faroq mawasiيخَطّئ مازن المبارك في كتابه (نحو وعي لغوي، ص 102) وزهدي جار الله في كتابه (الكتابة الصحيحة، ص 396) وغيرهما من يقول: تَوَفَّى فلان (بالبناء للمعلوم) ومن يقول "رأيت المُتَوَفِّي".

والصواب في رأيهم أن يبنى الفعل للمجهول، فنقول: تُوِفّي فلان فهو المُتَوَفَّى، ويستشهدون بالآية الكريمة:

{الله يَتوفّى الأنفسَ حين موتِها}- الزُّمَر، ص 42.

فتبعًا للآية فإن الله هو المتوَفِّي.

..

أما الآية- {والذين يُتَوَفَّون منكم ويذرون أزواجًا}- البقرة، 234- بالبناء للمجهول، فقد قرأها علي –كرّم الله وجهه- بالبناء للمعلوم (والذين يَتَوَفّون منكم...)-

قال ابن جِنِّي في (المحتسب، ج1، ص 125):

"ومن ذلك ما رواه أبو عبدالرحمن السُّلَمي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُم}- البقرة، 234 بفتح الياء. قال ابن مجاهد: ولا يُقرأ بها.

 قال أبوالفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أي: والذين يَتَوَفَّون أيّامَهم أو أعمارَهم أو آجالهم".

كذلك علّق أبو جعفر النحاس في كتابه (إعراب القرآن) على هذه القراءة قائلاً "فمعناه يستوفي أجله".

(نقلاً عن كتاب أحمد مختار عمر- العربية الصحيحة، ص 135.)

...

جاء في (لسان العرب) وفي (تاج العروس):

تَوَفّـي فلان: استيفاء مدّته التي وُفِّيَـت له، وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا.

أما فعل المصدر (تَوَفِّـي) فهو تَوَفّى تَوَفَِـيًا- أي استوفى المدة المقدرة لبقائه حيًا.

..

الخلاصة أننا لا نخطئ إذا قلنا أو كتبنا: تَوَفّى فلان، وهو المُتَوَفّي، وذلك بمعنى استوفى أجله، فهو المستوفي.

..

 لكني شخصيًا أفضّل البناء للمجهول، وربما بتأثير الآية في قراءة حفص، وكما هي واردة في المصحف الشريف.

 

ب. فاروق مواسي

 

mohanad salahتمخض التاريخ الحديث للآداب والعلوم والفنون عن بزوغ تجارب مغايرة ومختلفة . شقت طريقها داخل المجتمعات، وغيرت خارطة القراءة والتلقي (النمطية) بأدوات وأساليب جديدة. كسرت كل الأنساق الثابتة وأجبرت الساحة الثقافية على الإنزياح نحو مناطق جديدة لطالما كان هاجس الخوف من الإقتراب منها هو الغالب على معاصريها . وذلك لإتجاه أغلب الكتاب والمفكرين نحو (أسطرة) الموروث وعدم الحياد عنه. مما خلق عمليات لا نهاية لها من الإجترار، والإلتفاف الدائم حول بؤرة الثقافات (الكلاسيكية)، وإندفاع الكثير من ممثلي المشهد الثقافي نحو إتخاذ موقف المدافع عن هذا التراث، ومهاجمة أي تكوين إجتهادي وإبداعي يتعارض مع القواعد والمناهج التي يحاولون من خلال إحاطتها بهالة من (القدسية) . منع أي تعدي على خطوطها أو حتى الإقتراب من البحث في تكوينها الفكري . فكيف يكون الحال مع (نتاج جديد) لا يستمد سماته من الجذور، أو إنه يمثل التأسيس لـ (ثورة أو إنقلاب) على كل ما هو معتاد ؟؟ .. إنها (الظاهرة) التي أعادت تشكيل ملامح المشاريع الثقافية، وزرعت بذور تكوينها في مساحات لم يكن في الحسبان إنها ستكون صالحة ذات يوم لهكذا حرث في خاصرة التلقي . فبالقدر الذي يكون فيه مؤلما بكل ما يحمله من حراك داخل دوائر الركود والثبات التي أنتجت الكثير من التقرحات في مناطق متعددة داخل العقل الجمعي للجمهور . لكنه أنتج صراعا مفرطا مع القوانين الوضعية لكسر رتابتها وإستبدالها بمناطق (متحررة) . توفر للجميع القدرة على توسيع قائمة الخيارات بعد أن كانت محدودة ومقيدة . إلا إن عصر

(الظواهر) بدأ بالتلاشي تدريجيا رغم التقدم والتطور الذي عصف بالمجتمعات نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد . وهذا يتعلق بالعديد من المؤثرات التي حكمت على الوسط الثقافي بالتراجع بدل التقدم . كالحروب والتأثير الآيديولوجي للفكر السياسي المتطرف، وعدم إجتهاد المثقفين للنزوح نحو مناطق إبداعية جديدة، وتهربهم من مسؤولية الإقتراب من الجمهور وردم ثغرات عدم الثقة معه، هذا بالإضافة إلى لجوء هذا الجمهور إلى مراحل من السبات والإكتفاء بالوجبات الفكرية السريعة التي تقدمها التقنيات الحديثة، وهي في غالبها مستوردة ولا تمثل الإجتهادات الإبداعية التي نطمح لها .. المشكلة الأكبر بأننا في الغالب لا نعي أهمية (الأنثروبولوجيا الثقافية) التي تهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد عناصرها . كما تهدف إلى دراسة عمليات التغيير والتمازج الثقافي، وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات، وتفسّر بالتالي المراحل التطوّرية لثقافة معيّنة في مجتمع ما .‏ ولهذا استطاع علماء الأنثروبولوجيا الثقافية أن ينجحوا في دراساتهم التي أجروها على حياة الإنسان، سواء ما اعتمد منها على التراث المكتوب للإنسان القديم وتحليل آثارها، أو ما كان منها يتعلّق بالإنسان المعاصر ضمن إطاره الاجتماعي المعاش .‏ وهذا يدخل – إلى حدّ بعيد - فيما يسمّى (علم اجتماع الثقافة) والذي يعني (تحليل طبيعة العلاقة بين الموجود من أنماط النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية) .. ليس المهمّ من وجهة النظر التحليلية إثبات العلاقة بين النتاج الفكري والواقع الاجتماعي، بقدر ما هو تحليل لأشكال هذه العلاقة في مرحلة معيّنة لمجتمع معيّن . ويعد هذا التحليل مصدرا أساسيا في المناقشات المتعلّقة بالروابط الموجودة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، والتي أفضت إلى تأكيد فكرة التبادل الديالكتيكي القائم بينهما . وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ اجتماعية الأدب والفن، ساهمت مساهمة متطوّرة في تحليل أشكال العلاقة بين النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية .‏. إن تحديد الكيفية التي يحوّل بها نتاج فكري، كالقصّ أو المسرح مثلاً، معطيات الواقع، لا يكفي، بل لا بد من إبراز الوظيفة الاجتماعية / السياسية لهذا النتاج، ولا سيما أن المنتجين ينتمون إلى فئات من المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها أو لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات اجتماعية معينة. وهذه الوظيفة ليست مظهرا ثانويا أو تكميليا، بل هي بعد من أبعاد العلاقة بين الثقافة والمجتمع، ولا يمكن تفسير أي حدث فكري من دونها. وهي في الوقت ذاته، توجد حلا لما يسمى ” استقلالية ” القيم الفكرية والجمالية، وذلك من خلال اكتشاف وظيفة استمرارية هذه القيم، أو بعثها في ظروف تاريخية محددة .‏ إن دراسة الوسط الثقافي، تكشف عن الآلية السيكولوجية التي توجه سلوك الفرد، وتصرف النزعة العدوانية في مجالات تنفيس مهذّب .. من الممكن تحديد مجموعة متناسقة من أنماط السلوك الإنساني، والتي يمكن اعتمادها في دراسة السلوك الفردي، لدى أفراد مجتمع معين، حيث أن جوهر الثقافة هو في حقيقة الأمر، ليس إلا تفاعل الأفراد في المجتمع بعضهم مع بعض، وما ينجم عن هذا التفاعل من علاقات ومشاعر وطرائق حياتية مشتركة هو النتاج الذي يطرح كظاهرة تكسر كل الحواجز النمطية . إلا إن التأثيرات الإجتماعية بما فيها من (عادات وتقاليد وأعراف) أثرت كثيرا في إستنزاف خلق ظواهر أو حتى إستيعابها من قبل الجمهور . وهو ما جعلنا نعود الى المربع الأول ما قبل (النتاج الظاهراتي) .. الأزمة في حقيقتها تكمن بأننا إستسلمنا للواقع الذي نعيشه والإكتفاء بتراجعنا يوما بعد آخر عن خط التماس مع الثقافات العالمية وظواهرها، وأصبحنا نحارب أي تجربة جديدة ونتهمها بـ (الغربنة) أو (الجنون) ، وأصبح أكبر هموم المسؤولين عن الثقافة هي مصالحهم الشخصية وكيفية التسلق على أمجاد الماضي لتحقيق الرغبات الذاتية .. نحن بحاجة جادة لدولة تمتلك من الوعي ما يؤهلها لتبني المشروع الثقافي بعيدا عن الفئوية والمصالح السياسية . ومؤسسات ثقافية تمتلك القدرة على ترميم ما تبقى من النتاج الثقافي للنهوض بواقع مغاير جديد، وإلا فإننا نسير نحو الفراغ بدرايتنا ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيخَطّئ بعض اللغويين أن ننسب للجمع، كأن نقول: مباحث أخلاقية، القانون الدُّوَلي (انظر مثلاً: زهدي جار الله، الكتابة الصحيحة، ص 113، ص 116) وذلك لأن البصريين يرون أن ننسب للمفرد، فـ "بساتين" ينسب إليها= بستانيّ، و "كُـتّاب"= كاتبيّ....

أما النسبة للجمع في رأي البصريين فتكون للاسم الذي ورد جمعًا، بشروط منها:

* جمع لا واحد له، نحو "أبابيل"، أو لا واحد له من لفظه: قوم، جيش.

* جمع يجري على غير مفرده: ملامح، محاسن وواحده لَمحة، وحسن.

* جمع يُفرّق بينه وبين مفرده بياء النسب أو تاء التأنيث: عرب، أعراب، تمر، تفاح.

* علم منقول عن جمع تكسير، نحو: الجزائر= جزائري، الأخبار (صحيفة)= أخباري، الأهرام= أهراميّ...

...

لكن الكوفيين أجازوا النسب إلى جمع التكسير الباقي على جمعيّته مطلقًا (أي الذي لم يُسمَّ به)، وذلك اعتمادًا على عشرات الأمثلة مما ورد في لغة العرب، وقد ارتأى المجمع اللغوي في القاهرة رأي الكوفيين، وقال:

"إن النسبة إلى الجمع قد تكون أبيَن وأدقّ في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد".

من "محاضر جلسات مجمع اللغة العربية في دور انعقاده الثالث"، ص 4- نقلاً عن إميل يعقوب: معجم الخطأ والصواب في اللغة، ص 131.

..

 فعليه يجوز أن نقول مباحث خلقية عامة، ويجوز أن نقول: مباحث أخلاقية سواء أكانت تتعلق بعلم الأخلاق أو بالأخلاق عامة، وخبر صَحَفي أو صُحُفي، ومواد كتابية ومواد كتبية، وألحان كنائسية وكنَسية...

...

ومثلها يحق لي أن أقول: القانون الدّوْلي أو الدُّوَلي عند النسبة للدول،

وفي رأيي أن تُفضّل الأخيرة، لأن الدَّوْلي قد تكون محصورة في دولة واحدة، و "الدُّوَلي"- كما ذُكر في قرار المجمع: "أدقّ في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد".

ثم إن استخدام اللغة أخذ يمايز بين النسبة للمفرد وبين النسبة للجمع من غير أن يُحدّد ذلك في كتب اللغة تخصيصًا، نحو:

شعبيّ- شعوبي

من أمّة- أمّي- أممي

ملَكيّ- ملوكيّ

حقّـيّ- حقوقيّ....إلخ

 

ب. فاروق مواسي

mohanad salahالنتاج الثقافي بكل أشكاله. هو الحصيلة الفكرية التي يطرحها الكاتب لتكون بالتالي على طاولة التلقي لدى القراء. وبدون جمهور يستوعب ما يتم تقديمه من أعمال، لن يكون لهذه النتاجات جدوى من تصديرها أو عمليات تسويقها . فأي تكوين فكري يصنع بمجرد خلقه خطا موازيا يواكبه ويستمر معه في مسيرته حتى تحقيق الغايات المثلى لنواة الكتابة . وهي بغالبها تقف عند تحديد المشاكل ووضع الحلول المناسبة لها بصياغات ثقافية .. المشكلة الأساسية التي يحاول الكثير من (الكتاب) الهروب من حقيقتها المؤلمة. هي إنفلات الحلقات الرابطة بين (النتاج والقراء) . وهو ما صنع فجوة كبيرة أدت إلى تراجع نسبة القراءة مع ما يوازيها من نتاج يملأ الساحة الثقافية دون أن يجد له مكانا في التراكيب القرائية التي يجب أن يتناولها (المستهلك) . بإعتبارها المادة الفكرية التي تم إعدادها لتغطي المساحات الشاسعة من إحتياجات المتلقي ومتطلباته . ولو حاولنا أن نؤشر عبر الخط البياني لمبيعات الكتب وحجم ما يتم طباعته من هذه الكتب في المطابع مع الأخذ بعين الإعتبار المادة التي تحتويها، لوجدنا حقائق مرعبة تضع المشهد الثقافي برمته على حافة الهاوية . إن لم يكن أصلا قد بدأ بالتساقط . فنسبة مبيعات الكتب التي لا يمكن أن تكون ضمن المشاريع الثقافية التي تفتخر بها الشعوب قد تجاوزت بكثير ما يمكن تخيله من أرقام . وتأتي بعدها الكتب الدينية وكتب المناهج الدراسية التي غزت المبيعات في الآونة الأخيرة بسبب تلكؤ وزارة التربية في توفيرها للطلبة . وفي آخر القائمة ستكون هنالك أعداد بسيطة من الكتب ذات الصلة بالواقع الثقافي لا تقارن مع حجم ما يطبع من الكتب سابقة الذكر . وحتى هذه الكتب التي من المفترض إنها تمثل الحركة الثقافية، فإنها في واقعها تمثل نتاج مستورد من خارج رقعة الخارطة الجغرافية للإشتغال الثقافي . يتم إعادة طباعتها لإقبال القراء على النتاج (الأجنبي) أكثر من النتاج المحلي . وذلك يعود للأسف إلى عدم ثقة القارئ في الغالب بما ينتجه الكاتب المحلي . أو إقتصاره على ما يتم الدعاية له بشكل جيد . بينما تقتصر النتاجات المحلية بشكل كبير على الكثير من المطبوعات بمختلف الألوان والتي توزع في الغالب بالمجان لتكون حبيسة الرفوف .. المشكلة التي يغفلها الكثيرون في الساحة الثقافية تكمن في أن هنالك حلقة مفقودة بين (الكاتب والقارئ) . هذه الحلقة هي (الثقافة القرائية) لدى الجمهور . فالكتب حالها كحال أي مادة تخضع للإعلان والتسويق قبل الشروع بتقديمها في الأسواق . وهنا أقصد عملية التمهيد للمنتج . وهو ما سيحقق نسبة مبيعات عالية تجبر المقتني للكتاب على قراءته، وبالتالي ستبدأ بوصلة القراءة لديه بتغيير إتجاهها نحو المسارات التي يجب أن تكون عليها بعد أن وصلت لمراحل من الإبتعاد اللامتناهي عن مفهوم القراءة المنتجة لمجتمع يحمل ثقافة تجعله مفتخرا بها . وهذا سيكون بحاجة لمراحل مدروسة تشترك في التأسيس لها (المؤسسات الثقافية / الكاتب / دور الطباعة والنشر) للسيطرة على ما يتم عرضه في الأسواق من نتاج . وما سيضمن نجاح هكذا أفكار، هو قدرة المجتمع الشرقي على الإنسلاخ مما يحمله من ثقافة لإستبداله بثقافة أخرى . إذا ما وجد بأن الإقبال على ما هو جديد سيكون الطريق الأمثل له كي يواكب أقرانه من القراء . لكننا في الوقت ذاته سنكون بحاجة لقوانين تدير آلية النشر والطباعة يشرف عليها أناس مختصون وخاضعون للمصلحة الثقافية العليا للبلاد، وليس لهم إنتماءات سياسية أو فكرية تنعكس على ما يتم منعه أو السماح بطباعته . كي يتم الحد من طباعة وعرض النتاج التجاري السلبي، وإستبداله بنتاج يستحق القراءة والتلقي . وترك الفرصة أمام القراء لتناول الكثير من النتاجات التي لم تجد لها المساحة الكافية للعرض من خلالها، والوصول الى مستويات عالية من القراءة كي تستعيد الساحة الثقافية عافيتها التي فقدتها مع النتاجات السيئة التي كانت تحتل أروقتها . ويتحول النتاج المحلي الى نتاج عربي وعالمي يتسارع له قراء الخارج لإقتناءه .. إن كل هذه الأفكار لن تتحقق أو تجد لها حيزا ضمن الاشتغالات المؤسساتية ما لم تتكاتف جميع مكونات العملية الإبداعية للشروع في المضي لتحقيقها، وإذا ما إستمر وضع المشهد الثقافي وما يتضمنه من نتاجات معروضة أمام القارئ بهذا الشكل المتردي الذي نراه اليوم، فلن يكون هنالك ما يستحق تقديمه للأجيال القادمة . بل سيكون المحتوى خليطا من النتاجات الرديئة والسيئة الصيت التي ستسبب في تدهور المستوى الثقافي لعقود طويلة ...

 

مهند صلاح

 

mohamad aldamiإذا ما زعم المرء أن “الثقافة المقارنة” مهمة للغاية، ليس لمعرفة الذات حسب، وإنما لرسم صورة ذاتية دقيقة المعالم على سبيل تقديمها لــ”الآخر” بناءً على تتبع التوازيات والتقاطعات، فإن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة والمنظورات المسبقة التي شابت “الدراسات المقارنة” واختطفتها من حقل عملها الصحيح، خاصة في جامعات عالمنا العربي، درجة تشويهها وإحالتها إلى حقول مثقلة بالنرجسية وبإطراء الذات وبالخيلاء، ناهيك عن الميل القوي عند حرفها عبر العقل العربي إلى التفضيل واعتماد درجات المقارنة: من الجيد إلى الأجود؛ ومن السيئ إلى الأسوأ، وهكذا دواليك.

لذا توجب على العارفين بهذا الحقل الحيوي من النشاط الذهني أن يزيلوا بعض الأخطاء ويصححوا البعض الآخر ليمنعوا التمادي والتماهي بما جاء في أعلاه حتى حدود الانحياز وضياع الحيادية، بل وفقدان رؤيا الدراسات المقارنة بجوهرها.

إن الفكرة الأساس في الدراسات المقارنة تنأى كثيرًا بنفسها عن ذلك الميل “الطفولي” للتقييمات المعيارية العمياء أو المتعامية بإطراء الذات! عندما أقارن كاتبا أو شاعرا عربيا بآخر إنجليزي أو ألماني أو فرنسي، فإن الهدف لا يمكن أن يخلص إلى نتيجة محتومة، مفادها هو أن العربي هو الأفضل، كما اعتاد آباؤنا وأجدادنا تفضيل اللحوم المحلية على سواها، المستوردة خاصة. إن الموضوع ليس هكذا: فالمقصود من الدراسات المقارنة هو: وضع الشيئين أو الكيانين المراد مقارنتهما على “دكة” قد تكون خيالية، ثم معاينتهما بدقة، وتسجيل النقاط المتشابهة والنقاط المختلفة بينهما. ليس بقصد تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما بقصد قياس خطوط التماس والتطابق، من ناحية، وخطوط الانحراف والتباعد، من الناحية الثانية، على سبيل إيجاد معيار دقيق لدرجات الاختلاف بين الشيئين. ويكون الهدف النهائي الأدق هنا، ويا للمفاجأة، هدفًا رقميًّا وإحصائيًّا، غير مفهوم بالنسبة للكثيرين. لذا يخلص الباحث إلى أن مجالات الالتقاء والتشابه والتقارب تساوي 40 بالمئة، ودرجات الاختلاف والتباعد تساوي 60 بالمئة، على سبيل المثال. ومعنى ذلك هو أن أبحاث الدراسات المقارنة، إن كانت دقيقة، ينبغي أن تضغط خلاصاتها برموز رقمية وإحصائية دقيقة، وليس بتقييمات معيارية متعامية بالانحياز وبتفضيل الذات على الآخر، كما كان ديدن هذه الدراسات في الجامعات العربية، لبالغ الأسف. بل ينبغي أن تكون الخلاصات الرقمية قابلة للتحول إلى خطوط بيانية مرسومة كذلك.

أما ما يجري في عالمنا العربي، خاصة عبر الأقسام العلمية لهذه الجامعات، فلا يزيد عمليًّا، للأسف، عن مقارنات ومقاربات اعتباطية وذوقية يقصد منها تحقيق أهداف مسبقة، وأهمها تفضيل المحلي على الأجنبي ومنحه الدرجات الأعلى. لقد كان هذا هو الاتجاه الذي اختطه الكثيرون في الدراسات الأدبية المقارنة في الجامعات العربية، خاصة عندما يقارن الباحث بين شاعر عربي وآخر صيني، على سبيل المثال، إذ يتفوق الشاعر العربي على الصيني، شئنا أم أبينا، ربما مغازلة للرومانسية العربية!

حِلو هواي شهر آذارْ

من يطلع علينا بخيرْ

hashem mosawi

نهر ما يشبۤه الانهارْ / هاشم الموسوي

 

من چنا نجوم ازغارْ

چان الليل يوحشنا

و چنا نريدْ

يطلع فدْ گٌمَر نوّارْ

يبشرنا بشهر آذارْ

وهَسه انگول ..

بعد سنين من ذاكْ

الطلوگ الجابته الاقدارْ

حِلو هواي شهر آذارْ

من يطلع علينا بخيرْ

بيده شموعْ

صينية فرحْ... وازهارْ

لًمْ الناس فرحانين

عرب واكراد

تُركمان وأزيدية وفيليه

سِنهّ وشيعة الكرارْ

من زاخو لحد الفاوْ

والحاسد بچه من لمة الأخيارْ

واحلمنا بعد مرْه

بنهر صافي

يسبح بيه گمر آذارْ

واتحقق حلمنا وصارْْ

وهلهلنا وركصنا بعيد

يانهر المحبهْ ألفرّحْ الاطيارْ

احچيلى بعد

من عبرت ثمانين العمر سنتين

إشعندك بعد اسرار

مو آنه چنت محتارْ

من زغري اشوف الناس

تحفر بالنهرْ

تزرع عالجرف اشجارْ

واگول اشجاها هالوادم

موعِدنا، چثير انهارْ

اثاريهم زِلم ثوارْ

من حفروا نهر ما يشبه الانهارْ

لَمْ كل البشر انصارْ..

وانكتبت عليهْ اشعارْ

سلمان التحبة الناسْ

من سومر اجه بشّارْ

حُفر نهر المحبة يعاونونه احرارْ

هلاهلنا ومضايفنا

علا الصوبين

عمارهْ وبصرهْ والكوفهْ

رُميثة والسماوة.. ونگرة السلمانْ

حديثهْ وراوه والموصلْ

واطيوب المحبه وصلت ال سنجارْ

عزيز انتَ ..

ولو تدري وراك اشصارْ

حفر نهرك عشگ

بگلوب كل الناسْ

لو ما هالنهر يجري

نظيف الماي والمنبعْ

ما چنا غسلنا العارْ

نظفنا الشوارعْ

من صورْ ..

چانت تجيب العارْ

ولاچنا عرفنا اسرارْ

ولا انطانة النخل جمارْ

اشگد هبت علينا اعصارْ

سفنا بخير ياسلمانْ

سفنا تروح للبصرهْ

و تلعفرْ

تجيب الطيب والعنبرْ نهر ما يشبۤه الانهارْ

هاشم الموسوي

من چنا نجوم ازغارْ

چان الليل يوحشنا

و چنا نريدْ

يطلع فدْ گٌمَر نوّارْ

يبشرنا بشهر آذارْ

وهَسه انگول ..

بعد سنين من ذاكْ

الطلوگ الجابته الاقدارْ

حِلو هواي شهر آذارْ

من يطلع علينا بخيرْ

بيده شموعْ

صينية فرحْ... وازهارْ

لًمْ الناس فرحانين

عرب واكراد

تُركمان وأزيدية وفيليه

سِنهّ وشيعة الكرارْ

من زاخو لحد الفاوْ

والحاسد بچه من لمة الأخيارْ

واحلمنا بعد مرْه

بنهر صافي

يسبح بيه گمر آذارْ

واتحقق حلمنا وصارْْ

وهلهلنا وركصنا بعيد

يانهر المحبهْ ألفرّحْ الاطيارْ

احچيلى بعد

من عبرت ثمانين العمر سنتين

إشعندك بعد اسرار

مو آنه چنت محتارْ

من زغري اشوف الناس

تحفر بالنهرْ

تزرع عالجرف اشجارْ

واگول اشجاها هالوادم

موعِدنا، چثير انهارْ

اثاريهم زِلم ثوارْ

من حفروا نهر ما يشبه الانهارْ

لَمْ كل البشر انصارْ..

وانكتبت عليهْ اشعارْ

سلمان التحبة الناسْ

من سومر اجه بشّارْ

حُفر نهر المحبة يعاونونه احرارْ

هلاهلنا ومضايفنا

علا الصوبين

عمارهْ وبصرهْ والكوفهْ

رُميثة والسماوة.. ونگرة السلمانْ

حديثهْ وراوه والموصلْ

واطيوب المحبه وصلت ال سنجارْ

عزيز انتَ ..

ولو تدري وراك اشصارْ

حفر نهرك عشگ

بگلوب كل الناسْ

لو ما هالنهر يجري

نظيف الماي والمنبعْ

ما چنا غسلنا العارْ

نظفنا الشوارعْ

من صورْ ..

چانت تجيب العارْ

ولاچنا عرفنا اسرارْ

ولا انطانة النخل جمارْ

اشگد هبت علينا اعصارْ

سفنا بخير ياسلمانْ

سفنا تروح للبصرهْ

و تلعفرْ

تجيب الطيب والعنبرْ

سفنا كبارْ

بيها ركبوا الثوارْ

نام... انت .. قرير العينْ

واحنا نعاهدكْ

كل عامْ

هلاهلنا تجي طشارْ

ونهرك يمتلي ليلو

زمرد والعقيق الوانْ

نفرح من يجي آذارْ

ونجيب الشمسْ

ويا الگمر خطارْ

سفنا كبارْ

بيها ركبوا الثوارْ

نام... انت .. قرير العينْ

واحنا نعاهدكْ

كل عامْ

هلاهلنا تجي طشارْ

ونهرك يمتلي ليلو

زمرد والعقيق الوانْ

نفرح من يجي آذارْ

ونجيب الشمسْ

ويا الگمر خطارْ

faroq mawasiهذا المثل يقال لمن يضيّع الفرصة بسبب الطمع.

 المثل يلفظ كما ورد في الأصل، فإذا خاطبت جماعة لا أقول لهم "ضيعتم" بل "ضيعتِ" – كما وردت في الأصل.

 (انظر:الحريري في "درة الغواص" ، ص 237، وابن السِّكّيت في "إصلاح المنطق، ص 288).

وردت القصة في روايات مختلفة تلتقي في فكرتها الجوهرية: الخيرِ المُضيّع بالطَّمع، أو فيمن ضيع الفرصة وفوّتها.

...

ورد المثل في ( مجمع الأمثال) للميداني- المثل رقم 2725.

..

فِي الصِّيفِ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ

..

"ويروى "الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللبن" والتاء من"ضيعت" مكسور في كل حال إذا خوطب به المذكر والمؤنث والاثنان والجمع؛ لأن المثَلَ في الأصل خوطبت به امرَأة، وهي دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زُرارة كانت تحت عمرو بن عُدَاس، وكان شيخًا كبيرًا فَفَركَتْهُ (فركته: كرهته) فطلقها، ثم تزوجها فتى جميل الوجه، أجْدَبَتْ فبعثت إلى عمرو تطلب منه حَلُوبة، فَقَال عمرو:

 "في الصيف ضيعت اللبن".

 فلما رجع الرسول وقَال لها ما قَال عمرو، ضربَتْ يَدَها على منكِب زوجها، وقَالت:

 "هذا ومَذْقُه خَيرٌ"-  تعني أن هذا الزوج مع عدم اللبن خيرٌ من عمرو، فذهبت كلماتها مَثَلاً.

فالأول يضرب لمن يطلب شيئًا قد فَوَّته على نفسه، والثاني يضرب لمن قَنَع باليسير إذا لم يجد الخطير.

وإنما خص الصيف لأن سؤالها الطلاقَ كان في الصيف، أو أن الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيعًا لألبانها عند الحاجة".

...

انتبه للجملة الأخيرة من الاقتباس، فالمثل إذن له سبب آخر،

 وقد أشار إلى ذلك كذلك ابن عبد ربه في "العقد الفريد"، فهو لا يذكر أية قصة تتعلق بامرأة تطلب لبنًا، بل شرح المثل ضمن "طلب الحاجة بعد فواتها":

"معناه أن الرجل إذا لم يُطرق ماشيته في الصيف كان مضيّعًا لألبانها عند الحاجة".

(ج3، ص 126).

ملاحظة:

إذا بدأنا المثل: الصيفَ، فإعراب الكلمة: ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل بعدها.

رواية أخرى لقصة المثل:

................

كانت  امرأة الأسوَد بن هُرمُز  عنودًا لا ترغب في صحبة زوجها، ثم جرى بينه وبين العنود ما أدى إلى الطلاق، فحنّ  الأسود إليها، فراسلها، فأجابته بقولها:

أتركتَني حتى إذا  ***  عُلِّقتَ أبيضَ كالشطَنْ

أنشأتَ تطلب وصلَنا  *** في الصيف ضيعتَ اللبن

التاء هنا مفتوحة ، وهي في المثل مكسورة.

(الزمخشري: المستقصَى في أمثال العرب، رقم 1426)

(الفيروز أبادي- القاموس المحيط ، مادة "ضاع"، وهو يذكر فتح (ضيعتَ).

...

الشيء بالشيء يُذكر:

خاطب وضّاح اليمن (ت. 709 م) حبيبته روضة مقتبسًا بيتي امرأة الأسود بن هرمز:

يا رَوضَة َ الوضَّاحِ *** قَدْ عَنَّيْتِ وَضَّاحَ اليَمَنْ

فاسقي خليلكِ من شرا ***  بٍ لمْ يكدِّرْهُ الدرنْ

الريحُ رِيحُ سَفَرْجَلٍ *** والطعمُ طعمُ سلافِ دنّ

أخبرهُ إما جئتهُ ***  أنَّ الفؤادَ بهِ يُجَنّ

أبْغَضْتُ فيهِ أحِبَّتي ***  وقليتُ أهلي والوطنْ

..[...]

أتركتني حتى إذا  *** عُلِّقتُ أبيضَ كالشطنْ

أنشأتَ تطلبُ وصلنا *** في الصيفِ ضيعتِ اللبنْ

(الأصفهاني: الأغاني، ج6، ص 228)

نعود إلى رواية الميداني المشهورة كما ترد في مصادر أخرى كثيرة:

....

 هذا المثل في الأصل خوطبت به امرَأة وهي دَخْتَنُوس بنت لقيط بن زُرارة (تميمية توفيت نحو 594 م) كانت زوجة لأبي شُرَيح عمرو بن عُدَاس، وقيل إنها كانت ابنة عمه، وبعدما أسنّ زوجها وأصبح عجوزًا، وكان أكثر قومه مالاً وأعظمهم شرفًا، وكان رجلاً كبيرًا وشهمًا كريمًا، فكان يغدق عليها طعامًا وشرابًا ولبنًا سائغًا للشاربين، لكنّها كرهت شيخوخته، بعد أن أصبح قبيحًا رديء الفم وأبرص أبخر أعرج، فأخذت تؤذيه وتسمعه ما يكره وتهجره، ففركته حتى طلّقها.  وكان سبب الطلاق هو أنه وضع رأسه ذات يوم في حِجرها، فهي تُهمهُم وتُفلي في رأسه فأغفى ونام عمرو، فَسال لعابه وهو بين النائم واليقظان فانتبه لِذلك، فلقي دختنوس تَتأفف منه، فقال :

“أيسرك أن أفارقك وأطلقك؟”

قالت: “نعم”

فَطلقها، وكان ذَلِكَ في الصيف.

ثمّ تزوجت بعده بشابٍ جميل المُحيّا وسيمًا وهو عُمير بن مَعبد من “آلِ زُرارة”، لكنّه لم يكن كزوجها السابق في الشجاعة والمروءة وكريم الخصال، ولا وجهًا مشرقًا بالسرور ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام .

وذات عام أجدبت الأرض وأصبحت قاحلة، وكان الوقتُ صيفًا قائظًا، فمرت إبل عمرو بن عدس عليها كأنها الليل من كثرتها، فقالت دختنوس لخادمتها:

“ويلك انطلقي إلى أبي شُريح فقولي له: فليسقنا من اللبن”!

فأتت الخادمة تطلب منه حَلُوبة فقالت له:

إن بنت عمك دختنوس تقول لك اسقِنا من لبنك!

فقال لها عمرو:

قولي لها “في الصّيف ضيّعْتِ اللّبن” يا دختنوس!

فمضى مثلاً مُتداولا بين العرب يضرب لمن ضيّع الفرصة، وفوّت الغنيمة، وقيل إن هذا المثل يروى هكذا :”الصيف ضيَّحتِ اللبن” بالحاء بدلاً من العين، وهو من الضياح والضَّيح، وهو اللبن الممذوق (والمذقة شربة ممزوجة) الكثير الماء، ويقصد: الصيف أفسدت اللبن وحرمته نفسك.

ثم أرسل إليها بلقوحين من لبن، فقالت الخادمة:

أرسل إليكِ أبو شُرَيح بِهذا، وهو يقول لكِ: في الصّيف ضيّعْتِ اللّبن.

فقالت دختنوس حين سمعت ذلك وضربَتْ يَدَها بخفة على منكب زوجها الشاب:

“هذا ومَذْقُه خَيرٌ‏”‏- تعني بقولها هذا أن هذا الزوج مع عدم اللبن والمال خيرٌ وأفضل من زوجها السابق أبي شريح – فذهبت كلماتها مثلاً مُتداولا بين العرب- لمن قَنَع باليسير إذا لم يجد الخطير‏.‏

المصدر: (إبراهيم، شمس الدين باشا، معجم الأمثال العربية، ص 200، وهو يحيل إلى مصادر متعددة)

...

رواية أخرى مهمة باختلاف في تصرف عمرو:

..

كان أحد سُراة الجاهلية ووجهائها وهو "عمرو بن عمرو بن عُدسٍ" تزوّجَ ابنة عمِّه بعدما ارتفع سنُّه وصار شيخًا كبيرًا. وكانَ يحبُّها ويكرمُها ويسخو عليها بمالهِ الوفير. لكنّها كرهت شيخوخته، ونسيت في غمار هذه الحسرة ما يتمتّع به زوجها من كرمٍ وشجاعة وذكاء ووجاهة في قومه فضلاً عن حبّه العظيم لها، لكنّها فركته حتى طلّقها أي ظلّت معه على سوء الطباع والخصام والنفور حتى طلّقها، ثمّ تزوجت بعده بشابٍ جميل المُحيّا من "آلِ زُرارة"، لكنّه لم يكن كزوجها السابق في الشجاعة والمروءة وكريم الخصال؛ فلما أغارت عليهم قبيلةُ "بكر بن وائل" نبّهتْ زوجها ليدافع عنها ويمنع عن عِرضها الأذى، لكنّه استعظم القتال واستهول الرجال، وأصابهُ الفزعُ فماتَ في مكانِه، فسباها قومُ "بكر بن وائل". فسمع بذلك زوجُها الأوّل - عمرو بن عمرو- فأسرع إليها بالنّجدة والفرسان فاستنقذها من السّبي والمهانة.

ثمّ تزوجتْ ثانيةً بشابّ آخر لكنّه - هذه المرَّةَ - كانَ فقيرًا إلى حدّ أنّها كانت تتشهَّى أنْ تشرب الحليب الذي لم تكن تفتقده في بيت "عمرو بن عمرو"، بل كانت تشربه بديلا للماء عند هذا الزوج الأول. وبلغَ بها اشتهاءُ اللّبنَ درجة شديدةً. إلى أن كانت ذات ليلةٍ واقفةً أمامَ خيمتها ومعها جاريتُها فمرّت بها قافلةٌ عظيمة من الإبلِ تكاد تسدّ الأفقَ فقالت لجاريتها: اطْلُبي من صاحب هذه الإبل أن يَسْقِيَنا من الّلبن. فذهبت الجارية وأبلغت الرسالة لصاحب القطيع، وإذا به "عمرو بن عمرو بن عُدس" - زوجها الأول، فسأل الجارية: أين سيدتُكِ؟ فأشارت إلى حيثُ تقفُ زوجته السّابقة، فقالَ لها : قولي لها:

"الصَّيفَ ضيَّعتِ اللّبن"، ورفض أن يعطيها من حلبِ إبله. وكان يشيرُ بقوله هذا إلى إضاعتها له وإسراعها إلى الزواج بغيره ممّن لم يدانُوه في خُلُقِه وحبّه لها، ولم يستطيعوا - مثله - أن يمهّدوا لها العيش الكريم؛ فأحدُهم مات جُبنًا ولم يستطع الدفاع عنها، والآخرُ أجاعها وأظمَاَها إلى حدّ أنها اشتهت حلبَ الإبلِ من الغُرباءِ.

 وصارت مقولةُ عمرو بن عمرو مثلاً يُضربُ لكلّ من يُضيِّعُ ما بيديه من خيرٍ طمعًا في غيره وبطرًا بالّنعم وجهلاً بقيمة ما يملكه من مُتاَحِ النّعَمِ.

(موقع ويكيبيديا وفيه دراسة مستفيضة عن دختنوس بنت لقيط)

..

 

ب. فاروق مواسي

 

saleh altaeiكنت أبحث في معجم الأدباء المعروف باسم إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لياقوت الحموي(*) عن بعض ما يمكن أن أضيفه لما كتبته مسبقا عن يونس بن حبيب النحوي البصري المشهور.

ويونس بن حبيب لمن لا يعرفه: ولد سنة ثمانين، وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة للهجرة، وبالرغم من كونه فارسي الأصل، أعجمي اللسان، إلا أنه كان إمام نحاة البصرة في عصره، ومرجع الأدباء والنحويين في المشكلات، كانت حلقته مجمع فصحاء الأعراب وأهل العلم والأدب.. وكان له في العربية مذاهب وأقيسة يتفرد بها.

وكان عالما بالشعر، نافذ البصر في تمييز جيده من رديئه، عارفا بطبقات شعراء العرب، حافظا لأشعارهم، يُرجَعُ إليه في ذلك كله.

سمع يونس من العرب، ووعى ما سمع، وحفظ ما مر به. وأخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ عنه سيبويه، والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وخلف الأحمر، وأبو زيد الأنصاري وغيرهم من الأئمة. وهناك من يرى أنه هو الذي أخذ عن سيبويه وليس العكس!

وأثناء البحث والتنقيب، عثرت على هذه الطرفة المزحة المَرِحة، التي أجادت الوصف، وأحسنت القصف. ولما قايستها، وشابهتها، وقاربتها ببعض ما أقرأه اليوم مما يسمى شعرا؛ لبعض ممن يحسبون أنفسهم على مجتمع الشعراء، ويدعون أنهم بلغاء، ثم تراهم ينصبون المرفوع، ويجرون المنصوب، ولاسيما فيما ينشرونه في مواقع التواصل الاجتماعي؛ التي لا يحكمها رقيب، ولا يحدد اتجاهها حسيب، وجدتها تترجم حالهم بأجلى صورهم، بل وتكشف لنا أن أمثالهم كانوا موجودين في مجتمعنا العربي على مر التاريخ، ومنذ القرن الهجري الثاني! وما هم سوى ورثة لمن سبقهم، نهجوا منهجهم، وساروا على خطاهم!

تقول المزحة المُفرحة:

جاء مروان بن أبي حفصة؛ وهو شاعر عالي الطبقة، كان جده مولى لعثمان بن عفان، وقيل: هو مولى لمروان بن الحكم الخليفة الأموي. وقيل: بل كان طبيبا يهوديا، أسلم على يد مروان. ويقال: إن أبا حفصة من سبي اصطخر. جاء إلى حلقة العالم الكبير يونس بن حبيب النحوي، فسلم، ثم قال: أيكم يونس؟

فأشار الجالسون في الحلقة إلى يونس.

فقال له مروان: أصلحك الله، إني أرى قوما يقولون الشعر؛ لأن يكشف أحدهم عن سوءته، ثم يمشي في الطريق، أحسن له من أن يُظهر مثل ذلك الشعر!. وقد قلت شعرا أعرضه عليك، فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته، فأنشده قوله:

طرقتكَ زائرةٌ فحيِّ خيالها

فقال يونس: يا هذا؛ أذهب، فأظهِر هذا الشعر، فأنت والله فيه أشعر من الأعشى في قوله:

رحلتْ سميةُ غدوةً أجمالها

وهذا هو ديدن الشعراء الكبار العظماء، يحترمون أنفسهم، ويحترمون من يتلقى شعرهم منهم، ويحترمون مهنتهم، ومنهم وصلتنا كل تلك القصائد الرائعات؛ من غزل ومدح ورثاء ومعلقات، تلك الخالدات التي كنا ولا زلنا وسنبقى نتغنى بها، ونستعذب سماعها في كل الأوقات.

 

صالح الطائي

.......................

(*) ينظر: ج6/ص2852، ترجمة: 1262

 

 

faroq mawasiقيل إن القصيدة الزينبية (نسبة لمطلعها حيث تُذكر زينب) هي لعلي -كرم الله وجهه-، وقيل إنها لصالح بن عبد القدوس، وقد وردت القصيدة في ديوانَي كل منهما، باختلاف يسير.

انظر:

ديوان علي بن أبي طالب- تحقيق عبد الرحيم المارديني- دمشق- 2005، ص 214- 220.

عباس الترجمان: صالح بن عبد القدوس – حياته، بيئته وشعره، منشورات الجمل- 2013،ص 107- 110.

...

القصيدة جميلة، وفيها حِكم تقريرية،  وعِبر تعبّر عن تجربة حياتية، وتقع في خمسة وستين بيتًا، أختار لكم منها:

صَرَمتْ حبالَكَ بعـــدَ وصلكِ زينبُ ***  والدهـــــــــــــــرُ فيه تصرُّمٌ وتقلبُ

ذهب الشبابُ فما له مـــــــــن عَودة *** وأتى المشيب فأين منـــــــه المهرب؟

لا تأمنِ الدهـــــــر الخَئونَ فإنه  *** لا زال قِدمًا للرجـــــــــــال يؤدِّب

واقنع ففي بعض القناعة راحـــةٌ ***  واليأس مما فات فهــــــــــو المطلب

واذا طمعتَ كُسيتَ ثــــوبَ مذلة ***  فلقــــــــــد كُسي ثوبَ المذلة أشعبُ

إن الحقـــــــود وإن تقادم عهده *** فالحقد باق في الصــــــــدور مغَيَّب

لا خير في ودّ امــــرئ متملق *** حـــــــــــــــــــــــلو اللسان وقلبه يتلهب

يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ  *** وإذا توارى عنك فهـــــــــــــــو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حــــــــلاوة *** ويـــــــــــــروغ عنك كما يروغ الثعلب

وصِلِ الكرامَ وإن رمَوكَ بجَفْوة  ***   فالصفحُ عنهم بالتجاوزِ أصوب

واختر قرينك تصطفيه تفاخـــــــــرًا *** إن القرين إلى المقـــــــــــــــارَن يُنسب

إن الغنيَّ من الرجـــــــــــــــال مكرَّم *** وتراه يُرجى مـــــــــــــــا لديه ويُرهب

ويُبشُّ بالترحيب عند قـــــــــــــــدومه *** ويقام عند ســــــــــــــــــــــلامه ويُقرّب

ودع الكـــــــذوب فلا يكن لك صاحبًا *** إن الكــــــــــــــذوب يَشين حرًّا  يصحب

وزنِ الكــــــــــلام اذا نطقت ولا تكن *** ثرثارة في كـــــــــــــــــــــل نادٍ تخطب

واحفــــــــظ لسانك واحترز من لفظه *** فالمرء يسلم باللســـــــــــــــــان ويعطب

واحرص على حفظ القلوب من الأذى *** فرجوعها بعــــــــــــــد التنافر يصعب

إن القـلـــــــــــــــــوب إذا تنافر ودُّها *** شِبه الزجـــــــــــــاجة كسرُها لا يُشعب

كن ما استطعت عــــن الأنام بمعزِل *** إن الكثير من الــــــــــــورى لا يُصحب

واحذر مصاحبة اللئيم فإنه  ***   يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ

 واحــــــذر من المظلوم سهمًا صائبًا *** واعلم بأن دعـــــــــــــــــــــاءه لا يُحْجَب

فلقــــــد نصحتك إن قبلت نصيحتي ***  فالنصح أغلى ما يبـــــــــــــــاع ويوهب

هذه القصيدة المشهورة -كما قلت- تنسب لعلي بن أبي طالب، ومن الطبيعي أن يُشك في نسبتها إليه لأن فيها ذكرًا لأشعب:

وإذا طمعتَ كُسيتَ ثوبَ مذلة ***  فلقد كُسي ثوبَ المذلة أشعبُ

وأشعب لم يظهر على عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد توفي سنة 154 هـ في المدينة المنورة؛ من هنا فقد كان معاصرًا لصالح بن عبد القدوس، وكان مشتهرًا بالطمع.

ملاحظة:

هذا البيت  عن أشعب لم أجده في ديوان عليّ الذي بين يديّ، لكنا نراه في ديوان عليّ على المواقع، وربما اطلع د. الترجمان على نسخة أخرى من ديوان علي وفيها هذا البيت، ولذا كانت ملاحظته عن أشعب.

(م.ن، ص 111.)

*أضيف بيتان في نهاية أبيات القصيدة المنسوبة لعلي، وفيهما موضع للتساؤل، وهما يتحدثان عن عليّ نفسه، وفي  تقديري أن شاعرًا ما أضافهما:

أعني عليًا وابنَ عمِّ محمد *** من ناله الشرفُ الرفيعُ الأنسبُ

يا ربِّ صلِّ على النبي وآله *** عددَ الخلائق حصرها  لا يُحسبُ

أثبت الدَّميري في كتابه (حياة الحيوان) بعض أبيات القصيدة وذكر قبلها:

 "وقال بعضهم" ج1، ص 43.

كما وردت بعض الأبيات في معجم الأدباء لياقوت، ج12، ص 9- على أنها لعبد القدوس.

( مادة صالح بن عبد القدوس).

من الغريب أنني لم أجد للقصيدة ذكرًا في الأغاني، ولا في خزانة الأدب ولا في الشعر والشعراء وغيرها من أمات الكتب الأدبية.

...

مع ذلك فهناك ترجيح ما أن القصيدة هي لصالح بن عبد القدوس، ولكننا لا نستطيع بما نملك من مصادر قليلة أن نؤكد أن القصيدة كلها لشاعر منهما، خاصة ونحن نشهد إمكان الإضافة والحذف في كثير من المقتبسات.

...

أما صالح بن عبد القدوس فهو شاعر عباسي كان مولي لبني أسد.

كان حكيمًا متكلمًا يعظ الناس في البصرة، له مع أبي الهُذيل العلاّف مناظرات، واشتهر بشعر الحكمة والأمثال والمواعظ، يدور كثير من شعره حول التنفير من الدنيا ومتاعها، وذكر الموت والفناء، والحثّ على مكارم الأخلاق، وطاعة الله، ويمتاز شعره بقوة الألفاظ، والتدليل، والتعليل، ودقة القياس.

مرت أحداث في حياة الشاعر جعلته يقارن بين الأسباب كما يقارن بين النتائج؛ فيَصل إلى آراء مُحكمة مستخلصة من تجاربه وتجارب غيره، وهي تختلف عما تعارف عليها الناس.

قيل رئي ابن عبد القدوس يصلي صلاة تامة الركوع والسجود، فقيل له ما هذا ومذهبك ما تذكر؟ قال: "سنّة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الولد!".

(أمالي المرتضي، ج1، ص 144)

اتهم بالزندقة وقتل بها؛ قيل إن الخليفة المهدي العباسي قتله بيده، ضربه بالسيف فشطره شطرين، وعُلّق بضعة أيام للناس ثم دُفن. (معجم الأدباء، م.س)

...

زينب وما صرمت أي قطعت من حبال الوصل كان موتيفًا (مترددة) لدى الشعراء، فهذا متمّم بن نُويرة في (المُفضَّليّات) يقول في المفضلية السادسة:

صرمتْ زُنيبةُ حبل من لا يقطع *** حبلَ الخليل وللأمانة تَفجَع

جُذّي حبالكَ يا زُنيب فإنني *** قد أستبدّ بوصل من هو أقطع

والأخطل يذكر ذلك في قوله:

صرمت حبالك زينبٌ ورَعوم ***  وَبدَا المُجمجَمُ مِنهما المكتومُ

وفي مكان آخر:

صرمت حبالك زينبٌ وقذورُ *** وحبالهن إذا عقدتَ غرور

..

في شعرنا المحلي أصدر الشاعر جمال قعوار ديوان (زينب)، صدر في الناصرة سنة 1989 وفيه قصيدة "زينب" و "حِمى زينب"، وهو يرمز لها بفلسطين.

 

ب. فاروق مواسي

 

إذا ما اتفقنا على حقيقة مفادها أن العقل العربي دائم النزوع إلى رؤية واضحة للنفس، بمعنى الميل لمعاينة نفسه عبر المرآة، كما هي، بلا رتوش ولا تزويق، فإنه غالبًا ما ينجح في تحقيق ذلك، ليس فقط عبر أنشطة مراجعة الذات وإعادة النظر بها وبسلوكياتها، وإنما عبر نشاط ذهني أكثر تعقيدًا وتطلبًا للفطنة، وهو اعتماد المقارنات والمقاربات. ربما كان هذا الميل الذي لا يفلت أحد من ملاحظته وراء الاهتمام الجارف الذي نلاحظه اليوم عبر العالم العربي بما يمكن أن نطلق عليه عنوان “الثقافة المقارنة”، خاصة في المؤسسات الجامعية العربية.

وإذا كان العنوان أعلاه غاية في الاتساع والشمول، فإنه لا بد أن يحتوي، من بين فروع وحقول أخرى، على الدراسات الألسنية المقارنة والأدب المقارن، من بين سواها من تفرعات الثقافة والفنون والآداب.

وإذا ما كانت هذه من سجايا الذهنية العربية الإيجابية، فإن للمرء أن يزعم بكل ثقة بأن هذا الميل لمعرفة الذات عبر مقارنتها ومقاربتها مع “الآخر” ليس بظاهرة جديدة، بدليل مبادرة ومثابرة الخليفة العباسي المأمون لتأسيس “بيت الحكمة” ببغداد على عهده الذي شكل العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. ولكن على الرغم من أن لي رأيًّا ثانيًا حول دوافع وإرهاصات المأمون العباسي لتأسيس بيت الحكمة، إلا أن وظيفة هذا البيت العظيم قد اعتمدت آليات وأنشطة الترجمة (التعريب على نحو خاص). وإذا ما اندرجت في منافع البيت أعلاه الفوائد الاستخبارية والمعرفية العامة والمتخصصة عن الأمم الأخرى، فإن لي أن أفترض، بقدر كبير من الثقة بالنفس أن المأمون قد رغب في أن يعرف بدقة أين تقف ثقافتنا العربية الإسلامية حقبة ذاك، “مقارنة” بسواها من ثقافات العالم الكبرى، من الهند والصين إلى بلاد الإغريق وبيزنطة والروم والفرنجة.

وإذا لم يكن غرض خليفة بغداد آنذاك بريئًا بالكامل، فإنه كان يشكل صورة دقيقة تؤشر وعيه بالذات: فكيف يستطيع المرء أن يعي ذاته، دون أن يقارنها مع الآخر، خاصة الآخر المختلف أو المتفوق.

أما ما تركه بيت الحكمة العباسي لنا في العصر الحديث، فإنه أبقى جذوة النزوع للمقارنة والمقاربة، كذلك لمعرفة الذات ولتبين سجاياها ومثالبها على سبيل التصحيح والتصويب، لا ريب. أما ما تركه لأوروبا الحديثة، فقد حفظ لها تراثها الثقافي الإغريقي/ الروماني القديم، ثم أعاده لها عبر الأندلس وصقلية.

وعود إلى بدء، لا أستغرب التيار الجارف الذي تحياه الجامعات العربية اليوم، بكافة أقسامها العلمية عامة باتجاه العناية بالدراسات المقارنة، خاصة على مستوى الدراسات العليا. وهذا اتجاه يستحق الاهتمام والرعاية من قبل أولي الأمر، وسراة القوم لأنه يندرج في جهد الذهنية العربية لمعرفة نفسها، ثم، والأهم من ذلك، لرسم صورة ذاتية لنفسها: صورة دقيقة المعالم تستحق الإشاعة والعكس محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

حنظلة هي أشهر الشخصيات التي رسمها ناجي العلي في كاريكاتيراته، ويمثل صبياً في العاشرة من عمره. ظهر لأول مرة في جريدة القبس الكويتية عام 1969. أدار حنظلة ظهره للقارئ وعقد يديه خلف ظهره عام 1973.

أصبح حنظلة بمثابة توقيع ناجي العلي كما أصبح رمزاً للهوية الفلسطينية. يقول ناجي العلي أن الصبي ذا العشرة أعوام يمثل سنه حين أجبر على ترك فلسطين ولن يزيد عمره حتى يستطيع العودة إلى وطنه، إدارة الظهر وعقد اليدين يرمزان لرفض الشخصية للحلول الخارجية، لبسه لملابس مرقعة وظهوره حافي القدمين يرمزان لانتمائه للفقر. ظهر حنظلة فيما بعد بعض المرات رامياً الحجارة (تجسيداً لأطفال الحجارة منذ الانتفاضة الأولى) وكاتباً على الحائط. أصبح حنظلة إمضاءً لناجي العلي، كما ظل رمزاً للهوية الفلسطينية والتحدي حتى بعد موت مؤلف الشخصية.

وعن حنظلة يقول ناجي: «ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء. واما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبع. وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.»

 

عدنان المشيمش

 

 

الروائي (جون أوهارا) كتب روايته الشهيرة " موعد في سامراء" عام 1938 ونال بسببها شهرة واسعة، ولا تزال هذه الرواية تسجل رقما عاليا في مبيعات الكتب.

والروائي المعروف (غابريل غارسيا ماركيز) كتب قصته القصيرة " الموت في سامراء".

وكلاهما قد إنطلقا في إبداعهما من القصة المسطورة في كتب التراث البغدادي بعد القرن الثامن، والتي تتلخص في أن أحد التجار قد أرسل خادمه إلى السوق، فعاد مرعوبا مرتعشا وهو يقول بأنه رأى الموت  في إمرأة تصورها الموت بعينه، وقد أوحت له بإشارات ذات تهديد ووعيد، والبعض يقول أن سيده قد أعطاه الفرس والمال وأرشده للذهاب إلى سامراء هربا من الموت الذي تيقنه، والبعض يقول أنه أخذ فرس سيده وإنطلق إلى مدينة سامراء خشية الموت وهربا منه.

لكنه وجدها أمامه في المساء عند وصوله إلى سوق المدينة، وعندما سألها لماذا توعدته وهددته بالموت في سوق بغداد، أجابته بأنها لم تكن إشارات تهديد ووعيد، وإنما دهشة وحيرة، وبأنها إستغربت من وجوده في بغداد لأنها على موعد معه في سامراء، أي أن الرجل قد قضى نحبه في سامراء.

وخلاصتها أن لا مفر من الموت إذا جاء موعده، ويمكن أخذها إلى مستويات أخرى من التعليل والتفسير والإدراك والتحليل.

 

وقد أدرك الكاتبان أهمية المدينة ودورها التأريخي والفكري والثقافي، وما قدمته من عطاءات حضارية وإسهامات فلسفية ثقافية ذات قيمة إنسانية خالدة.

ولو لم تكن المدينة بهذا الثقل الإنساني والإسطوري لما اختار الكاتبان إسمها كعنوان لما أجادت به قرائحهما من الإبداع الأصيل.

وقد أخذ كل منهما المعاني والدلالات وفقا لإجتهاده في وعي المدينة ودراستها والإمعان في إستلهام أفكارها وإبداعاتها العمرانية والخيالية.

فقد تحقق في سامراء ما لم يتحقق في أية مدينة في الأرض، لأنها كانت عاصمة للدولة العباسية في أوج تألقها، وتوهجها الإمبراطوري والفكري والحضاري والعمراني، فكانت المدينة تهيمن على ثلاثة قارات وتدير شؤونها وتقرر مصير وجودها.

وإسم " سر من رأى" كان التعبير الأصدق عن قدرات الدولة العباسية وشأنها العظيم في ذلك الزمان الذي إمتلكته وتسيّدت فيه،  وقد تحققت ملاحم فريدة في الوقت الذي كانت قوة الدولة العباسية بأكملها تتمركز في مدينة سامراء.

وكعادتنا مع جميع المدن العراقية الحضارية، نعيش في مراحل تجهيل وأمية متوارثة عبر الأجيال، فثقافة المدينة مغيبة في مناهجنا الدراسية، فكنا نعرف عن مدينة ديترويت الأمريكية أكثر مما نعرفه عن مدينة سامراء العراقية.

ولا توجد حصة دراسية واحدة في مناهجنا الدراسية على مدى القرن العشرين تتحدث عن دور المدينة وقيمتها ومعانيها الإنسانية، ولكننا كنا نمر عليها بعجالة وإهمال، وكأنها بلا قيمة ودور تأريخي أو حضاري.

ولهذا لم نقدم أي إبداع أدبي أوثقافي أصيل من رحم المدينة ومسيرتها المنيرة عبر التأريخ، ولم نكن بالدراية الكافية عن هذه الجوهرة الأثرية والدرة العالمية، لكن غيرنا في أصقاع الدنيا يعرفونها أكثر منا، ولهذا إستلهموا منها خمائر إبداعهم الذي توهج وسطع.

فرواية "موعد في سامراء" لازالت بمقروئية عالية وحاضرة في أسواق الكتب رغم أنها قاربت على الثمانين عاما.

وما يجب أن ندركه من هذين الإبداعين (الرواية والقصة) لكاتبين أجنبيين، أن علينا أن نرعى ثقافة المدينة، وأن نساهم في إحياء المعرفة الوطنية لكي تتجدد روح التفاعل الوطني الخلاق ما بين أبناء الوطن الغني بمناهل الصيرورات المعرفية الفياضة.

فهل سنعرف مدن بلادنا، أم أننا سنبقى في إستكانتنا المريرة للأمية الوطنية، والتجهيل الدائم بمدننا ودورها الحضاري؟!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

 

 

مع الاحتفال بالوان الربيع والولادة الجديدة للحياة تحتفل الشعوب ايضا بيوم الشعر، فالشعر نبض الانسانية الذي يكسو جسد الايام بالالوان كما يفعل الربيع في الارض، وقد عرفت حضاراتنا الشرقية الشعر قبل الحضارات الاخرى، فاشعار انهدوانا سبقت اشعار هوميروس بقرون طويلة، والانوثة تفيض بالشعر كما تفيض الامومة، والا مالذي يدفع فتاة عراقية في السادسة عسرة من عمرها حبسها والدها في جدران غرفتها بعد طلاقها من الرجل الذي اكرهها على الزواج منه منتهكا طفولتها البريئة!! ملاك الفتاة المنتهكة انوثتها وطفولتها بأيادي اب متزمت دينيا لا يفهم قيمة للمرأة سوى انها فراش زوجية وبطن ينجب الاولاد، كتبت قصائدها التي عبرت هن رغبتها في الخلاص من قمع الاب والمجتمع الجامد الذي ولدت فيه، وكانت ترسلها سرا الى صديقتها بمساعدة اختها التي اعارتها هاتفا محمولا كانت تنفرد به في الحمام لتدون كلماتها البسيطة وتنفث فيها روحها المعذبة والسجينة، حتى قامت صديقتها باصدار ديوان صغير يحمل اسم ملاك* ليكون شاهدا على قسوة المجتمعات التي تخوض في تطرفها وحروبها، حتى الان لم تحصل ملاك على نسخة من ديوانها لانها تخاف ان يقع الديوان بيد ابيها فيقتلها لانها اخترقت حجب السجن الذي اقامه عليها.

تقول ملاك في احدى قصائدها:

أتوق لاحضن النار

لأتذوق طعم العقوبة

لاتلذذ بفعل الخطيئة.. انغمس فيها حد الثمالة

ثم اتسلل خفيفة لاسرق مفتاح الجنة

وارميه لبيوت الفقراء

 وملاك ليست الوحيدة التي قمعت روحها وكلماتها ففاضت شعرا، فقد سمعت مرة عبر الراديو تقريرا عن سيدات افغانيات ينظمن الشعر سراً، كنت اقود السيارة فتوقفت وركنتها كي استمع باصغاء اكثر لما ورد في التقرير الذي ماعدت اذكر عن اي اذاعة كان، السيدات كن يجمعن اشعار اللاندي التقليدية الافغانية التي تتميز بانها تتكون من سطرين يتكون السطر الاول من تسع مقاطع صوتية اما السطر الثاني فيتكون من ثلاثة عشر مقطعا صوتيا، تتناول هذه الاشعار قضايا نفسية واجتماعية تعبر عن غضب المرأة الافغانية وبصورة ساخرة، ولان الاشعار كانت تقال في التجمعات النسائية فلم تنسب لامرأة بعينها وهذا وفر حماية للنساء من الاذى فيما لو تجرأت احداهن وادعت انها شاعرة. لكن سيدة منهن قررت ان تجمع هذه الاشعار وتصدرها في ديوان، وفعلا جمعت الاشعار في دفتر خبئته في غرفتها، لكن هذا الدفتر وقع في يد اخيها اثناء احدى غارات التفتيش التي تشن غالبا على غرف الاناث بحثا عن اي مجهول قد يفسر اساءة لشرف العائلة. وقد دفعت البنت حياتها قبل ان تتم مشروعها في جمع اشعار اللاندي للنسوة الافغانيات. كذلك فقدت ناديا انجومان حياتها على يد زوجها الاستاذ الجامعي الذي قتلها ضربا حتى الموت بعد ان نال ديوانها الوحيد الذي اصدرته باسمها الحقيقي ديوانها (الزهرة القرمزية) والذي نال شهرة في افغانستان وحتى ايران. هكذا يصير الشعر معادلا للموت في البلدان التي يحكمها التطرف الديني وتسيطر عليها الجماعات المسلحة والقتلة وتدفع النساء افدح الاثمان لبقائهن واستمرار عطائهن، وقد يقال ان الرجال يدفعون ثمن الكلمة ايضا ويقتلون احيانا، وهذا صحيح حين يدفع الرجال ثمن مواقفهم وكلماتهم لكن مايحدث مع النساء في المجتمعات التقليدية التي توسعت الان وصارت اكثر عنفا انها تحجب حق الوجود للمرأة وتصادر صوتها وخيالها وابداعها الذي يصير عورة كجسمها، وقديما تجاهل الرواة اشعار النساء العربيات ولم يدونوه خجلا اوتحتقارا لمكانة النساء في المجتمعات القبلية العائدة الان الى الظهور بعد انهيار الدول ومؤسساتها التي تشهده الالفية الثانية. والذي يلفت الانتباه ان القمع كلما زاد صارت النسوة اكثرا ابداعا واكثر تفننا في اساليب كسر القيود والتعبير عن الرغبة في الحرية والحياة التي يكون الشعر وسيلتها واداتها الفاعلة. لابد من تحية لهؤلاء السيدات في يوم الشعر لانهن لم يقلنه او يكتبنه ترفا بل كانت دماؤهن مدادا له وحروفهن تمجيدا لصرخات الانوثة المكتومة في مجتمعات الموت والعنف والتطرف.

 

د. لقاء موسى الساعدي

..............................

*ينظر للمزيد عن قصة ملاك مقال اية منصور موقع يلا

 

كان صوتها يتدفق عبر دروب وأسلاك الوجود النائية، فيلامس شغاف فؤادي، ويزعزع أركان روحي، ويُطلق براعم صيرورتي في تيه الرحيل، والإمتداد على بساط الأيام فوق أريكة المجهول، وأنا أقود عربة كياني إلى حيث لا تعلم عندما أطلقتني للريح،  في يوم تعسرت فيه رحلتي وتفاقمت آلامها وتأوهت تستغيث بالنار من النار، التي أوقدت فيها إرادة الصيرورة ولذة الشعور بالإمتداد في تربة الأمل وقلب الطموح. 

كان صوتها يمدني بطاقات الإنسياب الكبرى في تيارات التحدي والإرتقاء والتفوق، والتماهي بأنوار العلياء والتفاني بالجد والإقدام والعطاء، والإنتقال من بحر إلى بحر ومن قارة إلى قارة، كأنني إمتلكت شيئا من قدرات الخِضر الذي كانت تحدثني عن خطواته وحضوره في ذات الوقت بمكانين، وكـأنه يؤكد نظرية الكم ويعبّر عن أن الوجود محض طاقة ذات أشكال يمكنها التواجد في موضعين بآن واحد.

كان صوتها الواثق الهادئ الجميل المعبّأ بقوة الحياة والإيمان والأمل، والصدق والمحبة والرحمة والعزة والكبرياء، والتحدي والتمسك بالقيم والمعايير والأخلاق السامية، التي تفوح من  وجهها الناصع وشكلها الزاهي الجميل، المشحون بالرأفة والحب والشوق والحنان والإمتنان، والصفاء ورقة القلب وفيض المودة وأريج الأماني، وعطر الصلاة وصدى الابتهال والتحبب إلى الله، وهي تشدو بلسان قلبها وحنجرة روحها أسمى آيات الإصرار واليقين بأن الغد سيكون أفضل، وأن غيمة الحاضر لا تدوم، وأن الإرادة الكبرى ستحقق قانونها وتفرض معاييرها، فتخضع لها جميع الموجودات وتهتدي بهديها فتعود إلى رشدها وتستنير بأنوار الرحمة والألفة والأخوة السمحاء.   

كان صوتها يتدفق من ينابيع أعماقها، ويجري كتيار الخير الذي يريد أن يكسو الأرض باللون الأخضر، ويشيّد جنات غناء تأنس فيها الأطيار وتغرد، ويفرح الإنسان ويشكر ربه كل مخلوق، يتطعم بلذيذ النعمة وحسن المقام والرفعة والقوة والبهاء.

وما أن يلامس صوتها مسامعي حتى تضطرب خلجان أعماقي، وتفيض ينابيع كينونتي وتتدفق مياه أفكاري، فأستكين لهذا الفيض السماوي الذي يُغرق فضائي ويذيبني في جسد الضوء، ويمنحني عسلا لذيذا للأنوار القدسية، التي تنبعث من شجرة درية في حدقة السماء.

كان صوتها أطياف ساحرة تتهادى في وجداني وتخلّق معالم أيامي، وترسم خارطة تألقي وإنتمائي إلى جذوري وتفاعلي مع تراب إبتدائي، ويحدد مواقع خطواتي فوق صدر التنامي،  ويأخذني إلى أفلاك الرجاء البعيد، فيستخلص من روحي طاقات اليراع وإرهاصات إرتقاءٍ في أحضان الصعوبات، فأجد العسر يسرا، وأن الشمس تشرق أبدا في صباحات وطاني.

كان صوتها إكليل غار من التوحد بذاتي الكبرى، وتاج عرفان بالقدرة على أن أكون في فم بركان السفر، وفي محطات المواجهة الملتهبة ما بين حمم التشظي والتداعي، والولادة الأفضل من رماد القارات الصاخبة في طرقات الصعود إلى قمم الغايات، والمضي في حلبة الصراع التي لا تعرف  غير سيوف القوة وبنادق السطوة وأبابيل الطمع والحرمان.

وهو يحصنني من داء اليأس ويعالجني من أمراض الخيبات، ويمدني بطاقة التواصل والتفاعل المتجدد مع مفردات الأيام،  فتنطلق قدرات أعماقي، وتلمع كل جوهرة مدفونة في رماد عجزي، فأغلي ويتصاعد بخار كينونتي ويتردد صدى أزيز فوراني في أروقة روحي، فأستشعر قيمة وجودي وأعرف دوري وأقرأ رسالتي بإمعان.

كان صوتها ينبوع أماني وشدو سماءٍ ترتله بنياط قلبها، فأصغي لألحان إرادتها ومواويل كبريائها، وأنصت بخشوع لآيات المطلق وهي ترتلها بأعذب لسان وأجمل لحن، فأكون في حضرتها، مثل نقطة ضوء تذوب في شعاع الأبد، وتنتشر في أصقاع الفضاء وتتجاوز الحدود، وتنتصر على قدرات الجذب، وتتحرر من جميع القيود وتنتمي إلى كون الذات العلوية.

كان صوتها يمنحني طاقات حياة، ووثيقة بقاء ونماء في صحراء المجهول، التي طلقها مطر الإنسانية وحَجبت عنها النور زوابع الرمال الهابة من براكين الغضب الثائرة، من شدة العطش وإنفجار الظلم وإنسحاق الضمير، وغياب أسباب التآخي وحسن الصدق والإنتماء إلى جوهر الأنوار.

 كان صوتها نعمة عظيمة  أغدقها الله على روحي، أستحم به وأتخلص من أوذان النفس، وأستعين به على نفسي من أمارة السوء التي فيها، وأديم به ينبوع خشوعي وأوقد أنوار وجودي،  فهو شراعي الذي يدير دفة مركبي ويحدد إتجاه خطواتي رغم الأمواج المتلاطمة والصراعات المحتدمة، وعواصف الرياح التي تريد النيل من شجرة روحي المثمرة.

فصوتها يجعل أغصاني تتمايل وأثماري تتراقص حالمة بفم ترضيه لتمده بطاقة إبداع وأمل.

كان صوتها يرويني ويغسل قلبي ويعصره وينقيه، فأكون أنقى وأصفى وأجمل كلما تدفق صوتها في أعماقي.

وهكذا فأن صوتها البعيد الذي يخترق البحار والمحيطات ويتقطر من أفئدة أمواج التقارب والتفاعل الأعظم، لهو أعذب شراب أحتسيه بكأس الأنوار القدسية فأتخلق به وأحلق في علياء الأضواء،  وهو في يقين فؤادي، وينبوع حياتي وبهجة أكواني ونور عقلي، ومِرجل أفكاري ومداد ديمومتي وصيرورة روحي، وإندماج كوني بذات عرشٍ منير في فضاء المنتهى ومطلق الوعي ونبع اليقين.

كان صوتها الرؤوف الرحيم البعيد القريب، يبعث في أرجاء وجودي حرارة الحياة، ويبث إرادة التحدي والإيمان بالنجاح .

وبصوتها أكون، لأنه طاقتي وطعام روحي وسلافة مشاعري، ورحيق إنفعالاتي وعنوان أفعالي، وموئل ذاتي ومشروع أحلامها رغم عوائق الأزمان، لكنها صنعتني، فكنت صوتها الذي يعبّر عن صوتها، لأنه مولود من رحم إصرارها على الحياة.

فهل عندي أعظم من صوت الصدق والمحبة والرأفة والوفاء ونقاء الأشواق وطهر الحنين.

إنه صوتها الذي اسمعه بقلبي وروحي رغم طول المسافات، ذلك الصوت الذي أوجدني في لحظة تجلي.

قد خشعت لصوتها، فاعذروني ودعوني أصلي في محرابه صلاة ناسك يسبّح ببر الوالدين وأرتل آيات أمي التي لا تلدني مرتين، وقد فقدتها منذ عامين!!                                   

وفى ذهبتْ فأثكلني الغيابُ

 وعَنْ وَجَعٍ يُحَدّثني الترابُ

هيَ الدنيا تشاغلنا بأمْرٍ

وأمْرُ مَصيرنا كُتِبَ الكِتابُ!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

أسدل ليلة أمس الستار على آخر ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الباردة، تاركا المجال لفصل الربيع ليطبع مدينة فاس بأجواء ربيعية هي منذورة لها، كما كانت  في زمنٍ آخر غير هذا الزمن الرديء، حيث كان اسم مدينة فاس حينما يرد على الخواطر، تنبعث في الأذهان أجمل صور لمدينة رائعة ترتاحُ مطمئنة بين دراعي جبلي "تغات وزلاغ " العاشقان المتيمان، حارسها الوفيان، وما يطوقان من قلائد البساتين الخصبة والجنان الغناء، التي تحوطها من جوانبها الأربعة .

فاس كما كانت في الذاكرة الشعبية، في كتب العلم وفكر العلماء، ملهمة لمختلف معلمين الإبداعات والفنون، وباعثة للبهجة والحبور، الذي عرفت به "جناناتها والعراصي" الحاضنة " للنزايه " والإحتفاء بالربيع، والتمتع بجمال الحياة بساتين الزيات، وجنانات باب الجديد، وحقول زواغة، وغابة عين الشقف، وحامتي سيدي حرازم ومولاي يعقوب وفضاءات بوركاييز وشلالات صفرو.. وغيرها من المؤهلات الطبيعية التي خصها الله بها، التي أعطتها الطابع الربيعي الذي يقاوم، والمد المديني المتحضر، الذي لا يضاهى، والبعد السياحي غير المستغل مع الأسف، وقد كان يمكن أن نستطرد في سرد مزايا وشمائل فاس وأهلها، لو أنها ظلت كما عرفت عليه عبر التاريخ، شامخة زاهية مزدهرة، لكنها مع الأسف، لم تعد كذلك ولم يعد بالوسع قول شيء آخر عنها، غير عبارات الأسى والتأسف على حالها الذي أصبح  مستباحا، إنها والله لحسرة وألم كبيرين، أن يأتي الربيع ليجد فاس وقد غرقت في فيض من النواقص، التي بهدلت منظرها، وقوضت جماليتها، وحطت شموخ ماضيها، إنها لا تستحق كل هذ العقوق، وقد من الله عليها يكل هذه المؤهلات الضخمة والإمكانات الجبارة .. حميد طولست

جاء ديوان رزيقة بنت الهضاب على هذا العنوان المميز كصوت واضح انطلق من الأهرامات الشاهقة  ليثبت للآخر بوجود امرأة من الجزائر ليس في الكفاح المسلح ضد الاستمارة الذي رسمته بالدم والدموع بل جاء ليبرهن للعالم أن الجزائر ولادة للمرأة في الأدب أيضا وتحديدا في الشعر وهاهو ديوان امرأة من الجزائر يطرق باب الحياة من دار النخبة  بقصائد تسبح في ملكوت الشموخ والتحدي وجاءت بعد مقدمة قوية عن نضال الر/ة الجزائرية من عهد الاستعمار إلى ما بعد الاستقلال وكيف استطاعت أن تبرهن عن وجودها في عالم الأدب في وسط مجتمع ذكوري الذي يطال الواقع الجزائري

بين الحب والامل والتحدي نغوص في معالم الحرف الرقيق المكتنز بقوة التحدي والصبر في نصوص منتقاة فجاء التحدي في قصيدة الوداع الكاذب في قول الشاعرة

وكان الملام عن الحب والثأر في قولها

أنا امرأة من نوع \آخر

انأ من تحمل الحب الثائر

وفي  قصيدتها صحراء حياتي

في قولها

الأرض ترفض بقايا موتي

والكفاح مستمر لأجل العودة

كما تشعبت الشاعر في قصائدها فتحدثت عن الأم وعن الأخلاق وعن العراق وعن الآخر

فراحت تغزل من الكلمات آهاتها لتأتي القائد ترجمة لها

وكانت بنت الجزائر أول ما افتتحت به ديوانها ليحمل الديوان عنوان امرأة من الجزائر فهنيئا للجزائر بك سيدتي مع إصدارات أخرى لإثراء المكتبة الجزائرية والعربية بقلم نساء من الجزائر

 

بقلم ليندة كامل الجزائر

امرأة من الجزائر

المقاهي الثقافية، ظاهرة بدأت تنتشر في العاصمة الحبيبة بغداد، وخصوصاً في منطقة الكرادة، فبعد مقهى (بُن رضا علوان) ومقهى(كَهوة وكتاب) برز مقهى (الشمعدان) بقاعتهِ الجميلة، وموقعهِ الأجمل، وإبداع التصميم، مع رقي الحضور...

أقام إتحاد المثقف العام، أُمسيةً شعرية كعادته في إقامة الإمسيات، لكنهُ جعل منها مسابقةً يتنافس فيها الشعراء، وفسحةً يتنفس منها الأدباء، ولا سيما الشباب منهم، فلم يجعل شرطاً أو قيداً للمشاركة، وبالرغم من تحفظنا على ذلك، لكن لا بأس أبداً، فالشعر بوحٌ لشعورٍ إختنقَ بهِ صاحبهُ، أو وجع لا بُدَّ لهُ من ألم الكلمات، وقد كان وجعُ الشاعرِ(ماجد الربيعي) كبيراً، حينما أبكى الحضور بمرثيته لأخيه الفقيد....

جلسةٌ في قلبِ بغداد النابض بالحياةِ، بالرغم من الآسى، وفي منطقةِ الكرادة المنكوبة، التي طالتها يد الارهاب بابشع صورهِ، بانفجارٍ إحتوى مادة غريبة، بعربة أكثر غرابة، في دخولها المكان وطريقة تفجيرها فيه، ذلك ما حدث في شهر رمضان من العام الماضي قُبيل مجيئ العيد...

هذه الأُمسيات والجلسات المتنوعة، التي يقيمها إتحاد المثقف العام ورئيسه (رياض جواد كشكول)، وغيرهِ من الإتحادات والروابط والمجموعات الأدبية والفنية، أعادت إلى بغداد ومناطقها، روحها التي حاول الأرهاب أن يسلبها منها، دون وجلٍ أو خوف، لكن بغداد ظلت عامرة بأبنائها وكتابها وأدبائها ونخبها...

ثورة الإصلاح

لكي تكون هناك ثورة حقيقية للإصلاح، يجب إبتداءً تشخيص الخلل، ثم الشروع في إصلاحه، وأن خير مَنْ شخص الخلل هم الكتاب والادباء، ولذا فقد بادروا إلى إصلاحهِ، عن طريق تحويل المقاهي من أماكن تضج وتعج برائحة الأركيلات، وتسويق التفاهات الفكرية، إلى أماكن لإقامة الإمسيات الثقافية والأدبيىة والفنية، التي كسبت كثير من اؤلئك الشباب، وأبعدتهم عن كل ما يشعرهم باليأس والإحباط، وأدخلتهم في مجالات عديدة، فبثت فيهم روح الرغبة والأستمرار....

ترويج وإستثمار

لا يخفى السر إذا شاع بين أثنين، فكيف بهِ إذا شاع وأنتشر في بغداد، حيث أصبحت سمعة المقاهي على أنها أوكار لتجارة المخدرات ومثلي الجنس، وفعل العادات السيئة، التي يمقتها الدين والمجتمع، ظناً من أصحابها أنهم بذلك يحققون الربح المادي المطلوب، ولكنهم لا يدرون بانهم يقضون على جيلٍ كاملٍ من الشباب، صحياً وفكرياً، بينما قد تحقق الإمسيات التي تقيمها الاتحادات الثقافية والروابط والمجموعات الادبيه وغيرها، لهم نفس الارباح مع بناء جيل واعي وصحيح

بقي شئ...

هي دعوة لجميع اصحاب المقاهي (ليس في بغداد فقط بل في جميع المحافظات وانحاء العالم)، لإقامة أُمسيات ثقافية وادبية وفنية، وان يساهموا في بناء الوطن بدل هدمه...

 

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

 

 

 

حروف الدم رواية تتحدث عن أسرة (أم عراقية وأب كويتي) وبسبب الحرب التي نشبيت بين البلدين تشتت الأسر وكان من ضحاياها أبناء هذا الأسرة حيث أن البطل أسامة يعيش حالة ضياع في البحث عن والدته بعد وفاة والده الذي كان سببا في اختفاء أمه" سلمى"

في خضم هذه الرواية تجري أحداث البحث المضنية التي يخوضها البطل على مدار سنوات  حيث عرضت الكاتبة أحداث الرواية بأسلوب بسط بلا تعقيدات وبهذا فإنها استطاعت أن توّصل أفكارها لعامة القراء فكانت بعض الأفكار الضمنية منها الصداقة الحقيقية والتضامن حيث ظهر في علاقة سليمة ونجوى ثم في علاقة صالح(رتشارد) وأسامة

ثم دخول رتشارد إلى الإسلام في إشارة إلى أخلاق الإسلام التي تتميز بالصدق والمحبة والتعاون الصفات التي يفتقدها المجتمع الغربي ويظهر جليا في تعاونهما في رحلة البحث عن والدته وإقحامه في مجال عمله  دون إجراءات معقدة 

رغم الظروف النفسية القاهرة التي مربها البطل إلا أن صديقه كان سببا في زرع الأمل فيه دائما حتى بعد انفلاته واستسلامه لهواء النفس في لحظة ضعف كان رتشارد سببا في عودة أسامة إلى نفسه ا والى شخصيته المتزنة والمنضبطة تتواصل أحداث الرواية بوتيرة سريعة مع أحداث كثيرة متداخلة كأنك في فلم درامي تركي أو مكسيكي ثم نسترجع أنفاسنا بعد غياب أسامة بعد خروجه في مظاهرات ضد الرسومات المسيئة لرسول في الدنمارك  ثم تنكشف خيوط المختفية في هذه الرواية فكانت حروف الدم رسالة قدمتها سلمى لصديقتها نجوى قبل مغادرتها بيت صالح زوجها عندما كانت تعيش معه حياة بائسة جعل نصف الرسالة مع نجوى ونصفها الأخر  بقى غامضا حتى نهاية الرواية لتتضح  الغموض وتفك عقدة حروف الدم  في

رحلة البحث عن الحقيقة أرهقت القارئ ودفعته في ذات الوقت إلى  إتمامها حتى النهاية لكشف أسرارها لكن ملاحظة قد اقحم نفسي فيها كقارئة وليس كناقدة إذ وجدت أن الحبكة لم تكن متقنة حيث يأتي احمد احد أقارب أسامة ويطرح سؤالا ..من ثم تتضح مكامن الرواية. 

رواية حروف الدم جاءت بطابع درامي مشوق ومسترسل بطريقة ذكية ربما نقص خبرة الروائية اظهر بعضا من التناقضات الطفيفة وتبقى تجربة جميلة تستحق القراءة 

 

بقلم: ليندة كامل الجزائر

روايات مختلفة حول قصة البيت وكيف تخلَّص أبو تمام:

البيت لأبي تمام، وهو:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

المناسبة:

امتدح أبو تمام أحمدَ بن الخليفة المعتصم في قصيدة مطلعها:

ما في وقوفك ساعةً من باس *** تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراس

فلما بلغ قوله :

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

قال يعقوب بن إسحق الكِندي ناقدًا:

"إن الأمير فوق ما وصفت، ولم تزد على أن شبهته بأجلاف العرب، فمن هؤلاء الذين ذكرتهم؟ وما قدرهم؟"

أطرق أبو تمام قليلاً، فحضره بيتان ارتجلهما، على نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه ****  مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ***   مثلاً مـن المِشكـاة والنبراس

 

بهذه الإجابة المفحمة ذكّر أبو تمام بأن هؤلاء المشهورين الذين أشار إليهم في معرض مدح الممدوح- جزء من عظمة العرب، وقد ذكرتهم العرب في أمثالها المشهورة، وذلك طبيعي أن نذكر الجزء للدلالة على الكل، فالله قد اختار المشكاة (كُوّة صغيرة)-  لكي يضرب بها المثل على نوره تعالى وهو أبلغ من أن يوصف، فجعل المشكاة التي فيها مصباح لتقريب الصورة لعباده، وذلك في إشارة لآية سورة النور {الله نور السموات والأرض، مثلُ نوره كمشكاة فيها مصباح…}- النور، 35.

والتشبيه كما نلاحظ ضمني، ودفاع أبي تمام كأنه يقول: لا تثريب علي في ذلك ما دام القرآن قد ضرب  التشبيه الأقل لنوره.

..

استطاع الشاعر في رده الحصيف أن يحوزعلى ثقة الخليفة، ويقال إنه أصبح واليًا على المَوصِل جزاءً على سرعة بديهته.

قيل: أخذ الكندي الرقعة التي كان قد دوّن فيها القصيدة، فلم يجد فيها هذا الرد المفحم فقال متفرسًا:

 "إن هذا الرجل لن يعيش طويلاً، لأنه ينحِت من قلبه".

(انظر: ابن رشيق- العمدة، ج1، ص 167- باب البديهة والارتجال.)

 

على ذلك، صدقت فراسة الكِنْدي، حيث توفي أبو تمام عن ثلاث وأربعين سنة (188- 231 هـ).

..

لكن ثمة دفاع عن الشاعر، وقد يكون ردًا على الكندي:

لقد أبدع  الشاعر في الجمع بين مشاهير في أكثر من ميدان- في أقدام عمرو بن مَعْديكَرِب وفي حِلم أحْنف بن قيس، وفي ذكاء إياس القاضي وفي جود حاتِم الطائي، وكلٌّ قمة في الفضل والسؤدد، فهم ليسوا أجلاف العرب كما زعم الزاعم، بل  إن الممدوح جُمع في مفرد، أو أن الله جمع في الممدوح ما فرّقه على غيره من عظماء الرجال، فقد جمع فيه من أحاسن الصفات ما لم يجتمع لغيره،  أو كما وصف أبو نواس:

ليس على الله بمستنكر ***  أن يجمع العالَم في واحد

..

يذكر ابن خَلِّكان القصة، ويروي الرواية التي تقول إن الممدوح هو الخليفة المعتصم، (وليس ابنه أحمد) وكان الوزير حاضرًا.

يعلّق ابن خَلِّكان على هذه القصة، فيقول:

"هذه القصة لا صحة لها أصلاً"

يقول في مادته عن أبي تمام (وفَيات الأعيان، ج2، ص 14-16):

 

"إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس

 قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟

 فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس

..

 فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يومًا، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر.

 فقال له الخليفة: ما تشتهي؟

 قال: أريد المَوْصِل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات.

 وهذه القصة لا صحة لها أصلاً."

..

يمضي ابن خلكان في ترجمته لأبي تمّام، ويقول:

"وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب "أخبار أبي تمام" ( ص 231- 232 ف.م)، أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله: إقدام عمرو - البيت المذكور - قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف، وكان حاضرًا:

 الأمير فوق من وصفت.

 فأطرق قليلاً، ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أخِذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعته وفطنته.

ولما خرج قال أبو يوسف، وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريبًا. ثم قال بعد ذلك: وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء، والصحيح هو هذا."

يقول ابن خلكان:

"وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها.

 والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء، بل مدح بها أحمد بن المعتصم، وقيل أحمد بن المأمون، ولم يلِ واحد منهما الخلافة."

...

وردت في (المُوشَّح، ص 366) للمرزَباني رواية أخرى، أن الإلقاء كان أمام الكندي لما سأله:

"أنشدني أقرب ما قلت عهدًا"، فأنشد قصيدته التي يقول فيها:

إقدام عمرو ....

فقال له الكندي:

 ضربت الأقل مثلاً للأعلى، فأطرق أبو تمام، ثم قال على البديهة....(البيتين)".

..

ثم يذكر المَرزَباني رواية الصُّولي، بأنه ألقى قصيدته على أحمد بن المعتصم، ويضيف:

 "فقال له الكندي وكان حاضرًا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق ما وصفت، فأطرق قليلاً ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها- لا تنكروا ضربي له من دونه، وذكرهما، قال: فعجبنا من سرعته وفطنته."

...

هناك من يرى أن البيتين كان أبو تمام قد أعدهما مسبقًا لحالة "الطوارئ"، فقد توقع أن يعترض ناقد من بين الحضور، وحتى لو صح ذلك فهذا أيضًا ذكاء شديد- أن يأخذ للأمر أهبته.

..

ثم إن الشك في صحة القصة لا ينفي جمالها، ولا يقلل من أهمية البديهة والارتجال، والبيتان بليغان حقًا في وجه التخلص، وفي هذا التشبيه الضمني الرائع.

 

 

ب. فاروق مواسي

 

 

 


ميساء زيدان ترسم بالكلمات لوحة شعرية تتعامل ببساطة ممتعة مع العالم، تكتب عن المرأة وتدافع عن حقها في الحياة وعن دورها في مجتمع تطغى عليه الذكورية بنص شعري

في بلادنا العربية اليوم نعيش فوضى وإرهابا وأحلاما ضائعة. حسب رأيميساء زيدان  هل كتابة الشعر في مثل هذه الظروف مجدية؟ فكان رد الشاعرة “كتابة الشعر في هذه الظروف واجبة. شهادتنا على ما يحدث من خلال تأثير الوضع السياسي علينا نحن كأفراد، تأثير ذلك على الرجال على النساء والأطفال.

 ميساء زيدان ناقشت قضية المرأة، وناقشت ازدواجية الرجل الشرقي في وطنه وفي أميركا عندما يكون المحك لإثبات ذلك. المرأة العربية لا تقل قيمة عن المرأة الغربية، فعلى الرجل أن يضع ميراثه المجتمعي الرجولي عن كاهله؛

ليست القصيدة في  الشاعرة ميساء زيدان سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.

التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

هذا نوع من الكتابة لا يحتمل تورية بمعنى، هي تعرف بالضبط أن هذه الشحنة من العطش لا تحتاج إلا لنوع من الملامسة الحانية فتعود التويجات ثانية للتفتح . أفكر بكل ما يحيطنا وصباح تكتب في أثناء الوجع، في أثناء التجربة فأعرف أن الألم، ألم الاشتياقات الصاعق حضر وأتخذ هذا المنحى من الأسى الشفيف. الولع هنا في قصائدها

 كالوداع يبدو مرهقا مهلكا جدا لكنني لا اسمع أي نوع من الحسرات

 

السفير الدكتور غازي أبو كشك