ali mohamadalyousifثمة تغييرات هامة وسلسلة من الالغاءات الجوهرية الفنية استهدفتها مدارس وتيارات الحداثة في تقنية واسلوبية البنى الفنية والجمالية في الفنون التشكيلية والفنون عامة لعل اهمها:

1. إلغاء فكرة ان يكون العمل الفني جميلا يثير اللذة والمتعة في الحواس والوجدان، فبينما يرى هنري ما تيس، ان العمل الفني لا بد له ان يكون جميلاً، يريح الانسان عند عودته الى بيته، بعد يوم شاق من العمل، نجد على النقيض من ذلك التشويه والمسخ والعبث بالنسب الطبيعية قد اصبحت من ابرز ملامح الفن عند بيكاسو تعبيرا عن سخطه على ذلك الواقع القبيح الذي افرزته تكنولوجيا الصناعة وما صاحبها من نظم اقتصادية وسياسية.

2. تحطيم الشكل وهيكلية العمل من قبل التكعيبية الفرنسية (بيكاسو، براك) حيث سحقت الاشكال وتناثرت عناصر بنائها في وحدات تشكيلية صغيرة تتداخل وتتباعد، تستقيم وتنحرف، تتضخم تارة، وتتقلص تارة اخرى مكونة بناء تشكيليا مستقرا على الرغم من شدة تشّظيه.

3. الغاء العلاقة بين الالوان في اللوحة، والالوان المناظرة لها في الطبيعة، بعد ان تحررت الالوان على يد غوغان لنجد وجوها اصطبغت باللون البنفسجي واوارق الشجر بالاحمر، وليس ثمة قيد من ان يصبح سواد العين بياضا.

4. وتمضي سلسلة الالغاءات الحداثية في الفن حتى بلغت ذروتها، بإلغاء ان يكون للعمل الفني شيء يجسده، ولا تبقى بعد ذلك فكرة كما هي الحال فيما يعرف بـ"الفن المفهومي".

5. الفن المفهومي غايته نقل الفكرة الى المتلقي فليس هدفه انتاج اعمال فنية مادية من لوحات ومنحوتات، فالفكرة او المفهوم هي اهم جوانب العمل وآلة صنعه الاساسية. وهذا يعني ان التخطيط للعمل الفني والقرارات الخاصة بإخراجه توضع مسبقا، اما تنفيذ العمل فهو مجرد امر روتيني مكمل.

6. لقد تخلّص الفن على المستوى المفهومي من ماديته بعد ان تخلص من موضعته في الفن التجريدي، ليبدأ رحلته صوب الصورة المحضة، فالافكار المجردة لها جمالها، ويذكر عن براتراند رسل قوله " ان الرياضيات ذات جمال من نوع اسمى".

7. ويلح على الذهن هنا ما قاله "فازريلي" المبدع المجري العظيم، رائد فن التجريد الهندسي: " انني لا ارسم بل اضع معادلة اللوحة".

8. يؤكد منظروا ما بعد الحداثة حتمية الصراع الطبقي واستمراره وعجز الاليات الاجتماعية عن استيعاب التنوع الثقافي والتوفيق بين مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة. وهذا يلقي على عاتق و مسؤولية الفنان الحداثي التجريدي على وجه الخصوص ان يضع نصب اهتمامه وعنايته اهمية المتلقي من جهة والتزامه قضايا الانسان من الجهة الاخرى.

9. فنون الحداثة تشكو من نخبوية طاغية وهو ما ادى الى استفحال الامية الفنية خصوصا على صعيد الشعر، والتشكيل والموسيقى وما زاد الطين بلّة هو هبوط الفن الجماهيري الى ذلك المستوى المتردي الذي تبثه وسائل الاعلام، وبدلا من ان يرقى الفن بوعي جماهيره، نراه يشوه هذا الوعي حد الابتذال.

10. يطمح اهل الذكاء الاصطناعي الى ما هو اكثر بإكساب الآلة القدرة على تشكيل الرسومات التجريدية وتأليف المقالات والروايات بل وقرض الشعر أيضا(1). وهو ما يضع التجريد الادبي-الفني في مأزق.

 

علي محمد اليوسف

.......................

(1) د.نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة، ج1، سلسلة عالم المعرفة، ص221-313. وبتصرف منا.

 

faroq mawasiالسورة من القرآن هي مجموعة من الآيات الكريمة، تؤلف نصًا واحدًا.

عدد السور في القرآن الكريم 114 سورة.

وردت لفظة (سورة) وجمعها (سُوَر) في القرآن الكريم، في معنى التَّحدِّي للْعرب، وذلك بِقَولِه تعالَى: {قلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ}- هود،13، وقَوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}-الْبَقَرَة، 23 وبداهة فإن الآيتين نزلتا بعد سور سابقة، حتى يُسوَّغ  هذا التحدي.

 جاء فِي الْقرْآن تَسْمِية سورة النُّور بِاسْمِ: سُورة، وذلك في قَوله تَعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها}- النُّور،1- وهي خبر لمبتدأ محذوف- أي هذه سورة.

ملاحظة:

لم تكن فصول التَوراة والإنجيل وَالزَّبور مسمَاة سُوَرًا عند العرب في الْجاهليَّة، ولا في الإسلام، بل لم أجد كلمة (سُورة) بهذا المعنى في أدبيات العصر الجاهلي.

سورة:

ثمة أكثر من تفسير لمعنى الكلمة، وكيف اشتقت.

في مقدّمة القُرْطُبي الضافية لكتابة المميَّز في التفسير وقف الشيخ على تفاصيل تتعلق بالقرآن ودراسته، فتناول ترتيب سور القرآن وآياته وشكله ونقطه، ومعنى السورة والآية والحرف، وهل هناك ألفاظ فيه خرجت عن لغات العرب، ومعنى الإعجاز..إلخ

..

سأقتبس منه بعض ما  أورده وجمعه لمعنى (سورة).

قال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن"، ج1 ، ص 47- 48:

"معنى السورة في كلام العرب الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها،  وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة:

قال النابغة:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ** تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ

أي : منزلة شرف، ارتفعت إليها عن منزل الملوك".

وقيل: سُميت لشرفها وارتفاعها- كما يقال لما ارتفع من الأرض- سُور.

والسور حائط المدينة الذي يحيط بالبيوت، قال جرير:

 لَما أتى خبرُ الزُّبَيرِ تواضَعَتْ *** سُورُ المدينةِ والْجبالُ الخشَّعُ

 على ذلك سميت "سورة" لإحاطتها بآياتِها، واجتماعها كاجتماع البيوت بالسُّور.

..

وقيل: سُمّيت بذلك  لأنها قُطعت من القرآن على حِدة، من قول العرب للبقية أو فضلة، فعلى هذا يكون الأصل- سُؤْرَة بالهمزة، ثم خُفّفتْ، فَأُبْدِلَت واوًا لضمّة مَا قَبلها.

..

وقيل: سميت بذلك لتمامها وكمالها، من قول العرب للناقة التامّة- سُورَة.

وجمع سُورة- سُوَر، وسُور، ويجوز سُورَات وَسُوَرَات".

..

أما في "لسان العرب" لابن منظور (مادة سور)، فهو يوضّح بأن السورة هي المنْزلة من البناء، ومنه سورة القرآن، لأنها منْزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى.

يقول ابن سِيدَه: سميت السورة من القرآن لأنها درجة إلى غيرها، ومن همزها (سًؤرة) جعلها بمعنى بقية من القرآن وقطعة.

أما ابن الأعرابي فيقول: السورة- الرِّفعة، وبها سميت السورة من القرآن أي رفعة وخير.

السورة من القرآن معناها الرفعة لإجلال القرآن- قال ذلك جماعة من أهل اللغة.

(انظر الآراء المختلفة في "لسان العرب").

..

هناك من المستشرقين من رأى أن الكلمتين سور، وسورة-  من أصل آرامي.

أما "السورة"  فهي كلمة (شُورْتا) الآرامية - تعني مجموعة مرتبة جنبًا إلى جنب أو مرتبة عموديًا، (وهذه تذكرني باللفظة العبرية التي تستقي كثيرًا من الآرامية: שורה- (شورا- بمعنى  صفّ سرب).

مهما يكن فالقرآن استوعب ألفاظًا من لغات أخرى، فجعلها  جزءًا من العربية، وصدق قوله تعالى {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا}- يوسف، 2.

..

هذا الموضوع- "هل في القرآن كلمات أعجمية؟"  أثار نقاشًا بين علماء العربية على اختلاف عصورهم، وقد أوجزه القرطبي في تفسيره بصورة منصفة (ص49) م.ن.

..

من أخطائنا:

..

من أغرب ما قرأت في صحيفة ما أن المحرر كان يكتب عن السورة (صورة  في القرآن)، وكرر ذلك، وقد نسي أن صورة بالصاد تعني الشكل- قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركّبك}- الانفطار، 8. وقد توسعت دَلالة (صورة) إلى معانٍ حقيقية ومَجازية.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

sabahshakir alagamتعتبر حضارة وادي الرافدين من اقدم الحضارات التي بناها الانسان القديم كالحضارة السومرية والحضارة الأكدية البابلية والحضارة الآشورية، وان اقدم الاقوام كانت قد استوطنت في هذه الارض فشيدت فيها الكثير من المدن العامرة والمعابد الفخمة، لقد اقامت هذه الاقوام حضارات راقية ففيها وضع اول حرف وأسست اول مدرسة وفيها وضعت اولى الشرائع، ولخصوبة ارضها ووفرة مياهها ازدهرت فيها الزراعة وتربية الحيوانات،ومن هذه المدن مدينة بابل والتي حكم فيها ملوك عظماء مثل حمورابي ونبوخذنصر الثاني وغيرهم اللذين عملوا بجد واخلاص من اجل توحيد ارض بلاد الرافدين واقامة حضارة عظيمة عليها .

لقد جاء في العهد القديم (التوراة) ان هنالك قوم يتكلمون لغة واحدةً قد شدو رحالهم نحو الشرق حتى وصلوا الى ارض شنعار (العراق القديم) وسكنوا فيها، فصنعوا لبناً مشوياً (استخدم في البناء بدل الحجر)، واستخدموا القار بدل الطين لتثبيت اللبن المشوي، فبنوا مدينة فيها برجاً رأسه في السماء. فنزل عليهم الرب ليرى المدينة والبرج فقال لهم بانهم شعب موحد يتكلمون لغة واحدة، فبلبل لسانهم وبددهم على وجه كل الارض فسميت مدينتهم (بابل)، وكما ورد في سفر التكوين في الاصحاح (11): (وكانت الارض كُلُّها لساناً واحداً ولغةً واحدةً * وحدث في ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة في ارض شنعار وسكنوا هناك * وقال بعضهم لبعض (هلم نصنع لبناً ونشويه شياً) فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحُمَرُ مكان الطّين * وقالوا: (هَلُّمَ نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدّد على وجه كُلّ الارض) * فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما * وقال الربُّ: (هو ذا شعبٌ واحدٌ ولسانٌ واحدٌ لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل . والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يفعلوه * هلُمَّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض) * فبدَّدهُم الرّب من هناك على وجه كلّ الارض، فكفُّوا عن بنيان المدينة، لذلك دُعِيَ اسمها (بابل) لأن الرَّبَّ هناك بَلبَلَ لسان كلَّ الارض . ومن هناك بدَّدهم الرَّبُّ على وجه كل الارض .

 

صباح شاكر العكام

 

 

اجمل ما في النجاح انه ليس حكرا على شخص معين او مكان وزمان معينين وهدا ما يجعل منه هدفا وطموحا انسانيا ساميا دلك انه يعبر عن تعب واجتهاد نفسي واجتماعي كبير ولهدا فهو لغة عالمية جد مفهومة ولا تحتاج لمن يطرجمها وفي هدا المقال سوف نتطرق لبعض من الاسراروالتقنيات التي تساعد وتدعم كل من يريده وبيحث عنه والتي ندكرها على شكل رؤوس اقلام كالاتي :

- من منعك لا يعني بالضرورة انه ضدك او يكرهك

- الفرصة لا تاتي واضحة بل مغلفة بعدة قوالب حاول استغلالها

- لا تتسرع في اعلان نجاحك احتفظ بما تريد فعله في نفسك لغاية تحقيقه

- ارفع من نسبة علمك ومعرفتك ولو في ميادين قد تظن منه انها لن تفيدك

- تفادى ربح عداوات او اعداء من دون وجود اسباب وجيهة

- ادراكك لخصائص وطرق تفكير مجتمعك داعم لنجاحك

- اترك مساحة كافية لفهم الاخر ودع له مجالا ان اراد مساعدتك

- عادة ما يكون المك او سقوطك بداية لا نجازات كبيرة فحاول ان تتعلم منه

- صديق وفي يغني عن الف غير دلك

- المال اوراق اما الدهب فثروة حقيقية

- مرضك يبدا من فكرك احرص ان يكون حرا

- ما حققه اي انسان بامكانك تحقيقه ولكن بطريقتك وشخصيتك الخاصة

- الحكمة سلاح كاف

- خد الحياة باريحية وبساطة كبيرة

- انهزامك يبدا نفسيا وينتهي كدالك فتفاؤل ولا تياس

- لا نجاح بدون تخطيط وادارة وتسيير محكم

- ان لم تنشا مشروعا او مؤسسة خاصة بك كن انت دلك

- راس مالك علمك وعدوك جهلك

- كل فرصة وكل موقف فيه جانب يخدمك احرص ان تستغله

- خطوة الى الامام كل يوم لن تتخيل الى اين ستصل

- نصائح من حكيم او دكي بامكانها قلب كل الموازين لصالحك فلا باس من ان تسال وتسمع

- تفادى العزلة وكن وسط المجتمع والحياة ففيهما يكمن الحل

- وزع جهدك واهدافك على فترات

اشتغل وطور داتك ولا تركز كثيرا على الجزئيات والاحداث اليومية

- ساعد الناس على قدر طاقتك

- لا تفكر بطريقة ابيض واسود حلل اكثر

- اكتساب المهارات امر مهم فلا تفرط فيه

- اخلق لنفسك ميدانا او مجالا ومساحة اكبر

- اقرا جيدا ما بين الاسطر قبل ان تتصرف

- توقع و تخيل اكثر نجاحاتك و مختلف سيناريوهاتها

كانت هده من اهم تقنيات واسرار النجاح ويمكن لا ي انسان ان يتعلمها ويعمل بها لصالحه ولما ينفعه و ينفع مجتمعه للصلاح والخير .

 

بقلم الكاتب سلس نجيب ياسين

 

 

لا تشهقوا ...لا تذعروا .. أنا ضدها فقط إن كانت ترى:

 الأمومة انتقاص قدر ..

الأنوثة والرقة والكلمة الطيبة لشريك الحياة ...ضعفا

إن كانت حرب تكسير رؤوس واستعراض عضلات ..

إن اعتبرت فن الطهي وأناقة البيت واحترام دفئه وخصوصيته ...استسلاما وعبودية ..

أنا امرأة من نار ونور ..بيتي مملكتي ...

سعيدة أنا بمعركتي مع الوقت والضجيج والتعب ..ثرية بنوم عميق لا يسبقه ساعات من التقلب والتفكير ..

يغريني حيناً دور جدتي ..فأسرد الحكايا، وأتسلى بتنقيب العدس، أسابق الفجر ممسكة مصحفي مرتدية نظارة بعدسات لمد النظر ..

وتستهويني تارة أدوار الأديبات ..

فأشعل شمعة وأهدي نفسي موسيقا كلاسيكية وأقلب صفحات كتاب برؤوس أصابعي ..

أنا ضد تحرر المرأة ...عندما يكبلني التحرر ..ويرهقني بالانصياع لضوابط خادعة ..

أنا مع فطرتي وحقيقتي بضعفي وقوتي واحتياجي وعطائي ..

أنا مع نفسي ...لأجلي

 

 علا نادر البطاط

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لما كتبه ماجد بن الأمين بن صالح صدقة الصباحي بالعبرية (هلل/مهللال بن بنياميم بن شلح صدقة الصفري.١٩٤٠- ، هو الابن الأصغر للأمين المذكور، كاتب ومرنم وتاجر، شقيقه الأكبر راضي (رتسون) والثاني سميح (سلوح)، معلّم لغة عربية في إسرائيل؛ نشر توراوات، صلوات وسفينة مرقه بخط يده، كما كرّس نُسخًا من التوراة بخطّ يده للكُنس في جبل جريزيم وحولون؛ تنقيح ابن شقيقه، بنياميم صدقة).

نُشرت هذه القصّة في الدورية السامرية أ. ب.-أخبار السامرة، عدد ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٥٧-٥٩. هذه الدورية، التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها؛ إنّها تستعمل أربع لغات على الأقلّ، بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور، منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري. زد إلى ذلك، هناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

عادة قديمة

زيارة مَغارة المضعّفة (مكفيله بالعبرية، المزدوجة، مدفن الآباء في الخليل؛ أنظر سفر التكوين ٢٣: ٩، ١٩؛ ٢٥:٩؛ ٤٩: ٣٠؛ ٥٠: ١٣) حيث قبور آبائنا، إبراهيم وإسحق ويعقوب وزوجاتهم، ساره، رفقة وليئة، هي حقّ كبير وواجب وفريضة. للأسف، زيارة كهذه صعبة في هذه الأيّام، بسبب الأوضاع، ولكن قبل ثلاث سنين تقريبًا، كنت أزور المكان مرّاتٍ كثيرةً سنويّا، كلّما جئت إلى الخليل. في السنوات الثلاث الأخيرة، نادرًا ما كنت أقوم بهذه الفريضة، ولكن ذلك العدد القليل من الزيارات، هو أكثر بكثير ممّا كان ممكنًا في سنوات ما قبل كون السامريين طائفة واحدة تحت حكم واحد (أي قبل العام ١٩٦٧). في سنوات ما قبل حرب ١٩٦٧، مُنع غير المسلمين من دخول المغارة، وفي سنوات ما قبل حرب ١٩٤٨، كان من الممكن فقط، دسّ بطاقات الطلبات في ثَقْب في جدار المَغارة الكائن فوق الدرجة السابعة، ولهناك سُمح لليهود والسامريين بالوصول.

كلّ هذه الترتيبات، انتهت بعد العام ١٩٦٧. في الوقت الراهن، بوُسع كلّ من لا يخاف من حادث خطر، قد يحدث له في الطريق إلى الخليل أو داخلها، القيام بزيارة متى شاء، والدخول لقاعات الصلاة ومشاهدة قبور صديقين وأزكياء وكاملين، مثل آباء الأمّة العبرية. ليس من عادة السامريين، السجود والانبطاح على القبور، فهم يكتفون بإشعال الشموع حول الشاهد. في كلّ جيل وجيل، لم ينقطع تَوْق السامريين لتأدية هذه الفريضة، زيارة مَغارة المضعّفة، طالما هم أحياء يُرزقون. كلّهم علِموا بوجود حظْر على غير المسلم،  لزيارة مغارة المضعّفة، إلا أنهم لجأوا إلى الحِيل بغية الوصول للهدف.

قديمًا، قبل إصدار كل هذه الموانع، اعتاد أوائل السامريين على استغلال مدّة عدّ الخمسين يومًا، من عيد الفسح لعيد العنصرة، للقيام بزيارة جماعية لمغارة المضعّفة. آونتها، ما كانت هناك حاجة لاتّخاذ وسائل شتّى وغريبة للقيام بزيارة سرّا.

شيوخ سامريون

عن مثل هذه الزيارة، أقصّ عليكم قصّة، كما سمِعتها من شيوخ عائلتي. حدثت هذه القصّة في فترة كهنوت الكاهن الأكبر، المحترم والصارم يعقوب بن أهرون [١٨٤٠-١٩١٦،  كاهن أكبر منذ ١٨٧٤ وحتى وفاته]. الحادثة حصلت له ولجدّي صالح بن حبيب الصباحي (شلح بن حوڤڤ الصفري). من أجل المزيد من الحَيْطة والحذر، لبس الاثنان الكوفية والعِقال، كما يفعل البدو، وارتديا اللباس التقليدي، الذي لا يختلف عن لباس وجهاء العرب. ركِبا حماريهما وتوجّها إلى الخليل. كانت لكلّ منهما لحية طويلة، أضفت على وجهيهما رونقًا نادرا.

في يوم الثلاثاء، بعد مبيت في خان لوبان (لِڤونه) الواقع في منتصف الطريق بين نابلس والقدس، ومبيت في القدس، وصل الاثنان إلى الخليل، إلى بوّابة مغارة المضعّفة. نزع الاثنان حذائيهما قبل دخولهما قاعاتِ القبور، كما يفعل عادة السامريون في كلّ مكان مقدّس. استهلّا بصلاة صامتة، وهما قُبالة قبر إبراهيم الخليل. حولهما، تجمهر حرّاس المغارة المسلمون، وآخرون من الشعب، ولكنهم تورّعوا عن الاقتراب منهما، بسبب هالة الاحترام على محياهما، واللحيتين الطويلتين. كان لدى المصلّين حبّ استطلاع قوي لمعرفة من هما هذان الشيخان الفاضلان اللذان يزوران المغارة.

الكاهن الأكبر، يعقوب، جذب انتباههم بشكل خاصّ، بقامته الفارعة، ووصفوه في مخيّلاتهم المحلّقة  كأحد أكثر  الشيوخ وجاهة واحتراما، أتوا لزيارة المكان. بعد ذلك، حدّقوا بجدّي صالح، الأقصر قامةً من الكاهن يعقوب، ولكن رأسه كان ملفوفًا بالكوفية التي غطّت جيّدًا لحيته الطويلة أيضا. ظنّوا أن جدّي صالح صديق الشيخ. لو خمّنوا أن اللذين أمامها من رؤساء السامريين، لما تردّدوا لحظة، في الانقضاض عليهما، وطردهما من المغارة بالعصي والأسواط. المتعصّبون المسلمون لم يحترموا السامريين قطّ، بلِ اعتبروهم أسوأ من اليهود، لأنّه ورد في القرآن، أنّ الذي صنع عِجل الذهب في صحراء سيناء هو سامريّ، لا أكثر ولا أقلّ.

صلاة صافية لذكرى الآباء الثلاثة

الكاهن الأكبر يعقوب، انتبه لحبّ استطلاع الناس المحتشدين حوله وحول رفيقه. قرّر أن يقوم بمبادرة ما، التفت إلى الجَمْع بوجه متجهّم وصاح بهم مُعنّفًا: ما بالكم واقفون كالحالمين، لم لا تتقدّمون لتقبيل يد هذا الشيخ، مشيرًا إلى جدي صالح، الذي كان قد حجّ مراتٍ كثيرة جدا، لتتباركوا منه؟ لا أحدَ رأى وجه جدّي صالح المتورِّد، الذي كان مغطًى بالكوفية، عند سماع قول الكاهن الأكبر يعقوب.

قال الكاهن الأكبر الصواب، ولكنّه بالطبع لم يقصِد الحجّ إلى مكّة، كما فهم جمهور المستمعين. لم يتوان المسلمون ولو للحظة واحدة، بل تهافتوا على جدّي صالح، طالبين تقبيل يده اليمنى. تعاون جدّي معهم وخلّاهم يُقبّلونها مرّاتٍ لا حصر لها، وهو يُتمتم نحوَ كلّ منهم ببركة غامضة بلغتهم. استمرّ هذا الوضع ساعتين تقريبًا حتى ساعة الظهر. عندها خرج كلّ المصلّين لتناول طعام الغَداء، وأضحت كلّ قاعات المغارة خاويةً من الناس باستثناء الكاهن الأكبر وجدّي صالح، كلاهما وقفا بين قبور الآباء وبدآ بالنشيد: תלתה רחמין קנה חילה רבה - ثلاثة محبوبين خلقتِ القوّةُ العظمى (أي: الله)؛ صوت جدّي صالح امتاز بجَهوريّته.

حذّر الكاهنُ الأكبرُ يعقوب جدّي أن يُخفِض صوته، فردّ الأخيرُ أنّ لا وجودَ لأحد في المكان. دعنا نُنشد كما نودّ لشرف آبائنا، قال جدّي. الكاهن الأكبر يعقوب، انضمّ فورًا للإنشاد بصوت عالٍ كجدّي. علا صوتهما وعلا فوق السقوف والشواهد العالية في العمارة. علِما أنّ صلاتهما النقيّة على شرف الأبرار الثلاثة - إبراهيم وإسحق ويعقوب استجيبت.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

jamal alkersanفي اطار الحديث عن الشخصيات المهمة التي جاءت من خارج الحدود ومرت على الاهوار اجد من الضروري التوقف ولو على عجالة مع بريطاني آخر توقف مع الاهوار وهو الرسام دونالد ماكسويل Donald  Maxwell. ماكسويل يعزز الارتباط البريطاني الوثيق بالعراق عموما وفي مناطق الاهوار بشكل خاص، ان البريطانيين اكثر الجنسيات الاوروبية التي كتبت عن الاهوار، قدمتها للاخرين حينما كانت مهملة من قبل العراقيين انفسهم دولة ونخب، كان ذلك الاهتمام قبل الاحتلال البريطاني للعراق بمئات السنين. 

لقد زار الاهوار الرحالة رالف فيتش "Ralph Fitch"عام 1583، ايضا الرحالة جون جاكسون في العام 1797، كذلك جيمس بيلي فريزر "James Baillie Fraser" في العام 1834، اضافة الى ليونارد وولي "Leonard Woolley" مكتشف مقبرة أور الملكية، عالم الآثار سيتون لويد "Seton Lloyd"، زارتها جرترود بيل "مس بيل" في الاعوام 1916-1918، ثم زارتها السيدة هيجكوك وزوجها الميجر هيجكوك وهو ضابط بريطاني كبير خدم في مدينة العمارة في العشرينيات من القرن الماضي، وقد الّفا كتاب "الحاج ريكان: عربي من الاهوار"، كما زارتها الكاتبة الانجليزية فرايا ستارك في الثلاثينات من القرن العشرين، كذلك كافن دافيد يونك مؤلف كتاب "العودة الى الأهوار"، ثم كافن ماكسويل عالم البيئة الذي له قصة شهيرة مع حيوان كليب الماء حيث اخذه الى لندن وقدمه للعالم كنوع نادر سجل رسميا باسم ماكسويل، كما زارتها المستشرقة البريطانية الليدي درور"Ethel Stefana Drower"  صاحبة كتاب "الصابئة المندائيون"، دوغالد ستيوارت نائب القنصل البريطاني في العمارة، الرحالة ماكس مالوان Max Mallowan وهو الزوج الثاني الكاتبة الشهيرة اجاتا كرستي، اما الرحالة لوليفريد ثيسيغر فله مع عرب الاهوار قصص وحكايات وذكريات كثيرة جدا بعد سلسلة زياراته المتكررة الى هناك، والتي إستغرق بعضها سبعة اشهر يقضيها في احضان الاهوار، ناهيك عن إيما نيكلسون التي رعت واسست مؤسسة عمّار الخيرية.

دونالد ماكسويل زار منطقة الشرق الاوسط في الحرب العالمية الاولى، زار العراق وايران، مر بالاهوار حينما استقل باخرة من البصرة الى بغداد، مروره لم يكن بقصد التوقف عندها بالدرجة الاولى ولكنه كان في مهمة رسمية من قبل المتحف البحري البريطاني "The Imperial War Museum". من اجل رصد سير الملاحة في دجلة والفرات، رحلاته من البصرة الى بغداد كانت كافية لتوثيق مشاهداته بريشته الحاذقة، وذائقته الجميلة.

رسم بعض ملامح الاهوار، وكذلك المدن الواقعة على ضفاف الاهوار مثل البصرة، قلعة صالح، العمارة والعزير وغيرها. من بين الرسومات الجميلة التي انتجتها ذائقة ماكسويل الجمالية، لوحة تستوقف الفجر في العمارة، واخرى تستوقف الغروب فيها. لفتت نظره قرى الاهوار وبيوتها من القصب، فرسم تلك القرى وشرح الكثير عن طريقة العيش بالاهوار وبناء بيوت القصب، ايضا توقف مع مرقد العزير وكانت العزير حينها محاطة بالمياه ومرتبطة بشكل او بآخر انذاك بالاهوار الوسطى والشرقية، دونالد ماكسويل المولود عام 1877 والمتوفي عام 1936 نشر اغلب منجزه عن العراق في كتاب نشره عام 1921. ما وثقه ماكسويل يضاف لعشرات التجارب التي تعاطت مع الاهوار باساليب مختلفة، والتي لازالت بحاجة الى رصدها وارشفتها باسلوب علمي من اجل ان تكون في متناول المتابعين لشؤون الاهوار.

 

جمال الخرسان

ahmad katawiلعل القائلين بمذهب المحدثين والحداثيين ورواة القول والقادمين منه والسير بين أدغاله وجنباته يذهبون  إلى الإعتقاد بأن هذا الصوت المركزي المحوري قادم بلا شك

من ميلاف بالشمال القسنطيني، وقد يذهبون أيضا إلى الاعتتقاد أيضا أنه قد يكون قد خرج من شرنقته متأخرا أو من حقول " شقائق النعمان"

ولا أقول قد يعدو صحيحا أو عكس ذلك، هذا القول لاعتبارات عديدة، هذا الصوت متجذر في المشهد السردي منذ أمد، ولكن بقدر ما يكتنفه الارتداد في صياغتهم لسبر تضاريس هذا التبنؤ أو بعباردة أخرى، أي هذا المنحي الاستدلالي، فإنهم لم يقفزوا خارج الاسوار السردية للقاصة نسيمة بن عبد الله، التلويح كان إيجابيا، لكنه اختلف في فقط في رؤية المفاهيم .وفقط لكونه يجتر أو يختزن احتمالين:

الاحتمال الأول

قد يدخل في بوتقة أخرى جملة وتفصيلا، بتعبير آخر يكون "إصابة" عن طريق الخطأ من رمية في غير وجهتها أو باتجاه الملموس ,

والاحتمال الثاني

يقد يكون التأويل نصا صرفا لذات المعتقد الاستهلالي بحكم أن الاديبة نسيمة بن عبد الله ما كان لتكون طريدة . كانت هي بالعكس معولا للتغيير في نمط السرد

وأن أحراش ميلاف أنجبت فعلا حريرا من هذه الزنابق الوردية الحمراء التي تفتقت قولا وبيانا ودموعا وصدقا في المشاعر والأحاسيس لتصفد على صفيح ملائكي، إنساني: الاصابة في عمق المنجز "الزمن الاخير"

تكون قد أصابت الطريدة إن كانت كذلك والمنجز في ذات الأوان في احتفالية السرد لا في بهرجتها الغوغائية،

احتفالية السرد عند الاديبة نسيمة بن عبد الله هي التي تصنع فرجة المدلول والمأمول من خلال اقتناصها لذات الدلالة سواء في " الزمن الاخير "أو غيرها

القصة التي أوقدت كانون قاعة قصر الثقافة عبد الكريم دالي بتلمسان كما في مشارف سيناء، أوقدتها سلاما ورأفة في " الزمن الاخير " وفي القاعة وأسالت الدموع من المآقي .

إذن - قطعا - لم تكن الاديبة نسيمة بن عبد الله الطريدة، بل كانت من يحمل للطريدة قوت وقوة البقاء في محاولة إنجاز جسر بينها وبين ما يعتلج بطلتها

ليس فقط في "الزمن الاخير" بل في سائر منجزاتها السردية في مجموعتها

"حب في الكف" أو وغيرها من مجموعتيها الاخريين

وقد أخرجت الدلالة بوعي قاصة نحكمت أيما تحكم في لولبة قوالبها الفنية المعمارية

وقد ارتج ويرتج فيها ومنها صوت الشرنقة لتعطي حريرا في البيان والقول والدلالة

إن وقفتُ موقف نمطيا إزاء ما استمعت اليه من الاديبة نسيمة بن عبد الله بقاعة

قصر الثقافة عبد الكريم دالي كسائر الحضور

الوقفة تلك أحالتي على مدارج ومواظبتي الدائمة على مجلة  الهدف

الفلسطينية التي كانت تصدر يقبرص وأنا بالصفوف الامامية بالقاعة

كان عنقي كسائر الاعناق مشرئبا نحو المنصة، حيث كانت الاديبة القاصة

تكتب بحبر المأقي وتلقي بحبر المأقي وتزفر بحبر الأماقي وتتنفس

بحبر المأقي من خلال رئة هشة وتوهج هش أيضا لصيرورة بطللتها المشرفة على الزوال، وهي تحتضر وتلفظ أنفاس حسرتها،وكذا الومضة الاخيرة في هولامية كونية إبداعية أذهلت الحضور

لحظة ذهولي أنا ايضا أنتصب أمامي الكاتب الفرنسي الشهير إميل زولا

وهو يتحاشى الإضرار ببطلته التي تحاشى وأدها

كان وجه الشبه كبيرا بين القاصة نسيمة بن عبد الله وإميل زولا، في ذات المأساة، كما بدا لي - لحظتئذ - أن القاصة نسيمة بن عبد الله هي غساني كنفاني في المباني السردية ومن نفس النسيج العمراني السردي .

نسيمة بن عبد الله وهي تصدح دموعها

التي ملأت القاعة وكأني بها كانت تقول من أغوار مشاعرها :

لتقول في "الزمن الاخير":

لا حول ولا وقوة لي قد يحتضنها الباري، وهي تتحدث وتخص بصدق مجريات" " "الزمن الاخير" ,

القاصة نسيمة بن عبد الله نسجت هذا النسج وهي تغمس آهاتها في محبرة دموع مأقيها ومآقينا بصدق وإخلاص لبطلتها المصابة بالسرطان عفانا الله وإياكم منه

الاستهلالي والممكن في المآقي كان ممكنا بأمتياز فكان دمع المآقي يخضب بالحناء أرجاء القاعة وتوابل القول والسرد من خلال مجمّع تراجيدي منتج لشمولية الطرح كالمصنع والمعمل تماما و الشرنقة التي تلد الحرير

هذا ما أفرزته  الشرنقة

ولعل المحدثون والحداثيون ومن سبر رأي ماقبل أن يلتقي بالاديبة

نسيمة بن عبد الله قد منح تأشيرة " الطوق " لزنبقتها ولشرنقتها في ذات الوقت وقد منحتنا إياها - قاعة وحضورا وتجاوبا -

منحناها شمولية الصمت والإصغاء وفقط ,كنا نصغي "للزمن الأخير"

من خلال وظيفة الدلالة، حيث تستفحل الدلالة لتدحض مجاري مياه وسيول  ما قبل الاكتشاف والاستكشاف والإستقراء

الحديث في هذا الشأن يطول ويجرنا إلى منعطفات أخرى، لكن ونحن نستشف من الاديبة -حضورا وقاعة  -أن القاصة نسيمة بن عبد الله لا تستبد ولا تقهر أو تقمع شخوصها ولم يحدث ذلك لا في " الزمن الاخير" ولا في أعمال أخرى، كان الحبر مآقي ثكلى فيما لمسانه هو ذا الملموس في تجلياتنا من خلال " الزمن الاخير" القصة التي أبكت القاعة تمكنت فيها سردا من لمّ وجمع كل أصناف الرأفة في نسج محكم آخر، تراجيدي يحمل الوحدة العضوية والمبنى الهندسي المعماري فيها على محمل الجد على الصعيدين : الاخلاص في التعاطي مع شخوصها والتعاطي بصدق أيضا من منحنيات المسعى كمسعى دلالي

هي ذي نسيمة بن عبد الله " بنت الريف " أقتطفها زهرة من زهور وقوارير الملتقى الوطني للقصة  بتلمسان أيقونة للسرد، أقتطفها من قطوف تلمسان

ومن معابر القول فيها وعليها وهي التي أبهرتنا، بسمو أخلاقها ورفعة نبلها كسيدة وكإنسانة  خلوقة إلى ابعد الدرجات بشهادة الجميع، قلبت كل الموازين في الاخلاق الرفيعة

إكتشاف مبهر منحتنا إياه أيتها الافضلة،أقول هذا - تأكيدا وتثمينا فقط - فأنت من الاصوات القصصية الفاعلة في المشهد السردي الجزائري والعربي

هذه هي القاصة نسيمة بن عبد الله إن قلت هذا فهذا تأكيد ايضا أنني لن أتطاول على من تناولوك وتناولوا أعمالك بالدراسة من صفوة نقادنا وأكداميينا أذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر : الناقد السعيد بوطاجين، جروة علاوة وهبي،، الدكتور سليم قلالة، الاديب بشير خلف، الاديب عبد القادر زيتوني والناقد الكبير عز الدين جلاوجي في دراسة مستفيضة بالجمهورية وغيرها، ولن أضيف شيئا أمام هؤلاء الادباء من صفوة أقلامنا .

وما عساني أنبش أو أنقش أمام نقوش هؤلاء، لكن فقط من وجهة أخرى أقر أنك تركت فينا أثرا طيبا من خلال مروءتك واتزانك وعلاقنيتك، أقول بلا مغالاة أنني حظيت بمعدن ثمين يختزن أخلاقا رفيعة جدا وقد حصل لي شرف التعرف إليك أديبة / إنسانة وشريكة في الحرف هي ذي أنت أيتها القاصة نسيمة بن عبد الله

لوحت بمنديل ملائكي مفعم بالطهارة ليحتضنه الجميع ويحتضن أخلاقك الرفيعة جدا جدا

تحية إكبار أيتها الفاضلة لشمائلك ومروءتك وصفاتك الحميدة في هذا الشهر الفضيل وفي سائر الشهور

كنت مثالا للخلق وتسامي الرؤى والاتزان وحسن المعاملة مع الجميع، وقد استحسنك الجميع فتركت  صورة مشرقة في ذوات الجميع .

هذا نزر قليل مما يجب قوله في حق شخصك الكريم

كل التقدير أيتها الفاضلة، يا صاحبة "الزمن الاخير" ولألأة الدمع في المآق وما دبجه قلمك ومخيالك في نظرتك الشمولية لمجريات الملقى، ولتلمسان ومأثرها قاطبة كأديبة / رحالة وإعلامية بإمتي

 

كتب أحمد ختاوي

 

haytheam nafilwaliالحكمة القديمة تقول، ما لا يمكننا اختراقه يدل على وجوده.

الزمن سلسة واحدة متصلة، حلقاتها الماضي، الحاضر والمستقبل لا يمكن فصلها أو تقطيعها لأنها كما قلنا قطعة واحدة مستمرة منذ الأزل.

نعلم بأن العلم جعلنا نستطيع رؤية الماضي بسهولة. لا نحتاج هنا إلى براهين كثيرة، فآلات التصوير جعلتنا نعيد مشاهد الماضي ونستمتع بها وكأننا نعيشها في الحاضر. كما أن التصوير الحراري يكشف أماكن تواجد الكائن بعد مغادرته مكانه، هذا دليل آخر مادي عن إمكانية الرجوع إلى الماضي ومشاهدته ومعرفة من كان موجوداً في هذا المكان قبل فترة من الزمن.

هذا يعني، نستطيع تتبع الماضي في لحظة زمن آنية مستمرة دون انقطاع. قلنا ذلك، الزمن حلقة، وحلقاته لا تنفصل ولا تنقطع منذ الأزل؛ الإنسان هو الذي يصل متأخراً. فهم الحقائق الموجودة أصلاً في الكون والطبيعة تحتاج إلى زمن لإدراكها، هذا ما تطلبه واحتاجه البشر للوصول ما نحاول شرحه اليوم..

نستطيع اليوم دون جهد أن نرى ما وراء الجدران، نعرف ماذا تخبئ الحقائب دون فتحها، تلك الأجهزة الذكية الحديثة جعلتنا نرى ما لا تراه أعيننا، اختراق الظلام، الرؤية الليلة، وغرف الكنترول في المطارات والأماكن الأمنية الحساسة كلها مزودة بتلك الأجهزة وتجعل من المراقبة والرؤية متاحة دون الحاجة إلى جهد كبير.

إذاً، توصلنا لرؤية الماضي والعيش فيه؛ الرؤيا في الظلام دون حاجتنا للضوء، ثم بإمكاننا أن نرى الأشياء المخفية والمحجبة وما وراء الجدران دون صعوبة. لكن، ماذا عن المستقبل؟. روايتنا" أنهر بنت الرافدين " تفردت في طرحها، برهنت للقارئ عن إمكانية رؤية المستقبل عندما تتوفر العوامل المساعدة على ذلك، كيف؟ نقول لكم:

توفر عامل السرعة بوجود المسافة تساعد على رؤية المستقبل. ذكرنا قبل قليل بأن الإنسان هو الذي يصل دائماً متأخراً لفهم الحقائق الكونية، يعني، الزمن كفيل بحل ما يريد فهمه والوصول إليه، المستقبل ضمن هذا الإطار وهذا البرنامج، لن يختلف كثيراً، البشر يحتاج إلى السرعة لقطع المسافة التي تفلهم عن المستقبل. ماذا يعني ذلك؟

المستقبل موجود، لأن الزمن ماضي برهن على إمكانية مشاهدته والعيش فيه؛ والحاضر ملموس نعرف أجزاءه وتفاصيله لحظة بلحظة، وما تبقى من الزمن، تلك الحلقة الموصلة التي تدعى المستقبل الذي هو موجود عادةً لكننا كبشر وبسبب قصورنا الذهني نصله متأخرين.

في الطريق السريع، أنت جالس في سيارتك ترى ما يسمح به مجال رؤية العين فقط. صاحب الشاحنة المرتفعة الذي يسير بجانبك يرى أبعد من ذلك لأنه يجلس في مستوى أعلى في مقصورته وهو يقود شاحنته، ولو صادف في تلك اللحظة طائرة مروحية تحلق فوق سيارتك وفوق الشاحنة في نفس الطريق السريع سيستطيع قائد الطائرة من رؤية الشارع لمسافات أطول وأبعد بكثير مما رآه صاحب الشاحنة وأنت. هذا يفسر لنا التالي:

المسافة المرتفعة تجعل الرؤية أكبر وأبعد. المستقبل هو الهدف، بل النتيجة لكل الأهداف. وقائد الطائرة لحظتها رأى الهدف الذي لم يتوصل إلى رؤيته كل من صاحب الشاحنة وأنت على الرغم من تواجدهما في نفس الزمن وفي نفس المكان.

لو أردنا السفر إلى نقطة ب التي تبعد مائه كيلومتر من نقطة أ. أحدهم يستخدم الأقدام مترجلا للسير للهدف، والآخر استقل طائرة. بدأت الجولة..

الهدف هو نقطة ب، يعني، رؤية المستقبل المتفق عليها؛ الانطلاق كان من نقطة أ كما قلنا، زمن الانطلاق والمكان نفسه، من سيصل أولاً؟

من استقل بالطائرة سيصل حتماً أولاً. سيرى المستقبل المتمثل بنقطة ب ويستمتع برؤيتها وربما يجد هناك الشمس والبحر والحوريات وصاحبنا المترجل يكون لحظتها يلهث متقطع الأنفاس يريد الوصول ولا يقدر إلا بعد ربما 36 ساعة..

نتوصل هنا إلى قناعة راسخة بأن السرعة في قطع المسافة للوصول إلى المستقبل هو كل ما يحتاجه البشر لمعرفة النتائج التي هي في الحقيقة ليس إلا مستقبل مجهول لمن يسير ببطء..

هذا ما ترجمته روايتنا "أنهر بنت الرافدين" وما أرادت قوله بشأن المستقبل بشكل أدبي، درامي محبوك..

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

faroq mawasiسَلْـم الخاسر شاعر عباسي، هو سلْم بن عمرو – وسبب تسميته "الخاسر" أنه باع مصحفًا واشترى به طنبورًا، وقيل وقع في قسطه من الميراث مصحف فردّه، وأخذ مكانه دفاتر شعر.

وفي رواية أخرى:

"لأن أباه خلّف له مالاً فأنفقه على الأدب، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة، فلقّب بذلك؛ ثم مدح الرشيد فأمر له بمائة ألف درهم، وقال له: كذِّب بهذا المال من لقّبك بالخاسر!

 فجاء أهله بها وقال:

هذا ما أنفقته على الأدب، ثم ربحت الأدب، فأنا سلم الرابح لا سلم الخاسر.

(ابن المعتز: طبقات ابن المعتز، ص 99)

...

 كان سلم مقرَّبًا من المهديّ ينشده الشعر فيُجيزه، ثم كان منقطعا إلى البرامكة، وهو من الشعراء الذين تكسبوا وغنموا وفيرًا من شعرهم، وأذكر أنني قرأت في مجلة (العربي) مقالاً قبل عقود أنه الشاعر الذي حُشي فمه ذهبًا، ومع الأسف لم أستطع أن أجد ذلك في مصدر أوثّقه.

..

كان سلم تلميذًا لبشار بن برد وصديقا لأبي العتاهية،

 ومع ذلك فقد نظم أبو العتاهية قصيدة حِكمية، وفيها  يعاتب سلمًا، ويذكره باسمه الصريح- على حبه المال،  ويحثه على ضرورة الزهد، يقول فيها:

تعالى الله يا سلمَ بنَ عمرٍو ***  أذلَّ الحرصُ أعناق الرجالِ

هبِ الدنيا تساق إليك عفوًا ***  أليس مصير ذاك إلى الزوال؟

فما ترجو بشيء ليس يبقى ***  وشيكًـا ما تغيّره الليالي

..

لكن سلمًا  غضب، فعلّق أولاً عليه وعلى زهده فقال:

"ويلي على الزنديق جمع هو الأموال وعبّأ البدور (جمع بَدرة- صرّة المال الكبيرة) في بيته ثم تزهّد مِراءً ونفاقًا".

والشك في زهد أبي العتاهية ليس قاصرًا على سلم، بل هو وارد في كثير من المصادر، انظر مثلاً كتاب:

 (محمد مصطفى هدارة: اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة، ص 301-303، حيث يورد آراء تظهر أن حياة أبي العتاهية لم تكن مطابقة لشعره).

أنشد سلم معرّضًا بزهد أبي العتاهية، فقال:

ما أقبح التزهيدَ من واعظ ***  يزهِّد الناسَ ولا يزهـدُ

لو كان في تزهيده صادقًا ***  أضحى وأمسى بيتُه المسجدُ

ورفضَ الدنيا ولم يلقها ***  ولم يكن يسعى ويسترفِد

يخاف أن تنفَـدَ أرزاقه *** والرزق عند الله لا ينفَـد

الرزق مقسوم على من ترى *** يناله الأبيض والأسود

كلّ يُوفَّى رزقَـه كاملاً *** مَن كفَّ عن جهد ومن يجهد

يذكر صاحب الأغاني أن هذا الشعر هو للجَمّاز- ابن شقيقة سلم، وهو يدافع عن خاله (الأصفهاني: الأغاني ج4، ص 79)، لكنه ما لبث أن ذكر في مكان آخر من مؤلَّـفه:

 "وأنشد الجمّاز قول سلم الخاسر في أبي العتاهية"- الأغاني، ج 19، ص 279.)

...

أما حكايته مع بشار فهي طريفة:

لما قال بشار قصيدته التي يقول فيها:

من راقبَ الناسَ لم يظفَـرْ بحاجته *** وفاز بالطيّبات الفاتكُ  اللهِـجُ

قال سلم قصيدة  أدخل فيها معنى هذا البيت فقال:

من راقب الناس مات غمّا ***  وفاز باللذة الجسور

فقال بشار: "ذهب ببيتي، والله لا أكلت اليوم شيئًا ولا نمت"، واعترف أنه أخذ المعاني التي تعب فيها فكساها ألفاظًا أخفّ. وبالفعل فإن قول سلم: "من راقب  الناس مات غمًا" أو "همًا" أصبح مثلاً شائعًا.

(الأصفهاني: الأغاني ، ج 19، ص 280)

..

وإليك حكاية ما جرى بينهما بعد ذلك- كما رواها صاحب الأغاني:

سأل بشار سلمًا- من قال هذا  البيت:

من راقب الناس مات همًّا *** وفاز باللذة الجسور؟

-"قال تلميذك وخرّيجك وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه وقنّعه بمخصرة كانت في يده ثلاثًا، وهو يقول: لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره، ولا آتي شيئًا تذُمه. إنما أنا عبدك وتلميذك وصَنيِعتك. وهو يقول له: يا فاسق أتجيء إلى معنى قد سهرتْ له عيني، وتعب فيه فكري، وسبقتُ الناس إليه، فتسرقه ثم تختصره لفظًا تقربه به لتِزريَ علي، وتذهب بيتي؟

 وهو يحلف له ألا يعود!

 والجماعة يسألونه، فبعد لأي وجهد ما، شفعهم فيه، وكفّ عن ضربه، ثم رجع له ورضي عنه.

...

أقول: غريبة هذه القصة، فسلْم الخاسر كانت له مكانته عند الخلفاء وعند البرامكة، وحظي أكثر مما حظي به بشار عندهم، بل كان يوزع من صِلاته على من حوله، ومع ذلك يذلّ أمام بشار، فيضربه بشار وهو يستشفعه.

ثم إن بشارًا كان أكمه- الأمر الذي  كان يصعّب الوصول إليه!!!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

haytheam nafilwaliأعتبره من زمرة الشباب، بل الحقيقة أقرب من ذلك، فهو أخي في البرج ويكبرني بسنة واحدة فقط!

سمعت عنه في غربتي، ثم وجدت كتبه في رحلتي الأخيرة لمصر، وكالعادة، قرأت ما اقتنيت من رواياته الواحدة تلو الأخرى تباعاً وخرجت بهذه النتيجة المذهلة:

يقال، الرمح لا يختبئ في شوال؛ وأعمال صاحبنا لا أستطيع إدراجها ضمن لائحات الروايات العالمية للآداب التي نعرفها، خاصمنا صديقنا أم لم يخاصمنا، هذا رأينا.

نفس النتيجة، ذات الغرض، الطريق لا يختلف، الخطة هي لم تتغير وسكته لم تنحرف.. هذا ما أحب تسجيله بعد أن اطلعت على أعماله الكتابية رغم الضجة والأرباح، ورغم الترجمة وعلامات النجاح.

لعبة، شد، حبكة بوليسية، وأهداف كثيرة غير مرئية من الوهلة الأولى لكنها تبقى جميعها بعيدة كل البعد عن الأدب الروائي الإنساني العالمي الخالد الذي نعرفه، ذاك الذي نتوخاه منه ومازلنا ننتظره!..

الدقة التي يكتب فيها ليست دقة قلم، بل دقة كومبيوتر مبرمج ضمن حسابات آلية معدة من قبل لا أحساس بشري فيها، مجردة من المشاعر، تلك التي لا يمكن للفن أن يكون إلا بتواجدها وبحضورها، ما نفع الأدب لو تخلى عن الوصف الآدمي؟، من التعبير عن حالات الغضب، أو الحب، أو الفرح، أو الحزن؟ ماذا تبقى منه؟ وصف الإحساس لب عمل الكاتب المتميز المبدع، وما سواه عمل عادي لا يسعى إلا للربح والشهرة على حساب القيمة الحقيقية للأشياء. وفي رأيي لن يكون خالداً، لأنه عمره قصير بحكم التغير، بحكم السرعة، بحكم العلم والتقنية، عكس ما ورد في الأعمال التي سنذكرها بسبب إنسانيتها، تحكمها وتأثيرها في حياة الفرد بشكل مباشر دون تزويق خادع مؤقت قابل للزوال في أي لحظة تطور والعالم دائم الحركة، سريع التطور كما لا يخفى. 

لم نعثر على خلجات الإنسان- بطل رواياته - وهو يتحرك ضمن نطاق وسياق معد مسبقاً بشكل آلي كما قلنا بحرص وحذر دون أن تشم رائحة المكان الذي يتحرك فيه، لن تجد أي انفعالات حقيقية، دقيقة، إنسانية، طبيعية تؤثر فيك وأنت تقرأ رواياته، كل شيء فيها إلا الإحساس، والفن لا يقوم إلا على وجود الأخير، رضي علينا بروان هنا أم لا، هذا قولنا بعد قراءة دقيقة، عميقة لكل حرف سجله. وأبعد ما توصل إليه في الوصف، ما كرره لمئات المرات: تسارع نبض قلبه!، ما هذا بحق الله؟، ثم أراد أن يوهم القارئ بأن البطلة رجل في الوهلة الأولى فقال عنها- كان – ثم بعد صفحة كاملة من الأحداث رجع في قوله فكتب- لم يكن يعلم بأنها سيدة، فقد كانت..!! كيف يعني؟ العلم عند سبحانه. 

نتقدم قليلاً لنصل إلى مسألة الهدف، أو الخدمة من وراء العمل الذي يقدمه بروان للبشر:

لن تجد ثقباً واحداً في نصوصه، ولا حتى مسامة في نسيجها خارج نطاق كونها المرسوم بدقة، حيكت بشطارة شيطانية مذهلة، لكنها تبقى في عرفنا، شطارة بائع يروج لبضاعة صنعت في وقتها، سوقها اليوم وليس الغد، كان بروان يفهم في الربح والخسارة جيداً كمقاول بناء ناجح لا يفكر في البناء بقدر الدولار.. مسكين شاعرنا الجميل بيرم التونسي عندما ترك جامعته نتيجة الفقر ليفتتح دكاناً للبقاله يسترزق منه وهناك يبدع!، ويذكرني هذا برائد المسرح العربي توفيق الحكيم عندما كان يدرس في فرنسا ويتخلى عن الموزة المعتاد شراءها مره في الأسبوع ليوفر بطاقة دخوله المسرح، لله في أمره شؤون!..

اعتماد بروان المغامرة والسرد السريع المتواصل المحبوك بشكل أكاديمي ينقصه الإبداع الحسي الوصفي المتعارف عليه في تكوين أي نسيج درامي روائي، خاصة وهو لم ينجز لنا كبشر ما كنا نوده رغم ترجمة أعماله إلى أربعين لغة وحقق إيرادات مالية يصعب على الشيطان عدها أو حصرها، وكل ما خرج به هو التالي:

القديم أفضل من الجديد، وهو الذي طور بعد اعتماده. النشوء الأول كان في العهود القديمة. كما حاول أن يقول بأن الدين لا يقبل بالعلم، ولا يسمح بأن يأخذ دوره في التوعية والإرشاد، بل حارب الدين العلم وفند أعماله، ثم يعرج إلى مسألة الجماعة الماسونية التي أصدع بها رؤوسنا المتصدعة أصلاً من كثرة المنظمات والأحزاب والحركات الموجودة في العالم وبدأ يشرح لنا أموراً شائقة عنها كنجمة دواود ورمزها، ختم الدولار الأمريكي وعلاقته بالماسونية وبالنجمة اليهودية، لسنا بحاجة لذلك كبشر نود الحياة بكرامة وحرية على الأرض. ترى، ما الذي قاله جديداً؟ تحدث عن تقنيات متطورة جداً، نعم، سنعرفها غداً، عن أسرار الفاتيكان وأٌقبيتها، عن رموز غاليلو وجماعته، عن الحروب الداخلية بين الأنصار والمعادين للماسونية، عن دور المخابرات الأمريكية، وهكذا، يلف ويدور بنا في مصانع لا تغني فقير ولا تشبع جائع.. هل هذا هو الأدب الإنساني الروائي الذي ينتظره البشر؟!    

لا أعرف لماذا، وأنا أتابع أعماله وجدت نفسي أتذكر بقوة مكتشف "كوكل" الذي حقق خلال 12 سنة إيرادات وصلت إلى 54 مليار دولار أمريكي، و مخترع " الكوكا كولا " وصانع" الهمبرجر " كل تلك الصناعات التي جلبت وحلبت لصاحبها ما لم يحلم به، ودرت عليه ثروة تساوي اقتصاد بلدان كثيرة نامية مجتمعة!!

لم نر في كتاباته ما حدثنا عنه في إحياء التراث وغضب الإنسان تجاه التقاليد والأعراف في رائعة نيكوس كازانتزاكيس" المسيح يصلب من جديد "،  ولم نجد ثورة الإنسان ضد الفقر في رواية جون شتاينبك" عناقيد الغضب " ولم نعثر على تصادم الإنسان مع ذاته، بين الكفر والإلحاد وعلاقتهما بالإيمان الواعي في ثلاثية دوستويفسكي" الأخوة كارمازوف " التي قال عنها مؤلفها- أستطيع الحياة بعد كتابتها عشرين عاماً أخرى!، لم نجد قوة ماركيز الذهنية في" مائة عام من العزلة " تلك التي تحاكي الإنسان وقدره.. والقائمة تطول لمثل هذه الأعمال الروائية الخالدة التي تصلح وتعيش لكل العصور الإنسانية..

ترى من حقنا أن نسأل، هل براون ماسوني؟ ما علاقته بتلك الحركة؟ هل تم تمويله من خلال أعضاء بارزين في تلك الحركة وجعلت منه أحد أهم مئه شخصية في العالم أثرت على الأخير؟ ما حجم التعاون بينهم؟ لماذا أراد دائماً أن يوضح للقارئ بأن الماسونية خلاقة تستوجب إتباعها؟، والارتقاء في سلم الماسونية يتطلب مالاً كثيراً كالترشيح للرئاسة الأمريكية، إلا يوجد رابط بين ما ينتجه وتلك الدعاية وذلك الترويج؟، لماذا لم يجب على سؤال كونه مسيحياً؟ أجاب ثلاثة أجوبة ولم يجب على السؤال!! لماذا يرغب الناس بما تحويه الماسونية من أسرار عظيمة تفيد البشرية لو كشف النقاب عنها؟ هو طبعاً لم يكشف شيئاً، كالعادة، عندما لا يعرف الجواب يهرب منه؟ يرميه للقدر، يفجره قبل نضوجه!!

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

 

fatimaalzahraa bolaarasرغم أن الكاتبة الصحفية والمترجمة فاطمة بن شعلال غنية عن التعريف إلا أن الغنى عن التعريف في بلدي يحتاج الكثير من التعريف كي نعرف صاحبه فهذه المرأة المثقفة خريجة الاتصال والإعلام كما خريجة القانون صاحبة الموهبة الكبيرة في الكتابة والترجمة لا تحظى كما كل المتميزين في بلدي بذات التقدير التي تستحقه وهنا أنا لا أقصد التكريمات أو الجوائز وإنما أقصد أن مجتمعنا مازال بعيدا عن أن يتجاوب مع نظرة السبق التي وصل إليها بعض ابنائه ولا زالت من مهامه الرئيسية المحافظة على(الجهل) دون أن ندخل في الأسباب والمسببات.

رواية (ذات القلبين) هي رواية قصيرة كما كتبت صاحبتها لكن أحدائها تمتد على طول الكرة الأرضية والعالم الافتراضي الذي أصبح واقعا ألغى الكثير من عالم الواقع ولاشك أن ما هو آت أكثر وأعظم فلا ندري إلى أي مدى ستسحلنا هذه المواقع الاجتماعية والتطبيقات السهلة التي تتيح لك ربط علاقات كثيرة ومتشعبة يصبح (العنكبوت) براء منها لأن أوهن البيوت بيوت العنكبوت لكن هذه الشبكة قوية بحيث قلبت حياة الناس رأسا على عقب بدء بالأفراد إلى الدول والحكومات.إلى الكتل والمنظمات وهلم جرا.

الرواية الصادرة عن دار الكلمة تقع في:94 صفحة من القطع المتوسط وتدور أحداثها حول امرأة شابة  منفصلة عن زوجها(دون طلاق) تربط علاقة مع طبيب مصري في الستين من عمره يعيش في أمريكا الجنوبية.ومن خلال الحوار الذي يدور بينهما نستشف معاناة(وحيدة) من الفراغ وظلم المجتمع الذكوري ومعاناة الطبيب الستيني من الغربة هذه المعاناة فسحت المجال للاثنين كي يتبادلا بوحا قرب بينهما لكن سرعان ما برزت على سطح علاقتهما كل المنغصات التي حاولا الهروب منها

وحيدة تريد الهروب من خيانة زوجها ومن التهم المجانية التي تلاحق المرأة في مجتمعها. و(البلاوي) يهرب من مجتمع استنزف جهوده دون أن يحقق فيه الاستقرار الذي ظل حلمه الأول على ما يبدو

وكفيلم (مصري) من الزمن الجميل حضرت الروح المصرية الفكاهية في الحوار وكذا اللهجة المصرية التي يتقنها الجزائريون وحضرت الأحلام التي تخبئها المرأة الجزائرية في أغوار نفسها رغم أنها أحلام بسيطة وهي حاجتها إلى الكلام الجميل الذي تشرق به روحها ورغم أن (البلاوي) كان فنانا في هذا إلا أن نفس وحيدة كانت قد( بارت) وكل ما كانت تسمعه من البلاوي تحيله على نفسه المعتمة بالجراح والخيانة فلا تصدق منه شيئا بينما يستمتع هو بوقته معها ويرتب نفسه كما يريد.

علاقة بدأت هشّة رغم أنها جميلة ليس لأنها افتراضية وإنما لأن ما يسري على الواقع ينطبق على الافتراض لكن الجميل في الأمر أنها انتهت لينطلق كل واحد منهما وقد عرف طريقه

طريق الاستقرار الأسري للبلاوي وطريق  الحرية لوحيدة حرية ربما علمتها التجربة الافتراضية كيف تحتفظ بقلب واحد وتعود لزوجها رغم خيانته

النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها احتمال تجربة علاقة افتراضية أخرى من يدري فربما أصبحت لنا قلوبا افتراضية ؟

رواية ذات القلبين تستحق القراءة لسهولة لغتها البعيدة عن الفذلكة اللغوية التي أصبحت موضة العصر وبعيدة عن (الشعرية) رغم أن كاتبتها شاعرة أيضا هذه الشعرية التي أخلطت أوراق الرواية بأعمدة الشعر وليس لها من داع سوى اللعب بالكلمات.

هذه اللغة الجميلة ذكرتني بما قرأناه  في مراهقتنا لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وفهمناه دون أن  نرجع للقاموس رغم صغر سننا وفقر لغتنا وليس كمن يحاولون الآن العودة بنا إلى عصر المكر والمفر والجلمود الذي سقط من عل ولم يسقط من أذهانهم مع أن الشيخ (غوغل) لا يستطيع فهم ما يسطرون ببساطة لأنها ألغاز وأحجيات أكثر منها سرد ومتعة وتشويق

هنيئا لنا  بما نقرا وهنيئا لفاطمة بن شعلال انطلاقتها الجديدة

-(غدا يوم جديد.تذكري هذا جيدا يا وحيدة: فاطمةبن شعلال)

 

فاطمة الزهراء بولعراس

جيجل (الجزائر)

 

 

abdulaziz khaylأخاطب الذين ينشدون التغيير نحو الأحسن في مجتمعهم وأمّتهم وقد علّق بعضهم الآمال على العملية الانتخابية لكنها مرّت كالمعتاد بلا أثر يُرجى، .. هناك تصوّرٌ آخر للتغيير يجب أن تعمل النخبة الملتزمة على بلورته عبر الطرح الفكري والتواصل المجتمعي، لكن البداية – في تقديري – وبالنسبة لكلّ من ينشد الاصلاح تكمن في القراءة، وماذا عسانا أن نصّور أو ننظّر أو نؤصّل دون قراءة ؟

ارجعْ إلى الكتاب بقوة واقرأ.

اقرأ دائما، في البيت، في الحافلة، في المقهى، في قاعة الانتظار، على شاطئ البحر، أينما كنت.

اقرأ في جميع المجالات والفنون.

اقرأ باللغة العربية وبجميع اللغات التي تحسنها.

اقرأ لجميع المدارس الفكرية ولجميع الكُتاب .

اقرأ لمن تتفق معه ولمن تختلف معه.

اقرأ الكتب الدينية والأدبية والسياسية وغيرها في الفضاء العربي الاسلامي والعالمي.

اقرأ لمن تعرف ولمن لا تعرف.

اقرأ لتستفيد وليس لتتصيّد الأخطاء والعثرات كما يفعل من في قلوبهم مرض .

تريد التغيير وتنشد الاصلاح ؟ لا تنتظر أن يحدث ذلك، اخرج من قاعة الانتظار و شارك في إحداثه، تقول كيف ؟ ابدأ فاقرأ لأن ما نصبو إليه من حال أفضل يحتاج إلى العلم الغزير والمعرفة الواسعة وهذا لا يكون إلا بالتعلّم ومفتاحُه المطالعة، ومن العيب أن تطالب بالتغيير وأنت متفرّج ... وهل جنى علينا سوى الجهل، ويا مصيبتنا من كسور المتعلمينfractions ، فنصف متعلم وربع متعلم أخطر من جاهل لأنه صاحب جهل معقد، يطالع على عجل رسالة صغيرة في مسألة معينة فيحسب نفسه وصل إلى القمة وينتصب مثقفا ومفتيا وشيخا، فلا تكن من هؤلاء " وقل رب زدني علما "

خذلتك صناديق الانتخاب؟ لن تخذلك الكتب أبدا، والمكتبات تطفح بها، أوَليس من العيب أن نتلاوم كلّنا بهجر المطالعة ولا نفعل شيئا لتدارك ذلك ؟ التغيير يبدأ بتغيير عاداتنا وأولها العزوف عن القراءة، وهل يعود الوضع المزري الذي نعيشه ونشتكيه إلا للجهل التي طفح كيلُه ؟ لو تبوأ العلم مكان الصدارة ما انحرفنا إلى هذه الدرجة المزرية، والبداية إذًا من هنا .

حرام بالمنطق الديني، وعيب بالمنطق الانساني أن تدع أيامك تنقضي ولا تزداد علما رغم توفّر وسائله، لماذا تنتظر أن يُغيّر الآخرون ؟ اخطُ الخطوة الأولى، تصالحْ مع الكتاب، تحرّر من العبودية لفيسبوك والتلفزيون والجريدة، ارجع إلى تصحيح اوّل منزل ... تعلّم، أمسك المفتاح السحري، اقرأ.

أنت تردّد من غير شكّ أن أول ما نزل من الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو " اقرأ "، فهل تقرأ أنت ؟ أليست الآية تخاطبك ؟ لماذا لا تعمل بها ؟

عودًا على بدء أقول لمن يثق بي وأنا ناصح أمين صقلتني التجارب : كن إيجابيا، ازددْ علما، لكن إياك أن تحبس نفسك في زاوية ضيقة مثل أولئك الغافلين الذين لا يطالعون إلا كتبا معينة لمؤلفين بذاتهم فينشئون على الرأي الواحد، لا، ادخل جميع البساتين واقطف من كل أنواع الأزهار وجرّب كل الروائح والألوان وستصل إلى ما هو نافع، واستعن بخبرة أصحاب الأفق الواسع والصدر الرحب والثقافة المتنوّعة ليدلّوك على كنوز المعرفة من الكتب القديمة والحديثة، ولا تغلق على نفسك باب زنزانة صنعتها لنفسك من الأوهام، فالقراءة لا تأتي إلا بخير لمن استعان بالله وطلب المعالي .

اجعل قراءتك " باسم ربك الذي خلق " أي قراءة تستصحب الأخلاق و تقودك إلى الله تعالى، وصدق ابن عطاء في حكمته " خير العلم ما كانت الخشية معه " .

هذه الخطوة الأولى في التغيير الذي نؤمن به، وهي ضرورية لأي عمل ايديولوجي أو سياسي أو حزبي حتى لا نبقى نتخبط في نفس الأخطاء.

 

عبد العزيز كحيل 

 

 

hasan alakhalإن تبني أية مقاربة لإصلاح الشأن الثقافي لابد أن تحيلنا على المرجعيات والقراءات التي أنتجها الفاعل النقابي مند بداية تموقعه داخل القطاع مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي كشريك اجتماعي، والتي جعلته يصيغ مقاربات تصب في تقييم سياسات التدبير العمومي ومكامن قوتها ونقط ضعفها الشيء الذي أعطى لقراءته المشروعية والمصداقية، حينما نرى المحصلة الحالية لنتائج القطاع ومجمل تدخلاته (التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات) .

إن الأزمة المركبة التي يعيشها القطاع تتلخص في غياب مقاربة تشاركية بين الفاعل الاجتماعي والفاعل السياسي ومدى قدرتهما على إبداع الحلول وتقديم البدائل الممكنة، وهذا ما عبرت عنه بعض المواقف النقابية التي كانت تراهن على مقومات النجاعة وفعالية الحكامة في تنزيل العناوين الكبرى في إصلاح الشأن الثقافي، خاصة وأن سياسة التدبير العمومي للقطاع كانت تغيب الفاعل النقابي عن قصد أو عن غير قصد تحت مسميات متعددة، فالسياسي بطبعه محكوم بالتوازنات الحزبية وحسه البراغماتي وإكراهات لغة الأرقام مما يجعله، في تنافر مع الفاعل الاجتماعي رغم إيمانهما المشترك بقواعد اللعبة وضبط إيقاع الحوار .

إن الفاعل النقابي كان يبني تصوره النضالي ومفاهيمه التحليلية بناء على مرجعيته الفكرية وخلفيته الإيديولوجية والتي تتجسد بالنسبة إليه في كون الثقافة محور أي تحول مجتمعي وأن كل تمظهراتها ما هي إلا تجل واضح يعكس حاجات المجتمع و قدرته على دمج مكوناته وصيانة هويته وتأطير سلوكه وعاداته وأنماط عيشه ومقومات عمرانه.

وتأسيسا على ما سلف، تبقى المقاربة السليمة لتنزيل هذه الرؤية، هو أن يمتلك الفاعل النقابي والسياسي الجرأة والقدرة على إبداع المداخل الحقيقية للإصلاح بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة.

وتتمثل هذه المقاربة في :

جعل المشروع التنموي الثقافي رهانا مجتمعيا،

العمل على تقوية شعور تملك التراث والثقافة بكافة تجلياتها لدى المواطن المغربي، كمحصن هوياتي وكركيزة للحفاظ على لحمة المجتمع ووحدته،

سن منهجية جديدة للاشتغال، تقوم على بناء شراكات واضحة وعملية مع كل المتدخلين ذوي الصلة بالتراث الثقافي الوطني والإبداع الفني والإنتاج الفكري من مؤسسات عمومية وجماعات ترابية وخبراء وغيرهم،

تحديد الأولويات الواضحة والاستعجالية للنهوض بالقطاع وتسطير عمليات إجرائية فعالة على المدى القريب والمتوسط،

اعتبار التراث خصوصا والثقافة عموما المحرك الرئيسي لتحقيق التنمية المستدامة بالمجالات المحلية والجهوية وذلك من خلال الدينامية الاجتماعية والاقتصادية التي يحققها،

تعزيز قدرة المجتمع المدني على دمج الثقافة في برامجه التنموية،

قدرة المؤسسة الوصية على استيعاب هذه المقاربات ودمجها ضمن سياسة عمومية ناجعة ومحددة الأهداف،

إعادة النظر في سياسة التكوين بمختلف معاهد تكوين الأطر التابعة للوزارة بما يتماشى مع متطلبات الثقافة والتنمية المستدامة،

تأهيل العنصر البشري ودمجه في منظومة الإصلاح حتى يساهم في تنزيل المضامين الكبرى للرقي بالشأن الثقافي،

التفاعل الإيجابي مع كل القرارات التي تهدف إلى خدمة المرفق العمومي وكل الفاعلين فيه (من موظفين وأعوان) وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية،

صياغة مشروع مندمج في المجال الموسيقي بكل تمثلاته البنيوية والتنظيمية حتى يواكب الإصلاح الضروري للقطاع.

وتبقى هذه العناوين مسلمات ثابتة في تبني أي مشروع ثقافي يهدف إلى إعادة الاعتبار للفاعلين الاجتماعي والسياسي كونهما قد ساهما بشكل واضح في دفع كل المتدخلين إلى الرقي بالفعل الثقافي وتقوية حضوره كرافعة للانتقال الديمقراطي.

غير أن هذا يتطلب من الفاعل الاجتماعي والفاعل السياسي أن تكون لهما القدرة على مساءلة الذات تنظيميا والبحث عن مكامن القوة والضعف في خطابهما التأطيري والتنظيمي حتى يحصل الوعي الجماعي بأهمية المشروع الثقافي الديمقراطي للمجتمع الذي هو كنه البناء المؤسساتي، الذي يضمن للنقابي وللسياسي المجال الرحب لتبادل وجهات النظر وتعميق النقاش حول كيفية الخروج من الأزمة التي يعيشها مشهدنا الثقافي .

 

- حسن الأكحل : كاتب مغربي - فاعل ثقافي - حقوقي وعضو المكتب الوطني للنقابة الديمقراطية للثقافة ف د ش .

 

fatima almazroweiلقد منحنا الله إمكانيات ذهنية وعقلية وروحية ونفسية هائلة جدا، منحنا التميز عن سائر خلقه، هذا التميز هو الذي جعل البشرية تتطور وتتقدم وتسير نحو العلو والنهضة المستمرة.

وواحدة من أهم صفات وخصال الإنسان الإعجازية، كما هو معروف، العقل، والذي يؤكد دوما العلماء أن عقل الإنسان يمتلك خصائص فريدة وإمكانيات مهولة، ولكن الإنسان نفسه هو من يقلل من إمكانيات عقله، وهو من يثبط من عزيمة وقوة عقله، وهو من يحدد فعالية هذا العقل.. ويدللون على مرحلة الطفولة، حيث تبدأ حياتهم بعفوية وحب للاستطلاع والمعرفة، وتبعا لهذا النهم المعرفي والذي يعد بمثابة غريزة، تتطور اللغة وتنمو المدارك الحسية والإدراكية ومعها تزداد قوة العقل دون حدود، حتى يبدأ الأبوين والمحيط الاجتماعي الذي يعش وسطه هذا الطفل، بكسره حماسه وذكائه تحت راية التربية، وترهيب للطفل تحت راية التعليم، فيكبر وقد تم تحديد أفكاره وتطلعاته وآماله المستقبلية وهو ما يعني تم تحديد قوة عقله ونبوغه.

وقلة من يخرجون عن هذا السياج، لتكون أفكارهم منطلقة ومبنية على ذكاء حقيقي، وكما قال القائد العسكري الشهير نابليون بونابارت: " ما يدركه ويؤمن به عقل الإنسان يمكن أن يتحقق" ولكن المعضلة دوما أنه قد يكون هذا الإيمان وهذا التطلع للمستقبل متواضع، والعقل سيستجيب لمثل هذه الحالة المتواضعة. والنصيحة أو الدرس في هذا السياق، منح أطفالنا المساحة الكاملة للتعبير والتفكير، وعدم القسوة عليهم بكلمات لتصرفات خاطئة نتجت عنهم، فهم في مرحلة الاكتشاف والنمو العقلي والنفسي.

 

فاطمة المزروعي

 

 

بحديثك عن البراد والصينية والكؤوس باختلاف أحجامها وأنواعها، و"المقراج": (وهو عبارة عن إبريق من الحج الكبير يستعمل لغلي الماء)، و"الربايع": (عبارة عن عبوات مربعة الشكل مكونة من عنصرين مختلفي الحجم الأولى كبيرة توضع لحفظ السكر، والثانية أصغر شيئا ما لحفظ الشاي)، و"الرابوز": (ويستعمل لنفخ الفح)، والمجمر (مصنوع من الطين)، والعلك/ اللبان: (مادة تستخرج من لب شجرة الطلح، معروفة بفوائدها الجمالية والعلاجية تضيف رغوة للشاي)، فأنت  بالضرورة تتحدث عن المغرب وعن أهم الطقوس المزاولة فيه بشكل يومي من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله. قد يبدو اثنوغرافيا من مظهرها البراني بحكم المعتاد أنها ليست بما قد يستحق أن يكتب عنه، بما أنها تتكرر كطقس بشكل يومي مع تسجيل –طبعا- بعض الاختلافات والتفاوتات من مكان إلى الآخر، وذلك بحسب طرق التعامل مع الشاي كنسق من الأنساق المنظمة لكل ثقافة من الثقافات التي تؤثث المشهد المغربي.

بمعنى أن طقس جلسة الشاي، هي وسيلة لنقل المعنى بالتعبير الأنثربولوجي عن البنية الثقافية والتعبير عن تصوراتها وتمثلاتها، فطقس الشاي بالشمال المغربي، ليس نفسه في الجنوب المغربي المعروف بطبيعته الصحراوية؛ أي أن الشاي هنا، يضع تلك الحدود الرمزية بين مختلف الثقافات الفرعية المكونة للثقافة المغربية الأم. ليغدو بذلك وسيلة سوسيومجالية وسوسيوتاريخية للتحديد والتعريف بالهوية الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية.

وبالعودة إلى عنوان النص من حيث ربطنا فيه بين الشاي وإحدى وسائل التواصل الاجتماعي "فايس بوك"، فذاك طرح نريد من خلاله أن نعيد النظر بقليل من الحفر الفكري في هذا الطقس، وذلك تفاديا لتلك الرؤية السطحية المؤسسة بحكم المعتاد، بكونه طقس لتزجية الوقت وضياعه دون طائل، بحكم طول مدة التحضير؛ غير أن هذا مردود عنه، خصوصا باستحضارنا لطقس شاي المناطق الجنوبية الصحراوية والتي تعرف فيها طقوس الشاي أبعادا رمزية تشي بالغنى التصوراتي والقيمي، فمن حيث الجلسة كمكون سميوطيقي تبرز لك القيادة والزعامة والمنزلة من خلال متسيد الجلسة المسمى "القيّام"، أي ذاك الذي يشرع في إعداد الشاي، كما يحضر عامل الزمن، والذي كثيرا ما يتم التفكه والتندر به بحكم طول إعداد الشاي، وهذا له تفسير لا يحضر ممن لا يمتلك ناصية البحث والتنقيب في خفايا الأمور وسيروراتها، فالزمن هنا ليس زمن التحضير فقط، بل زمن التواصل في ضوء زمن التحضير، بما مفاده أن زمن الشاي زمن طقوسي تواصلي يتم فيه تناول القضايا والمشاكل التي يعيشها الأشخاص داخل مجتمعهم، ويسمى بطقس "الجر" ومعناه إطالة مدة تحضير الشاي، ابتغاء  إتاحة الفرصة للجماعة في مناقشة مشاغلهم واهتماماتهم وهمومهم وطموحاتهم بروية دون تسرع. ولعل هذا ما يفسر تفضيل أهل الصحراء بالمغرب على إعداد شايهم على الجمر، وذلك طلبا للوقت. وفي الوقت ذاته يعطي أهمية لمبدأ لهم يقول: بأن الشاي يقوم على ثلاث "جيمات": (ج) الأولى تحيل على الجماعة، و(ج) تحيل على "الجر" جر الوقت وإطالته، و(ج) تحيل على الجمر ومدى أهميته في إعداد الشاي.

ليتأكد بالملموس أن الزمن في طقس الشاي زمن تواصلي، هدفه الإحاطة بالأحوال الاجتماعية للجماعة والتداول فيها، بالإضافة إلى معرفة آخر أخبار وأحدثها عند الجماعة المتواصلة بالشاي. بما معناه أن شاي الأمس في رمزيته وفلسفته كان بمثابة "فايسبوك" اليوم في شقه التواصلي الاجتماعي، غير أن هذا الأخير- أقصد الفايس بوك- يعلوه تقنية، بينما الشاي يعلوه طقوسية فياضة بحرارة التواصل والكرم والضيافة.

 

الباحث: أكثيري بوجمعة

كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن طفيل- القنيطرة

 

 

mohamad abdulkarimyousifعلى هيئة رسالة، تخبرنا رواية الجاسوسة 2016 للروائي باولو كويلو (4) قصة امرأة لا تنسى تجرأت أن تكسر القيود السائدة في زمانها ودفعت الثمن بسبب ذلك . وفي هذا اللقاء يخبرنا بأجوبة على الأسئلة حول الدوافع خلف كتابة القصة لنكتشف صورة الراقصة الشهيرة ماتا هاري .

سؤال: من هي ماتا هاري؟ ولماذا اخترتها بطلة لروايتك الجديدة؟

جواب: ماتا هاري إحدى إيقونات الجيل الوجودي - فتاة سيئة، مختلفة، غريبة، ترتدي كل الفساتين الخيالية - ونحن جميعا مفتونين بجمالها . وبعد أربعين سنة وأنا أتناول العشاء هنا في جنيف في سويسرا مع محامي ّ ذكر لي عدة قضايا عن الناس الأبرياء الذين أدينوا بعقوبة الموت خلال الحرب العالمية الأولى، وهذه الأشياء لا نعلم بها إلا الآن لأنهم أخفوا الكثير من الوثائق عن فترة الحرب . ماتا هاري إحدى هذه الأمثلة التي ذكرها ولأنها كانت دائما ذات أهمية لي، قمت ببحث سريع عنها على الانترنت فور عودتي للبيت .

قادني هذا البحث إلى الكثير من الوثائق ومعلومات أكثر عنها . في اليوم التالي اشتريت بعض الكتب وقضيت كل نهاية الأسبوع أقرأ عن ماتا هاري . فذ ذلك الوقت لم أكن أدرك أنني أقوم بإنجاز بحث لمشروع كتاب . أدركت فقط ذلك عندما قررت جازما أن أمارس تمرينا خياليا وأضع نفسي مكانها .

سؤال: كيف بحثت عن حياتها وحقبتها؟ ما أكثر الأشياء إثارة للدهشة في حياتها؟

جواب: الشيء الأكثر غرابة هو كيف تمكنت امرأة تعرضت للإساءة حتى صارت في العشرين من التغلب على أوضاعها وتصبح ما صارت عليه . أما فيما يخص الحقبة الباريسية الجميلة، فقد كانت حقبة " كل شيء فيها ممكن " . لقد أرهقتني تلك الفترة وقد رغبت أن يركز الكتاب على شخصية واحدة محورية . هناك ميل دائم لدى الكاتب للوصف الكثير . لذلك أعطيت فكرة عن عصرها ثم حاولت أن لا أثقل على القارئ بالمعلومات .

سؤال: في نهاية الكتاب، أنت تقول أنك التزمت بالكثير من الحقائق . أين ابتعدت عن السجلات التاريخية و لماذا؟

جواب: الحقائق في الكتاب صحيحة والمسار التاريخي صحيح لكنني وضعت نفسي موضع شخص آخر . من الصعب أن تقول أين ابتعدت عن السجل التاريخي في تخيل رسالة ماتا هاري الأخيرة . لكنني أعتقد أنني كنت قريبا مما كانت تفكر به . منذ شهرين، أفصح أحد المتاحف الهولندية للعامة عن بعض الرسائل الجديدة لماتا هاري وخاصة تلك التي كتبت في هولندا قبل أن تذهب إلى مدينة يافا . قال لي أحد المراجعين أنني ظهرت وكأنني أرسم مسار حياتها .

سؤال: لماذا اخترت أن تجعل الرواية رواية مراسلات؟

الجواب: عندما تكتب رسالة تتوفر لديك الفرصة المناسبة لتصف حياتك الخاصة لشخص يراها من الخارج .

سؤال: ماذا كان شعورك وأنت تكتب من وجهة نظر ماتا هاري؟

الجواب: صارت رفيقتي في الليل والنهار خاصة عندما كنت أقرأ عن الحقبة التي عاشت بها . ثم، ولمعرفتي بها، بدأت أفهم كيف تبرر مواقفها .

سؤال: كانت ماتا هاري سيدة مشهورة واكتسبت أيضا الشهرة كامرأة قدرها مشؤوم . لقد حصلت على شهرتها بالكذب والموهبة . ما الدروس التي يمكن أن نتعلمها من هذه المرأة المعقدة؟

الجواب: يمكن أن نتعلم منها:

• أن لكل حلم ثمن .

• وأنه عندما تتجرأ على أن تكون شخصا مختلفا، كن مستعدا لهجوم الآخرين عليك .

• وأنه عندما تواجه العالم الذكوري الذئبي، يمكنك أن تتغلب عليه بالمراوغة .

سؤال: ما الذي قاد لإعدامها بالرصاص؟ هل كان بوسعك أن تتنبأ بخاتمة مختلفة لحياتها؟

الجواب: لم أفكر في كلمة " لو " أو " إذا " أو " ماذا؟ يمكن أن يكون . لقد واجهت قدرها وهذا ما يهم .

أجراه: باولو كويلو (2017)

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف

كاتب ومترجم – سوريا

.............

الحواشي:

- باولو كويلو يحاور باولو كويلو .النص موجود على موقع الكاتب البرازيلي على الانترنت بعنوان An interview with the auther of " THE SPY" . وهو روائي وقاص برازيلي ولد عام/ 1947/ وبيني وبين الروائي باولو كويلو حوار دائم على الفيسبوك وهذا جزء من الحوار بيني وبينه يمثل رأيي الشخصي في روايته الأخيرة " الجاسوسة ":

Good morning My Coelho ; I have just finished reading "The Spy". It is really very good . I strongly recommend it for students of literature and those who want to increase their knowledge of the human nature in the past , today, and tomorrow. Mata is a catalyst character that unveils the face of society. She more or less unveils the unwomanly face of war. Indeed , she is not the whore; the society is the whore. It is the masculine culture to dominate woman all the time through. Thank you for every word mentioned in the book

Mohammad A Yousef ( Syria)

ترجمة الحديث:

صباح الخير سيد كويلو . لقد انتهيت للتو من قراءة " الجاسوسة " . إنها رواية جيدة بحق . وأوصي بها لطلاب الأدب بالإضافة إلى أولئك الذين يرغبون في زيادة معارفهم حول الطبيعة البشرية في الأمس واليوم وغدا . لقد كانت ماتا شخصية وسيطة تعري من خلالها وجه المجتمع. تعري الوجه الغير إنساني للحرب . بحق، لم تكن عاهرة . العهر في الثقافة الذكورية التي تسيطر على المرأة عبر الأزمنة . شكرا لكل كلمة ذكرتها في الكتاب .

محمد عبد الكريم يوسف ( سورية)..

 

 

faroq mawasiتخلت اللغة العربية عن ألفاظ غريبة، وحسنًا فعلت. وهأنذا أضيف على ما رويت لكم في  كتابي (قطوف دانية) ج1، ص 231-  من قصص التكلف واستخدام كلمات يمجّها الذوق:

سقط النحْوي عيسى بن عمر (ويقال علقمة الفحل) عن دابّته،  فاجتمع الناس حوله،

فقال: "ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّـة، افرنقعوا!

فمعنى "تكأكأتم" اجتمعتم، ومعنى "افرنقعوا " انصرفوا.

يقول متعجبًا: ما لكم اجتمعتم علي كاجتماعكم على مجنون، فابتعدوا عني .

فتخيلوا ماذا أصابه  بعدها من غلمان الحي؟

...

انظر إلى بعض الألفاظ الواردة في الأدب مما لا نرتضيه اليوم:

نُقاخ-  تعني الماء العذب. يقول الشاعر :

وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ***  دع الخمر واشرب من نُقاخ مبرَّد

..

 الجِـرِِشّى-  وتعني النفس

 يقول المتنبي وهو يمدح سيف الدولة :

مباركُ الاسمِ أغرُّ اللقب ***  كريمُ الجِرِشّى شريفُ النسبْ

وللمتنبي ألفاظ ومبانٍ لغوية كثيرة أخذها عليه النقاد.

..

 السمادج:

تعني اللبن ومن ذلك قول القائل:"أسمع جعجعة وأنا أشرب السمادج" .

على ذكر اللبن- لعلكم تذكرون قصة الأعرابي و"أفلح من تنحنح"!

..

السجسج: الأرض ليست سهلة ولا صلبة:

 يوم عَصبْصب وهِلّوف ملأ السجسج طلاّ

من يترجم؟

..

أعود لأقول إن هذه الكلمات غريبة المعنى، غليظة الوقع، وهي غير مستساغة، ولذا تخلى العرب عن استخدامها.

إليكم  قصة قرأتها في  كتاب (خِزانة الأدب) للبغدادي، وهي قصة بوزع- إذا صحّت التسمية، راجيًا ألا يكون مصير المتقعرين في اللغة المتشدقين بها مصير حمّاد الراوية:

"كان جعفر بن أبي جعفر المنصور، والمعروف بابن الكُرْدية، يستخفّ مطيع بن إياس ويحبّه، وكان منقطعًا إليه، وله منه منزلة حسنة. فذكر مطيعٌ حمادًا، وكان صديقه، وكان مطَّرَحًا مجفوًّا في أيامهم، فقال له: ائتنا به لنراه.

فأتى مطيع حمادًا فأعلمه بذلك، وأمره بالمسير إليه ومعه، فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية، وما لي مع هؤلاء خير. فأبى مطيع إلا الذهاب به، فاستعار حماد سوادًا وسيفًا، ثم أتاه فمضى به إلى جعفر، فلما دخل سلّم عليه وأثنى عليه، فرد عليه السلام، وأمره بالجلوس، ثم قال له جعفر: أنشِدني لجرير. قال حماد: فوالله لقد سُلِخ شعر جرير كله من قلبي، إلا قوله:

بانَ الخليط برامتين فودّعوا *** أوَ كلما اعتزموا لبينٍ تجزع

فاندفع ينشده إياها حتى قال:

وتقول بَوْزَع قد دببتَ على العصا *** هلاّ َهِزئتِ بغيرِنا يا بوزعُ

قال حماد- فقال لي جعفر: أعد هذا البيت!

 فأعدته. فقال: بوزع أيش هو؟

قلت: اسم امرأة. فقال: هو بريء من الله ورسوله ونفِي من العباس إن كانت بوزع إلا غولاً من الغيلان! تركتني والله يا هذا لا أنام الليلَ من فزع بوزع!

 يا غلمان، قفاه! قال: فصُفِعْتُ حتى لم أدر أين أنا.

ثم قال: جُرّوا برجله! فجرّوا برجلي حتى أخرِجت من بين يديه مسحوبًا، فتخرّق السواد، وانكسر جفن السيف، ولقيت شرًا عظيمًا.

وكان أشر من ذلك غرامتي ثمن السواد وجفن السيف".

 (البغدادي: خزانة الأدب، ج9، ص 449).

 

ب. فاروق مواسي

 

faroq mawasiكنت قرأت للشاعر السوداني إدريس جمّاع شعرًا يندب فيه سوء حظه يقول فيه:

إن حظي كدقيق *** فوق شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة *** يوم ريح جمّعوه

عَظُم الأمرُ عليهم *** ثم قالوا: اتركوه

إن من أشقاه ربي *** كيف أنتم تسعدوه

..

الأبيات صورة وصفية متكاملة يعرفها المعذبون في الأرض، وهي مأساوية، ولا شك!

..

التقيت في مؤتمر جامعة جدارا عن الإعلام الذي انعقد في نيسان 2017 بضعة باحثين سودانيين، كانوا يحفظون الشعر، ويحسن بعضهم الغناء السوداني الذي له نكهة وتلوين ومد صوت ...

سألتهم عن الأبيات وعن الشاعر، فأُخبِرت أن إدريس جَمّاع الشاعر السوداني (1922- 1980) له العديد من القصائد المشهورة والتي تغنى ببعضها أكثر من مطرب، وقد صدرت له مجموعة يتيمة - (لحظات باقية).

...

كان الأستاذ الدكتور عبد النبي الطيب يقرأ لي عن ظهر قلب بعض شعره، وكنت ألحظ مدى إعجابه بالشاعر، بل اسمعني غناءه لبعض الأبيات التي قرأها من شعره.

في قصيدة «أنت السماء»، التي تغنى بها المطرب السوداني سيد خليفة قال الشاعر مخاطبًا زوج امرأة جميلة حال بينها وبين الشاعر:

 أعلى الجمال تغار منا *** ماذا عليك إذا نظرنا

هي نظرة تُنسي الوقا *** رَ وتُسعد الروح المعنّى

ها هو الشاعر يخاطب المرأة الجميلة، ويبدو لي من القصيدة أن هناك علاقة سابقة بينهما، بدأت من الطفولة:

دنياي أنت وفرحتي *** ومنى الفؤاد إذا تمنى

أنت السماء بدت لنا *** واستعصمت بالبعد عنا

هلا رحمت متيمًا *** عصفت به الأشواق وهْنا

وهفت به الذكرى فطا *** ف مع الدجى مغْنى فمغنى

آنست فيك قداسة *** ولمست إشراقًا وفنّـا

ونظرت في عينيك آ *** فاقٌا وأسرارًا ومعنى

هـزته مـنك مـحاسن *** غنّى بها لـمّـا تـغنَّى

يا شعلةً طافتْ خو *** اطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا

وسمعت سحريًا يذوب *** صداه في الأسماع لحنا

نلت السعادة في الهوى *** ورشفتها دنًّا فدنّا

كلّمْ عهـودًا فى الصـبا *** اسألْ عهـودًا كيف كـُنا

كـمْ باللقا سمـحتْ لنا *** كـمْ بالطهارةِ ظللـتنا

ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ *** ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا

..

أعجبت بالشعر فأخذت أدون ما يقرأ.

ثم عدت لأبحث عن الشاعر في الشبكة فسجلت مختارات له راقت لي:

شاء الهوى

..

شاء الهوى أم شئتِ أنتِ *** فمضيتِ في صمت مضيت

أم هزّ غصنك طائر *** غيري فطرتِ إليه طرتِ

وتركتني شبحًا أمدّ إليك حبّي أين رحتِ؟

وغدوت كالمحموم لا *** أهذي بغير هواك أنتِ

أجرّ .. أفرّ .. أتوه .. أهــ *** ـرب في الزحام يضيع صوتي

واضيعتي أأنا تركتك *** تذهبين بكل صمت

هذا أوانك يا دموعي *** فاظهري أين اختبأت

فاذا غفوت لكي أراك *** فربما في الحلم جئت

في دمعتي في آهتي *** في كل شيء عشت أنت

رجع الربيع وفيه شوق للحياة وما رجعت

كوني كنجم الصبح قد صدق الوعود وما صدقت

أنا في انتظارك كل يو *** م ها هنا في كل وقت

...

من أجمل أبياته:

وﺍﻟﺴﻴﻒ ﻓﻲ الغمدِ ﻻ ﺗُﺨشَى مضاربُه *** ﻭﺳﻴﻒُ ﻋﻴﻨﻴﻚِ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﻦ ﺑﺘّﺎﺭُ

يُقال إن الشاعر أعجِب ﺑﻌﻴﻮﻥ ﻣﻤﺮﺿﺘﻪ التي عالجته في لندن، فأﻃﺎﻝ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻬﺎ.

ﺄﺧﺒﺮﺕ الممرضة ﻣﺪﻳﺮ المستشفى ﺑﺬﻟﻚ، ﻓطلب منها ﺃﻥ ﺗﻠﺒﺲ ﻧﻈﺎﺭﺓ ﺳﻮﺩﺍﺀ ﻓﻔﻌﻠﺖ.

فأنشد ﺟﻤَّﺎﻉ البيت.

 

..

ب. فاروق مواسي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها سميح (سلوح) بن الأمين (بنياميم) صدقة الصباحي (هصفري) (١٩٣٢-٢٠٠٢، تاجر ماهر، قاصّ) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٣-٣٥. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى أيضًا مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن، الشقيقين، بنياميم ويفت (الأمين وحسني)، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

كنت قد ترجمت هذه القصّة برواية مختلفة (مثبتة أدناه في النهاية) مع عشرين قصّة سامرية أخرى في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، العددان ١٠٩٨-١٠٩٩، ٢٦ أيلول ٢٠١١، ص. ٤٧-٦٢، العدد ١١٠٠، ١٠ تشرين الثاني، ص. ٥٧-٧٢. كما ونشرت هذه الترجمات تباعًا في العديد من المواقع الإلكترونية وللراغب في الاطلاع البحث في غوغل: حسيب شحادة، من القصص الشعبي السامري.

”لا يذكر شبابُنا، إلا القليل عن تلك الفترة، التي فيها كانت الطائفة تسكن في خيام، على جبل جريزيم في فصلي الربيع والصيف. اليوم، الكلّ يسكنون في بيوت فسيحة في قرية لوزا، يستلقون على مسند خشبي أو أريكة (صوفا) ويثرثرون عن هذا وعن ذاك، عن خطّة مياه المجاري، تقوية نظام الكهرباء، اللجنة الجديدة وعن برامج التخطيط المتنوعة، عن النظافة، الماء، وينسى الكلّ تلك الأيّام القاسية حقًّا، التي قضاها آباؤنا على الجبل.

في آخر المساء، أو في ساعة متأخّرة من الليل، يأوي الجميع إلى النوم، يقفلون باب البيت بإحكام (بالقفل والمزلاج)، لا من خارج ولا داخل. مَن كان يفكّر وقتذاك عن الخيام المكشوفة لكلّ مارّ؟ وكان من سكن في التخشيبات  أيضًا، ولكن هل كان من الممكن إقفال التخشيبة، وتأمين ما فيها من السرقة؟

كنّا عرضةً لكلّ من مرّ في الجوار، يمدّ يدًا مشتهية مراوغة ليلتقط قطعة أثاث من هنا، وإناء أو صندلا قد ابتيعت حديثًا، بمال ادّخر في خلال مدّة طويلة. الكلّ حفظ ما لديه من مال قليل على جسمه، في أعماق الحضن، أو تحت الإبط، أو في جيب داخلي، تحت حزام البنطال.

كنّا نكرّس وقتًا طويلًا لحراسة حاجياتنا بعناية فائقة. لا يمكن إغلاق الخيمة بإحكام. قبيل ذهابنا للنوم، كنّا نربط جيّدًا حلقات جانبي الفتحة، إلا أنّه كان بإمكان كلّ راغب أن يدسّ يده متى شاء، باحثًا عن غرض/شيء ما في الخيمة، أو حتّى دسّ اليد من تحت قطع الخيمة.

من اللصوص المعروفين وسيّئي السمعة، كان العربي نصير القنّي، من قرية قليل، ويا للسخرية، كانت مهمّــته حراسة خيام السامريين، عندما يكونون منشغلين في تحضيرات قربان الفسح. في الواقع، رغب السامريون في الاستغناء عن خدماته، إلا أنّهم كانوا مُرْغمين لدفع أجرة حارسَين من كفر قليل، ودفع ضريبة أيضًا لأهل القرية، خروف من الخراف المعدّة للقربان، وذلك لضمان عدم تعكير أبناء القرية جوّ الاحتفال بعيد الفسح. هذه العادة الشرّيرة، استمرّت عشرات السنين، حتّى اعتلاء الحسين عرش المملكة الهاشمية، وأمر بإبطالها [الحسين بن طلال بن عبد الله بن حسين الهاشمي، ١٩٣٥-١٩٩٩، مدّة حكمه ملكا ١٩٥٢-١٩٩٩].

لم يفوّت نصير أية فرصة في استغلال تطوافه بين خيام السامريين، بغية الحراسة المفترضة، في إخفاء ’أغراض/أشياء‘ مختلفة. وصلت الحالة إلى أنّه في كلّ نهاية لعيد المصّة، اليوم السابع للفسح، كان السامريون يتحادثون عن أغراض لهم قد سُرقت.

تابع نصير تجواله بين الخيام، وكأنّ الأمر لا يخصّه. وإذا كان شخص ما يتّهمه، تجهّم وجهه كأنّه أُهين، وأقسم ألف مرّة بذقن نبيّه أن لا ضلع له في الاختلاسات. خشوا حتى من اتّهامه. وفي حالة إصرار أحد السامريين مع ذلك، إرجاع السرقة، كان يتحدّث مع نصير برقّة ولطف فيرضى و’يتطوّع‘ بالعثور على السارق. من نافلة القول أنّه في أغلب الحالات، كانت السرقة تعاد إلى صاحبها، وكان نصير يحظى بمكافأة دسمة على حيلته الواسعة. سرّاق ويتقاضى الأجر أيضا!

واحدة، هي اليهودية الروسية، زوجة عمّي حسني (يفت) بن إبراهيم صدقة، أبَت أن تشترك في هذه ’اللعبة‘ الدائرة بين اللصّ/الحارس والسامريين. إنّها ذهبت في أعقاب بعلها في كلّ شيء باذلة كلّ جهدها للتأقلم مع عادات الطائفة، ونجحت في ذلك، إلّا أنّ أعمال نصير لم تتماش مع معايير سلوكها.

ذات يوم، شكت مريم إلى زوجها أنّ إبريق القهوة قد سُرق من الخيمة، ولا تستطيع أن تفهم كيف ومتى كان ذلك. بعد ذلك بيومين، اختفى إبريق الشاي أيضا. الكلّ وجّه إصبع الاتّهام نحو نصير الحارس. قرّرت مريم أن تلقّنه درسًا، إنّها ذات ذراعين قوّيتين وكانت قد ساعدت زوجها أكثر من مرّة، في تسوية خلافات بين العائلات بالقوّة. في يوم النحر، الرابع من الشهر الأوّل، يوم قربان الفسح، أشاعت مريم إشاعة، مفادها أنّ زوجها الموسر اقتنى احتياطًا كبيرًا من القماش القطني الدمشقي، لبيعه للسامريين، وكل هذا المخزون موضوع في خيمته. انتشرت الإشاعة من واحد لآخر، حتّى وصلت أذنيْ نصير الحارس المرهفتين.

عرفت مريم بأنّ نصيرًا سيستغلّ الفرصة، التي يتواجد فيها كلّ السامريين في ساحة قربان الفسح، ليقتحم الخيمة للسرقة من مخزون القماش، إذ صدّق وجوده هناك. لم تنضمّ مريم إلى المحتفلين، بقيت في الخيمة المغلقة منتظرة نصيرًا بصبر. لم تشعل ضوءً لئلا ينكشف تواجدها في الخيمة. بينما كان الجميع منشغلين في تنظيف الخراف المنحورة، سار نصير واثقًا كل الثقة، بأنّ غنيمة كبيرة ستقع في يديه.

كان نصير يقفز (ينطنط) بين الأوتاد وحبال الخيمة، إلى أن وصل المدخل المغلق. التفت يمينًا وشمالًا ولم ير أحدًا. بدا له أنّ كلّ شيء جاهز لتنفيذ السرقة. أوّلًا فحص بيده المدربة مكان الشقّ في الفتحة المغلقة جيّدًا، وحاول بأصابعه القوية توسيعه، كيما يستطيع دسّ رأسه عبر الشقّ، ومن البدهي أنّ أوّل عضو دُسّ كان خَطْمه.

قبل محاولته متابعة دسّ باقي وجهه، أَنّ نصير على حين غرّة، وأُصيب بذعر شديد، أحسّ بألم يتزايد لأنّ أحدًا داخل الخيمة يجذب خطمه بقوّة، ولا يرخي. إنّها مريم التي انتظرت طويلًا هذه اللحظة الذهبية، وَثَبَت مسرعة ومسكت الأنف بأصابع يدها المطوية الثابتة. لم تكتف بالقرص، بل مسكت بقوّة أنف نصير التعيس، الشرّير وتابعت قرص الأنف وجذبه.

صاح نصير وتوسّل ودموع الوجع تذرف أن يفلتوا أنفه، إلا أنّ اليد من داخل الخيمة لم ترخ، جذبت وقرصت بلا انقطاع، إلى أن ازرقّ أنف نصير طورًا واحمرّ طورًا آخر. هرع بعض السامريين في ساحة القربان عند سماعهم صياحه، إذ أنّ خيمة مريم وحسني، لم تكن بعيدة عنهم. بسرعة تجمهر كثيرون أمام المنظر الغريب، نصير يزعق بسبب أنفه المقروص بيد خفية في الخيمة، وأخذ الجميع يقهقهون بالضحك. رفعت الطائفة صوتها عاليًا مقهقهة، هذا قصاص اللصّ.

استمرّت مريم بمسك أنف نصير، ولكن بعد أن أدركت أن السامريين يضحكون على مصيبته وبؤسه، بدأت بتوبيخه على سرقاته. صوت توبيخات مريم العالي زاد من سخرية أبناء الطائفة من نصير.  وفي النهاية استجابت مريم لتوسّلات نصير لفكّ أسر خطمه، بعد أن وعدها ووعد زوجها حسني [الذي انضمّ إلى طلبات  نصير المتكررة] بإعادة الإبريقين، إبريق القهوة وإبريق الشاي اللذين سرقهما.

وحقًّا في صباح اليوم التالي، عندما استيقظ نصير من غيبوبته وخفّ بعض الشيء عذابُه، أسرع وابتاع إبريقين جديدين لمريم. أصبح نصير محترسًا جدًّا في ألّا يدسّ ثانية أنفه في خيام أبناء الطائفة السامرية“.

حُكم مَن يدسّ إصبعه بأنفه

صلوح بن بنياميم صدقة

كلنا نعيش اليوم في بيوت رحبة في قرية لوزا على جبل جريزيم وقلائل هم الذين يذكرون تلك الأيام الخوالي التي سكن فيها السامريون خلال عيد القربان، على الجبل في خيام كانت مفتوحة من كل جانب. كنّا معرّضين لعابري سبيل، وما أكثرهم آنذاك، يمدّ الواحد منهم يده الطويلة إلى ممتلكاتنا.

وأحد اللصوص سيّئي الصيت كان عربيا من كفر قليل  اسمه نصير. وكان هذا اللصّ بالذات مسؤولا عن حماية خيام السامريين (حاميها حراميها) عندما كانوا منهمكين بالاستعدادات لقربان الفسح. أُرغمنا على تشغيل حرّاس من أبناء كفر قليل ودفع ضريبة حتى، خروف، وذلك لتفادي عرقلة سير مراسم عيد الفسح. وقد أوقِف هذا التصرف المشين عندما اعتلى الملك حسين  العرش الهاشمي فقد أمر بإبطاله.

لم يفوّت نصير أية فرصة “لإخفاء” أمتعة متنوعة من خيامنا المهجورة عندما كان يتجوّل بينها. وإذا وجّه إليه أحدٌ اصبعَ الاتهام تجهّم وجهُه كمن أُهين وأقسم بالآلاف بذقن نبيّه أن لا ضلع له ولا إصبع في الغشّ والخيانة. وعندما كان يُعرض عليه مبلغ من المال للبحث عن اللص كان “يتطوع” لإعادة السرقة ويتسلّم الأجر.

ومريم، زوجة عمّي، يفت بن إبراهيم صدقة ، كانت يهودية من أصل روسي، لم توافق على الاشتراك في هذه اللعبة. وذات يوم، في وقفة عيد الفسح، اختفى إبريق قهوة من خيمة مريم. وقررت مريم، تلك المرأة القوية والشجاعة، أن تلقّن السارق درسا وعبرة.

وقُبيل العيد، أشاعت مريم إشاعة مفادها أن زوجها الثري قدِ اشترى قماشا دمشقيا فاخرا لبيعه للسامريين وكل هذا القماش مخفيّ في خيمته. وانتشرت الإشاعة شفاها من واحد لآخرَ حتى وصلت أذني نصير المرهفتين.

وعندما ذهب المحتفلون إلى مكان القربان، بقيت مريم مستترة في خيمتها المظلمة منتظرة اللصّ. ولما كان جميع السامريين منشغلين بتنظيف الخرفان المذبوحة وتجهيزها  خطا نصير بكل ثقة نحو خيمة عمّي. اقترب من الفتحة المغلقة بحبال وحاول بأصابعه توسيعها ليتسنّى له اختلاس النظر. وعندما لاحظ أن الشقّ اتّسع جيدا حاول دسّ رأسه وأوّل ما دخل كان أنفه الطويل.

وقبل أن يدحش نصير باقي وجهه تأوّه فجأة ألما. مريم التي كانت تنتظره، أمسكت بأنفه بأصابعها القوية وجذبته بقوة، وقرصته بحدّة. صرخ نصير من الوجع وتوسّل ودموعه تسيل أن يفلتوا أنفه ولكن دون جدوى، إزرقّ الأنف تارة واحمرّ طورا.

وعند سماع الصراخ والأنين هبّ السامريون من مكان القربان إلى الخيمة وبدأوا بالضحك لما رأت عيونهم. وعندما تأكدت مريم أن أناسا كثيرين قد تجمّعوا أخذت بتأنيب نصير بصوت عال بسبب سرقاته وازدادت ضحكات المجتمعين حول الخيمة. وأخيرا استجابت مريم لتوسّلات نصير وأفلتت أنفه بعد أن وعدها بإرجاع إبريقها، وهكذا كان. وبعد عام لم يعد نصير يحرس خيام السامريين.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي