mohanad salahمنحت بعض المدارس الأدبية والفنية معايير خاطئة للكتابة أتاحت الفرصة أمام الكثير من الكتابات الهشة والمبهمة أن تمتلك نوعا من الشرعية عند طرحها أمام العين المتفحصة للقارئ، وأدخلته في متاهات لا نهاية لها أدت إلى عدم إنسجامه مع أغلب ما يتم طرحه عبر الساحة الثقافية بحجة أن الكاتب يجب أن (يكتب ثم يرحل)، وهي بإعتقادي عملية إحتيال من قبل الكتاب وليس المنظرين . حيث إن المنظرين دأبوا على وضع مساحة كافية أمام القراء لفهم وتصور النص كلا حسب وجهة نظره، وليس المراد أن يبتعد النص عن درجات الوضوح القرائي وينتج العديد من علامات الإستفهام التي يجب أن يجيب عنها الكاتب .. تمخضت الدراسات الحديثة للكثير من المشتغلين في مجال البحث والتقصي عن نواة النصوص . بأن النص يولد متمردا ومنفلتا حتى يتدخل الناص فيروضه ويمنحه الدرجة التي يستحقها ليتخذ مكانه على مقياس الكتابة . تبدأ الكتابة من لحظة الصمت، لحظة اللاشيء، حيث يكون الفكر فيها متعاليا جدا، ولكنه يضطر - وتحت ضغط دوافع معينة - لأن يهبط من عليائه، لتدخل الكتابة في لحظة التأمل، وهي لحظة يتخير فيها الفكر ويتراوح بين اللغة والوعي، بين التشكل والتجريد، وذلك قبل أن يدخل تمامًا في لحظة الفعل، والتي يتلبس فيها الفكر ثوب اللغة بشكل كامل . ما يحصل في هذه اللحظة هو أن الفكر يتكثف في اللغة، فتولد الكتابة . الكتابة بذلك ستحمل مكوِنين: مكون اللغة، ومكون الفكر . وما من كاتب إلا ويتراوح بين هذين المكونين: مكون الشكل والقالب، ومكون المعنى والروح . اللغة - كما يعبر عنها رولان بارت – (خطُّ الأفق الذي تلتقي عنده السماء بالأرض . فهي الوسيلة والمقياس الذي نرسم ونحسب به حدودنا . كما لو أن الفكر يتنازل عن حريته عندما يتشكل ويتقولب في اللغة، وهو يفعل ذلك اضطرارا في سبيل التمدّد والوصول إلى الكونية) فاللغة تضمن له الانتشار لأنه سينزل عن عرشه المطلق .. قارئ اللغة هو قارئ لسجن محكم الإغلاق، سجن مضبوط تاريخيا وجغرافيا، وفي هكذا مناخ يكون القارئ أقدر على التخلُّص من قبضة الكاتب، ولكن عليه أن يفكر في قبضة اللغة، لأن سجن اللغة يتبعه بالضرورة اعتبار اللغة نفسها كائنا حيا يلزم محاورته دون أي تأثير إيجابي أو سلبي من منتج اللغة.  ومع فقدان الحرية داخل السبك اللغوي لا تعود اللغة معنية - تحت أي عنوان- بأي شكل من أشكال الالتزام الاجتماعي. وعلى ذلك، فالقارئ للكتابة سيكون قادرًا على اختبار اللغة دون أن يضطر لإبداء أي التزام تجاه الكاتب. سيستمتع بلغة الكاتب ويندمج فيها ويصنع عوالمه من خلالها أو سيمزجها، دون أن يعني ذلك موقفا ما تجاه الحرية التي أنتجت هذه اللغة، أي تجاه الكاتب. وهنا عليه أن يكون متسامحا ومنبسطا - بل ومبتهجا- وهو يتعامل مع مكوِّن اللغة في الكتابة، ﻷنها لغة بلا روح، وهو - أي القارئ - مسؤول عن إعطائها شيئا من روحه. كما لو أن اللغة تخلق الفضاء، ونحن كقراء من يملأ هذا الفضاء. وإلى هذا الحد لا يزال القارئ بعيدا عن درجة الصفر في القراءة . ذلك لأنه ملتزم تجاه السجن الذي وضعته فيه اللغة. ولو أراد أن يُعيد إنتاج النص ففي الغالب سينتج نصا بعيدا كل البعد عما يريد كاتب النص أن يقوله . لذا يجب على الكاتب أن يلتزم تجاه نصه كي يعطيه الصبغة الرسالية التي جاء من أجلها .. أستغرب حقا عندما أجد الكثير من كتابنا الشباب وفي شتى المجالات الأدبية والفكرية والفنية، وهم يتبنون (الفوضى) ويستقتلون من أجلها . وأقصد هنا فوضى (القراءة) التي يحتملونها على القارئ بمجرد ولادة نصوصهم وترحيلها إليه . فهم بمعنى أصح _ يعتقدون _ بأن الغرابة والفوضى والغموض اللامتناهي داخل ثيمة النص ولغته، هي من يتولى تقديم نصوصهم على إنها (الأمثل) والأحدث والأكثر رواجا وقبولا لدى القراء. بينما يقف هذا القارئ لينتج الكثير من الأسئلة بدل أن يغترف الخلاصة التي جاء من أجلها النص ويحولها إلى تطبيق فعلي يستثمره في حياته اليومية. ومع هذه الدوامة الغريبة التي يعيشها القراء . تجد الكتاب وهم يعيشون نشوة الإنتصار المزيفة، وكإنهم يخوضون حربا ضروسا مع القراء .. ما أنتج هكذا أدوار عائمة في المشهد الثقافي . هي النظريات المخطوءة التي بنيت زورا وبهتانا على أنقاض النظريات الأم، ومنحت (حصانة) مفرطة لا وجوب لها للكتاب أمام عمليات التلقي، جعلتهم غير ملزمين بالتفسير أو التنظير لنصوصهم . وجعلت القراء في دائرة الإتهام بعدم الوعي، وإنهم ليسوا بمستوى ما يكتب .. على كتابنا الشباب أن يعوا جيدا بأنهم إذا ما إستمروا بهذه الطريقة من التصور اللامنطقي للكتابة . فإنهم سيجدون أنفسهم مرغمين على الكتابة لنخبة النخبة، أو الرحيل بكل ما يكتبونه خارج الدوائر التاريخية والمعرفية التي يكون فيها القارئ أولا وليس الكاتب . فهو من سيحدد ديمومة وبقاء النص ومنتجه . وعلى المتحذلقين ممن يريدون أن يستمروا في طعن خاصرة المشهد الثقافي عبر تنمية هكذا فوضى. أن يفهموا بأنهم لن يوقفوا عجلة الكتابة، بل على العكس، سيصنعون أدوارا جديدة تبتعد تماما عن غاياتهم، وستجد لها قراء يفهمون محتواها . كل ما سيحدث . إنهم زرعوا بذور شذوذهم النفسي المفرط في مساحات معينة لدى بعض المواهب الشابة التي للأسف سلمتها مفاتيح الولوج لها والتحكم برصيدها المعرفي دون أن تعي بأنها ستأخذها نحو فراغ عميق لا نهاية له ...

 

مهند صلاح

 

ahmad khameesaljanabiتعد الصحافة الاستقصائية من اصعب وأخطر انواع الإعلام كون عملية الوصول لحقيقة المعلومة تواجه الكثير من التحديات. فياترى هل هذا النوع من الإعلاميات يستحق التدريس في الجامعات؟

من خلال تجربتنا المتنوعة في الإعلام التلفزيوني وجدنا أن هذا النوع من الصحافة لا يحظى للاسف بالاهتمام الكافي في كليات الإعلام برغم اهميته وضرورة تدريسه، حيث يرى مختصون أن السبب يكمن في عدم معرفة بعض الاساتذة بكيفية تدريس الصحافة الاستقصائية وعدم حرص الجامعات نفسها على تعليمه للطلبة.

 نرى انه من الضروري تعليم الطلبة منهجية عمل تمكنهم من الدخول الى عالم الصحافة الاستقصائية وذلك من خلال تلقينهم كيفية التخطيط لتحقيقاتهم وجمع المعلومات من المصادر المفتوحة والتدرب على كتابة القصة الصحفية.

يقوم الأستاذ الجامعي المتخصص بهذا النوع بتقديم الشرح الوافي للطلبة عن الصحافة الاستقصائية واعطاء نماذج لتحقيقات استقصائية الى الطلبة يمكنهم الاطلاع عليها ، كما من الواجب ايضا على الاستاذ ان يزودهم بقائمة من قاعدات البيانات المفتوحة التي تساعدهم في الحصول على المعلومة.

إن نشوء الصحافة الاستقصائية في اي مكان يحتاج الى قدر كاف من الديمقراطية التي توفر الحماية للصحافة والصحفيين وهو الأمر الغائب في الكثير من الدول العربية التي تشهد احداثا مضطربة مما يصعب النشر والتعبير بحرية والحصول على المعلومات. وظيفة الصحافة الاستقصائية إجراء تحقيق في قضية ما والوصول الى الحقيقة قد تكون هذه القضية على سبيل المثال تتعلق بالفساد وسرقة المال العام وغيرها من القضايا التي تكون على هذه الشاكلة.

 يؤكد علماء الإعلام ضرورة نشر ثقافة العمل الاستقصائي وتدريسها في كليات الإعلام في الوطن العربي ومستوى العالم.

إن من أبرز التحديات التي تواجه الصحافة الاستقصائية اليوم محدودية ثقافة العمل الاستقصائي بالوسط الصحفي ،عدم وجود بيئة مشجعة على فن الصحافة الاستقصائية ،غياب المعلومات وحجب الوثائق، ضعف وغياب العمل الجماعي، عدم تعاون المسؤولين مع الصحفي الاستقصائي، ضعف تأثير الصحافة الاستقصائية في الرأي العام.

صحافة الاستقصاء تحتاج إلى قدر كبير من التفرغ، والجهد للبحث والوصول الى الحقيقة. ويعزوا أهل الاختصاص أسباب غياب التحقيق الاستقصائي عن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى العقلية التقليدية التي تتحكم بالقائمين على هذه الوسائل.

إن غياب الحريات في معظم بلدان العالم النامي يعد احد الاسباب الرئيسية في ضعف التحقيقات الاستقصائية التي تمثل نوعا مهما في علم الصحافة والتي يمكن ان تستخدم في خدمة الشعوب وسلامتها ومواجهة الفاسدين والمتعدين على حقوق الناس.

 

بقلم د. احمد خميس الجنابي

كاتب عراقي

 

mustafa maroufiما ذا يمكن للمرء أن يقوله حول شعر الشباب من حيث القضايا التي يطرحها ومن حيث الواقع الذي يعيشه والآفاق التي يستشرفها؟

يبدو أن الحديث عن هذا كله يحتاج قبل الخوض فيه إلى شيء من التأمل والتفكير، ولا بد في البداية من أن نرصد بعض الظواهر التي تشكل ملامح قصيدة الشباب بالشكل الذي تكتب به حاليا.

نلاحظ بأن قصيدة الشباب هاته تشهد على مستوى الكم والتراكم انتعاشا ملحوظا، وهو أمر يشير إلى عدة حقائق تشي في أغلبها بأن التراكم إياه وفي جانب كبير منه هو نتيجة أسباب ليست أدبية، لأن الشعر غير متحقق فيه إن كليا أو جزئيا.

من هنا كان الحديث عن التجربة الشعرية أو الحساسية الشعرية عند الشباب محفوفا بالمطبات والمزالق، نظرا لكون هذه التجربة أو الحساسية لم تتبلور بعد بشكل كاف يسمح لنا بالحكم عليها حكما عادلا، بيد أن هذا لا يمنع من القول بأن الشعراء المفروض فيهم أن يكونوا في مستوى تجربة ذات خصوصية باعتبار المدة الزمنية التي قضوها في كتابة الشعر لم يفتأوا يراوحون مكانهم داخل دائرة مغلقة، وكأن هذه المراوحة قدر مفروض عليهم لا يجدون عنه للخلاص منه محيصا، فقصائدهم تتشابه في الشكل أو في المضمون أو فيهما معا، وتعوزها مواصفات الاكتمال والقدرة على الرقي في الثاني منهما ـ أي المضمون ـ ، والسبب في نظري يعود إلى احتمالين اثنين أرجح الثاني منهما:

الاحتمال الأول هو أن هؤلاء الشعراء الشباب يصدرون في كتاباتهم عن واقع واحد، يستقون منه تجاربهم، فالواقع له تأثير واحد عليهم أدى بهم بشيء من الصرامة إلى التشابه في الكتابة، فما دام واقعهم واحد فلماذا لا تكون كتاباتهم واحدة، بمعنى أنها كتابة متشابهة.

الاحتمال الثاني هو أن هؤلاء الشعراء الشباب يستنسخون تجارب غيرهم ويترسمون خطاها، حتى أن القاريء لا يعدم في قصائد هؤلاء لمسات أدونيس أو درويش أو حجازي أو عبد الصبور أو غيرهم جلية واضحة للعيان، ولذا كان خلوها من معاناة حقيقية شيئا طبيعيا، ونحن هنا مدعوون إزاء هذه الحالة أن نحذر السقوط في بئر الحديث عن كتابة تفتقر إلى الأصالة.

إن تجربة الشعر لدى الشباب تبدو لكأنها مرْبدة الملامح، ولربما هي غامضة لا تكاد تبين. وحتى لا نكون عدميين وحتى لا نتهم بأننا مغرقون في التشاؤم نقول بأننا أحيانا قد نقع على أسماء بعدد أصابع اليد الواحدة تسعى جاهدة للإنفلات من قبضة هذه الحالة الرديئة التي يشهدها الواقع كي تكون لنفسها خصوصيتها وفرادتها.

داخل المشهد الشعري نلاحظ مجموعة من الأسماء خاضت غمار الكتابة منذ مدة، وتلح على الحضور المستمر أو هي تعلن عن حضورها بين الفينة والأخرى في منابر إعلامية وفي ملتقيات شعرية، لكنها لم تتزحزح قيد أنملة عن النقطة التي بدأت منها مشوار الكتابة، فبقيت متخلفة لم تحقق أي تقدم نوعي، رغم أن بعض هذه الأسماء يمتاز بإسهاله في الكتابة مقارنة مع أسماء أخرى، ويتجلى تخلفها في اللغة التي تكتب بها، والتقنيات التي تستخدمها في إنشاء القصيدة.فاللغة لديها تقريرية خطابية أو مبهمة أو هي مزج بين الخطابة والإبهام، لكنها لا تسمو أبدا إلى مرتبة الشعر بما يتطلبه من انزياح على مستوى الكلمة أو الجملة أو على مستوى الصورة الشعرية.

أما التقنيات التي تستخدمها فهي ضعيفة ومبتذلة، كاللجوء إلى التكرار أو التقديم والتأخير على صعيد أجزاء الجملة، بحيث يخيل للقاريء أنه أمام نص من السخف أن ينسب إلى الشعر.

أنبه أنني هنا لا أتحدث عن قصيدة النثر، والسبب هو أن هذه القصيدة لم تكتب لحد الآن بشكل مرض وبصيغة تخولها لأن توضع في خانة الشعر، فهي وإن كانت تحتضن العديد من الممارسين لها إلا أنها لم تستطع أن تقدم لنا أسماء مهمة يشار إليها بالبنان كما هو الشأن بالنسبة للشعراء الكبار فيها أمثال أنسي الحاج ومحمد الماغوط وعباس بيضون وسركون بولص، أقول هذا وأنا أعي بأن الشعر قد يتحقق في النثر ولا يتحقق في قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، ولو أن القصيدة الموزونة لا بد أن تجد فيها شيئا جميلا حسب ما يراه صديقي الشاعر المغربي إدريس الملياني.

ونحن نتحدث عن التجربة الشعرية لدى الشباب لابد أن نعرج على أولئك الذين يحلو لهم أن يتكلموا عن الإيقاع بمناسبة وبدون مناسبة، ويرفضون التعامل مع عروض الخليل بدعاوى سخيفة بعيدة عن المنطق وليست بذات حجة، تدفع المرء إلى السخرية منهم والرثاء لهم في أن واحد، فأنا أزعم بأن هؤلاء المتنطعين يجهلون الإيقاع والعروض معا، ورفضهم للعروض ناتج عن أمور لا تخفى عن اللبيب، ولهؤلاء نقول بأن القصيدة الحرة ـ أعني قصيدة التفعيلة ـ لم تأتي من فراغ هكذا ضربة لازب، بل أتت من صميم الشعر العربي وبالإستناد إلى عروض الخليل أساسا، فكانت تطويرا للقصيدة العمودية وليست إلغاء لها كما يتوهمون ويريدون أن يوهموا الغير بذلك، وقد أعطى هذا التطوير للقصيدة إمكانيات جديدة للشاعر لم تكن متاحة له من قبل، فتخلص من الروي والإلتزام بالقافية [1]، وأصبح بوسعه الانطلاق إلى فضاءات أرحب وأوسع، هذا الفتح الشعري منح القصيدة العربية الحرة نفسا جديدا وكبيرا، بيد أنه لم يسحب البساط من تحت أقدام القصيدة العمودية، فهذه الأخيرة ما زال لديها أن تقول أشياء كثيرة[2].

وإذاَ فالتطوير لا يتم عبر التنكر لميراث أصيل متين من تراث الأمة العربية، بل يتم ذلك عبر تمثل ما هو كائن لاستشراف ما هو ممكن للوصول إليه في ظل أصالة الشعر العربي، فمن السخف والصفاقة أن نتحدث عن شيء ونحن نجهله، ونمضي إلى أكثر من ذلك فنرفضه، والأدهى من هذا كله أن جد من يصغي إلينا ويأخذ بكلامنا.

إن الذين يفعلون هذا إنما هم يدافعون عن الرداءة لتحتل مقعد الشرف، و فعلا هذا ما حصل، وها نحن نرى الحضيض الذي وصل إليه الشعر على أيديهم، لكن التاريخ حكمه وقاس وعادل، وهولن ينسى لهم هذا، وسيعلمون أي منقلب ينقلبون.

والآن لنلتفت قليلا إلى القاموس الشعري لدى الشباب فنقول إنه قاموس يغلب عليه طابع الاقتباس، فجملة من المفردات ترد في قصائدهم كرموز تحمل نفس الدلالة التي وظفت بها لدى شعراء آخرينِ [3]، العامل الذي يفقد العمل الشعري حرارته ويهبط به درجات عن مرتبة الإبداع والخلْق.

أما أهم ما تشكو منه قصيدة الشباب وهو القاصم لظهرها فهو خلوها من الرؤية نظرا لــ:

- عدم إدراك طبيعة الشعر كعمل فني يتطلب الفرادة.

- التعامل مع المواضيع المتناولة بقليل من الانتباه والمبالاة.

- التقليد ومحاكاة تجارب الآخرين.

وهكذا يكون الحديث عن شعر الشباب حديثا ذا شجون، إن لم يؤرق صاحبه فهو على الأقل سيتركه يتساءل عن المصير الذي سيؤول إليه الشعر العربي على يد هؤلاء الشباب. ونحن بدافع الغيرة على الشعر نقول بأننا نريد من هؤلاء الشباب أن يكونوا في مستوى المسؤولية، وأن يضطلعوا بها خير اضطلاع حتى يمكنهم أن يضيفوا إلى الشعر عمقا تزهى به القصيدة بوصفها فنا.

 

مصطفى معروفي

........................

إشارات:

[1] بعض الرواد ـ نازك الملائكة مثلا ـ يلحون على أن تحضر القافية والروي من حين لأخر في القصيدة الحرة كإثراء للإيقاع.

[2] من الملفت للنظر أن تظهر القصيدة العمودية بشكل صارخ مع انتفاضة أطفال الحجارة وحرب الخليج الأولى والثانية،و مع ما يسمى بالربيع العربي،فهل القصيدة العمودية لا تتحرك إلا بالأحداث الكبيرة؟

[3] مثلا لفظة "مطر" توظف بنفس الدلالة التي وظفت بها عند بدر شاكر السياب، مع أن مفردة كهذه غنية بالدلالات تكفينا الرجوع فيها إلى السياب أو غيره.

 

ahmad khameesaljanabiكثير من المحررين الصحفيين الجدد تظهر لديهم مشكلات في كيفية كتابة التقرير التلفزيوني لهذا الحدث او ذاك وهذا الامر طبيعي فمن خلال الممارسة والاصرار على التعلم يمكن صقل مهارات الكتابة. إن التقرير الاخباري في التلفزيون يعد دعامة اساسية لنشرة الأخبار فهو اي التقرير يجب ان يكون محتواه سلسا وبلغة مفهومة ومن مصادر موثوق بها. إذن كيف يمكن كتابة التقرير التلفزيوني؟. إن كتابة التقرير الإخباري تعتمد على الفكرة الرئيسيّة التي يدور حولها خبر أو حدث ما، ويختلف التقرير الإخباري الصحفي عن التلفزيوني؛ لأنّ التقرير المُعدّ للكتابة الصحفية يعتمد على أسلوب الكتابة فقط، وليس على الكتابة والإلقاء كما في التلفاز. نرى انه على كاتب التقرير الالتزام بالمعرفة الكافية بلغة كتابة التقرير، إتقان القواعد النحوية إتقاناً تاماً، امتلاك الموهبة في فن الكتابة، القدرة على توصيل الأفكار، استخدام عنوان مفهوم وواضح.

 مهم جدا ان يركز كاتب التقرير على انتقاء العبارات القوية والقصيرة في طرح الفكرة الرئيسية التي تكون في بداية التقرير الأخباري وان تكون مشوقة ومقنعة. ضروري ان يختار كاتب التقرير عنواناً مميزاً له، حتى يتمكّن من جذب المشاهد.

التقرير الإخباري هو وصف تفصيلي للأحداث ويمكن لكاتب ومحرر التقرير ان يبدي رأيه الشخصي اثناء الكتابة وفقا للسياقات المهنية.

يجب ان يتصف التقرير التلفزيوني بالمصداقية، والموضوعية، أي لا يحمل الكثير من المبالغة في الوصف، أو إضافة كلمات، وجُمل قد تسبب تغيير الفكرة الرئيسية التي يعتمد عليها وبالنهاية جعله غير واقعي.

ان اختلاف المواضيع له التأثير على طريقة كتابة التقارير، لذلك لكل خبر أسلوب كتابة خاصة فيه، فمثلاً  النصوص التي تُكتب حول مواضيع سياسية، أو اقتصادية، تمتاز بطبيعتها الجدية؛ لأنها تطرح قضايا مهمة، وتختلف عن نصوص القضايا العامة، كالاجتماعية والثقافية، وغيرها من الأنواع الأخرى، لنصوص الأخبار الصحفية.

 

بقلم د. احمد خميس الجنابي

كاتب عراقي

 

amar hamidالمثقف، هو فرد يتميز عن باقي افراد مجتمعه بتناول الافكار والقضايا المختلفة ان كانت علمية او ادبية او تاريخية واخضاعها وفق مدى معرفته الى النقد والتحليل والاستنتاج، وعادةً مايؤثر المثقف على المجتمع الذي يعيش فيه ويعمل على توعية افراده بتوجيه الرأي العام الى قضية تهمه وتدعوا الى تطويره، وعندما نتناول موضوع المثقف العراقي المعاصر سنرى انه مر بمراحل معقدة تعكس ما مر به العراق خلال فترة ظهور وتطور الحركة الثقافية.

شهدت هوية المثقف العراقي الحديث عدة تغيرات في بٌنيتها منذ البداية فمع وصول المطبعة والتي تعتبر من اعظم الاختراعات البشرية الى العراق ثم ظهور اول جريدة في بغداد (الزوراء) سنة 1869 أدّت الى بروز فئة تختلف عن باقي فئات المجتمع آنذاك تُعرف بأسم (الافندية)، لم تكن هذه الطبقة بداية نشوئها تلعب دورا ايجابيا للتفاعل مع المجتمع المحيط بها والغارق في الجهل فتميزت شخصيتها بالنرجسية والاستعلاء على الناس، يذكر علي الوردي "ان الافندية في العهد العثماني يشكلون طبقة تتميز عن سائر الناس بصفات خاصة بها لايشاركها فيها غيرها الا قليلا وكان افراد هذه الطبقة يتعالون على الناس فلا يخالطونهم الا بنطاق محدود ولهم نواديهم الخاصة بهم واسلوبهم في الحياة" وعلى هذا الاساس فأن الافندية كطبقة مثقفة عاشت زمانها لم تكن فيه على استعداد لتأخذ دورها الحقيقي كمؤثر توعوي بل اتجهت بما تمتلكه من مميزات عصرها الى التزلف للطبقات الحاكمة والولاة في سبيل المنفعة والتسلط، ان النزعة السياسة المسيطرة في ذلك الزمان وما انتجته من طبقة مثقفة "تابعة" لها لم تكن لتشغل نفسها بأمور مثل توعية الشعوب او المطالبة بحقوقهم.

تأخذ موجة الوعي الثقافي خطاً تصاعديا مع دخول القوات البريطانية لتفتح الطريق امام سيلٍ من الافكار والأعمال الادبية والثقافية التي تُعرف بالأدب الحديث الداعية الى التحرر والحقوق المدنية وفي تلك الفترة ظهرت اولى بوادر المثقف الطامح الى تحريك المجتمع والتعامل مع معطيات مثل مبادئ الثورة الفرنسية وتحرير المرأة والخروج على العُرف والتقليد وكان اهم اقطاب تلك التيارات في ذلك الزمن عراقياً هم كل من (معروف الرصافي) و(جميل صدقي الزهاوي) لكنها ايضا لم تترك ذلك الاثر الواضح في المجتمع حيث مثَّلت تلك الفترة بداية الصراع بين الاحزاب المُشكَّلة حديثا ومصاعب تشكيل الوزارات واللغط الذي كان يدور حولها،يأتي بعد تلك المرحلة تعاظم دور الحركات الثقافية المؤدلجة بالتوجه السياسي خصوصا اليساري التي شاع تأثيرها بعد سقوط النظام الملكي وتطبيق مبدأ ما يسمى (المثقف العضوي) الذي أسس له الفيلسوف اليساري الايطالي أنطونيو غرامشي  الذي يبين فيه انه على المثقف (والذي يصفه بالمثقف العضوي) ان يحمل هموم كل الناس وهموم الطبقات الفقيرة ويرتبط بقضايا امته وقد ذهبت الطبقة الثقافية في العراق الى ذلك حين استقطبت الحركة اليسارية أغلب الطبقة الثقافية في العراق ونجحت نجاحا لافتاً في تحقيق ما دعى اليه (غرامشي) ويمكن اعتبار هذه الفترة هي الفترة الذهبية او قمة الهرم في مجال ارتباط المثقف بمجتمعه وهمومه وقضاياه ومايميز هذه الفترة ايضا انها شهدت صراعا آيديولوجيا بين الفكر الثقافي ذي الصبغة اليسارية وحزب البعث المناوئ الذي تبنى الفكر القومي المتعصب عنوانا له وصعوده نحو السلطة بشكل سريع ومشبوه تلا مرحلة عبدالكريم قاسم ومع صعود المد القومي الذي ركز على التوجيه بأجبار المجتمع على أتباع نهج يُلغي الاتجاهات الثقافية المتعددة ما ادى الى تراجع تدريجي في ارتباط المثقف العراقي بقضايا مجتمعه الى ان دخل العراق في مرحلة التعبئة العسكرية في الثمانيات وسنوات الحصار حيث ضعف هذا الترابط مابين المثقف والشعب ووصل الى ادنى درجاته.

بعد التغيير وسقوط النظام الشمولي الذي ثَقَّفَ (للقائد والحزب) طوال عقود مضت، شهدت الحركة الثقافية انتعاشاً كبيراً وشهدت تلك الفترة رجوع او سهولة اتصال المثقفين والادباء الذين عاشوا في المنافي بوطنهم وساهمت تكنلوجيا البث الفضائي ومواقع التواصل الاجتماعي في تقريب المسافة بين المثقف ومجتمعه ويبدو ان الامر في تصاعد ايجابي مستمر ولكن وبسبب الفساد الحكومي الحالي والنفوذ الحزبي تواجه العلاقة بين المثقف ومجتمعه نوعا من التصادم المستمر مع الدولة بشكلها الحالي والطبقة المثقفة التي يمكن القول انها تقف الان على اقرب مسافة لهموم المجتمع وحاجاته اصبحت مركزا تجتذب حولها المجتمع خصوصا من الشباب من اجل معالجة قضاياه وبسبب ذلك اصبح المثقف عامل قلق لما يشكله حاليا من تهديد لمصالح واطماع الاحزاب المنضوية في نظام الدولة الحالي في العراق.

في الواقع نحن نشهد الان نوعا من المثقف العراقي متمردا على الحالة التي يعيش عليها ابناء بلده داعيا اياهم الى الانتفاض على واقعهم والتنبيه الى افكار الطائفية والفئوية واخطارها فيما تحاول التركيبة الحاكمة الان وبسبب ما حققه المثقف العراقي حالي من حضور أما مهادنته او ركوب الموجة لجذب اكبر عدد من الناس وضمان تواجدها وسط المجتمع وعلى ذلك للمثقف ان يكون واعيا لجهود تقويض ارتباطه بقضايا مجتمعه والحرص على الاستمرار بهذا الارتباط.

 عمار حميد

evan aliرغم التطور الحاصل في البشرية بداية بأشكال التكنولوجيا المتعددة ونهاية بتطور وسائل الدمار والفوضى والحروب التي تجتاح الامم والشعوب وما بينهما لا حصر ولا حدود لما يصنع وينتج في مصانع ومعامل ومنشأت العالم فأن هنالك اشياء قيمة بقت على حالها ولم تجرها مسيرة التطور الى صفوفها ومهما طال الزمن فأن قيمتها تزداد اضعافا من هذه الاشياء (الكتاب) فرغم اجتياح العالم الكترونيا اي سيطرة الشبكة العنكبوتية على كافة مفاصل حياة الانسان اعلاميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا فأن الجانب الاخر (الكتاب الورقي) يقاوم ويناضل ويكافح ويتصدى بكل بسالة وشجاعة لمحاولات الاجتياح الالكتروني لذا وان تطورت وسائل واشكال التكنولوجيا الرقمية فأن هذا غير كافي للعزوف والانصراف عن الكتاب الورقي فشبكة الانترنيت مليئة ومتشعبة بكافة صور العلم والمعرفة والفكر والثقافة والمعلومة لكن من المستحيل ان تتخطى (الورق) الذي يصنع منه الكتاب وان مضت السنوات والقرون والعصور لأن العالم الالكتروني هو افتراضي غير ملموس بل مرئي وقابل للتغير والتبديل بفعل التطورات الحاصلة للمعلومة على مدار الوقت اما الكتاب الورقي فهو ملموس ومرئي وغير قابل لفرضية قطع الغيار لذا فأن الاجواء التي تحيط بالمبدعين لا تخلو من الورق فهو وسيلتهم لنقل رموز عقولهم اليه وبالتالي وسيلتهم لنقل الافكار والقضايا لعقولهم وهذا ما يحدث مع الوسيلة الرقمية مناصفة بينهما لكن مع نقطة هامة جدا الا وهي الكتاب الورقي يحتفظ بشكله الهندسي وكتلته التي تحتل الفراغ وفكره وسطوره وحروفه وكلماته وفواصله وهوامشها الذي يمد العقل في الماضي والحاضر والمستقبل اضافة الى اشياء اخرى منها ان الوسيلة الانجح لترفيه العقل هو الورق الملموس المقروء لذا فالعملية تنقل مشاهد حية وحقيقية لحالة التواصل الناجمة بينهما بفعل اقترانهما الحسي ......

1235 zibaryفهنالك فرق كبير بين المكتبة الالكترونية والورقية فالاولى يمكن الاحتفاظ بها في قرص صغير مكون من خلايا وجزيئات جامدة تعمل بفعل الترددات الالكترونية ويمكن وضع الالاف الملفات والمستندات فيه بينما الثانية فهي تحتل المكان وتخترق الفراغ وتزين الاجواء الملحمية نقاءا وصفاءا التي يعيشها الفرد المبدع شاعرا وكاتبا وقاصا وتتشكيليا ومسرحيا وموسيقيا .... الخ هنا يمكن تشبيه القضية بأشياء كثيرة مثلا أنواع السيارات وكلفتها ورفاهيتها فهنالك سيارة اقتصادية بينما في الطرف الاخر سيارة ذات مواصفات تكنولوجية خارقة هنا الفرق واضح بينهما حيث الاولى تكلفة التواصل معها ضئيلة مناسبة للفرد بينما الثانية باهضة الثمن قطع غيارها نادرة وان وجدت فتكلفة الحصول عليها تعادل اضعاف الحصول على قطع غيار السيارة العادية لكن هنا يطرح السؤال نفسه ......

اي موقع الرقي والفخامة؟

هنا مربط الفرس هنا القضية هنا الكلمة السحرية التي تفصل جملتين متباعدتين عن بعضهما فالكتاب الورقي يتسم بالرقي والفخامة على عكس الكتاب الالكتروني الذي وان اجتاح العالم فلن يزلزل عرش الورق قيد انملة فدور النشر ستواصل طبع وتوزيع ونشر الحروف والكلمات بصيغتها الحقيقة والقراء الحقيقيون والمبدعون سيقفون في المكتبات وطوابير المهرجانات الدولية التي تجمع تحت سقفها ما لذ وطاب من الحرف والكلمة والعلم والمعرفة والثقافة والفكر والفلسفة على شكل كتل هندسية فنية حاضنة للمكان والفضاء تنتظر موعدها لتحتفل مع القراء الحقيقيين والمبدعين .......

فتحية لاربيل الحبيبة التي تحتضن في نيسان من كل عام اضخم مهرجان واعظم كرنفال للكتاب ......

لذا ما ان دخلت باحة المعرض هذه السنة للمرة السابعة على التوالي ضمن الدورات السابقة وقفت منتصب القامة خرجت حينها ابتساماتي وهطلت دموع الحرف والكلمة من عيناي والقيت تحية الثورة والابداع على الالاف الكتب وقلت .....

ها نحن نلتقي مجددا يا رفاق الدرب ......

فالمجد لمن يقرأ المجد لمن يتثقف لمن يهزم الجهل والتخلف

رأيت حينها رايات الابداع عالية شامخة خفاقة تحيني .....

فبدأت اولى خطوات حصاد الكتب بالعقل والقلب

 

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

 

mohamad aldamiقضّ دخول الماكينة جميع مفاصل الحياة في بريطانيا عصر الثورة الصناعية مضاجع أذكى العقول حقبة ذاك، من كارلايل Carlyle إلى وليام موريس Morris، من بين آخرين كثر، إذ قلبت الماكينة الحياة من أنساقها الاجتماعية والإنتاجية المترسبة من العصر الوسيط، لتنتقل بريطانيا نحو أبواب العصر الحديث. وإذا ما كانت استجابات العبقريات حقبة ذاك لهذا الحدث الجلل متنوعة، ومتناقضة أحيانًا، بين “اشتراكي يوتيوبي” متفائل من نمط موريس، وبين متشائم رجوعي من نمط رسكن Ruskin، فإن ما يجري اليوم في عالمنا المعاصر مما لم يكن يخطر على بال هؤلاء المفكرين الفكتوريين قط يدل على أننا حيال أنماط جديدة من المآزق والهزات والرجات العنيفة.

وإذا كانت الحساسية الفكتورية قد استجابت لدخول الماكينة الحياة الحضرية والريفية بشيء من “القلق الحضاري والروحي” مع شيء من الخوف من المستقبل ومصير الإنسان المنظور، فإن ما يواجهنا الآن أعسر بكثير من ذلك الذي بقي يواجه عبقريات العصر الفكتوري. ودليل ذلك لا يستعصي على الفهم والإدراك، وهو: أن بواعث الخوف الفكتوري كانت تتلخص في الخوف من احتمالات أن تحل الماكينة محل العضلة الآدمية في الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري، بينما أن خوفنا اليوم لا يكمن في مواجهة هذا الاستبدال (المكننة بديلًا عن العضلة) فقط، وإنما يكمن في حذف النوع الآدمي كليةً من الأنشطة الفكرية، زيادة على الأنشطة الآلية والحركية.

لذا يواجه النوع الآدمي اليوم معضلة الاستغناء عنه، بل وحتى عن ملكاته الذهنية والتفكيرية والمنطقية، باعتبار تدشين العصر الجاري لما يسمى بـ”الذكاء الصناعي”، لأن هذا الذكاء (الذي أنتجه الذكاء الفطري للإنسان في بداية الأمر) يجعل الحياة تستغني عن استعمال الذكاء البشري الطبيعي: فأنت اليوم لا تحتاج حتى إلى خريطة تساعدك على الوصول إلى موضع ما. الهاتف الذكي هو الذي يقوم بكل شيء، بل هو الذي يكون رفيقك بدلًا عن اصحابك القدماء.

إن مركب “المكننة والذكاء الصناعي” إنما يضع البشرية أمام مفترق طرق من النوع الذي لا يمكن أن يصدق من متاعب وتعقيدات، مبعثها المقولة المشهورة: “استعمله، أو افقده” Use it, or Lose it، فإذا أنت لم تستعمل أقدامك، على سبيل المثال، فإنك يمكن أن تخسرهما عبر مرور الزمن ليستحيلا أعضاءً أثريةً، كالطيور الداجنة التي فقدت القدرة على الطيران، بسبب التدجين وعدم استعمالها أجنحتها. وكذا هو الحال مع الإنسان، فهو إن لم يستعمل أي عضو مما حباه الله له، فإنه يمكن أن يخسره حسب قانون التقادم وعدم التوظيف. وإذا كان فيلم “الأزمنة الحديثة” Modern Times لتشارلي شابلن قد أماط اللثام عن مخاطر المكننة الزائدة على إنسانية الإنسان، فإننا اليوم بحاجة إلى أفلام وكتابات وتشكيلات ثقافية كاملة كي نتمكن من الحفاظ على أدمغتنا التي تتعرض اليوم إلى غزو الذكاء الاصطناعي: فبعد أن كنا نحسب الحسابات بعقولنا دون حاجة للحاسبات، لم نعد نحتاج لذلك الآن. بل إني قد شاهدت قبل بضعة أيام سيارة أجرة صالون “ذاتية القيادة” Self-driving أو Autonomous ، أي أنها لا تحتاج لقائد يجلس وراء المقود، فهي تقود نفسها بنفسها، ولا داعي لوجع الرأس وللنقابات ولرجال المرور وسواها من هيئات حماية حقوق العمال والعمالة. أما شركة Amazon التي تضطلع الآن بطباعة ونشر وتوزيع كتبي باللغة الإنجليزية، فلديها الآن أسطول كامل من “الـــدرونات” Drones التي حذفت دور البريد ودور “البوسطجي” معه، على تنوعاته، لأنها ترسل إليك ما تبتاع على الكومبيوتر عبر الإنترنت بالدرون إلى بيتك، بل وربما إلى غرفة نومك، عبر النافذة المطلة على الشارع، إن شئت! ناهيك عن ظاهرة إغلاق المئات من مراكز التسوق عبر العالم الغربي بسبب حلول الإنترنت محلها.

إن تسريح العقل الآدمي من العمل، كما يحدث الآن على نحو تدريجي، عبر العالم الغربي، إنما سيقود إلى “إحالته على التقاعد” كي يستغني النوع الآدمي عن خدماته بالذكاء الصناعي/الرقمي.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها الكاهن الأكبر عاطف (ليڤي) ابن الكاهن الأكبر، ناجي بن خضر (أبيشع بن فنحاس) (١٩١٩-٢٠٠١، كاهن أكبر ١٩٩٨-٢٠٠١، شاعر ومرنم وعالم بالشريعة السامرية) بالعربية على بنياميم صدقة (١٩٤٤-) الذي سجّلها وقام بترجمتها إلى العبرية وصياغتها. نُشرت هذه القصّة في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددين ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٤٩-٥٣.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”سجّلتُ هذه القصّة التي رواها عليّ الكاهن عاطف بن ناجي (ليڤي بن أبيشع). يجلس الكاهن مسترخيًا على الأريكة في غرفة الضيوف عند مضيفيْنا مريم وفياض (زبولن) ألطيف اللذين استمعا للقصّة بتشوّق، كما أنّني تابعت بأذنين مرهفتين أحداثَ القصة مع وردة ألطيف والدة زبولن. اعتقدنا أنّه من الخطأ جعل هذه القصة مقتصرةً على هذا العدد المحدود من المستمعين، لذلك ننشرها هنا بدون زيادة أو نقصان.

أيّام جميلة في عورتا

ينبغي أن أقصّ عليكم أعجوبة حصلت لنا في حوزة قبر إلعزار بن أهرون الكاهن الأكبر، عليه السلام، بجانب عورتا. زيارة هذا المكان، هي إحدى المُتع بالنسبة لي. وأفضل وقت في السنة للزيارة، هو في فصل الصيف. كنّا نتجمّع مجموعاتٍ مجموعات للخروج من نابلس، مشيًا على الأقدام أو على ظهور الدوابّ، متوجّهين إلى القرية الواقعة قُبالة جبل جريزيم، بيت الله.

أجمل أيّام السنة، كانت تلك التي قضيناها بحوزة القبر، تحت شجرة البُطمة، حيث كنّا نردّد الصلواتِ والأناشيدَ في مدح ذكرى الكاهن إلعزار عليه السلام.

ما زلت أذكر وكأنّ الأحداث تجري أمام ناظريّ الآنَ، في ثلاثينات القرن الماضي، كنت  فتى ودأبنا على زيارة ذلك المكان برئاسة عمّي الكاهن الأكبر توفيق بن خضر بن إسحق (متصليح بن فنحاس)، رحمه الله (ظلل الله على روحه الطاهرة). يغمرني الانفعال عندما أتذكّر منظر عمّي توفيق، وهو جالس في صدر الساحة بجانب شاهد القبر، إنّه منظر مهيب، مفعم بمخافة الله، يحرّك رأسه على صوت الأناشيد، ولحيته الكبيرة البيضاء تُضفي عليه شخصية قدّيس. ما أروع ذلك المنظر.

في تلك الأيّام كنّا نقضي بعض الأيّام في ذلك المكان، ومعنا الزاد الكافي وبعض الخِراف، كنّا ننحر كلّ يوم ونشوي اللحم في الأفران الكثيرة التي حفرناها هناك. أطلتُ المقدّمة أكثر من اللازم، ولم أصل بعد إلى بداية القصّة. من الواضح، أنّ ما كان آنذاك، كان أكثر إثارة ممّا لدينا اليوم. اليوم، أنا أنضمّ إلى مجموعات، تتوجّه لإحياء ذكرى الكاهن الأكبر إلعزار. إذا كانت تأخذ معها الزاد، فلا يكفي التزوّد فقط بالعرق، إذ لا معنى للمكوث في المكان بدون نحر الخراف وشيّ لحمها في الأفران.

من الأفضل لمن يجلب معه لحمًا مشويًّا، أن يحترم نفسه ويبقى في بيته، ولا يذهب إلى عورتا. لذلك إنّي مستعدّ للانضمام لمجموعات تُحضر معها لحم الخروف للشواء، كما هي الحال في عيد الفسح، ومن نافلة القول أنّني سأساهم في تسديد التكاليف مثل الآخرين.

من لم يكن هناك؟

عن إحدى هذه الزيارات، بودّي أن أروي لكم. كان ذلك عام ١٩٥٢، أذكر العام بالضبط، لأنّ حاييم ڤايتسمان، رئيس دولة إسرائيل الأوّل، توفي وانتُخب بعده صديقُنا الكبير السيد إسحق بن تسڤي (بن صابي، في اللفظ السامري) ليكون الرئيس الثاني. تجمّع عشرون رجلًا وامرأة للذهاب إلى عورتا.

من لم يكن هناك؟ راضي بن الأمين صدقة (رتصون بنياميم صدقة) ما كان، لأنّه قبل ذلك بسنة انتقل من نابلس إلى تل أبيب. حضر جميع أصدقائي وأقاربي. كان معنا والد الكاهن الأكبر  ناجي (أبيشع) وشقيقي عادل (صديق) أمدّ الله في عمره، أبناء عمّي خضر (فنحاس) بن إبراهيم وعاهد بن غزال (بريت بن طابية)، يوسف بن أبي الحسن (أب حسده) اللاوي، العبد بن سليم (عوبديا بن شالوم) الطيف، إسماعيل بن إبراهيم (شموئيل بن أبراهام) ألطيف، الكاهن أبو الحسن (أب حسده) بن يعقوب رحمه الله، راضي (رتصون) بن إبراهيم ألطيف، إبراهيم بن فيّاض (زبولن) ألطيف، توفيق بن صباح المفرجي (متصليح بن صفر مرحيڤ)، رحمهم الله، وهناك آخرون.

من النساء اللواتي رافقننا أذكر عينية التي أصبحت زوجتي في ما بعد، وسمية بنت توفيق بن يوشع (سمحه بنت متصليح يهوشع) رحمها الله.

أخذنا معنا الأواني وبعض الخضراوات والفواكه. علمنا بأنّ خرافًا للبيع موجودة في القرية نفسها. لا أدري كيف، إلا أنّنا قطعنا مسافة سبعة كيلومترات من نابلس لعورتا بسرعة. عند وصولنا المكان لم نشعر بأي تعب، لأنّ العمل كلّه كان ينتظرنا. بعض سكّان القرية جاؤوا نحونا إلى المسرب المؤدي إلى حوزة القبر. واحد منهم، طويل القامة وضخم الجسم، كان يجرّ كبشًا ضخمًا بقرنيه.

أشرتُ إلى الكبش وقلت: بكم؟

وحياة النبي، كبش مليح، هادا الكبش، مش أقلّ من عشر دنانير، قال القروي.

وكيف يعني عشر دنانير، بعشر دنانير بشتري قطيع كامل، سألت.

وحياة النبي، مش أقل، قال الفلاح بصوت عال.

كان أخذ وعطاء شديد إلى أن رضي الرجل في النهاية وقال: من شان العُزير المقدّس ببيعكم إيّاه بخمس دنانير! رضينا ودفعنا له خمسة دنانير وأخذنا الكبش. فجأة، لم يعد الكبش يُعجب أبناء عمّي خضر وعاهد. قال عاهد: الكبش كبير وجيّد حقًّا ولكنه ليس كبيرًا وجيدًا بما فيه الكفاية لكل الحاضرين، كان من الأفضل لو لم نشتره. من أين أحصُل لكم على كبش آخرَ، في كل القرية لا يوجد إلا هذا الكبش؟ صرختُ بهم! ليكن بدون لحم خروف، أعِدِ الخروف له والنقود إلينا، قال خضر.

لم أستطع قَبول أقوالهم، ما المجيء إلى عورتا، إلى قبر سيّدنا الكاهن إلعزار، بدون تناول لحم خروف مشوي، خارج لتوّه من الفرن (التنور)؟ وين بتصير، هادا مستحيل! عقدت العزم على الذهاب إلى نابلس لإحضار خروف آخر. حاول خضر وعاهد أن يثنياني عن ذلك قائلين: ها هنّ النساء معنا، نطلب منهن تحضير المجدرة [أرز وعدس] لكل الموجودين. مجدرة، آكلها في البيت أيضا، بسوى كان نيجي لهون لعورتا من شانا؟ صرخت بهم وأردفت قائلًا: قفوا هنا وسأعود بعد قليل من نابلس بخروف. هزّوا لي برؤوسهم من أعلى إلى أسفل، تابعتِ المجموعةُ سيرَها نحو حوزة القبر، وأنا قفلت عائدًا إلى نابلس عدْوا. تمتّعت بقوّة كبيرة، فوصلت نابلس بعد وقت قصير.

خروف من نابلس

يا لها من صدفة، رأيت أمامي قرويًّا يجُرّ خروفًا برأسه إلى الذبح. كان حجمه صغيرا، حوالي نصف حجم الخروف الذي اشتريناه في عورتا. لم تتوفّر لي فرصة للمفاصلة لوقت طويل؛ دسست بيد البائع مبلغ خمسة الدنانير الذي طالب به، حملت الخروف بيدي إلى خارج المدينة، إلى القرية.

وصلت عورتا، ولم أشعر بأيّ تعب رغم المسافة الطويلة، التي قطعتها في ذلك اليوم. صوت الغناء والصلاة ينطلق من حوزة القبر، جررت الخروف نحو المكان. رآني خضر وعاهد من بعيد وبدل أن يُشجّعاني لأنّني تكبّدت مشقّة جلب الخروف الثاني، سارعا بإحاطتي علمًا بصوت عال جدًّا بأنّهما لا يرغبان بلحم خروف اليوم، شهيتهم ولّت، وثانيًا ذلك الخروف الكبير الذي اشتريناه وأودعتهما إياه للمحافظة عليه قد هرب، ولا يعرفون إلى أين.

أسمعتم مثل هذا الأمر؟ صفقت يديّ بحزن وأخذت في تأنيبهما، وفي تلك الأثناء أرخيت قليلًا الحبل المربوط بقرني الخروف الذي معي. انتهز الخروف تلك الفرصة وولّى هاربًا هو أيضا. وبما أن عشرة دنانير لم تكن مبلغًا زهيدًا بالنسبة لي، طاردت الخروف الهارب بين الشجيرات وسرعان ما رأيت أمامي فجأة خروفين هاربين، الخروف الأوّل والثاني اللذين اشتريناهما.

هرب الخروفان وأنا خلفهما، وعلى حين غِرّة تبيّن لي أنّ وجهتيهما منطقة القبر، أسرعا ووصلا هناك ودخلا من بوابة حوزة القبر.

إنّها آية من السماء، قال عاهد وأضاف قائلا: كُتب على الخرفان النحر وإلا لما فرّت إلى حوزة القبر.

فرن العجيبة

خضر هزّ رأسه موافقًا، وسمعت هتافات الموافقة من قبل كل الحاضرين، ودبّت الحيوية فيهم وكأنّ دمًا جديدًا ضخّ فيهم. أولائك الذين قد قبلوا المجدرة، سرّوا بسماعهم أن لائحة الطعام فيها لحم خروف مشوي أيضا. راح خضر ويوسف يبحثان عن فرن لتنظيفه وإعداده للشيّ. كانت هناك بعض الأفران التي حفرناها في خلال زياراتنا السابقة، وطممنا فوّهاتها قليلا بعد الشيّ لاستخدامها في زيارة أخرى. صاح يوسف فجأة: إلى أين أنتما ذاهبان، هنا فرن بجانب شجرة البطمة.

ما هذا، فرن بجانب البطمة؟ صحتُ وأنا أركض إليه، لم يُحفر هناك فرن قطّ، وأردف يوسف: وأنا مستغرب من هذا أيضا! تقدّمنا إلى المكان ورأينا على بعد بضعة أمتار من البطمة فرنًا في الأرض نظيفا جدّا من الحطب والشجيرات والتراب والحصى. حجارته مرتبة بشكل جيّد وكأنها تدعو شيّ لحم الخراف، فرن كبير، بعمق مترين تقريبا.

نظرات الاستغراب ارتسمت على وجوه كلّ الحاضرين. كلّ واحد نظر إلى الآخر: ما هذا الذي فعله الله لنا؟ أقسم يوسف أنّه لم ير لا هو ولا أيّ واحد آخر من الحاضرين أيّ فرن في هذا المكان قطّ.

ها هي النار والحطب

لم يكن وقت لمزيد من الدهشة والاستغراب فعمل كثير كان ينتظرنا. خرج الجميع خارج المكان لجمع الحطب والشجيرات لتسخين الفرن. وفجأةً أحسست بدافع للنظر نحو الزاوية الشرقية، هناك في المحراب من تحت النقوش على الحجر وهي شهادة على شراء إبراهيم وسلامة (شلومو) ولدي يعقوب [بن مرجان لطيف] الدنفيְֶ[اللذين رمّما حوزة القبر وأعاداها كما كانت في أواخر القرن التاسع عشر] وضعت ثلاث سلات كبيرة الواحدة فوق الأخرى.

تقدّمت إلى هناك ووجدت مستغربًا في السلة الواحدة عددًا كبيرًا من جذوع الشجر مقطوعة  وفي السلتين الأخريين ورق عنب وأغصان يابسة. بدأت أصيح فرحًا وناديت كلّ الموجودين ليأتوا ليروا بأمّ أعينهم. تفاقم التعجّب والدهشة، ها هي النار والحطب للصعيدة.

أعليّ أن أقصّ عليكم بأنّ ما وجدنا من الحطب والفروع والأغصان التي في السلات، كانت كافية لتسخين الفرن لدرجة كافية لشيّ اللحم جيدا؟ هل تستغربون إذا ما قلت لكم، أنّنا تمكنّا من تسخين الفرن قبل تحضير خضر ورفاقه اللحمَ للشيّ، شكّ قطع اللحم في الأسياخ الحديدية الصغيرة التي جلبناها معنا؟ هل هناك حاجة لإبلاغكم بأن اللحم قد شوي جيدًّا بعد وقت قصير وكان مذاقه كمذاق قربان الفسح؟

عمِلتِ النساء جاهداتٍ أيضًا، وطهون لنا مجدرة بطعم جنّة عدن، وكانت وجبة تستحقّ اللحم المشوي جيّدا. وهكذا والبطن ملآن، وبحنجرة مشبعة ببخار العرق السامري الأبيض، أنشدنا بصوت عالٍ مديح الكاهن الأكبر إلعزار:

يا سيّدنا إلعزار

برضاك ها أنت معنا

بفضل مرتدي التاج

من فضلك لا تضيّعنا

في صباح اليوم التالي رجعنا إلى نابلس وآثار العجائب التي عايشناها مرتسمةٌ على وجوهنا. قصّة مماثلة، سمعها أبناء الطائفة من المشتركين، تسبّبت في زيادة التسبيح والمديح لعظمة إلعزار عليه السلام.

لن أنسى أبدًا ما حدث لنا في حوزة قبر الكاهن الأكبر إلعزار، السلام عليه وعلى روحه الطاهرة. يا ليت الله يجعلنا نلتقي به في عاقبة الأيّام، في جنّة عدن، مع الأنبياء والصدّيقين الكاملين.“

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

mohanad salahقبل الحرب العالمية الأولى لم يكن للسينما وجود في العراق وبالرغم من إن أول فيلم عرض في العام 1909، لكن لم يكن هنالك نشاط سينمائي واضح قد برز للساحة بعد . حيث ظلت الأفلام الأجنبية الصامتة هي المتاحة . حتى قام بعض التجار في تشييد دور للعرض السينمائي في بغداد وقسم من المدن العراقية الكبيرة. وفي عام 1922 بدأت دور السينما بالإزدياد تدريجيا وزاد معها عدد الأفلام الصامتة حتى الوصول الى عرض الأفلام الناطقة . وبعد عام 1927 ومع إزدهار الحركة الفنية بين القاهرة وبغداد وبزوغ عصر السينما المصرية . بدأ أول تعاون بين البلدين ولم يكن هذا معتمدا على الحكومات، بل على الفنانين .. زخرت السينما العراقية برصيد ضخم ولا يستهان به من الأعمال التي وصلت إلى الذائقة المحلية والعربية، وإكتسبت إقبالا واسعا منذ إنبثاقها الأول الذي تزامن مع حركة السينما عالميا وعربيا . فتمخض عن ذلك نشوء أرض خصبة مهدت لإنتشار دور السينما وإزدهارها، والتأسيس لعلاقات وثيقة بين (الجمهور والنتاج) .. كانت الإشعاع الساحر الذي خطف لب العقول وإنتقل بالقارئ من مساحات الكتابة والخيال نحو الترجمة الصورية المتحركة التي كان يحلم بها، أو يطمح بجزء بسيط  يسد رغباته في الجنوح نحو تحقيق هذا الكم الهائل من الأفكار المقتصرة على قدراته في إستحضارها كأطياف مرسومة فكريا .. إنها المزيج الأمثل الذي جمع كل الفنون والآداب في عمل واحد حمل مسمى (فيلم)، وأصبحت هذه الأفلام فيما بعد تغزو أركان المجتمع

(المتحضر) وتعتبر من دلالات تقدمه على باقي الأنسجة المجتمعية .. الشاشة الكبيرة اللامعة التي كانت في يوم ما تمثل المشهد الثقافي المتقدم وتتصدر الذائقة الفكرية للجمهور . أصبحت ذات طابع نخبوي تدريجيا بعد ظهور (التلفاز) وإنبثاق عصر التطور التكنولوجي الذي سمح للناس بأن يتوسعوا في رغباتهم نحو أفق يكون أكثر إنفتاحا وتنوعا . لم تستطع (السينما) تقديمه لهم . بينما إنحسرت الرغبة السينمائية على (المشاهدة) الأولى . التي يكون فيها المتلقي قد حقق قصب السبق على أقرانه لفرصة الإستيعاب المتقدم قبل تصدير المادة المعروضة وإستهلاكها من قبل الجميع على شاشات التلفاز . هذا بالإضافة إلى الرؤية الجمالية التي لم توفرها الشاشة الصغيرة في بدايات ظهورها. وكحال المسرح أضحت السينما تتحول تدريجيا من كونها ممثل إنساني لما تطمح الشعوب لطرحه، ويجعل العائلة بأكملها حاضرة دون حرج أو إمتعاض قد تسببه بعض اللقطات التي تؤدي إلى خدش الحياء، لتكون ممثلة لما يريده روادها الذين يطمحون بغالبهم لأفلام فيها الكثير من الإباحية والإيحاء الجنسي، أو تحتوي على الأكشن والمعارك والخيال في أفضل الأحوال .. مما جعل مجتمعا كالمجتمع الشرقي يبتعد تدريجيا عن دور السينما كي يحافظ على التكوين النسقي للتربية التي نشأ عليها، ويكتفي بما ينتقيه هو من الأفلام التي يجدها ملائمة للعائلة عبر شرائها أو إنتقائها عبر ما تعرضه القنوات التلفازية .. بينما بقيت السينما الحقيقية مقتصرة على ما يتناوله طلبة المعاهد والأكاديميات المختصون بمجال السمعية والمرئية . وهي لا تتعدى كونها مجرد أفلام وثائقية أو بحثية بجهود ذاتية لا تلبي طموح التطور .. وفي الوقت الذي تبتعد فيه بعض البلدان عن المساحة الثقافية الخاصة بالسينما . نشأت على دمارها وتشظيها بلدان أخرى أعدت نفسها كي تعرف ما هي الأخطاء التي بسببها وصلت السينما لكسادها .. فبدأت تشتغل على نقاط مشعة تمثل الواقع المجتمعي والتاريخي والذي لا ينحرف عن مسارات السينما النظيفة الخالية مما يسيء للآخر . فأصبحت المواد التاريخية والمشاكل التي يواجهها المجتمع في الحياة اليومية والخيال العلمي القريب من التحقيق . هي المواد التي وظفتها هذه البلدان لتعيد تشكيل الخارطة السينمائية في المنطقة . ومع هكذا نتاج سيكون من المستحيل دخول جمهور منحط لدور السينما، لتكون هذه الدور إنطلاقة حقيقية ورصينة لإعادة تكوين ذائقة التلقي . وإستعادة التكوين الصوري الذي تطمح له . دون اللجوء إلى ما يسمى بـ (السينما التجارية) .. كما إنها تواكب في الوقت ذاته حركات التطور الصوري والحركي عند الدول التي إزدهرت فيها شاشات العرض وبقيت محافظة على كيانها . مثل فن الأكشن والتنوع الحركي والخدع البصرية، وإعتماد التكوين الإنتاجي للأفلام على سعة كبيرة من الثقة بقدرتها على تحقيق واردات تكفي لتجاوز تكاليف الإنتاج . مما أسهم في تشجيع الحركة الفنية على الإستمرار في إنتاج المزيد . وكلما تطورت الأفلام تتطور معها الرغبة في تطور حس المشاهدة والتأثير في ما يحتويه العقل البشري من غايات (إنسانية)، وهو في حقيقته معتمد على وجود هكذا غايات أصلا، ولن يكون بحاجة لخلقها. إنه يمارس دور تحفيزها فقط، ويجعلها هي الغالبة على كل مظاهر التشوه الأخلاقي والفوضوي التي ربما تتجه لها السينما التجارية .. على المختصين في مجالات العرض المرئي على المساحات الكبيرة أن يخرجوا من دائرة اليأس التي وصلوا لها . ويثورا على سبات إكتفائهم بأمجاد السينما التي تحققت سابقا .. عليهم أن يستعيدوا الثقة بأنفسهم أولا للقدرة على الإستفادة من كل الأخطاء والمساوئ التي وصلت بالفن السينمائي لهذا الركود والتشظي . والإنتقال به من مرحلة الإنقراض إلى التنوع والإزدهار . عليهم أن يتيحوا المجال أمام العديد من تجارب المواهب السينمائية الشابة والإستماع الى مشاريعها وإعطائها الثقة الكافية على التغيير . هنا فقط نستطيع أن نشرع في التأسيس لحقل سينمائي جديد يعيد للمجتمع الثقة في أن يرتاد دور العرض ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيُخَـطِّئ مصطفى جواد في كتابه (قل، ولا تقل!، ص 156) من يقول:

هذا أمر هامّ، والصواب لديه: هذا أمر مُهِـمّ،

ذلك لأن الفعل في رأيه هو (أهَمَّ)، واسم الفاعل مُهمّ.

...

ولكن،

ذكرت المعجمات أن (همّه) الأمر بمعنى (أهمّـه).

وهمَّه الأمرُ همًّا ومَهَمة: إذا أحزنه وأقلقه (كأهمه فاهتم)، واهتم به".

(الزَّبيدي: تاج العروس).

ونحو ذلك تجده في المصباح المنير للفيومي، القاموس المحيط للفيروز آبادي، لسان العرب لابن منظور، والمعجم الوسيط والمنجد.

..

(همّه) و (أهمّه) من معانيهما: أقلقه وأحزنه فاسم الفاعل لكلمة (همّ) هو (هامّ)

واسم الفاعل لكلمة (أهمّ) هو (مُهِـمّ).

(هامّ ومهمّ) اكتسبتا دلالة جديدة فأهمني الأمر أو همّني = أثار قلقي وبالتالي- تركيزي أو اهتمامي، وجعلني أتابع الأمر.

..

أما الأمر الذي يكون في شغلنا ومتابعتنا فهو: مَهَمّـة أو مُهِـمّة،

 فالكلمة الأولى مصدر ميمي  من الفعل (همّ)،

والكلمة الثانية بضم الميم فهي اسم فاعل مؤنث من الفعل: أهمّ- فالمُهِم هو الأمر الشديد، والمؤنث = مُهِمّـة.

في هذه الأخيرة عادة ما نحذف الاسم الموصوف، فبدلاً من قولنا:

 سافرت في مسألةٍ مهِمَّة، نقول: سافرت في مُهِمّة.

..

وردت (أهمّ) في القرآن الكريم:

{وطائفة قد أهمَتْهم أنفسهم}- آل عمران، 154 أي حملتهم على الهمّ، أي القلق.

كما وردت كثيرًا في الأدب القديم شعرًا ونثرًا،

قول تأبط شرًّا:

قليلُ التشكّي للمُهمِّ يُصيبه ***  كثيرُ الهوى شتَّى النّوى والمسالكِ

حسان بن ثابت:

ونُحاولُ الأمرَ المهمَّ خطابُهُ ***  فِيهِمْ، ونَفصِلُ كلَّ أمرٍ مُعضِل

الخنساء:

الحاملُ الثّقلَ المهمَّ ***  مِنَ المُلِمَّاتِ الفَوادحْ

البحتري:

وألقيت أمري في مُهمّ أموره *** ليحمل رضوى ما تعمّد كاهلهْ

..

يقول إبراهيم اليازجي:

"إن قولك هذا أمر مُهمّ أفصح من قولك- هذا أمر هامّ".

(نقلاً عن كتاب الأب جرجي جنن: مغالط الكتاب ومناهج الصواب، ص 125.)

نلاحظ في قول اليازجي دليلاً على صحة (هامّ)، فلا وجه لتخطئة استعمال "هامّ" بمعنى الأمر المقلق أو الشاغل للبال، حتى وإن كان أقل فصاحة- على رأيه.

في تقديري أن سبب دعواه هو كون القرآن استخدم (أهمّ)، وهي أيضًا اللفظة الواردة في الشعر القديم، ثم إن في المزيد لفظًا يدل على  زيادة في المعنى؛ وقد أشار الرضيّ في شرح الشافية إلى أن هذه الزيادة تعني التأكيد والمبالغة.

وعليه فالمُـهِـمّ والمُـهِـمّـة أكثر استخدامًا في اللغة،

وليس ثمة من خطأ في قولنا: هامّ ومَـهَـمّـة.

..

الأمر الجدير بالإشارة إلى أن المُحْدَثين استحدثوا بناء مصدر صناعي من (أهمّ) فكانت لفظة (أهمّية) موفقة في التعبير عن الأمر الذي شأنه جليل أو خطير.

..

السؤال هنا: هل لهذا التوضيح أهميّة؟

 

ب. فاروق مواسي

 

said alsheikhالكاتب الذي لا تقف خلفه مؤسسة ما رسمية كانت أو خاصة، هو كاتب محاصر بلا شك. لا يدرك الشهرة كما يدركها أقرانه المكرّسون من قبل المؤسسات. وهذا لا يعني أنه أقلّ إبداعاً منهم، بل هو ربما يفوقهم في موهبته وفي نصاعة صوته الذي يختلف ولا يتماشى مع همهمات القطيع.

 وعلى ما يبدو أنّ الكاتب في الغرب استطاع أن يكسر دور المؤسسة في صناعة الكاتب، ليؤسس لنفسه مؤسسة تنقل صوته وتضعه على تماس مباشر مع العامة من القرّاء، بعيداً عن الدور الوظيفي للمؤسسة الرسمية التي تخلق لكاتبها المكرّس نخبة تجتمع على النفاق في إعلاء قيمة نصوصه دون أي حس تجاه العملية الإبداعية.

الظاهرة التي لفتت انتباهي في السويد، أنّ كتاباً مشهورين يجلسون خلف طاولات يعرضون عليها آخر إصداراتهم، وذلك عند مداخل المحلات الكبيرة ويوقّعونها لمن يريد اقتناء الكتاب. وطبعا بإمكان الناس الحوار مع الكاتب حول إبداعه. ويظل الكاتب ينتقل بمعرضه الشخصي (إذا جاز لنا التعبير) من محل إلى محل في المدينة الواحدة إلى أن ينتقل إلى مدينة أخرى. واللافت أن الكتب لا تحمل اسم دار للنشر، وأنّ حقوق الطبع محفوظة باسم الكاتب.

 لقد استفاد الكاتب من نظام الطباعة الحديثة التي باتت توفرها الأنظمة الرقمية، في أن يطبع فقط احتياجاته الشخصية والتسويقية من الكتب.. هو من يكتب وهو من يسوّق، وللكتاب صفحة على الإنترنت بإمكان المتابعين حجز نسخهم من خلالها ليصار بعد ذلك إرسالها إلى عناوينهم. وكل شيء يجري تحت إدارة الكاتب، بعيداً عن سلطة دور النشر التقليدية التي غالباً ما تخفي حقيقة أرقام المبيعات وعدد النسخ المطبوعة.

إن نظام "الطباعة عند الطلب" قد وفّر للكاتب، إن كان مبتدئاً أو مهما علا شأنه استقلالية تامة جنّبته محاباة السلطات المُمْسكة بعمليات النشر والتوزيع. وهو ما ألغى دور الرقيب أيضاً لتجد حرية الرأي والتعبير لنفسها مساحة أكبر وتتوسع باضطراد نحو فضاء يخلو من المداهنة. ومع هذا النظام ما عادت الكتب تتكدس في مخازن دور النشر أو عند الكاتب في مواسم بوار الكتاب.

الكاتب بات يمتلك الناصية، وبعد أن كانت دور النشر تدوّخه في تحمّل نفقات طباعة كتابه من دون مردود يذكر، وبعد أن كانت تتجاهله السلطات الثقافية إن كان يغرد خارج السرب ومحافظاً على استقلاليته وحريته، بات هو من يزوّد شركات التوزيع بإصداراته حتى إلى خارج مكان إقامته وهو عزيز وحر بكلمته وعمله في إطار مؤسسته الخاصة.

 

سعيد الشيخ - كاتب فلسطيني 

 

rasheeda alrakikيبدو أن الإنسان يعيش وجودا متفردا، وجود فيه من الصفات الإنسانية ما يجعل كل إنسان ذات مفكرة، يردد مفاهيم وكأنها لصيقة به، معتقدا أنها لا تجد معنى إلا في الوجود الإنساني:الحرية،الإرادة، القدرة، الإختيار، و المسؤولية.

تتمايل الذات وكأنها في عز شبابها بقوة وصمود، تتباهى بما قد تفعل في هذا الوجود، لكنها تصطدم عادة مثلما يصطدم من يجري بقوة وهيجان بحائط ليعيده إلى الوراء مسافرا إلى الحدود الأخرى على اعتبار أن لكل ذات حدودا تلقى فيها كل صفاتها في عالم الضياع، حينها تبقى الحرية مجرد شعار يغيب فيه الإحساس بالمسؤولية. أما الإرادة والقدرة لم تعد سوى أجنحة الإنسان في عالمه الإستيهامي كلما وقع وجد واقعه بعيدا عما تخيله.

تلك الحدود هي لحظات العيش في ما نسميه بالقلق الوجودي تنتاب الإنسان ككائن عاقل يمنطق ويدبر ويهندس ولكن ربك تدبيره أعظم، ويسير بنا القدر إلى المنال.

القلق الوجودي، لا يمكن أن يعيشه ويتعايش معه إلا كائن واحد، كائن زمني يعيش الحاضر في انتظار المستقبل، يعيش الحاضر ممزوجا بمخاوف قد تعد مرضية، تحف بكل واقع إنساني، والخوف دائما خوف من مجهول يباغتنا، خوف من مستقبل يصفعنا أو من مصير يستصغرنا، ومن قدر يحطمنا أومن أخبار تهزنا ، مع أننا نعيش على أمل تحقيق ما لم نحققه.

القلق الوجودي هو صوت العاصفة المخيف، والقدر الذي يعطل كل قدرة على التفكير وكل إرادة إنسانية متبجحة وكل شموخ يجعل كل نبتة تحارب التراب لتلامس الأفق مقررة التغيير.

 يبدو الإنسان ضعيفا محاطا بموتى أحياء لا تستطيع إنتشاله من براثين الضياع، يعم الصمت القاتل غير أنه يبدو ضجيجا من الكلمات، كل كلمة تحمل دلالات ومعاني، وكأنه عمق الوجود الذي على الإنسان الغوص فيه.

يتكلم الإنسان بثقل المعاني وصبيب الأحاسيس معبرا عن قلقه الوجودي، حينها لا يستطيع العقل أن يبرر الأوضاع ويمنطقها ويصنفها وفقا لقواعد الفكر.

لحظة القلق الوجودي، ينصهر فيه العقل باللاعقل وتتوه الأحاسيس وتضيع الذات باحثة عن موقفها مستسلمة لمصيرها المؤكد والذي لا تملك سوى قبول دون رفض، هو نيل لما قدمه القدر وصوته القاهر لكل البشر.

أُسكتت الذات الناطقة عن الكلام المباح، بعدما بحثت عن كل صيغة للإرادة و القدرة و الإختيار، سكتت عن الكلام لأنها أدركت حينها أنها لا تملك سوى الكلام الخال من المعنى الوجودي، المؤدي أكيد إلى المعنى العميق، وأن حقيقة الإنسان كائن لا تتجاوز قدراته مجالها دون أن تحاول الدخول في مجال أعظم غير مجالها.

هي إذن إشكالية الإنسان بين الضرورة والحرية وكأننا أمام حرية بشرية في إطارها بوجود ضرورات أخرى تعجزها وتظهر الإنسان مخلوقا كباقي المخلوقات.

لحظة القلق الوجودي هي لحظة الخوف من الضرورات التي لا تقهر.لحظة لا يستطيع الإنسان التحكم في نبضات قلبه الخائف ولغة جسدية مثيرة لأن العقل في لحظة فقدان توازنه وسيطرته على الإندفاعات الجسدية.

يبدو وكأن الإنسان تورط في تفرده وتمنى أن لا يعيش إلا كما تعيش باقي الكائنات لحظاتها بكل هدوء.

لم هذا العمق الوجودي الذي قدّر للإنسان أن يعيشه بهذا القلق؟ لما هذه السلطة الوجودية؟ هل يقبل الإنسان الرفض و اختيار نمط وجوده دون المغالاة في التفكير و دون أن يشغل المستقبل حاجزا بالغ الأهمية في حياتنا؟ أليس في ذلك انطواء الإنسان وتجاهل لكل القدرات الوجودية الأخرى؟

لن يخرجنا إذن من هذا الغضب و القهر الوجودي سوى الإحساس بالرضا والإستسلام للقدر المحتوم.

يبدو أن هناك مكونا رابعا في حياة الإنسان بعد المكون العقلي والنفسي و الجسدي ولربما هو أساس توازن الإنسان في لحظات القلق الوجودي، إنه البعد الروحي الذي يجعل الإنسان يتمتع بواقع الإحساس بأنه في أيدي آمنة مصدر قوته، لتجتاحه نسمة الإرتياح والهدوء على المستوى الوجودي، هو الإحساس بالجلال والعظمة في كُنه الوجود، وما الوجود الإنساني إلا فاعل مثلما هو منفعل فيه.

هكذا بين الوجود والعدم قلق الوجود وما تعيشه الذات من مخاوف قد تصبح وساوس تكون سببا في انهيارها، ليصبح وجودها عدما تستطيع تلفظ آخر أنفاسها معبرة عن سخط وعن هوس في شكل حكم ترددها الذوات مستنيرة بالعقل محبطة المشاعر ومكبلة لكل القدرات مثيرة لكل توتر وانطواء وحذر.

العيش في القلق الوجودي يجعل الإنسان في ملتقى الطرقات بين كائن يتباهى بما راكم من أعمال ومن تحديات ومن قهر للوجود الطبيعي وبين كائن عليه أن يتناسى كل شيء وينسى حقيقته ، ليعترف بحقيقة أخرى أنه كائن عاجز وأن حريته لا تكاد تتجاوز إطاره كمخلوق وأن ما يستطيع تغييره لن يكون إلا فكرة ليغير سلوكه، ويصطدم اليوم بفكرة هي أن للحرية الإنسانية حدودا وأن الفعل فيما يمكن فعله بعد مراجعة وهدم وندم.

كان على الوجود الإنساني أن يعرف حقيقته هو أنه قد يتحول العقل كمسبب لعذاب الإنسان خصوصا عندما نلخص قدراته فيه. يبدو أن العقل ليس وحده جوهر الإنسان، ربما ما خفي كان أعظم بل هو عمق الوجود الإنساني.

حقيقة استطاع الإنسان أن يلامس الكواكب الأخرى وأن يحلم العيش فيها غير أنه لم يستطع أن يعرف كُنه حقيقته، فالغريب يسكننا على نحو غريب و الظلمة العتمة هي ما يسكن فينا زاخرة بكل المتناقضات. غير أن معرفة ما يوجد في الكون وعظمته دليل على عظمة الخالق وضعف الإنسان. فهل نستطيع أن نواجه الموت أو نأخره؟ هل نستطيع أن نمحو المرض من قاموسنا البشري؟ أو موت أعز الناس أو نزيح عنهم الألم وكل معاناتهم اليومية مع المرض المزمن؟

أكيد لا يمكن أن تكون للحياة معنى طالما هي حياة عادية لم يستطع الإنسان الخروج عن كونه كائنا حيا.

فحين يُسائل الوجود و يُمشكله من أجل الوصول إلى عمقه وجوهر حقيقته يتحقق ما يُنتظر منا، وإلا سوف يتوه الإنسان في لحظات من الوجود الصاخب، بعيدا عن كل تأمل يستطيع الكشف من خلاله عن المفارقات الوجودية باحثا عن حدود السواء فيها، فيستحق نعمة الوجود المتميز الذي لا يخلو من الفكر المتنور ومن النفوس المضطربة ومن الجسد الموشوم بالتعب والتوتر مهتديا بلحظات الهدوء،عندها ستظهر القيم الإنسانية التائهة ليستقيم الوجود الإنساني في إطار أخلاق كونية ثابتة فنشعر بأمان وجودي و القدرة على حياة بسيطة هادئة، فيها من التفاؤل ما يكفي لنحب الحياة ونقبل عليها.  

عموما وإن سكتت عن الكلام المباح، فعذرا سيظل القلق الوجودي جوهر الوجود الإنساني يكتسحنا في جل لحظات حياتنا. قد لا نخرج منه دون فك شفراته و أخد المعاني التي تقودنا إلى وجود الإنسان بعد لحظات من الضياع المؤقت و قبل أن يوصنا للعدم، لنعيش حالة أخرى بين الوجود والعدم.

 

بقلم رشيدة الركيك

mohanad salahالتعامل مع النتاج الثقافي برمته يضعنا أمام معايير مهنية يجب أن نتبع أساسياتها قبل الولوج في أي تجربة نضعها على طاولة القراءة والتلقي . لأننا سنقع في أخطاء لا نهاية لها بمجرد إنحرافنا عن المسار الصحيح الذي يجب إتخاذه عند البحث أو التناول . الذي سينحرف بشكل طبيعي من كونه معرفي إلى مناطق إجتماعية تخضع للتأثير العاطفي و(الآيروسي)، مما يتيح المجال أمام العديد من المزيفين والمزيفات في الوسط الثقافي لإختراق الثوابت الفكرية، وهم يعزفون ألحان (الغنج أو الصداقة) عند مجسات الآخرين . الذين يشكلون بدورهم النوافذ التي ستطل من خلالها هذه التجارب المعاقة لذائقة الجمهور، وهو يثق تماما بأن ما يقرأه أو يتلقاه قد خضع للفلترة قبل تصديره له كمادة قابلة للتناول الفكري . لم يعرف حينها بأنه قد خضع لجريمة قد إشترك فيها صاحبي النتاج المصدر (النافذة / التجربة) .. ربما يكون المجتمع الغربي قد تجاوز لحد كبير هكذا ظواهر قد تشوه معالم مشهده الثقافي، أو إن جمهوره قد إمتلك ثقافة ووعي تؤهلانه لكشف أي خدعة قد تمارس معه . وفي كلا الحالتين، فهو يعيش حالة صحية على العكس مما تزخر به الحواضن الشرقية والعربية من أمراض إجتماعية متظخمة أثرت بشكل كبير على نتاجه الثقافي . وجعلته يعيش مراحل من الإزدواجية اللامتناهية راحت ضحيتها العديد من المواهب التي إندثرت وتلاشت بين (الأعراف والتقاليد المجتمعية وإستغلال المصدر للنتاج) . أنا أحاول أن أضع يدي على جرح عميق يتهرب الكثيرون من تناوله أو الإقتراب منه . لأنهم بذلك سيكشفون الوجه الحقيقي لما وصلت له الساحة الثقافية ومدى التخبط الذي تعيشه . الوسط الثقافي الذي تلجأ له (المرأة المثقفة) للنجاة من أنياب العرف المجتمعي الذي ظلمها كثيرا وأثرا سلبا على عملية تحويل موهبتها إلى نتاج يستحق الفخر والرعاية . المرأة التي تتخيل بأن هذا (الوسط) سينصفها وينتشلها بكل مهنية ومعرفة من كل براثن الجهل والظلامية التي تعيش ضمن نطاقها . إنه الحلم الكبير الذي تحاول بكل قوة أن تصل له كي تتنفس .. إنها كـ (مثقفة) تقرأ وبشكل دائم عن مناصرة المرأة ومساواتها مع الرجل . وعلى الآخر أن يتناولها كتجربة بعيدا عن شكلها أو لونها أو محاسنها . لكنها للأسف وبعد تحمل المشقة لكل هذا الطريق الذي قطعته كي تصل لحلمها . ستصدم بالواقع المؤلم جدا، الذي سيجعلها تلعن اليوم الذي ولدت فيه (إمرأة) تحمل بين طيات عقلها بذور المعرفة والوعي . عندما تكتشف بأن كل ما قرأته كان تمهيدا لدخولها شباك (المصدر) الذي يتعامل معها

 كـ (أنثى) خلقت لإرضاء رغباته وملذاته . بدل أن يقدم لها يد العون في إخراجها من الدوامة التي ستقضي على موهبتها مهما كان شكلها .. إنه يمارس معها أقسى أنواع الحيل والألاعيب فقط كي يستغل (جسدها) ويصل بعد ذلك إلى مراحل متقدمة من الإبتزاز والمساومة . فإما أن تنسحب من هذا الوسط (المريض) أو تستمر في حالتين . الأولى تجعلها خاضعة لما وصلت له . والثانية أن تلجأ إلى تكوين مجاميع ثقافية (نسوية) لا تخضع لمعايير الرجل، والحالة الثانية هي الأكثر رواجا هذه الأيام .. هذا لا يعني بأن الوسط الثقافي هزيل وخالي من أناس يملكون أدوات فكرية وثقافية حقيقية للتعامل مع تجارب (المرأة المثقفة) . إنهم موجودون لكن بقلة . فهم يتعاملون مع هذه التجارب من خلال نتاجها فقط . إن ذلك يشبه لحد ما نظام المسابقات (الشريفة) والخالية من الغش . عندما تقوم لجنة التحكيم بفحص النصوص بدون أسماء الكتاب، فهم بذلك سينظرون لحجم التجربة فقط، وليس لإسم أو نوع أو شكل كاتبها . وبالتالي سيكون الفائز هو النص المنتج دون الحاجة لمعرفة كاتبه . متى يفهم الكثير من مجانين الثقافة بأنهم يسيرون بالمشهد الثقافي (النسوي) نحو متاهة كبيرة سيكون الخاسر الوحيد فيها هم (الجمهور والمرأة المثقفة) ..؟! متى يعي الجمهور بأن هنالك العديد من التجارب النسوية تستحق منه الوقوف بوجه (المصدر المزيف) الذي يتلاعب بعقله ..؟! . لو تصفحنا للحظة بعض مواقع التواصل الإجتماعي سنكتشف الكثير من المواهب (الأنثوية) التي تجاوزت بإبداعها وألقها ما نقرأه في الكتب والصحف لـ (بعض) الكاتبات والفنانات (المزيفات) . لماذا لم تجد هذه المواهب (نافذة) إعلامية تطل من خلالها علينا ؟!! الجواب بسيط جدا . ما علينا سوى أن ننتزع هذا المشهد المشوه الذي ترتديه عقولنا كي نرى الحقيقة المؤلمة كما هي دون كذب أو رتوش .. علينا أن نفهم بأن

(المرأة المثقفة) تخضع اليوم لأبشع أنواع الظلم والإستغلال وبطرق عدة لا حصر لها. علينا أن ندافع عن حقوقها متى ما فهمنا بأنها (تجربة ثقافية) وليست عاهرة نستغل جسدها ومفاتنها متى شئنا ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيخَطّئ مازن المبارك في كتابه (نحو وعي لغوي، ص 102) وزهدي جار الله في كتابه (الكتابة الصحيحة، ص 396) وغيرهما من يقول: تَوَفَّى فلان (بالبناء للمعلوم) ومن يقول "رأيت المُتَوَفِّي".

والصواب في رأيهم أن يبنى الفعل للمجهول، فنقول: تُوِفّي فلان فهو المُتَوَفَّى، ويستشهدون بالآية الكريمة:

{الله يَتوفّى الأنفسَ حين موتِها}- الزُّمَر، ص 42.

فتبعًا للآية فإن الله هو المتوَفِّي.

..

أما الآية- {والذين يُتَوَفَّون منكم ويذرون أزواجًا}- البقرة، 234- بالبناء للمجهول، فقد قرأها علي –كرّم الله وجهه- بالبناء للمعلوم (والذين يَتَوَفّون منكم...)-

قال ابن جِنِّي في (المحتسب، ج1، ص 125):

"ومن ذلك ما رواه أبو عبدالرحمن السُّلَمي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُم}- البقرة، 234 بفتح الياء. قال ابن مجاهد: ولا يُقرأ بها.

 قال أبوالفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أي: والذين يَتَوَفَّون أيّامَهم أو أعمارَهم أو آجالهم".

كذلك علّق أبو جعفر النحاس في كتابه (إعراب القرآن) على هذه القراءة قائلاً "فمعناه يستوفي أجله".

(نقلاً عن كتاب أحمد مختار عمر- العربية الصحيحة، ص 135.)

...

جاء في (لسان العرب) وفي (تاج العروس):

تَوَفّـي فلان: استيفاء مدّته التي وُفِّيَـت له، وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا.

أما فعل المصدر (تَوَفِّـي) فهو تَوَفّى تَوَفَِـيًا- أي استوفى المدة المقدرة لبقائه حيًا.

..

الخلاصة أننا لا نخطئ إذا قلنا أو كتبنا: تَوَفّى فلان، وهو المُتَوَفّي، وذلك بمعنى استوفى أجله، فهو المستوفي.

..

 لكني شخصيًا أفضّل البناء للمجهول، وربما بتأثير الآية في قراءة حفص، وكما هي واردة في المصحف الشريف.

 

ب. فاروق مواسي

 

mohanad salahتمخض التاريخ الحديث للآداب والعلوم والفنون عن بزوغ تجارب مغايرة ومختلفة . شقت طريقها داخل المجتمعات، وغيرت خارطة القراءة والتلقي (النمطية) بأدوات وأساليب جديدة. كسرت كل الأنساق الثابتة وأجبرت الساحة الثقافية على الإنزياح نحو مناطق جديدة لطالما كان هاجس الخوف من الإقتراب منها هو الغالب على معاصريها . وذلك لإتجاه أغلب الكتاب والمفكرين نحو (أسطرة) الموروث وعدم الحياد عنه. مما خلق عمليات لا نهاية لها من الإجترار، والإلتفاف الدائم حول بؤرة الثقافات (الكلاسيكية)، وإندفاع الكثير من ممثلي المشهد الثقافي نحو إتخاذ موقف المدافع عن هذا التراث، ومهاجمة أي تكوين إجتهادي وإبداعي يتعارض مع القواعد والمناهج التي يحاولون من خلال إحاطتها بهالة من (القدسية) . منع أي تعدي على خطوطها أو حتى الإقتراب من البحث في تكوينها الفكري . فكيف يكون الحال مع (نتاج جديد) لا يستمد سماته من الجذور، أو إنه يمثل التأسيس لـ (ثورة أو إنقلاب) على كل ما هو معتاد ؟؟ .. إنها (الظاهرة) التي أعادت تشكيل ملامح المشاريع الثقافية، وزرعت بذور تكوينها في مساحات لم يكن في الحسبان إنها ستكون صالحة ذات يوم لهكذا حرث في خاصرة التلقي . فبالقدر الذي يكون فيه مؤلما بكل ما يحمله من حراك داخل دوائر الركود والثبات التي أنتجت الكثير من التقرحات في مناطق متعددة داخل العقل الجمعي للجمهور . لكنه أنتج صراعا مفرطا مع القوانين الوضعية لكسر رتابتها وإستبدالها بمناطق (متحررة) . توفر للجميع القدرة على توسيع قائمة الخيارات بعد أن كانت محدودة ومقيدة . إلا إن عصر

(الظواهر) بدأ بالتلاشي تدريجيا رغم التقدم والتطور الذي عصف بالمجتمعات نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد . وهذا يتعلق بالعديد من المؤثرات التي حكمت على الوسط الثقافي بالتراجع بدل التقدم . كالحروب والتأثير الآيديولوجي للفكر السياسي المتطرف، وعدم إجتهاد المثقفين للنزوح نحو مناطق إبداعية جديدة، وتهربهم من مسؤولية الإقتراب من الجمهور وردم ثغرات عدم الثقة معه، هذا بالإضافة إلى لجوء هذا الجمهور إلى مراحل من السبات والإكتفاء بالوجبات الفكرية السريعة التي تقدمها التقنيات الحديثة، وهي في غالبها مستوردة ولا تمثل الإجتهادات الإبداعية التي نطمح لها .. المشكلة الأكبر بأننا في الغالب لا نعي أهمية (الأنثروبولوجيا الثقافية) التي تهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد عناصرها . كما تهدف إلى دراسة عمليات التغيير والتمازج الثقافي، وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات، وتفسّر بالتالي المراحل التطوّرية لثقافة معيّنة في مجتمع ما .‏ ولهذا استطاع علماء الأنثروبولوجيا الثقافية أن ينجحوا في دراساتهم التي أجروها على حياة الإنسان، سواء ما اعتمد منها على التراث المكتوب للإنسان القديم وتحليل آثارها، أو ما كان منها يتعلّق بالإنسان المعاصر ضمن إطاره الاجتماعي المعاش .‏ وهذا يدخل – إلى حدّ بعيد - فيما يسمّى (علم اجتماع الثقافة) والذي يعني (تحليل طبيعة العلاقة بين الموجود من أنماط النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية) .. ليس المهمّ من وجهة النظر التحليلية إثبات العلاقة بين النتاج الفكري والواقع الاجتماعي، بقدر ما هو تحليل لأشكال هذه العلاقة في مرحلة معيّنة لمجتمع معيّن . ويعد هذا التحليل مصدرا أساسيا في المناقشات المتعلّقة بالروابط الموجودة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، والتي أفضت إلى تأكيد فكرة التبادل الديالكتيكي القائم بينهما . وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ اجتماعية الأدب والفن، ساهمت مساهمة متطوّرة في تحليل أشكال العلاقة بين النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية .‏. إن تحديد الكيفية التي يحوّل بها نتاج فكري، كالقصّ أو المسرح مثلاً، معطيات الواقع، لا يكفي، بل لا بد من إبراز الوظيفة الاجتماعية / السياسية لهذا النتاج، ولا سيما أن المنتجين ينتمون إلى فئات من المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها أو لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات اجتماعية معينة. وهذه الوظيفة ليست مظهرا ثانويا أو تكميليا، بل هي بعد من أبعاد العلاقة بين الثقافة والمجتمع، ولا يمكن تفسير أي حدث فكري من دونها. وهي في الوقت ذاته، توجد حلا لما يسمى ” استقلالية ” القيم الفكرية والجمالية، وذلك من خلال اكتشاف وظيفة استمرارية هذه القيم، أو بعثها في ظروف تاريخية محددة .‏ إن دراسة الوسط الثقافي، تكشف عن الآلية السيكولوجية التي توجه سلوك الفرد، وتصرف النزعة العدوانية في مجالات تنفيس مهذّب .. من الممكن تحديد مجموعة متناسقة من أنماط السلوك الإنساني، والتي يمكن اعتمادها في دراسة السلوك الفردي، لدى أفراد مجتمع معين، حيث أن جوهر الثقافة هو في حقيقة الأمر، ليس إلا تفاعل الأفراد في المجتمع بعضهم مع بعض، وما ينجم عن هذا التفاعل من علاقات ومشاعر وطرائق حياتية مشتركة هو النتاج الذي يطرح كظاهرة تكسر كل الحواجز النمطية . إلا إن التأثيرات الإجتماعية بما فيها من (عادات وتقاليد وأعراف) أثرت كثيرا في إستنزاف خلق ظواهر أو حتى إستيعابها من قبل الجمهور . وهو ما جعلنا نعود الى المربع الأول ما قبل (النتاج الظاهراتي) .. الأزمة في حقيقتها تكمن بأننا إستسلمنا للواقع الذي نعيشه والإكتفاء بتراجعنا يوما بعد آخر عن خط التماس مع الثقافات العالمية وظواهرها، وأصبحنا نحارب أي تجربة جديدة ونتهمها بـ (الغربنة) أو (الجنون) ، وأصبح أكبر هموم المسؤولين عن الثقافة هي مصالحهم الشخصية وكيفية التسلق على أمجاد الماضي لتحقيق الرغبات الذاتية .. نحن بحاجة جادة لدولة تمتلك من الوعي ما يؤهلها لتبني المشروع الثقافي بعيدا عن الفئوية والمصالح السياسية . ومؤسسات ثقافية تمتلك القدرة على ترميم ما تبقى من النتاج الثقافي للنهوض بواقع مغاير جديد، وإلا فإننا نسير نحو الفراغ بدرايتنا ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيخَطّئ بعض اللغويين أن ننسب للجمع، كأن نقول: مباحث أخلاقية، القانون الدُّوَلي (انظر مثلاً: زهدي جار الله، الكتابة الصحيحة، ص 113، ص 116) وذلك لأن البصريين يرون أن ننسب للمفرد، فـ "بساتين" ينسب إليها= بستانيّ، و "كُـتّاب"= كاتبيّ....

أما النسبة للجمع في رأي البصريين فتكون للاسم الذي ورد جمعًا، بشروط منها:

* جمع لا واحد له، نحو "أبابيل"، أو لا واحد له من لفظه: قوم، جيش.

* جمع يجري على غير مفرده: ملامح، محاسن وواحده لَمحة، وحسن.

* جمع يُفرّق بينه وبين مفرده بياء النسب أو تاء التأنيث: عرب، أعراب، تمر، تفاح.

* علم منقول عن جمع تكسير، نحو: الجزائر= جزائري، الأخبار (صحيفة)= أخباري، الأهرام= أهراميّ...

...

لكن الكوفيين أجازوا النسب إلى جمع التكسير الباقي على جمعيّته مطلقًا (أي الذي لم يُسمَّ به)، وذلك اعتمادًا على عشرات الأمثلة مما ورد في لغة العرب، وقد ارتأى المجمع اللغوي في القاهرة رأي الكوفيين، وقال:

"إن النسبة إلى الجمع قد تكون أبيَن وأدقّ في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد".

من "محاضر جلسات مجمع اللغة العربية في دور انعقاده الثالث"، ص 4- نقلاً عن إميل يعقوب: معجم الخطأ والصواب في اللغة، ص 131.

..

 فعليه يجوز أن نقول مباحث خلقية عامة، ويجوز أن نقول: مباحث أخلاقية سواء أكانت تتعلق بعلم الأخلاق أو بالأخلاق عامة، وخبر صَحَفي أو صُحُفي، ومواد كتابية ومواد كتبية، وألحان كنائسية وكنَسية...

...

ومثلها يحق لي أن أقول: القانون الدّوْلي أو الدُّوَلي عند النسبة للدول،

وفي رأيي أن تُفضّل الأخيرة، لأن الدَّوْلي قد تكون محصورة في دولة واحدة، و "الدُّوَلي"- كما ذُكر في قرار المجمع: "أدقّ في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد".

ثم إن استخدام اللغة أخذ يمايز بين النسبة للمفرد وبين النسبة للجمع من غير أن يُحدّد ذلك في كتب اللغة تخصيصًا، نحو:

شعبيّ- شعوبي

من أمّة- أمّي- أممي

ملَكيّ- ملوكيّ

حقّـيّ- حقوقيّ....إلخ

 

ب. فاروق مواسي

mohanad salahالنتاج الثقافي بكل أشكاله. هو الحصيلة الفكرية التي يطرحها الكاتب لتكون بالتالي على طاولة التلقي لدى القراء. وبدون جمهور يستوعب ما يتم تقديمه من أعمال، لن يكون لهذه النتاجات جدوى من تصديرها أو عمليات تسويقها . فأي تكوين فكري يصنع بمجرد خلقه خطا موازيا يواكبه ويستمر معه في مسيرته حتى تحقيق الغايات المثلى لنواة الكتابة . وهي بغالبها تقف عند تحديد المشاكل ووضع الحلول المناسبة لها بصياغات ثقافية .. المشكلة الأساسية التي يحاول الكثير من (الكتاب) الهروب من حقيقتها المؤلمة. هي إنفلات الحلقات الرابطة بين (النتاج والقراء) . وهو ما صنع فجوة كبيرة أدت إلى تراجع نسبة القراءة مع ما يوازيها من نتاج يملأ الساحة الثقافية دون أن يجد له مكانا في التراكيب القرائية التي يجب أن يتناولها (المستهلك) . بإعتبارها المادة الفكرية التي تم إعدادها لتغطي المساحات الشاسعة من إحتياجات المتلقي ومتطلباته . ولو حاولنا أن نؤشر عبر الخط البياني لمبيعات الكتب وحجم ما يتم طباعته من هذه الكتب في المطابع مع الأخذ بعين الإعتبار المادة التي تحتويها، لوجدنا حقائق مرعبة تضع المشهد الثقافي برمته على حافة الهاوية . إن لم يكن أصلا قد بدأ بالتساقط . فنسبة مبيعات الكتب التي لا يمكن أن تكون ضمن المشاريع الثقافية التي تفتخر بها الشعوب قد تجاوزت بكثير ما يمكن تخيله من أرقام . وتأتي بعدها الكتب الدينية وكتب المناهج الدراسية التي غزت المبيعات في الآونة الأخيرة بسبب تلكؤ وزارة التربية في توفيرها للطلبة . وفي آخر القائمة ستكون هنالك أعداد بسيطة من الكتب ذات الصلة بالواقع الثقافي لا تقارن مع حجم ما يطبع من الكتب سابقة الذكر . وحتى هذه الكتب التي من المفترض إنها تمثل الحركة الثقافية، فإنها في واقعها تمثل نتاج مستورد من خارج رقعة الخارطة الجغرافية للإشتغال الثقافي . يتم إعادة طباعتها لإقبال القراء على النتاج (الأجنبي) أكثر من النتاج المحلي . وذلك يعود للأسف إلى عدم ثقة القارئ في الغالب بما ينتجه الكاتب المحلي . أو إقتصاره على ما يتم الدعاية له بشكل جيد . بينما تقتصر النتاجات المحلية بشكل كبير على الكثير من المطبوعات بمختلف الألوان والتي توزع في الغالب بالمجان لتكون حبيسة الرفوف .. المشكلة التي يغفلها الكثيرون في الساحة الثقافية تكمن في أن هنالك حلقة مفقودة بين (الكاتب والقارئ) . هذه الحلقة هي (الثقافة القرائية) لدى الجمهور . فالكتب حالها كحال أي مادة تخضع للإعلان والتسويق قبل الشروع بتقديمها في الأسواق . وهنا أقصد عملية التمهيد للمنتج . وهو ما سيحقق نسبة مبيعات عالية تجبر المقتني للكتاب على قراءته، وبالتالي ستبدأ بوصلة القراءة لديه بتغيير إتجاهها نحو المسارات التي يجب أن تكون عليها بعد أن وصلت لمراحل من الإبتعاد اللامتناهي عن مفهوم القراءة المنتجة لمجتمع يحمل ثقافة تجعله مفتخرا بها . وهذا سيكون بحاجة لمراحل مدروسة تشترك في التأسيس لها (المؤسسات الثقافية / الكاتب / دور الطباعة والنشر) للسيطرة على ما يتم عرضه في الأسواق من نتاج . وما سيضمن نجاح هكذا أفكار، هو قدرة المجتمع الشرقي على الإنسلاخ مما يحمله من ثقافة لإستبداله بثقافة أخرى . إذا ما وجد بأن الإقبال على ما هو جديد سيكون الطريق الأمثل له كي يواكب أقرانه من القراء . لكننا في الوقت ذاته سنكون بحاجة لقوانين تدير آلية النشر والطباعة يشرف عليها أناس مختصون وخاضعون للمصلحة الثقافية العليا للبلاد، وليس لهم إنتماءات سياسية أو فكرية تنعكس على ما يتم منعه أو السماح بطباعته . كي يتم الحد من طباعة وعرض النتاج التجاري السلبي، وإستبداله بنتاج يستحق القراءة والتلقي . وترك الفرصة أمام القراء لتناول الكثير من النتاجات التي لم تجد لها المساحة الكافية للعرض من خلالها، والوصول الى مستويات عالية من القراءة كي تستعيد الساحة الثقافية عافيتها التي فقدتها مع النتاجات السيئة التي كانت تحتل أروقتها . ويتحول النتاج المحلي الى نتاج عربي وعالمي يتسارع له قراء الخارج لإقتناءه .. إن كل هذه الأفكار لن تتحقق أو تجد لها حيزا ضمن الاشتغالات المؤسساتية ما لم تتكاتف جميع مكونات العملية الإبداعية للشروع في المضي لتحقيقها، وإذا ما إستمر وضع المشهد الثقافي وما يتضمنه من نتاجات معروضة أمام القارئ بهذا الشكل المتردي الذي نراه اليوم، فلن يكون هنالك ما يستحق تقديمه للأجيال القادمة . بل سيكون المحتوى خليطا من النتاجات الرديئة والسيئة الصيت التي ستسبب في تدهور المستوى الثقافي لعقود طويلة ...

 

مهند صلاح

 

mohamad aldamiإذا ما زعم المرء أن “الثقافة المقارنة” مهمة للغاية، ليس لمعرفة الذات حسب، وإنما لرسم صورة ذاتية دقيقة المعالم على سبيل تقديمها لــ”الآخر” بناءً على تتبع التوازيات والتقاطعات، فإن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة والمنظورات المسبقة التي شابت “الدراسات المقارنة” واختطفتها من حقل عملها الصحيح، خاصة في جامعات عالمنا العربي، درجة تشويهها وإحالتها إلى حقول مثقلة بالنرجسية وبإطراء الذات وبالخيلاء، ناهيك عن الميل القوي عند حرفها عبر العقل العربي إلى التفضيل واعتماد درجات المقارنة: من الجيد إلى الأجود؛ ومن السيئ إلى الأسوأ، وهكذا دواليك.

لذا توجب على العارفين بهذا الحقل الحيوي من النشاط الذهني أن يزيلوا بعض الأخطاء ويصححوا البعض الآخر ليمنعوا التمادي والتماهي بما جاء في أعلاه حتى حدود الانحياز وضياع الحيادية، بل وفقدان رؤيا الدراسات المقارنة بجوهرها.

إن الفكرة الأساس في الدراسات المقارنة تنأى كثيرًا بنفسها عن ذلك الميل “الطفولي” للتقييمات المعيارية العمياء أو المتعامية بإطراء الذات! عندما أقارن كاتبا أو شاعرا عربيا بآخر إنجليزي أو ألماني أو فرنسي، فإن الهدف لا يمكن أن يخلص إلى نتيجة محتومة، مفادها هو أن العربي هو الأفضل، كما اعتاد آباؤنا وأجدادنا تفضيل اللحوم المحلية على سواها، المستوردة خاصة. إن الموضوع ليس هكذا: فالمقصود من الدراسات المقارنة هو: وضع الشيئين أو الكيانين المراد مقارنتهما على “دكة” قد تكون خيالية، ثم معاينتهما بدقة، وتسجيل النقاط المتشابهة والنقاط المختلفة بينهما. ليس بقصد تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما بقصد قياس خطوط التماس والتطابق، من ناحية، وخطوط الانحراف والتباعد، من الناحية الثانية، على سبيل إيجاد معيار دقيق لدرجات الاختلاف بين الشيئين. ويكون الهدف النهائي الأدق هنا، ويا للمفاجأة، هدفًا رقميًّا وإحصائيًّا، غير مفهوم بالنسبة للكثيرين. لذا يخلص الباحث إلى أن مجالات الالتقاء والتشابه والتقارب تساوي 40 بالمئة، ودرجات الاختلاف والتباعد تساوي 60 بالمئة، على سبيل المثال. ومعنى ذلك هو أن أبحاث الدراسات المقارنة، إن كانت دقيقة، ينبغي أن تضغط خلاصاتها برموز رقمية وإحصائية دقيقة، وليس بتقييمات معيارية متعامية بالانحياز وبتفضيل الذات على الآخر، كما كان ديدن هذه الدراسات في الجامعات العربية، لبالغ الأسف. بل ينبغي أن تكون الخلاصات الرقمية قابلة للتحول إلى خطوط بيانية مرسومة كذلك.

أما ما يجري في عالمنا العربي، خاصة عبر الأقسام العلمية لهذه الجامعات، فلا يزيد عمليًّا، للأسف، عن مقارنات ومقاربات اعتباطية وذوقية يقصد منها تحقيق أهداف مسبقة، وأهمها تفضيل المحلي على الأجنبي ومنحه الدرجات الأعلى. لقد كان هذا هو الاتجاه الذي اختطه الكثيرون في الدراسات الأدبية المقارنة في الجامعات العربية، خاصة عندما يقارن الباحث بين شاعر عربي وآخر صيني، على سبيل المثال، إذ يتفوق الشاعر العربي على الصيني، شئنا أم أبينا، ربما مغازلة للرومانسية العربية!

حِلو هواي شهر آذارْ

من يطلع علينا بخيرْ

hashem mosawi

نهر ما يشبۤه الانهارْ / هاشم الموسوي

 

من چنا نجوم ازغارْ

چان الليل يوحشنا

و چنا نريدْ

يطلع فدْ گٌمَر نوّارْ

يبشرنا بشهر آذارْ

وهَسه انگول ..

بعد سنين من ذاكْ

الطلوگ الجابته الاقدارْ

حِلو هواي شهر آذارْ

من يطلع علينا بخيرْ

بيده شموعْ

صينية فرحْ... وازهارْ

لًمْ الناس فرحانين

عرب واكراد

تُركمان وأزيدية وفيليه

سِنهّ وشيعة الكرارْ

من زاخو لحد الفاوْ

والحاسد بچه من لمة الأخيارْ

واحلمنا بعد مرْه

بنهر صافي

يسبح بيه گمر آذارْ

واتحقق حلمنا وصارْْ

وهلهلنا وركصنا بعيد

يانهر المحبهْ ألفرّحْ الاطيارْ

احچيلى بعد

من عبرت ثمانين العمر سنتين

إشعندك بعد اسرار

مو آنه چنت محتارْ

من زغري اشوف الناس

تحفر بالنهرْ

تزرع عالجرف اشجارْ

واگول اشجاها هالوادم

موعِدنا، چثير انهارْ

اثاريهم زِلم ثوارْ

من حفروا نهر ما يشبه الانهارْ

لَمْ كل البشر انصارْ..

وانكتبت عليهْ اشعارْ

سلمان التحبة الناسْ

من سومر اجه بشّارْ

حُفر نهر المحبة يعاونونه احرارْ

هلاهلنا ومضايفنا

علا الصوبين

عمارهْ وبصرهْ والكوفهْ

رُميثة والسماوة.. ونگرة السلمانْ

حديثهْ وراوه والموصلْ

واطيوب المحبه وصلت ال سنجارْ

عزيز انتَ ..

ولو تدري وراك اشصارْ

حفر نهرك عشگ

بگلوب كل الناسْ

لو ما هالنهر يجري

نظيف الماي والمنبعْ

ما چنا غسلنا العارْ

نظفنا الشوارعْ

من صورْ ..

چانت تجيب العارْ

ولاچنا عرفنا اسرارْ

ولا انطانة النخل جمارْ

اشگد هبت علينا اعصارْ

سفنا بخير ياسلمانْ

سفنا تروح للبصرهْ

و تلعفرْ

تجيب الطيب والعنبرْ نهر ما يشبۤه الانهارْ

هاشم الموسوي

من چنا نجوم ازغارْ

چان الليل يوحشنا

و چنا نريدْ

يطلع فدْ گٌمَر نوّارْ

يبشرنا بشهر آذارْ

وهَسه انگول ..

بعد سنين من ذاكْ

الطلوگ الجابته الاقدارْ

حِلو هواي شهر آذارْ

من يطلع علينا بخيرْ

بيده شموعْ

صينية فرحْ... وازهارْ

لًمْ الناس فرحانين

عرب واكراد

تُركمان وأزيدية وفيليه

سِنهّ وشيعة الكرارْ

من زاخو لحد الفاوْ

والحاسد بچه من لمة الأخيارْ

واحلمنا بعد مرْه

بنهر صافي

يسبح بيه گمر آذارْ

واتحقق حلمنا وصارْْ

وهلهلنا وركصنا بعيد

يانهر المحبهْ ألفرّحْ الاطيارْ

احچيلى بعد

من عبرت ثمانين العمر سنتين

إشعندك بعد اسرار

مو آنه چنت محتارْ

من زغري اشوف الناس

تحفر بالنهرْ

تزرع عالجرف اشجارْ

واگول اشجاها هالوادم

موعِدنا، چثير انهارْ

اثاريهم زِلم ثوارْ

من حفروا نهر ما يشبه الانهارْ

لَمْ كل البشر انصارْ..

وانكتبت عليهْ اشعارْ

سلمان التحبة الناسْ

من سومر اجه بشّارْ

حُفر نهر المحبة يعاونونه احرارْ

هلاهلنا ومضايفنا

علا الصوبين

عمارهْ وبصرهْ والكوفهْ

رُميثة والسماوة.. ونگرة السلمانْ

حديثهْ وراوه والموصلْ

واطيوب المحبه وصلت ال سنجارْ

عزيز انتَ ..

ولو تدري وراك اشصارْ

حفر نهرك عشگ

بگلوب كل الناسْ

لو ما هالنهر يجري

نظيف الماي والمنبعْ

ما چنا غسلنا العارْ

نظفنا الشوارعْ

من صورْ ..

چانت تجيب العارْ

ولاچنا عرفنا اسرارْ

ولا انطانة النخل جمارْ

اشگد هبت علينا اعصارْ

سفنا بخير ياسلمانْ

سفنا تروح للبصرهْ

و تلعفرْ

تجيب الطيب والعنبرْ

سفنا كبارْ

بيها ركبوا الثوارْ

نام... انت .. قرير العينْ

واحنا نعاهدكْ

كل عامْ

هلاهلنا تجي طشارْ

ونهرك يمتلي ليلو

زمرد والعقيق الوانْ

نفرح من يجي آذارْ

ونجيب الشمسْ

ويا الگمر خطارْ

سفنا كبارْ

بيها ركبوا الثوارْ

نام... انت .. قرير العينْ

واحنا نعاهدكْ

كل عامْ

هلاهلنا تجي طشارْ

ونهرك يمتلي ليلو

زمرد والعقيق الوانْ

نفرح من يجي آذارْ

ونجيب الشمسْ

ويا الگمر خطارْ

faroq mawasiهذا المثل يقال لمن يضيّع الفرصة بسبب الطمع.

 المثل يلفظ كما ورد في الأصل، فإذا خاطبت جماعة لا أقول لهم "ضيعتم" بل "ضيعتِ" – كما وردت في الأصل.

 (انظر:الحريري في "درة الغواص" ، ص 237، وابن السِّكّيت في "إصلاح المنطق، ص 288).

وردت القصة في روايات مختلفة تلتقي في فكرتها الجوهرية: الخيرِ المُضيّع بالطَّمع، أو فيمن ضيع الفرصة وفوّتها.

...

ورد المثل في ( مجمع الأمثال) للميداني- المثل رقم 2725.

..

فِي الصِّيفِ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ

..

"ويروى "الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللبن" والتاء من"ضيعت" مكسور في كل حال إذا خوطب به المذكر والمؤنث والاثنان والجمع؛ لأن المثَلَ في الأصل خوطبت به امرَأة، وهي دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زُرارة كانت تحت عمرو بن عُدَاس، وكان شيخًا كبيرًا فَفَركَتْهُ (فركته: كرهته) فطلقها، ثم تزوجها فتى جميل الوجه، أجْدَبَتْ فبعثت إلى عمرو تطلب منه حَلُوبة، فَقَال عمرو:

 "في الصيف ضيعت اللبن".

 فلما رجع الرسول وقَال لها ما قَال عمرو، ضربَتْ يَدَها على منكِب زوجها، وقَالت:

 "هذا ومَذْقُه خَيرٌ"-  تعني أن هذا الزوج مع عدم اللبن خيرٌ من عمرو، فذهبت كلماتها مَثَلاً.

فالأول يضرب لمن يطلب شيئًا قد فَوَّته على نفسه، والثاني يضرب لمن قَنَع باليسير إذا لم يجد الخطير.

وإنما خص الصيف لأن سؤالها الطلاقَ كان في الصيف، أو أن الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيعًا لألبانها عند الحاجة".

...

انتبه للجملة الأخيرة من الاقتباس، فالمثل إذن له سبب آخر،

 وقد أشار إلى ذلك كذلك ابن عبد ربه في "العقد الفريد"، فهو لا يذكر أية قصة تتعلق بامرأة تطلب لبنًا، بل شرح المثل ضمن "طلب الحاجة بعد فواتها":

"معناه أن الرجل إذا لم يُطرق ماشيته في الصيف كان مضيّعًا لألبانها عند الحاجة".

(ج3، ص 126).

ملاحظة:

إذا بدأنا المثل: الصيفَ، فإعراب الكلمة: ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل بعدها.

رواية أخرى لقصة المثل:

................

كانت  امرأة الأسوَد بن هُرمُز  عنودًا لا ترغب في صحبة زوجها، ثم جرى بينه وبين العنود ما أدى إلى الطلاق، فحنّ  الأسود إليها، فراسلها، فأجابته بقولها:

أتركتَني حتى إذا  ***  عُلِّقتَ أبيضَ كالشطَنْ

أنشأتَ تطلب وصلَنا  *** في الصيف ضيعتَ اللبن

التاء هنا مفتوحة ، وهي في المثل مكسورة.

(الزمخشري: المستقصَى في أمثال العرب، رقم 1426)

(الفيروز أبادي- القاموس المحيط ، مادة "ضاع"، وهو يذكر فتح (ضيعتَ).

...

الشيء بالشيء يُذكر:

خاطب وضّاح اليمن (ت. 709 م) حبيبته روضة مقتبسًا بيتي امرأة الأسود بن هرمز:

يا رَوضَة َ الوضَّاحِ *** قَدْ عَنَّيْتِ وَضَّاحَ اليَمَنْ

فاسقي خليلكِ من شرا ***  بٍ لمْ يكدِّرْهُ الدرنْ

الريحُ رِيحُ سَفَرْجَلٍ *** والطعمُ طعمُ سلافِ دنّ

أخبرهُ إما جئتهُ ***  أنَّ الفؤادَ بهِ يُجَنّ

أبْغَضْتُ فيهِ أحِبَّتي ***  وقليتُ أهلي والوطنْ

..[...]

أتركتني حتى إذا  *** عُلِّقتُ أبيضَ كالشطنْ

أنشأتَ تطلبُ وصلنا *** في الصيفِ ضيعتِ اللبنْ

(الأصفهاني: الأغاني، ج6، ص 228)

نعود إلى رواية الميداني المشهورة كما ترد في مصادر أخرى كثيرة:

....

 هذا المثل في الأصل خوطبت به امرَأة وهي دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زُرارة (تميمية توفيت نحو 594 م) كانت زوجة لأبي شُرَيح عمرو بن عُدَاس، وقيل إنها كانت ابنة عمه، وبعدما أسنّ زوجها وأصبح عجوزًا، وكان أكثر قومه مالاً وأعظمهم شرفًا، وكان رجلاً كبيرًا وشهمًا كريمًا، فكان يغدق عليها طعامًا وشرابًا ولبنًا سائغًا للشاربين، لكنّها كرهت شيخوخته، بعد أن أصبح قبيحًا رديء الفم وأبرص أبخر أعرج، فأخذت تؤذيه وتسمعه ما يكره وتهجره، ففركته حتى طلّقها.  وكان سبب الطلاق هو أنه وضع رأسه ذات يوم في حِجرها، فهي تُهمهُم وتُفلي في رأسه فأغفى ونام عمرو، فَسال لعابه وهو بين النائم واليقظان فانتبه لِذلك، فلقي دختنوس تَتأفف منه، فقال :

“أيسرك أن أفارقك وأطلقك؟”

قالت: “نعم”

فَطلقها، وكان ذَلِكَ في الصيف.

ثمّ تزوجت بعده بشابٍ جميل المُحيّا وسيمًا وهو عُمير بن مَعبد من “آلِ زُرارة”، لكنّه لم يكن كزوجها السابق في الشجاعة والمروءة وكريم الخصال، ولا وجهًا مشرقًا بالسرور ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام .

وذات عام أجدبت الأرض وأصبحت قاحلة، وكان الوقتُ صيفًا قائظًا، فمرت إبل عمرو بن عدس عليها كأنها الليل من كثرتها، فقالت دختنوس لخادمتها:

“ويلك انطلقي إلى أبي شُريح فقولي له: فليسقنا من اللبن”!

فأتت الخادمة تطلب منه حَلُوبة فقالت له:

إن بنت عمك دختنوس تقول لك اسقِنا من لبنك!

فقال لها عمرو:

قولي لها “في الصّيف ضيّعْتِ اللّبن” يا دختنوس!

فمضى مثلاً مُتداولا بين العرب يضرب لمن ضيّع الفرصة، وفوّت الغنيمة، وقيل إن هذا المثل يروى هكذا :”الصيف ضيَّحتِ اللبن” بالحاء بدلاً من العين، وهو من الضياح والضَّيح، وهو اللبن الممذوق (والمذقة شربة ممزوجة) الكثير الماء، ويقصد: الصيف أفسدت اللبن وحرمته نفسك.

ثم أرسل إليها بلقوحين من لبن، فقالت الخادمة:

أرسل إليكِ أبو شُرَيح بِهذا، وهو يقول لكِ: في الصّيف ضيّعْتِ اللّبن.

فقالت دختنوس حين سمعت ذلك وضربَتْ يَدَها بخفة على منكب زوجها الشاب:

“هذا ومَذْقُه خَيرٌ‏”‏- تعني بقولها هذا أن هذا الزوج مع عدم اللبن والمال خيرٌ وأفضل من زوجها السابق أبي شريح – فذهبت كلماتها مثلاً مُتداولا بين العرب- لمن قَنَع باليسير إذا لم يجد الخطير‏.‏

المصدر: (إبراهيم، شمس الدين باشا، معجم الأمثال العربية، ص 200، وهو يحيل إلى مصادر متعددة)

...

رواية أخرى مهمة باختلاف في تصرف عمرو:

..

كان أحد سُراة الجاهلية ووجهائها وهو "عمرو بن عمرو بن عُدسٍ" تزوّجَ ابنة عمِّه بعدما ارتفع سنُّه وصار شيخًا كبيرًا. وكانَ يحبُّها ويكرمُها ويسخو عليها بمالهِ الوفير. لكنّها كرهت شيخوخته، ونسيت في غمار هذه الحسرة ما يتمتّع به زوجها من كرمٍ وشجاعة وذكاء ووجاهة في قومه فضلاً عن حبّه العظيم لها، لكنّها فركته حتى طلّقها أي ظلّت معه على سوء الطباع والخصام والنفور حتى طلّقها، ثمّ تزوجت بعده بشابٍ جميل المُحيّا من "آلِ زُرارة"، لكنّه لم يكن كزوجها السابق في الشجاعة والمروءة وكريم الخصال؛ فلما أغارت عليهم قبيلةُ "بكر بن وائل" نبّهتْ زوجها ليدافع عنها ويمنع عن عِرضها الأذى، لكنّه استعظم القتال واستهول الرجال، وأصابهُ الفزعُ فماتَ في مكانِه، فسباها قومُ "بكر بن وائل". فسمع بذلك زوجُها الأوّل - عمرو بن عمرو- فأسرع إليها بالنّجدة والفرسان فاستنقذها من السّبي والمهانة.

ثمّ تزوجتْ ثانيةً بشابّ آخر لكنّه - هذه المرَّةَ - كانَ فقيرًا إلى حدّ أنّها كانت تتشهَّى أنْ تشرب الحليب الذي لم تكن تفتقده في بيت "عمرو بن عمرو"، بل كانت تشربه بديلا للماء عند هذا الزوج الأول. وبلغَ بها اشتهاءُ اللّبنَ درجة شديدةً. إلى أن كانت ذات ليلةٍ واقفةً أمامَ خيمتها ومعها جاريتُها فمرّت بها قافلةٌ عظيمة من الإبلِ تكاد تسدّ الأفقَ فقالت لجاريتها: اطْلُبي من صاحب هذه الإبل أن يَسْقِيَنا من الّلبن. فذهبت الجارية وأبلغت الرسالة لصاحب القطيع، وإذا به "عمرو بن عمرو بن عُدس" - زوجها الأول، فسأل الجارية: أين سيدتُكِ؟ فأشارت إلى حيثُ تقفُ زوجته السّابقة، فقالَ لها : قولي لها:

"الصَّيفَ ضيَّعتِ اللّبن"، ورفض أن يعطيها من حلبِ إبله. وكان يشيرُ بقوله هذا إلى إضاعتها له وإسراعها إلى الزواج بغيره ممّن لم يدانُوه في خُلُقِه وحبّه لها، ولم يستطيعوا - مثله - أن يمهّدوا لها العيش الكريم؛ فأحدُهم مات جُبنًا ولم يستطع الدفاع عنها، والآخرُ أجاعها وأظمَاَها إلى حدّ أنها اشتهت حلبَ الإبلِ من الغُرباءِ.

 وصارت مقولةُ عمرو بن عمرو مثلاً يُضربُ لكلّ من يُضيِّعُ ما بيديه من خيرٍ طمعًا في غيره وبطرًا بالّنعم وجهلاً بقيمة ما يملكه من مُتاَحِ النّعَمِ.

(موقع ويكيبيديا وفيه دراسة مستفيضة عن دختنوس بنت لقيط)

..

 

ب. فاروق مواسي