من هبة روحية أغدقها الرب نعمة سابغة على شخصي، عززتها بالمران المستمر، الذي لن أنقطع عنه مهما بلغت من مستوى".

قطعت حنان شوطا يفوق سنوات عمرها الـ 25، موظفة مواهبها في إقتناص الفرص بذكاء لا يزاحم سوها، سعيا لتطوير نفسها، من دون أن تحط بقدر الآخرين، مؤمنة بأن: "القمة تتسع للجميع.. أنافس ذاتي.. أحثها على المزيد.. أتحداها؛ فأنجح في إستيفاء أدواتي لتأمين متطلبات العمل.. سعياً مطلقاً من دون حدود، أركز على نعمة الجمال الربانية وأعززها بالعلم والعمل الطموح، أقرأ بكثافة في لغاتي الثلاث إضافة للعربية، في ميادين المعرفة والجمال كافة، وخصوصا تحصيلي الأكاديمي.. بكلوريوس تقنيات طبية، الذي مكنني من الفيزياء الميكانيكية والطب، في وقت واحد".

• إبن حيان

عرافة الحفلات، محصورة بها، في مدرسة إبن حيان، بحي الجامعة، الذي نشأت فيه على صوت كاظم الساهر والكنافة وزنود الست، في الأربع شوارع، برفقة والدها الطبيب، بعد موعد العيادة، متواصلة من ضفيرة البنت فائقة الجمال، بضفيرتيها والفستان الوردي البريء، الى إعلامية وفنانة محترفة، ما زالت تردد الأناشيد سادة زميلاتها في السفرات المدرسية، تستقط الأضواء، تنشر الحب فيتمسك بها المحيطون...

بشأن شروط الإعلامية الناجحة قالت: "يجب أن تتوفر على مؤهلات فطرية أولا.. الصوت سعة الرئتين مقبولية الشكل الأذن الموسيقية، تصقلها بتمارين النحو والصوت والإلقاء وضبط مخارج الحروف والتحكم بالإيقاع أثناء الكلام والثقافة العامة.. معرفة شيءٍ من كل شيء والطموح.. طموحي إرتقاء طائرة والعمل مراسلة حربية؛ لتوفري على الشجاعة والأداء الكافيتين لذلك".

تستعد حنان الهاشم لخوض منافسات ملكة الجمال.. محليا، وهي تسعى نحو العالمية، طامحة الى أداء أدور جميلات التاريخ.. أنخيدوانا وعشتار وكليوباترا.. "أقتدي بهن لأنهن ضحايا الحب المخلصات".

 

 بغداد / محمد إسماعيل

 

وأنت ..يا أيها المسمار الذي دُك في صلب الحجر، بيدك المعروقة تحمل المطرقة التي تضرب بها رأسك، لتغوص قدماك في الثبات، محدّداً مكان معتقلك..

وحدها يدك الخاوية تتحرك لتمسك بالأشياء، بمقتضى الأوامر، معلنة أنك على قيد الوجود..

ويمرّ بك المارّون، لا تلفتهم ملامحك، وكأن وجهك صورة تجريدية مسحت منها التفاصيل..

أنا وحدي أراك..تشغلني تجاويفك كثيراً، وأجاهد سمعي لألتقط تنهداتك وزفراتك...

وصلني أنينك منذ آلاف السنين، يوم كانوا يتبادلون الأنخاب، وقرقعة كؤوسهم تنافس قهقهاتهم المعربدة، يحتفلون بقبورهم العظيمة، التي هيأتها أنت لحياتهم الخالدة...

بأي تاريخ وحضارة نباهي ؟

لا أدري لماذا كلما رأيت ميراث السلف يتقاتل فيّ الأصغران؟

لسان يطلقها بإعجاب : الله !  انبهاراً بعظمة الصروح،

وقلب يضخ أنين المتعبين، وآهاتهم المكتومة  التي تعبر عبر شروخ الزمان، أتخيّل شخوص أصحابها، أجساداً منهكة، مصّ شحومها جبابرة القوم، و ما شبعوا...

أعجاز نخل صامدة في فيافي القحط الإنساني..

وما زالت الحياة تدور ..

ولا أدري كيف يقسّمون التاريخ ؟ العصر الحجري، العصر الحديدي، عصور ما قبل التاريخ، العصور الوسطى والعصر الحديث ..

على أي أساس جاء هذا التقسيم؟

قد أملك إجابة ظنّية، هم ثبّتوا الإنسان بكل حالاته، وحرّكوا ما يحيط به من مقدّرات مرجأة الاكتشاف، بالتطوّر الزمني المقدّر، ظهرت المقدّرات واكتُشفت، وبقي الإنسان ثابتاً في مكانه، بقى الملك ملكاً، والخادم خادماً...

لن أسترسل في سلسلة الثوابت، فقط أريد أن أنتهي بالقائمة، بقي الطغاة طغاةّ، و باقي العباد عمَّال سخرة ...

خدعوك ..

تاجروا بجهدك ودمك وعرقك، ثبّتوك وأطلقوا أيديهم ليمسكوا بالمقدّرات، وكافؤوك بيوم تحتفل فيه بخيبتك ..

عامل، امرأة، طفل، شهيد، يتيم، أم، شجرة .

قرابين ...

لماذا لا يحتفلون إلا بالقرابين؟

 

د. عبيرخالد يحيي